English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الأنبياء ( 21 ) التاريخ : 29/ 04/ 1988- الدرس [2/8] ـ الآيات : 7 - 16 - لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنين ... وصلنا في الدرس الماضي الذي كان الدرس الأول من سورة الأنبياء ، وهذا هو الدرس الثاني ، وصلنا إلى قوله تعالى :

بشرية الأنبياء خالصة

فقد شاءت مشيئة الله سبحانه وتعالى أن يكون الأنبياء الذين ينقلون للبشر رسالات ربهم ، أن يكونوا من بني البشر ، وأن يكونوا رجالاً على وجه الخصوص ، أما أن يكونوا من بني البشر فلأن الأنبياء لو كانوا ملائكة لما أقيمت الحُجَّة على بني البشر ، ولأن أيّ أمرٍ أو أيّ نهيٍ ينطق به هؤلاء الملائكة الأنبياء لقيل لهم : أنتم ملائكة ، ونحن بشر ، نحن أودع الله فينا شهوات ونزوات ، فلذلك هذا الكلام ليس واقعياً ، وأنتم حالمون ، ولكن مشيئة الله سبحانه وتعالى شاءت أن يكون الأنبياء من بني البشر ، فمعنى من بني البشر أنهم يحسون إحساس البشر ، ويرضون كما يرضى البشر ، ويغضبون كما يغضب البشر ، وأن الله أودع فيهم شهواتٍ كما أودعها في البشر ، وأودع فيهم طموحاتٍ كما أودعها في البشر ، فالأنبياء من بني البشر .

( سورة الكهف : من آية " 110 " )

       فلماذا تفوق الأنبياء ؟ ولأنهم بشر ، لو أنهم ملائكة لما تفوقوا ، لأنهم من بني البشر ، وقد أودع الله فيهم كل الشهوات التي أودعها في بني البشر ، ولكنهم ضبطوا هذه الشهوات ، وارتقوا إلى رب الأرض والسماوات ولذلك تفوقوا .

      أيها الإخوة الأكارم ، لكن الأنبياء فعلاً كانوا من بني البشر ، وكانوا رجالاً ، فليس في تاريخ النبوة امرأةٌ أرسلها الله نبيةً ، لاعتباراتٍ كثيرة فَصَّلَها علماء العقيدة ، ولكن أراد الله عزَّ وجل أن يؤكِّد للناس أن هؤلاء بشر على الرغم من المعجزات التي أجراها على أيديهم ، ومن الكتب التي أنزلت عليهم ، جعلهم بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق .

       أما انهم يأكلون الطعام فلإظهار عبوديتهم لله عزَّ وجل ، فالإنسان من دون طعامٍ أو شراب يقضي نَحْبَهُ ، وهو مفتقرٌ إلى الطعام والشراب ، مقهورٌ بالطعام والشراب ، ولولا الطعام والشراب لما مشى إنسانٌ على وجه الأرض .

      وأما أنهم يمشون في الأسواق فلأنهم مفتقرون إلى الطعام والشراب ، ومفتقرون إلى كسب الطعام والشراب ، فالمشي في الأسواق تعبيرٌ عن كسب الطعام والشراب ، والطعام والشراب تعبيرٌ عن افتقار الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى ، ولذلك لا ينبغي للإنسان إلا أن يكون طبيعياً ، فعن أبي أمامة قال : قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( مَنْ حَمَلَ بِضَاعَتَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ )) .

[البيهقي في شعي الإيمان]

       إنّه لا يغضّ من شأنك أن تأكل أمام الناس ، لكن ليس من المروءة أن تأكل في الطريق ، ولكن إذا كنت تأكل فهذا لا ينقص من قدرك عند أحد ، فالأنبياء يأكلون ، وأن تجوع فالأنبياء يجوعون ، وأن تعطش فالأنبياء يعطشون ، وأن تغضب إذا انتهِكَت حرمةٌ من حرمات الله فالأنبياء كذلك ، ولا يغضُّ من شأنك أن تكون عبداً لله ، تأكل ، وتشرب ، وتشعر بحاجةٍ إلى النوم ، هذا الجسد له قوانين ، وهذا الجهاز العَصَبِيّ لابدَّ من أن يرتاح ، فالنوم من خصائص بني البشر ، لكن هناك نومٌ طبيعياً ،  ونومٌ يُعَبِّر عن كسلٍ شديد ، فمن أمضى عمره بالنوم أتى يوم القيامة مُفْلِسَاً ..

( سورة الذاريات :17-18)

(( وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ )) .

( من سنن الترمذي عن عثمان بن عفان )

انفراد الأنبياء عن البشر بصفة النبوة

       والنقطة الدقيقة أن الله سبحانه وتعالى كي يقيم الحُجَّة علينا جعل هؤلاء الصفوة المختارة من الأنبياء من بني البشر ، وجعلهم من طبيعةٍ واحدة ، ومن نفسٍ واحدة ، فإذا تفوَّقوا فبفضل صدقهم ، وانضباطهم ، وشوقهم ، واعتمادهم على الله سبحانه وتعالى .

صحيحٌ أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أمياً ؟ ولكنه يوحى إليه ، وحينما يوحي إليه الله سبحانه وتعالى فهو أعلم علماء الأرض ، لأن خالق ومُبدع الكون يوحي إليه ، إذاً هذه أعلى مرتبةٍ علمية ينالها مخلوقٌ على وجه الأرض ، فالأنبياء علمهم من الله سبحانه وتعالى ، وعلم الناس كَسْبِيّ ، فقد تدرس في جامعة ، وقد تقرأ كتاباً ، وقد تستمع إلى درسٍ فتفهم بعضه أو لا تفهم ، وقد يكون الدرس صحيحاً أو غير صحيح ، فعلم البشر كَسْبِيّ ، ولكن علم الأنبياء من قبل الله سبحانه وتعالى ، إذاً :

معاني الآية :

هذه الآية لها معنيان :

المعنى الأول : المعنى السياقي :

المعنى السياقي المُستنبط من سياق الآية : لو أن هذه الآية نزعتها من بين أخواتها فلها معنى آخر ، فمعناها السياقي : اسألوا أهل الكتاب ، اسألوا من أوتوا الكتاب من قبلكم ، كيف كان أنبياؤهم جميعاً من بني البشر ، وكانوا رجالاً ..

يا أهل مكة ، يا كفار مكة أتعجبون أن الله سبحانه وتعالى أرسل إليكم رسولاً من أنفسكم ؟! من بني جلدتكم ؟ ومن جنسكم ؟ بشراً مثلكم ؟ رجلاً ؟ أتعجبون ؟!!

اسألوا أهل الكتاب كيف أن أنبياءهم جميعاً كانوا من بني البشر ، هذا هو المعنى السياقي .

المعنى الثاني : معنى طلب العلم وسؤال العلماء في الدين والدنيا :

      ولكن المعنى الآخر الذي يمكن أن يكون معنىً دقيقاً جداً ، هو أن هذه الآية قاعدةٌ في طلب العلم :

وهم العلماء ..

التعقيب اللطيف : أن السؤال الذي أباحه الله سبحانه وتعالى أن تسأل إن كنت لا تعلم ، ففي حالةٍ واحدة يباح لك السؤال ، وتكون في نظر الله كبيراً ، ونصف العلم لا أدري ، والسؤال نصف العلم ، ومفتاح العلم السؤال ، أما أن تعلم الحقيقة ، وتسألها لتمتحن الآخرين ، فهذا السؤال لا يرضي الله عزَّ وجل ، أن تسأل من أجل أن تحرج المسؤول ، أو أن تُظْهِرَ علمك ، أو أن توقع فتنةً بين عالمين ، أو أن تعرض عضلاتك العلمية أمام الآخرين ، أو من أجل التَعَالُم ، كل هذه الأهداف رخيصة لا قيمة لها ، لكن الله سبحانه وتعالى يقول :

فالحقيقة التي لا تعرفها اسأل عنها ، وليس العار أن تكون جاهلاً ، بل العار أن تبقى جاهلاً ، والله سبحانه وتعالى في كل عصرٍ وفي كل مصرٍ سَخَّرَ أُناساً لتعليم الخلق ، فهؤلاء مسخَّرون من قِبَلِ الله سبحانه وتعالى ، جعلهم في خدمة عباده ، فاسألوهم ، من استشار الرجال استعار عقولهم ، وقبل أن تُقْدِمَ على هذا الزواج ، أو على هذه الشركة ، أو على هذه التجارة ، أو أن تتورَّط في هذه السفرة ، أو أن تقترف هذه المعصية بحجة أنك مُضَّطر ، وفي الحقيقة لستَ مضَّطراً ، وهذا الذي تدعيه ليس ضرورةً ، والضرورة حددها العلماء ، فلماذا لا تسأل ؟ ولماذا تضن أن تسأل سؤالاً ، وتأخذ رأي الشرع فيه ، وتأخذ رأي القرآن فيه ؟ فالله سبحانه وتعالى جعل هؤلاء ـ أهل الذكر ـ في خدمة الخلق ، وقال لعباده :

أيجوز أن أفعل هذا ؟ أيُرضي الله أن أقترف هذا ؟ أيرضي الله أن أُطَلِّقَ امرأتي ، ولهذه الأسباب ؟ يقول لك : لا يرضي الله ، فهذه الأسباب ليست كافية ، أيرضي الله أن أعمل بهذه التجارة ؟ أيرضي الله أن أتعامل بهذه البضاعة ؟ أيرضي الله أن أُشارك فلاناً ؟ .

ما معنى هذه الآية ؟ قرأت هذه الآية فشعرت أن الله لا يريد أن يهدي عباده ..

 

( سورة السجدة : من آية " 13 " )

       تسأل : ما معنى هذه الآية ؟ إذا قرأت الآية ، وكانت من المُتَشَابهات ، ولم تشعر أن لها معنىً يستقيم مع كمال الله سبحانه وتعالى فلا تبقَ ساكتاً ، اسأل عنها ، فلعل الله سبحانه وتعالى يلهم المسؤول أن ينطق بالحق ، فيشفي صدرك من هذا التساؤل ، وهذه الحيرة .

فحينما تسأل يأتيك جواب الشرع ، إن سألت فقيهاً يأتِك رأي الفقه ، وإن سألت عالماً بالتفسير أتاك بتفسير الآية الصحيح ، وإن سألت عالماً بالحديث أتاك بمعنى الحديث الصحيح ، وإن سألت عالماً بالعقيدة أتاك بالاعتقاد الصحيح ، فلماذا تسكُت ؟ ولماذا تجعل نفسك نُهْبَةً للمخاوف ، أو للأفكار الخاطئة ، أو للعقائد الزائغة ، أو للتُرُّهات الباطلة ؟ لماذا ؟

هذا في أمر دينك ، وفي أمر دنياك ، اسأل أهل الخبرة في كل موضوع ، وقبل أن تقدم على فتح هذا المحل اسأل : هل مناسبٌ مكانه في هذه المنطقة ؟ وقبل أن تفعل شيئاً مَصيرياً في حياتك اسأل أهل الإيمان ، والخبرة في وقتٍ واحد .

وإجابتهم ليست ملزمة ، خذ منهم ، ووازن بين أقوالهم وبين ما تعرف ، فإن جاؤوك بالرأي الصحيح مُدَعَّمَاً بالآية الكريمة ، وتفسيرها الصحيح ، وبالحديث الصحيح ، وبرأي العلماء من السلف الصالح ، عليك أن تنفِّذ هذا الرأي الصائب ، فهذه الآية أصلٌ في طلب العلم ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنما العلم بالتعلم ، وإنما الحلم بالتحلم ، وإنما الكرم بالتكرم )) .

[الطبراني في المعجم الأوسط (2663) عن أبي الدرداء]

       ما من إنسانٍ وُلِد عالماً ، وثمة رجُلان لا يسألان ؛ المُستحي والمتكبِّر ، المتكبر لا يسأل لئلا يظهر جهله ، لأن نفسه وكِبْرَها أغلى عليه من الحقيقة ، ولكن المؤمن يسأل ، فإذا سأل عن موضوعٍ ما ، لا ينتقص هذا من قدره ، يبقى في أوج مكانته ، لأنه يسأل عن الحقيقة ، وطلب الحقيقة مقدسٌ عند الله سبحانه وتعالى ، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع .

شيءٌ آخر ، لكن السؤال المبني على الإيقاع بين المسؤولين ، وعلى إظهار العلم ، وعلى الإحراج ، وعلى التضييق ، وعلى التعالُم والتفاخر ، وعلى إضاعة الوقت .

       قال رجل للنبي e :

(( يا رسول الله جئتك لتعلمني من غرائب العلم ، فقال عليه الصلاة والسلام لهذا الأعرابي :  وماذا صنعت في أصل العلم ؟ ، قال : وما أصل العلم ؟ قال :  هل عرفت الرب ؟ - هذا هو أصل العلم - فقال : ما شاء الله ، قال : " فماذا صنعت في حقه ؟ - إن كنت قد عرفته فأيّ ما الموقف الذي وقفته بناءً على معرفة الله سبحانه وتعالى ؟ قال : هل عرفت الموت ؟ قال : ما شاء الله ، قال : فماذا أعددت له ؟ ، ثم قال له : اذهب فأحكمْ ما هنالك ، ثم تعال لأعلمك من غرائب العلم )) .

[أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن المسور]

السؤال في المهمات لا السفاسف

       لا تسأل عن التوافه وعن الجُزئيَّات ، بل اسأل عن المعضلات ، وعن جوهر الدين ، وعن حقيقة الدين ، وعما يرضي الله سبحانه وتعالى ، فلذلك السؤال نصف العلم ، والسؤال مفتاح العلم .

أهل الذكر ليس معصومين

أهل الذكر أيضاً ليسوا معصومين ، هذه نقطة مهمة جداً ، فالله سبحانه وتعالى عَصَمَ الأنبياء من أن يقعوا في غلطٍ في إبلاغ العلم ، وغلطٍ في سلوكهم ، لأنهم قدوة ، إنك مطالبٌ أن تتابعهم ، فإذا وقعوا في غلط ، وتابعتهم فكأن الله يأمرك بالمعصية ، وما دام الله قد عصمهم من الزلل والخطأِ في نقل العلم ، وفي اتباع الدليل فإنهم معصومون في أقوالهم وأفعالهم ، وفي تبليغِ رسالات ربهم ، لذلك عليك أن تتابعهم ..

( سورة الحشر : من آية " 7 " )

قولاً واحداً ، ولكن ما سوى الأنبياء فليسوا معصومين ، لكن لا يعقل أن يخطئ العالم خطأً فاحشاً ، فإذاً ليس هو بعالم ، فهناك أصول للإسلام كبيرة ، وهناك مسلَّمات ، وهناك أركان الإيمان ، وأركان الإسلام ، وهناك أساسيَّات ، ولكن العالم ليس معصوماً عن أن يغلط في أمورٍ جُزئيةٍ ، وليس هذا الغلط مقصوداً ، فيجب أن ينزَّه العالمُ عن الغلط في الأمور الكبيرة ، وعن الغلط المقصود ، هو فوق ذلك ، العالم محفوظٌ وليس معصوماً ، ومعنى أنه محفوظٌ أيْ لا يضرُّه خطؤه ، فما سوى الأنبياء ، وما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس ، نبيٌ كريم لا ينطق عن الهوى ، وما جاء عن أصحابه فعلى العين والرأس لأنهم سمعوا منه الحقيقة ، وما جاء عن سواهم فنحن رجالٌ وهم رجال ، لابدَّ من الدليل .

الأدلة على عدم عصمة العلماء

      خطب سيدنا أبو بكرٍ رضي الله عنه خُطبةً تُعَدُّ أساساً في هذا الموضوع ، قال : << أيها الناس ، إني قد ولِّيتُ عليكم ولست بخيركم ، إن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوِّموني ، الصدق أمانة والكذب خيانة ، الضعيف فيكم قويٌ عندي حتى آخذ الحق له ، والقوي فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذ الحق منه ، أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم >> .

إنّ الطاعة العمياء ليست واردة إطلاقاً ، أي : راقبوني ، وقيسوا أحكامي على أحكام الشريعة ، فإن وافقتها فأطيعوني ، وإن خالفتها فلا تطيعوني ، لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق  .

       ليس هناك بعد الأنبياء إنسان مؤهَّلٌ أن تطيعه على عمى ، لا ، فهناك دستور ، وهو القرآن ، وهناك شرع ، فلذلك ما الذي أهلك بعض الناس ؟ أنهم تابعوا من يعلِّمونهم على عمى من دون دليل ..

( سورة الأنعام : من آية " 148 " )

       هذا هو الدليل ، لا ينبغي أن تستمع إلى فكرةٍ من دون دليل ، وهذا دليلٌ نقلي من كتاب الله ، قطعيّ الثبوت ، وقطعي الدلالة ، ودليلٌ نقلي من سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما صَحَّ من سنة رسول الله ، دليلٌ عقلي ودليلٌ واقعي ، وإذا تضافرت الأدلة النقلية من الكتاب والسنة مع الأدلة العقلية ، ومع الأدلة الواقعية فعندئذٍ يجب أن تأخذ بهذا الكلام ، أما أن تتبع أهواء الناس ، فلا تقرأ مثلاً مقاله يقول لك : " هذا الدواء يطيل العمر " ، وهذا خلاف القرآن ، فلو أن الإنسان يكتب ضبطاً لكل ما يسمع ، من قصص ، ومن أفكار ، ومن مقالات ، ومن كلام ، إذا قاس هذا الكلام كله بكلام الله سبحانه وتعالى فربما ألقى وراء ظهره أربعة أخماس ما يسمعه ، لأنه كلامٌ خلاف القرآن ، وخلاف الحديث الشريف ، أهذا هو المنهج ؟

       قلت لكم سابقاً : لو أن إنساناً اقتنى آلةً بالغة التعقيد ، غالية الثمن ، عظيمة النفع ، تراه يبحث عن كُتَيِّبٍ تصدره الجهة الصانعة ، في هذا الكتيِّب تعليمات الاستعمال ، وطرق الصيانة ، إنه حريصٌ حرصاً بالغاً على اقتناء الكتاب ، ترجمته ، وعلى فهمهِ ، وعلى تنفيذ تعليماته بدقةٍ متناهية .

       إنه القرآن ، أنت الآلة ، وهذا هو القرآن ، والإنسان أعقد آلةٍ على وجه الأرض ، له جسدٌ معقدٌ جداً ، فكيف يصونه ؟ وكيف يعيش به سليماً معافىً ؟ له نفسٌ دقيقةٌ جداً ، فكيف يضمنُ صحتها ؟ وله عقلٌ خطيرٌ جداً ، وكيف يضمن صوابه وعدم تزويره ؟ إنه القرآن ،

( سورة الإسراء : من آية " 9 " )

( سورة البقرة : 38)

( سورة طه :123)

( سورة النحل :97)

       فالإنسان ليس له حق أن يتلقى معلومات غير مُدَعَّمَة بالأدلة ، فإذا قبِل هذه المعلوماتٍ ضل وأضَل ، وهلك وأهلك ، فكثير من التوجيهات في التجارة والصناعة ، والسكنى  والاختلاط ، والعلاقات الاجتماعية ، توجيهات عامية لا أساس لها من الصحة ، إنها توجيهات جاهلية مدمِّرة ، ينبغي لك أن يكون توجيهك من الله عزَّ وجل ، من هذا الكتاب الذي هو منهجك تسير عليه ، فيقيك الخطأ ، والزلل ، والعطب ، والعبث ، هذا الكتاب منهجٌ فيه مبادئ سلامتك ؛ سلامة الجسد ، والنفس ، والعقل ، هذا الكتاب فيه مبادئ سعادتك في الدنيا والآخرة ، وفيه تنظمٌ لعلاقاتك كلِّها ، مع نفسك ، وربك ، وأهلك ، وأولادك ، جيرانك ، ومن هم أعلى منك ، ومن هم أدنى منك ، إنه دستور دقيق جداً .

        فلذلك سيدنا الصديق رضي الله عنه ، قال : << أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >>  .

أي أنتم يا أصحابي ، فدققوا في تصرُّفاتي ، فإن جاءت مطابقةً لكتاب الله ولسنة النبي فأطيعوني ، وإلا فلا تطيعوني .

إذا كان العلماء هكذا ، وكان المسلمون في وعيهم هكذا ، لعاش الناس حياةً صحيحةً معافاةً سليمةً من كل ضلالة ، أما إذا قبِلنَا أفكاراً من دون دليلٍ نقلي ، ومن دون دليلٍ عقلي ، أو دليلٍ واقعي فعندئذٍ وقعنا في الضلال .

لكن الأنبياء معصومون ، والعلماء غير معوصمين ، متى يجب أن تتابع العلماء ؟ إذا وجَّهوك توجيهاً ، ودعَّموه بالكتاب والسنة ، أي أنهم نقلوا عن المعصوم ، هم ليسوا معصومين ، ولكن إذا نقلوا عن المعصوم لزِمَكَ أن تأخذ بتوجيهاتهم ، وسألته عن الربا فقال الله عزَّ وجل :

( سورة البقرة : من آية " 276 " )

       يقول لك : أخي العالم غير معصوم ، لا الآن صار معصوماً ، عصمته الآية ، نقل لك عن الكتاب القطعي الثبوت القطعي الدلالة ، ونقل لك عن كلام النبي الكريم ، فلذلك النقطة دقيقة جداً .

أي أن الله عزَّ وجل سخَّر العلماء لخدمة خلقه ، هم مسخَّرون لخدمة الخلق ، فلا تقدر أن تقابل أي إنسان لتأخذ خبرته إلا بمبلغ كبير ، فالأطباء ، والمحامون ، والمهندسون ، والمستشارون الماليُّون ، لا تقدر أن تلتقي معهم إلا نظير أسعار مُسْبَقَة ، ولكن العلماء الذين سخَّرهم الله لخدمة الخلق هؤلاء يرجون وجه الله سبحانه وتعالى ، فاسألهم ولا تقع في حيرة ، ومعصية ، وشك ، وضلالة ، ولا تعتقد اعتقاداً خاطئاً زائغاً..

حاجة الأنبياء إلى الطعام والشراب

فقد كان من الممكن أن يكون الأنبياء بشراً مثلنا ، لكن مُعفَوْن من تناول الطعام ، فلا يجوعون ، فإذا جاء شهر الصيام يقول لك : هنيئاً  للنبي ، فهو لا يجوع ، ونحن نجوع ، لكنه يجوع مثلك ، ويعطش مثلك ، إنهم لهم أجسادٌ كأجسادنا ، فالقوانين التي تحكم أجسادهم تحكم أجسادنا ، ومن هنا جاءت عظمتهم ، لأنهم من بني البشر هم عُظماء ، لأنهم تفوَّقوا على أبناء جلدتهم .

 ( سورة الزمر :30)

( سورة الرحمن :27)

 

       لما سمع الملائكة هذه الآية استبشروا وقالوا : " الحمد لله نحن لسنا عليها " ، فجاء قوله تعالى :

( سورة القصص : من آية " 88 " )

       إذاً :

كل بن أنثى وإن طالت سلامته    يوماً على آلة حدباء محمولُ

فإذا حـملت إلى القبور جنازة     فاعلم بأنك بعـدها محمولُ

*  *  *

لا خلود للأنبياء

وسيدنا عمر لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام قد مات لم يحتمل هذه الصدمة ، فشهر سيفه وقال : << من قال : إنه مات فسأعلوه بهذه الدرة >> ، وسيدنا الصديق استوعب كلام الله كله :

( سورة آل عمران :144)

       فسيدنا أبو بكر ذَكَّرَ عمر بهذه الآية فتراجع عن موقفه ،

(( فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ ، قَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا )) .

[متفق عليه عن عائشة]

       فالأنبياء يأكلون ويشربون ، ويجوعون وينامون ، ويشعرون بالحَر والقرّ ، وبالتعب ، ولا يُخَلَّدون ، يموتون كغيرهم من بني البشر .

تصديق الله لوعد الأنبياء

إنّ الأنبياء جاءوا بوعدٍ ووعيد ، والله سبحانه وتعالى صدَّقهم ، أي أنجز لهم ما وعدهم ، وسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام نزل من الطائف ولم يلق إنسانٌ على وجه الأرض من المتاعب والمصائب مثل ما لقيه ، ذهب إلى الطائف على قدميه ، مشى مئةً وعشرين كيلو متراً ، ودعاهم إلى الإيمان بالله عزَّ وجل ، والإيمان بنبوَّته ، فردُّوه شر رد ، وجاءه جبريل فقال : " يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين " ، قال : " يا أخي ، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحِّد الله " .

       ومع ذلك قال له أحدهم : (( لو أن الله بعثك أنت نبياً لمزَّقْتُ أثواب الكعبة " ، وقال آخر : لم يجد الله رجلاً غيرك يبعثه نبياً ؟ وقال ثالث : إن كنت كما تقول فأنت أعظم من أن تكلِّمنا ، وإن كنت كذَّاباً فنحن أعظم من أن نكلمك ، هكذا حدَّثوه في الطائف ، ومع ذلك عاد إلى مكة ، وقد شمت به كفار مكة ، فلما سئل ، قال : إن الله ناصر نبيه ، ألم ينصره الله عزَّ وجل ؟ ألم يُعلِ رايته ؟ ألم يجعل كلمته هي العُليا ؟ ألم تفتح مكة تحت رايته ؟ ألم يجعل كفار مكة في قبضته ؟ قال : ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا : أخٌ كريم وابن أخٍ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطُلَقَاء )) .

( سورة الفتح :3)

       فالله سبحانه وتعالى وعده قطعي الثبوت ، فإذا الله عزَّ وجل وَعَدَ مؤمناً .

( سورة القصص :61)

       أي أن الله عزَّ وجل إذا وَعَدَ المؤمن فكأن هذا الوعد قد تحقق ، في حكم الواقع .

( سورة النحل :1)

       هذه آيةٌ عجيبة ، كيف أنه أتى ثم لا تستعجلوه ؟ معنى ذلك أنه لم يأت ،  فالاستعجال لشيء لم يأت بعد ، والإنسان يستعجل قدوم الصيف قبل أن يأتي الصيف ، ويستعجل قدوم الشتاء قبل أن يأتي الشتاء ، فكيف يقول الله عزَّ وجل :

       بعدئذٍ :

       أيْ  :لم يأت ، ولكن الله سبحانه وتعالى نظراً لأن وعده مَأْتيٌ حقاً ، ولأن زوال السماوات والأرض أهون على الله من أن لا يأتي وعده ، إذاً يُعَبِّرُ الله سبحانه وتعالى عن شيءٍ سيكون بالماضي ، أي سيأتي أمر الله فلا تستعجلوه ، قال :

أي أن الله عزَّ وجل وعد المؤمن بالحياة الطيبة ، ووعد المُعِرِضَ بالحياة الضنك ، وبالمعيشة الضنك ، والمستقيم بالتوفيق ، والخائن بالفَضيحة ، والزاني بالفقر ، والقاتل بالقتل ، هذه كلُّها مواعيد لابدَّ أن تتحقق .

فأصحاب موسى كانوا معه ، وفرعون وجنوده وراءهم ، والبحر أمامهم ، فكلما اقتربوا من البحر اهتزَّت وعود سيدنا موسى عندهم ، إلى أن قالوا :

( سورة الشعراء :61)

       هذا البحر وهذا فرعون ..

( سورة الشعراء :62)

       فربنا عزَّ وجل جعل البحر طريقاً يبساً ، فمشى فيه بنو إسرائيل ، فلما خرجوا منه تبعهم فرعون ، فلما كان في وسط البحر أعاده الله بحراً ، فأغرقه ومن معه تحت سمعهم وبصرهم ، فهذه قدرة الله سبحانه وتعالى ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ والله هو هُو في كل زمان وفي كل مكان ، الإله الذي جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم الآن موجود ، والإله العظيم الذي جعل البحر ينفلق كالطود العظيم هو هوَ ، موجود الآن ، معنا ، وهو معكم أينما كنتم فادعوه ، الدعاء سلاح المؤمن ، اسأله خير الدنيا والآخرة ، اسأله أن يحفظك من كل مكروه ، واسأله التوفيق ، وزوجةً صالحة ، ومأوى تسكنه ..

(( إن الله يحب المُلحين في الدعاء )) .

[القضاعي في مسند الشهاب عن عائشة]

(( من لا يدعني أغضب عليه )) .

(( لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ ، وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ )) .

( من سنن الترمذي عن أنس)

       هكذا ..

الذين أسرفوا على أنفسهم ، أهلكهم لأنهم لم يتوبوا ، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الزمر : من آية " 53 " )

       إذاً : حتى المُسْرِف لو أنه عاد في الوقت المناسب لغفر الله له .

أي أن الكتاب إذا طبَّقتموه ، وأخذتموه بقوةٍ ، وجعلتموه دُستوراً لكم في حياتكم ، ووعيتموه ، وتدبَّرتموه ، وجعلتموه أساساً لعلاقاتكم ، فالله سبحانه وتعالى يرفع به ذكركم ..

( سورة النور : من آية " 55 " )

       ألم يقل الله عزَّ وجل :

( سورة الشرح :4)

       أي أنت مجدُك في هذا الكتاب ، فإذا طبَّقته رفعك الله به ، ورفع الله لك شأنك ، وقرَّبك منه ، وجعل لك عنده مكاناً عظيماً ، جعل لك مقعد صدقٍ عنده .

الحياة الناجحة باتباع الشرع الحكيم

الزواج الناجح في تطبيق هذا الكتاب ، والتجارة الناجحة في تطبيقه ، فالتجارة لا يوجد فيها كذب ، ولا غش ، ولا إساءة ، ولا بضاعة محرَّمة ، ولا مخالفة مع قواعد الشرع في التعامل ، فالله سبحانه وتعالى يجعلها رائجة وتعيش منها حياةً كريمة ، في كل عمل ، وفي كل علاقة ، وفي كل مَيْدَان وحقل وتصرُّف ، وكل موقف إذا طبقت هذا الكتاب رفع الله لك ذِكْرَك .

القصم عاقبة المخالف للشرع

القصم مرتبط بالظلم .

( سورة النحل :112)

      

هذا الفَزَعُ الأكبر .

      

البطولة معرفةُ حقيقةِ الحياة الدنيا قبل فوات الأوان

ارجعوا إلى حياتكم المترفة ، الظالمة ، وإلى مساكنكم التي تنافستم في تزيينها ، فماذا تنفعكم الآن ؟ الله سبحانه وتعالى يذكِّرهم بظلمهم ، ويذكرهم بحبهم للدنيا ، ويذكرهم بإعراضهم عن الله سبحانه وتعالى .

الآن ؟ بعد فوات الأوان ؟ وبعد أن جاء العقاب الذي لا مردَّ له ؟ ليست هذه بطولة ، إنما البطولة أن تعرف مقامك قبل فوات الأوان ،  وأن تعرف الله في الرخاء ، وما من مخلوقٍ على وجه الأرض إلا ويعرف الله في الشِدَّة ، وأي إنسان ، فليركب الإنسان طائرة الآن ، وليُعلن ربَّانها أنها في خطر ، فلو أتيح لإنسان أن يرى وجوه الركاب كلهم يقول : يا رب ، لا يصلون ، ولا يصومون على الأرض ، ولكنهم في الطائرة يا رب نعاهدك على التوبة ، كل إنسان إذا جاءه الخطر يتوب إلى الله ، ولكن البطولة أن تعرفه في الرخاء ، "عبدي اعرفني في الرخاء أعرفك في الشدة  " ، أما إذا عرفته في الشدة ، فرعون نفسه وهل من إنسانٍ أشد كفراً منه ؟ هو نفسه قال :

( سورة يونس : من آية " 90 " )

       قاله له :

( سورة يونس : من آية " 91 " )

       الآن ؟ بعد فوات الآن ؟ طبعاً كل طالب يعرف الإجابة الصحيحة بعد الامتحان ، سيأتي السؤال ، فلا يحسن الجواب ، فيأخذ صفراً ، ويذهب إلى البيت ، ويفتح الكتاب فيعرف الإجابة ، ولكن متى عرفها ؟ بعد فوات الأوان ، لا قيمة لهذه المعرفة .