English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الأنبياء ( 21 ) التاريخ : 06/ 05/ 1988- الدرس [3/8] ـ الآيات : 16 - 22 - لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من سورة الأنبياء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

 

       

حقيقة اللعب وتنزيه الله تعالى عنه

الحقيقة التي لا ريب فيها أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما لَعِبَاً ، إذا عرفنا معنى اللَّعب فهمنا الآية ، اللعب هو العمل الذي لا طائل منه ، والذي لا هدف له ، والذي لا يستقِّرُ ولا يستمر ، والذي ليس وراءه هدفٌ كبير ، فجلَّت عظمة الله سبحانه وتعالى ، وجلَّت حكمته ، وجلَّت قدرته ، وجلَّت أسماؤه الحسنى وصفاته الفُضلى عن أن يخلق السماوات والأرض لعباً ، لم يخلقهما لعَبِاً ، ولم يخلقهما باطلاً ، إنما خلقهما بالحق .

الحكمة من خلق الإنسان

        لو أردنا أن نتوقَّف قليلاً ، ونعود إلى أنفسنا ، كلٌ منَّا موجودٌ على هذه الأرض ؛ في المكان الفلاني ، والبلد الفلاني ، والبيت الفلاني ، وله معطيات ، يا تُرى أليس من المهمِّ جداً أن يعرف الإنسان لماذا هو على وجه الأرض ؟ ولماذا هو مخلوق ؟ الله سبحانه وتعالى حينما خلقه لماذا خلقه ؟ هل ليعذِّبه ؟ قد يقول قائل : ليس في الأرض كلها إنسان مستريح إنها ؛ هموم ، ومشكلات ، وظروف صعبة ، ومتاعب ، ومُنْزَلَقات ، وأمراض ، وأوبئة ، وهم ، وحزن ، فهناك مشكلة كبيرة فقبل أن تتحرَّك أية حركة لابدَّ أن تعرف الحقائق الأولى التي بني وجودك عليها ، قبل أن تتعرَّف إلى كذا وكذا ، وقبل أن تقرأ الكتاب الفُلاني والمقالة العلانيَّة ، وقبل أن تطلع على ما جرى في البلد الفلاني ، فهذه كلها أشياء ثانويَّة ، فيجب أن تعرف أنت لماذا وُجِدْت ؟ هل وجِدَت عبثاً ؟ أم هل وجدت لعباً ؟ أم وجدت بالحق ؟ أنت لأنك جزءٌ من هذا الكون ربنا سبحانه وتعالى يقول :

ما دام ربنا سبحانه وتعالى قال :

فأنت أيها الإنسان جزءٌ من هذا الكون ، أيُعْقَلُ أن تُمضي أربعين عاماً في الإعداد لحياةٍ لا تزيد عن عشرين عاماً ؟ أليس معترك المنايا بين الستين والسبعين ؟! أليست الآجال تخطف الإنسان خطفاً ؟ فهذا جَمَّعه في عمره المديدة ؛ من بيتٍ مريح ، ومن زوجةٍ ، وأولادٍ ، وعملٍ ، ومكانةٍ ، أيخسره كلَّه في ثانيةٍ واحدة ؟ فماذا بعد الموت ؟ ولماذا كان الموت ؟ ولماذا كان العُمُر في هذا الحد المحدود ؟ ولماذا خلقنا ؟ ولماذا كانت المصائب ؟ والهموم والأحزان ؟ والتفاوت بين الناس ؟ والغنى ، والفقر ؟ والقوَّة ، والضعف ؟ فهذه أسئلة كبيرة جداً ومصيريَّة ، والإجابة عنها تحدِّد مصير الإنسان ، فإذا أهملها الإنسان والتفت إلى دنياه يبحث عن رزقه فقد يباغته الموت  ، ويأتيه فجأةً ، فيكتشف عند الموت حقيقةً مُرَّة ، حقيقةً تنزل عليه كالصاعقة ، هو أن هذه الدنيا ليست هي المقصودة ، وليست دار استقرار أو دار محطِّ الرحال إنما هي دارٌ كالممر ليس فيها مستقر ، إنما هي إعدادٌ لحياةٍ أبديَّة .

       فهذه المعلومات ، وهذه الحقائق ، وإن شئت فسمِّها فلسفة ، هذه قبل الطعام والشراب ، وقبل الزواج ، وقبل تأمين الرِزق ، لأنك تحيى ، ولا تدري لِمَ تحيى ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( مثل المنافق كالنَّاقة عقلها أهلها ، فلا تدري الناقة لا لمَ عُقِلَت ولا لمَ أُطْلِقَت )) .

[ورد في الأثر]

       فلماذا الصلاة ؟ ولماذا الصيام ؟ فهذه الحقائق الكُبرى لا ينبغي أن تأخذها عفواً ، تأخذها أو لا تأخذها ، تأخذها صحيحةً أو مشوَّهة ، فهذه القضية مصيريَّة ، أي أن حياتك ، وسعادتك ، ومستقبلك ، خريف عمرك ، وزواجك ، وعملك من دون فلسفة فالإنسان قد يعمل عملاً فيه إيذاءٌ للناس ، ويدرُّ عليه أرباحاً طائلة ، ويحسب أنه بهذا العمل متفوِّق وذكي ، فلذلك الله سبحانه وتعالى حينما يقول :

نحن جزءٌ من هذا الكون ، بل إن الكون كُلَّه مسخَّرٌ من أجلنا ..

 ( سورة الجاثية : من آية " 13 " )

        بل إن الخلق كلَّه ، والخلق ما سوى الإنسان مسخَّرٌ لهذا الإنسان ، أيعقل أن يكون هذا الإنسان قد سُخِّرَت له السماوات والأرض ، وهو لا يدري لِمَ هو على وجه الأرض ؟ فكم يكون جاهلاً ، وكم يكون ضالاً ، وتائهاً ، وضائعاً ، وشارداً لو كانت حياته خاليةً من هدفٍ يسعى إليه ، ولو أن حياته خاليةٌ من عملٍ جليلٍ يعرضه على الله سبحانه وتعالى يوم القيامة .

طلب العلم فرض عين

       فيا أيُّها الإخوة المؤمنون ، أردت من هذه الأسئلة التي طرحتُها عليكم أن تتيقَّنوا أن طلب العلم ليس فرضَ كفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الكل ، لا والله ، طلب العلم فرض عينٍ ، أي أن على كل إنسان مهما تكن صنعته ، ومهما يكن اختصاصه ، وثقافته ، ومكانته ، ووجاهته فرض عين ، إنك إن لم تعلم وقعت في شرِّ عملك ، فالإنسان بدافعٍ من حرصه على سلامته ، وهذا الحرص على سلامته فطرة ، وبدافعٍ من حرصه على نجاحه وتفوًّقه عليه أن يعلم ، ومعنى عليه أن يعلم أي أن عليه أن يأخذ العلم عن الرجال ، وقد قال ابن عطاء الله السكندري : " من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال فهو ينتقل من مُحَالٍ إلى مُحال " ، والله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة التوبة :119)

        والله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الكهف :28)

 

        أردت من هذه المقدِّمة أنْ أبيِّن لكم أنَّ هذا الموضوع خطير جداً ، ما دام الله سبحانه وتعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما لاعباً ، وما خلقهما باطلاً ، إنه خلقهما بالحق ، فما هو الحق ؟ الحق خِلاف اللعب ، والحق خلاف الباطل ، واللعب هو الشيء العابث الذي لا هدف له ، والباطل هو الشيء الزائل والزاهق ، فالحق إذاً هو الشيء الثابت الهادف ، فأنت خُلِقت لتبقى ، وما الموت إلا نقطة تحوُّلٍ في خطِّ سيرك ، ثيابٌ تخلعها هذا هو الموت ، أنت أنتَ ، كل نفسٍ ذائقة الموت ، أنتَ أنت ، لكن في الحياة لك بُنْيَة ، فهذا الجسد محيطٌ بهذه النفس ، وبعد الموت هذه النفس تحيط بهذا الجسد ، ففي الحياة سعيٌ لكسب الرزق ، والحياة فيها تناقض ، بينما الحياة في الدار الآخرة ليس فيها سعيٌ لكسب الرزق ، إذاً ليس فيها حسد ، ولا تنافس ، ولا حزن ، ولا أي مرض يحولُ بين الإنسان وبين بلوغ سعادته ، وفي الآخرة تزايد .

       فيا أيها الإخوة المؤمنون ...

حقيقة الإسلام

الحقيقة أن الإنسان حينما يظن أن دينه ينتهي عند حضور مجلس علم من دون أن يدخل في صميم هذا الموضوع ، حضر ، ويقول لك : تباركنا ، كلام ليس له معنى ، فما معنى تباركت هذه ؟ يقول لك : والله ، الحمد لله أنا أصلي الأوقات  الخمسة ، بني الإسلام على خمس ، الصلاة دِعامةٌ ، وليست هي الإسلام ، والصوم دعامة ، وليس هو الإسلام ، والحج دعامة ، وليس هو الإسلام ، والزكاة دعامة ، وليست هي الإسلام ، وإعلان الشهادة دعامة ، وليس هو الإسلام ، الإسلام شيءٌ آخر .

       سيدنا جعفر بن أبي طالب سأله النجاشي .. ملك الحبشة .. عن طبيعة دينه ، فأجابه بقوله :

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيئُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ ، وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ ، وَآمَنَّا بِهِ ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا ، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا ، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا ، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا ، فَعَذَّبُونَا ، فَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ )) .

 [أحمد في مسنده عن أم سلمة]

هذه هي الجاهليَّة ، فربنا عزَّ وجل قال :

 ( سورة الأحزاب : من آية " 33 " )

       هذه الآية فيها إشارةٌ دقيقةٌ جداً إلى أن هناك جاهليةً ثانية ، هذه دفعةٌ أولى ، ما معنى هذا ؟ المعنى أن هناك دفعة ثانية ، أما هذا الرصيد فيحتاج إلى بحث آخر ..

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيئُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ ، وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ ، وَآمَنَّا بِهِ ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا ، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا ، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا ، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا ، فَعَذَّبُونَا ، فَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ )) .

[أحمد في مسنده عن أم سلمة]

هذا هو الإسلام إنه بناء أخلاقي ، الإسلام يسمو بالإنسان ، فيجعله إنساناً صالحاً للتنعُّم في الجنَّة إلى ما شاء الله ، فالدنيا دار إعداد ، وتكليف ، وعمل ، والآخرة دار جزاء ، ودار نعيم مقيم ، لا قلق ، ولا حزن ، ولا شقاء ، ولا خوف ، ولا ارتفاع حر ، ولا انخفاض البرودة ، ولا ضيق ، ولا قهر ، ولا فقر ، ولا مزعجات ، ولا مقلقات ، ولا مخاوف ، ولا أحزان .. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ] فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ[ )) .

[متفق عليه]

أين أنت من تطبيق ما تعلّمتَ ؟

       يا أيها الإخوة الأكارم ، والله الذي لا إله إلا هو لو أن الإنسان سمع هذا الكلام الواضح كالشمس ، المأخوذ من كتاب الله ، المأخوذ من هذا الدستور ، لو أن الإنسان سمعه ولم يأخذه مأخذاً جدياً ، ولم يبلغ من نفسه مبلغاً يدفعها إلى تغيير سلوكها ، والله الذي لا إله إلا هو سوف تطول حسرته يوم القيامة لأنه عرف الحق وحاد عنه ، فحضور هذا الدرس مسؤوليَّة كبيرة ، فهناك دروس تحضرها فتستمتع لما فيها من طُرَف ، ومن طرائف لطيفة ، وحكاية ، وقصص ، وأشياء مسلّية ، فهذا درسٌ ممتعٌ غير نافع ، وهناك درسٌ نافعٌ غير ممتع ، وهناك درسٌ تحضره فتبدأ متاعبك ، أيَّةُ متاعب ؟ لأن هذه الآيات تضعك أمام مسؤوليةٍ كبيرة ، وأمام مصير ، وأمام رسالة أنت مكلَّفٌ بحملها ، وأمام هدفٍ أنت مكلَّفٌ أن تسعى إليه .

       فلذلك قضية : " والله سمعنا الدرس ومشينا ، والله الدرس كان لطيفاً ، ممتعاً ، واللغة جيدة ، والله هناك إقبال شديد ، ما شاء الله " ، فهذه كلُّها كلمات لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، والذي يقدِّم ويؤخِّر أين أنت من هذا الدرس ؟ هل عرفت أن الله سبحانه وتعالى قد خلقك لهدفٍ كبير ؟ ما هو هذا الهدف ، هل عرفته ؟ هل سألت عنه ؟ إذا عرفت هذا الهدف فكل حركاتك في الدنيا يجب أن تُستنبط من هذا الهدف ، فمن عرف أن الله سبحانه وتعالى خلقه ليسعده في الدنيا والآخرة ، وأن جوهر السعادة في طاعة الله والعبوديَّة له ، ومعرفته ، فعندئذٍ لا يختار عملاً يكسب منه رزقاً لا يرضي الله ، فصار اختيار عملك له علاقة بدينك ، واختيار الزوجة له علاقة بالدين ، واختيار تمضية أوقات الفراغ له علاقة بالدين .

       ليس من السهل أن تمضي وقتاً فراغاً فيما لم تُخْلَق من أجله ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان صغيراً كان يُدْعى إلى اللهو ، فيقول عليه الصلاة والسلام :

(( لم أُخْلَق لهذا )) .

[ورد في الأثر]

أي أن هذا النمط المسلم ، طبعاً المسلم لا يرتكب كبيرة ، ولا يسرق ، ولا يزني ، ولا يشرب خمراً ، ولكن حياته مثقلةٌ بالصغائر ، وهذه الصغائر كالكبائر في المفعول ، وفي النهاية كالكبيرة تحجبكم عن الله سبحانه وتعالى ، فإذا أطلق الإنسان بصره ، واستمع إلى صوت قَيْنَةٍ ، واختلط مع نساءٍ لا يحللن له ، وأكل درهماً من حرام ، وأنفق المال في غير محلِّه ، وتساهل في تربية أولاده ، ومع زوجته ، إذا عصت الله سبحانه وتعالى فأقرَّها على هذه المعصية ، هذه كلها في ظنِّه صغائر وهي في الحقيقة كالكبائر ، ونحن في رمضان .

حقيقة طلب العلم

       يا أيها الإخوة المؤمنون ، لئلا يعتب أحدٌ على هذه المجالس ويقول : حضرتها عشر سنوات ، وما أفادتني شيئاً ، إن لم تُطبِّق فلن تستفيد ، لأن هذا الدرس وصفة ، إن لم تأخذ الدواء بالتمام والكمال وفق التعليمات التي وصفها الطبيب فلن تشعر بالراحة ، فلذلك أن تحضُر الدرس بُغْيَةَ الاطلاع شيء ، وأن تحضره بغية تمضية وقت الفراغ شيءٌ آخر ، وأن تحضر الدرس من أجل أن تعرف الله ومن أجل أن تكون هذه المعرفة أساساً في تعاملك مع الله ، ومع الناس ، وفي زواجك ، وبيعك وشرائك ، وعملك هذا شيءٌ آخر .

       فيا أيُّها الإخوة المؤمنون ... النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( شمِّروا فإن الأمر جد )) .

[ورد في الأثر]

الأمر جِدّ .

قال لي أخٌ كريم قبل أسابيع : لي صديقٌ كان يمشي في الطريق فوقع ميِّتاً .

الاستعداد إلى الرحلة الأخيرة

إن حالات الوفاة المفاجئة كثيرةٌ جداً ، وكلكم يعلم إلى أين ذهب هذا الإنسان ؟ وماذا أعدَّ لهذه الرحلة الطويلة ؟ والله إن رحلة إلى مدينة قريبة جداً تُخَطِّط لها ساعات طويلة ، وتكتب الحوائج على قوائم ، فقد أحتاج إلى كذا وكذا ، كلُّه يُسَجَّل ، ويُحضَّر ، ويُعد ، ويوضع في حقائب ، وهذه الرحلة الطويلة يعطونك تأشيرة خروج بلا عودة ، فلا توجد رجعة ، بل رحلة أبديَّة ، فماذا أعددت لها ؟ قال رجل : (( يا رسول الله ، علِّمني من غرائب العلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : وماذا صنعت في أصل العلم ؟ قال : وما أصل العلم ؟ ، قال : هل عرفت الرب ؟ قال : نعم ، قال : فماذا صنعت في حقِّه ؟ )) .

[أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسور]

        السؤال لكم : إذا كنت قد عرفت الله فما الموقف الذي وقفته من أجله ؟ وماذا أعطيت من أجله ؟ وماذا مَنَعْتَ من أجله ؟ ومن صاحبت من أجله ؟ ومن عاديت من أجله ؟ ما العادة التي تركتها من أجله ، والتي فعلتها من أجله ؟ هذا السؤال اسأله نفسك دائماً : ماذا صنعت من أجل الله ؟ إذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فانظر ما لله عندك ، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيمَ أقامك ، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيمَ استعملك  .

       فهذه الآية :

ليس من قبيل العَبَث ..

 

( سورة المؤمنون :115 )

أي لعباً بلا هدف ، هكذا ، يغتني الإنسان ، ويأكل مالاً حراماً ، ويستمتع بالدنيا كما يشاء ، ويموت وانتهى الأمر ، أهكذا ؟ ويفتقر إنسان آخر ويذوق الأمرَّين ويموت ، أهكذا ، لا توجد آخرة  ، ولا يوجد جزاء ؟ أين اسم الله الحق ؟ أليس الحقُّ اسماً من أسماء الله ؟ إذا كسب الإنسان المال الحرام ، واستمتع به طوال حياته ، ومات معزَّزاً مكرَّماً ، وإنسان آخر ذاق مرارة البؤس والحرمان ، ومات ، وانتهى الأمر ، فأين اسم الحق ؟ أليس الله هو الحقُّ المبين .

حظوظ الدنيا والآخرة

      لذلك يا أيها الإخوة الأكارم ، لقد وزَّع الله سبحانه وتعالى الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ، جعل الغني غنياً وابتلاه بالغنى ، هل يكون شاكراً، سخياً ؟ وهل يعرف حقَّ الناس جميعاً ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

(( يُحْشَر الأغنياء أربع فرقٍ يوم القيامة ؛ فريق جمع المال من حرامٍ ، وأنفقه في حرام فيقال : خذوه إلى النار - هذا حسابه سريع جداً ، كلمة واحدة - وفريقٌ جمع المال من حلال ، وأنفقه في حرام فيقال : خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال من حرام ، وأنفقه في حلال فيقال : خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال في حلال ، وأنفقه في حلال قال : هذا قفوه فاسألوه )) .

[ورد في الأثر]

       هذا حاسبوه ، هذا الذي يُحَاسَب ، أما الذي جمع المال من حرام وأنفقه في حرام ، أو جمعه من حلال وأنفقه في حرام ، أو جمعه من حرام ، وأنفقه في حلال فهؤلاء إلى جهنَّم وبئس المصير ، وأما الذي جمعه من حلال وأنفقه في حلال فهذا يقال له : قفوه فاسألوه : هل قصَّر في صلاةٍ ؟ وهل قصَّر في تأدية الحقوق ؟ هل قال من حوله : يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصَّر في حقِّنا ؟ هل ماله جعله يتكبَّر على خلق الله ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام لبلاغته الرائعة قال ليعبِّر عن شدَّة السؤال قال : فما زال يُسأل ويُسْأل ، أي أنه انتظر ، وانتظر ، فهناك قائمة أسئلة طويلة جداً ، فتركهم ومشى ـ فما زال يسأل ويسأل ـ .

       الموضوع خطيرٌ جداً ، فأنت مخلوق لهدفٍ كبير ، فهل عرفت هذا الهدف ؟ لك ربٌ عظيم ، فهل عرفت هذا الرب ؟ وله منهج ، فهل عرفت هذا المنهج أولاً ؟ وهل طبَّقته ثانياً أم ماذا كنت تصنع ؟ فأحياناً أحد الإخوة الحاضرين يرفع معنويات الداعي إلى أعلى درجة إن كان ملتزماً ، مطبِّقاً ، عند الأمر والنهي ، وواحد آخر يحضر الدروس ، ولا يطبِّق ما جاء فيها ، فهذا الإنسان يخفض معنويات الداعية إلى أدنى درجة ، فإذاً كلَّما عَرَضَ لك شيءٌ من الحق اسأل نفسك هذا السؤال : أين أنا من هذا ؟ هل أنا مطبِّق ؟

الإنسان مخلوق للعبادة

       إذاً الله سبحانه وتعالى ما خلق السماء والأرض وما بينهما لعباً ، بمعنى أن اللعب العمل العابث الذي لا هدف منه ، جلَّ وعلا ، تنزَّهت أسماؤه ، وتنزَّهت ذاته عن أن يخلق الكون عبثاً ، لا عباً من دون هدفٍ عظيم ، فما هو هذا الهدف ؟..

( سورة الذاريات :56)

       ما هي العبادة ؟ طاعةٌ طوعيَّة ، فلو أن هذه الطاعة قسرية لما كانت عبادة ، وطاعةٌ طوعيَّة ، تسبقها معرفةٌ يقينية ، فتفضي إلى سعادةٍ أبديَّة ، فإذاً أنت أيها المخلوق خُلِقْتَ من أجل أن تسعد إلى الأبد ..

 ( سورة هود : من آية " 119 " )

       إنّ الإنسان خُلِقَ ليسعد بالله سبحانه وتعالى إلى الأبد ، وفي الأثر : (( خلقتُ لك السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقّي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضه عليك )) .

[ورد في الأثر]

 

لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا

أي سبحانه وتعالى وتقدَّس أن يخلق الحياة لهواً ، لكن فرضاً لو أن الله سبحانه وتعالى .. وهو أعظم وأجلَّ من ذلك .. أراد أن يخلق السماوات والأرض لهواً ولعباً لما كان هذا اللهو واللعب على حساب الناس ، هناك زلازل ، ومصائب ، ومجاعات ، وأمراض ، وفقر ، وقهر ، وأُناس معذَّبون ، لو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يلهو لما كان الإنسان ضحيَّة هذا اللهو ، بل مستحيل ذلك ، فهذا لا يتناسب مع رحمته جلَّ وعلا ، ولا مع عدالته ، ولا مع عظمته ..

فإذا أراد الإنسان أن يتسلَّى بتجريب قلم ، أيجرَّبه على جدول علامات طلاب الاختصاص الصف الرابع الجامعي ؟ يضع هنا صفراً ، هل خطّه جميل ؟ وصفر ، وصفر يعني أنك رسَّبته ، تجرِّب قلَماً على حقل العلامات ؟ أيعقل أن يُجرَّب القلم على حقل علامات لاختصاص الصف الرابع ؟ سيُبْنَى على التخرُّج مصالح كبيرة جداً ؟ فإذا سأله طالب : لماذا أنا رسبت يا أستاذ ؟ يقول : واللهِ كنت أجرِّب القلم فوضعت هنا صفرًا ، هذا كلام غير معقول ، فهل يخلق معقول الله عزَّ وجل السماوات والأرض لهواً ولعباً على حساب الناس ؟ جهنَّم مُلئت ، لماذا ؟ هكذا ، ما هذه هكذا ؟ أيعقل أن يُبنى سجنٌ فخمٌ ، ويُساق الناس جميعاً إليه ، لماذا ؟ لإملاء السجن ، أيعقل هذا ؟

       فالذي يظنُّ أن الله سبحانه وتعالى يخلق الخلق لَعِبَاً ولهواً هذا ضال مضل ، طبعاً الناس يقولونها بأساليب أخرى ، يقول لك : سبحان الله لا أحد مرتاح ، فما معنى هذه الكلمة ؟ معناها كأن الله عزَّ وجل خلق الناس ليعذِّبهم ، لا والله ..

( سورة سبأ :17)

       اسمعوا كلام ربنا عزَّ وجل :

( سورة النساء :147)

واسمعوا كلام ربنا عزَّ وجل :

( سورة الشورى : من آية " 30 " )

       حصراً ..

   ( سورة الكهف : من آية " 59 " )

       الآيات التي تؤكِّد أن كل مصيبةٍ دَقَّت أو جَلَّت إنما هي بسبب ذنبٍ أو حكمةٍ أو ظلمٍ اقترفه الإنسان لأنه (( ما من عثرةٍ ، ولا اختلاج عرقٍ ، ولا خدش عودٍ إلا بما قدَّمت أيديكم ، وما يعفو الله أكثر )) .

[البيهقي في شعب الإيمان عن أبي بن كعب موقوفا]

       إذاً :

ولكن الله سبحانه وتعالى أن يكون لاعباً في خلق السماوات والأرض ، سبحانه أن يخلق السماوات والأرض عبثاً ..

 ( سورة المؤمنون : من آية " 115 " )

       اسمعوا الآية الثانية :

 ( سورة القيامة :36)

       هكذا ، ظلمت دون أن تسأل ، ودون أن يأخذ المظلوم حقَّه ، إن ذلك لا يكون ، فأحد أسباب الإيمان باليوم الآخر أن الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحق ، وأن الحقَّ هو الذي يجب أن يُقام إلى الأبد يوم القيامة ، فأحياناً إنسان يظلم زوجته ، فيأكل مالها ويطلقها ، وانتهى الأمر ؟ولا يوجد إله يحاسبه ؟ أو شريك يتعلَّم من شريكه المصلحة وبعدها يضعه خارج المحل ، ويقول له : المحل لي ، والإيجار باسمي ، أخي هذه المصاريف ، ويضع له خمسين ألفاً والشركة كانت سبعين ألفاً ، ويقول له : فهذه خمسون ألفاً ، فما هذه الخمسون ألفاً ، هذه الآن قيمتها خمسمائة ألف ، ويعطيه خمسين ألفاً ومع السلامة ، فأين الله ؟ هذا الذي يظن أن الإنسان بذكائه يحصِّل المال ، وأن القوي هو بقوَّته يأكل أموال الناس هذا هو الضلال بعينه .

       وربنا عزَّ وجل ما خلق السماوات والأرض وما بينهما لاعباً ..

الباطل إلى زوال واضمحلال

والله عزَّ وجل جعل الحق كأنَّه صخرةٌ صَمَّاء أُلقيت على الباطل فسحقته ، والباطل هذه التخرُّصات والضَلالات ، فالباطل أن الدنيا هي كل شيء ، وأن القوي هو الذي يعيش في هذه الدنيا ، يقول لك : البقاء للأقوى ، وكأنه لا يوجد إله ، والأقوى يأكل الأضعف وانتهى الأمر ، فهذا باطل ، أو أن هناك في عام كذا مجاعةٌ كبرى ، لماذا ؟ لأن البشر يتوالدون بسلسلة هندسيَّة بينما الغذاء بسلسلة عدديَّة إذاً هناك نقص في المواد ، فأين هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين ؟ .

        أحياناً يفاجأ الناس بأمطار مذهلة ، يقول لك : هذا العام توجد محاصيل لا يعلمها إلا الله ، محاصيل قمح ، ومحاصيل قطن ، ومحاصيل فواكه ، وأشجار مثمرة لا يعلمها إلا الله ، ومعدَّل الأمطار في دمشق مئتان ، أو مئة وخمسون ، والسنة مئتان وخمسون أو ثلاثمائة ، والله عزَّ وجل إذا أعطى أدهش ، ولا يوجد إله ، والقضيَّة هكذا ، الحياة هي كل شيء ، والموت نهاية كل شيء ، والحق للأقوى ، والأقوى يأكل الأضعف ، وهناك نقص في المواد ، وهذه أفكار الشياطين ، وأفكار الكفَّار، والشيطان هو الأساس ..

( سورة آل عمران :175)

 ( سورة البقرة : من آية " 268 " )

       هذه لوازم الشيطان ، يخوِّف ، ويأمر بالفحشاء ، ويَعِد بالفقر ، فكلَّما جاءتك خواطر ؛ إياك أن تنفق مالك ، المال ثمين جداً ، والأمور صعبة تضيق في المستقبل ، فهذا من الشيطان ، إذا جاءك خاطر يمنعك من أن تنفق المال في سبيل الله بدعوى أن المال أصبح شيئاً ثميناً جداً ، وأصبح تحصيله صعباً ، وأصبحت الحاجات باهظة التكاليف ، وأنت أولى بهذا المال ، قُل : هذا هو الشيطان بعينه ..

( سورة آل عمران :175)

       هذه يَعِدُكُم الفقر ، أما إذا جاءك خواطر أنْ : لا تصلِّ هذا أفضل ، لا تصم أفضل ..

       فالشيطان يخوِّف ، ويعد بالفقر ، ويأمُر بالفحشاء ، فأي خاطر من هذه الأبواب الثلاثة فهو حصراً من الشيطان ..

( سورة سبأ :39)

عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ ، قَالَ : مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا ، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ...)) .

[مسلم ، الترمذي ، واللفظ له]

(( حصِّنوا أموالكم بالزكاة )) .

[الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود]

( سورة التوبة :103)

       فهذه الأفكار أن الله خلق الناس ليعذِّبهم ، أو أن الله خلق الناس ليزعجهم ، أو أن الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا هي كل شيء ، وأنه لا شيء بعد الموت ، فهذا هو الباطل وهي أفكار الشيطان ..

معنى : يَدْمَغُه

معنى يدمغه أي يهشِّمه ، فينتهي ، لو ضُرِبَ الإنسان على دماغه بحجرٍ هكذا من مسافةٍ بعيدة ، وأصاب الحجر الهدف ، فأصبح الدماغ أشلاء ، يكون الإنسان قد مات ، فمعنى يدمغه أي يحطِّمه ..

أيّ دعوة باطلة يدمغها الحق

فكل دعوى في التاريخ الإسلامي أرادت أن تطفئ نور الله ، ألم يدمغها الله سبحانه وتعالى ؟ اقرأ التاريخ ، فلا توجد دعوى أرادت أن تطفئ نور الله إلا دُمِغَت لقوله تعالى :

أيّ تغيير لهذا الكتاب ، وأي تحوير ، وأي تبديل ، وأي شيء وضعي يُرجى له أن يحلَّ محلَّ الشيء الإلهي فيدمغه ..

فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ

بعض الصحفيين في دولة أجنبيَّة متقدِّمة جداً يرى أن نهاية التحضُّر قطع يدي السارق ، لأن ست عشرة سرقة تمَّت في سنة واحدة ، وفي مجتمعات يُطبَّق فيها حكم الله فالسرقات تُعدُّ على أصابع اليد ، لذلك قال أحد الشعراء سائلاً الإمام الشافعي :

يدٌ بعشر مئينٍ عسجدٍ وُديت    ما بالها قُطِعَت في ربع دينارِ؟

*  *  *

       مفارقة عجيبة .ـ يدٌ بعشر مئينٍ أي ألف دينار ذهبي ديتها لو قُطعت بحادث ـ

يدٌ بعـشـر مئينٍ عسجدٍ وديت     ما بالها قُطِعَت في ربع دينارِ

*  *  *

       فقال الإمام الشافعي :

عزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها    ذلُّ الخيانة فافهم حكمة الباري

*  *  *

لمَّا كانت أمينة    كانت ثمينة

فلــمَّا خانت     هــانـت

*  *  *

       إذاً :

أُبيح الطلاق في إيطاليا ، فقدِّم في يومٍ واحد مليون طلب ، فدائماً الحق هو الذي يستقر ، وفي بعض البلاد مُنِعَ الزوج من تطليق زوجته ، فإذا طلَّقها فلها نصف ماله قطعاً فوراً ، ويحكم عليه بالسجن ستَّة أشهر ، ماذا كان من نتيجة ذلك ؟ أن بارت سوق الزواج ،  فصار الوالد يرجو خطيب ابنته أن يقبل بابنته ، ويعطيه سنداً بالأمانة فيما لو طلَّقها فاستحقَّت نصف ماله ، فالمبلغ جاهز سلفاً ، أي محاولة لتغيير شرع الله عزَّ وجل هناك نتائج خطيرة جداً ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ )) .

 ( من سنن الترمذي عن أبي هريرة ) 

       إذا كنتم تريدون شروطاً صعبة ، وتريدون بيتاً موقعه ممتاز ، ومركبة جيِّدة ، ودخلا كبيرًا ..

(( إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ )) .

قال عليه الصلاة والسلام : ((من تزوَّج المرأة لجمالها أذلَّه الله ، ومن تزوجها لمالها أفقره الله ، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً فعليك بذات الدين تربت يداك )) .

[الطبراني في المعجم الأوسط عن أنس]

       وربنا عزَّ وجل قال :

 ( سورة البقرة : من آية " 221 " )

       الآيات التالية :

المخلوقات كلها لله ملكا وتصرفا ومصيرا

له ملكاً ، وتَصَرَُّفاً ، ومصيراً ، قد تسكن بيتاً ولا تملكه ، وقد تملكه ولا تسكنه ، وقد تملكه وتسكنه ، وفي النهاية ليس لك ، يُنَظَّم ، فيُستملَك ، أعلى درجة للملكيَّة أن تملكه ، وأن تطلق يدك في التصرُّف فيه ، وأن يكون المصير لك ، أي ؛ الملك ، والتصرُّف ، والمصير ، فربنا عزَّ وجل قال :

ملكاً ، وتصرُّفاً ، ومصيراً ..

من الملائكة ..

 

أي أنهم يعبدونه ليلاً ونهاراً ، وحينما يعبدونه لا يَتَحَسَّرون على هذه العبادة ، لأن الله سبحانه وتعالى كافأهم عليها أضعافاً مضاعفة ..