English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الأنبياء ( 21 ) التاريخ : 13/ 05/ 1988- الدرس [4/8] ـ الآيات : 19 - 25 - لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع من سورة الأنبياء ، يقول الله سبحانه وتعالى في الآية التاسعة عشرة من هذه السورة :

الملائكة في عبادة دائمة من غير حسرة

هؤلاء الذين عنده هم الملائكة يسبحونه بالليل والنهار ، لا يسأمون ، ولا يستكبرون ، ولا يستحسرون ، معنى ذلك أن الإنسان إذا سَبَّحَ الله سبحانه وتعالى دخل في سعادةٍ لا توصف ، وإذا دخل في هذه السعادة لن يتكبَّر عليها ، ولم يسأم منها ، ولم يستحسر عليها ، وحينما يعمل الإنسان عملاً لا جدوى منه ، أو يُقَدِّمَ جهداً كبيراً ليأخذ مردوداً صغيراً يستحسر ، يتحسَّر على الوقت الذي بذله من أجله ، وعلى الجهد ، وعلى المال ، فمتى يستحسر الإنسان إذًا ؟ إذا رأى المردود أقلَّ من الجُهد ، وإذا رأى النتائج أقلَّ من المُقَدِّمات ، والأرباح أقلَّ من رأس المال ، عندئذٍ يستحسر .

         فهؤلاء الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، ولا يستكبرون ، ولا يستحسرون ، ولا يسأمون ، وكأن الله سبحانه وتعالى بهذه الآية يدعونا بشكلٍ غير مباشر إلى أن نسبِّحه ، فإذا سبَّحناه لن نستحسر على هذا التسبيح ، ولن نسأم هذا التسبيح ، ولن نستكبر .

معنى التسبيح

والتسبيح هو التنزيه والتمجيد ، ومن معاني التسبيح أن تنزِّه الله عن كل صفةٍ لا تليق به ، وعن كل حالٍ لا يليق به ، فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء ، كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك ، فالله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ، إنه صَمَد .

( سورة الإخلاص :2)

أهمية علم التوحيد

      ولذلك فعلم التوحيد علمٌ مهمٌ جداً في الدين ، بل إن رأس العلومِ كلِّها علم التوحيد ، لأنك إذا عرفت الله عرفت كل شيء ، (( ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتُّك فـاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء )) .

[تفسير ابن كثير(2/302)]

      أحياناً يتعَرَّف الإنسان على شخص له مكانة ، فهو على جانب من العلم والكَرَم والحكمة ، تراه غارقاً في سعادةٍ لا توصف ، لأنه تعرف إليه ، فكيف إذا عرف الله سبحانه وتعالى ، وإذا عرف عن أسمائه الحسنى ، وعن صفاته الفُضلى ، وعن جلاله وكرمه ، وعن جماله ، وغناه ، وقدرته ؟

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)) .

[متفق عليه]

       معنى ((مَنْ أَحْصَاهَا )) ، أي من عرفها اسْماً اسماً ، فمعرفة أسماء الله الحسنى جزءٌ أساسيٌ من الدين ، بل جزءٌ أساسيٌ من علم العقيدة ، وفي كل كتب علم التوحيد وكتب علم العقيدة فصلٌ كبيرٌ جداً عن أسماء الله الحسنى ، وأنت امتحن نفسك ، قل : ماذا تعرف عن اسم الرحيم ؟ ما الدلائل ، والوقائع ، والمعلومات ، والمشاهدات التي تؤكِّد اسم الرحيم ؟ الله سبحانه وتعالى رحيم ، إلى أي درجة تظنُّه رحيماً ؟ هو أرحم بالخلق من الخلق ، والله سبحانه وتعالى لطيف ، وغني ، وكبير ، ولهذا شُرِعَ التكبير يوم العيد ..

( سورة البقرة :185)

حقيقة << الله أكبر >>

الحقيقة الأولى :

       ما من مسلمٍ على وجه الأرض إلا وهو في طريقه إلى المسجد ليؤدِّيَ صلاة العيد إلا ويكَبِّر ، يقول : " الله أكبر ، الله أكبر " ، هذه الكلمات قالها أصحاب رسول الله ففتحوا العالم بها ، ويقولها الآن ألف مليون وهم على ما تعلمون ، لماذا ؟  لأن المسلمين اليوم يقولون : الله أكبر دون أن يروا أن الله أكبر من كل شيء ، وبمجرد أن تعصي الله سبحانه وتعالى إرضاءً لمخلوق فأنت لم تر أن الله سبحان وتعالى أكبر من هذا المخلوق ، ولو رأيت الله أكبر من هذا المخلوق لم تعصِ الله من أجل هذا المخلوق ، ولذلك : من قال الله أكبر ألف مرة ومرة ، وعصى الله سبحانه وتعالى ما قالها ولا مرة .

       إنّ الفرق بين أصحاب رسول الله وبين المسلمين في هذا العصر كبيرٌ جداً ، فأقوالهم تعبِّر عن إيمانهم ، ولكن أقوال المسلمين يقولون : الله أكبر، وسبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، هذه الباقيات الصالحات لو عرفها المسلمون حق المعرفة لطاروا إلى سماوات المعرفة ، وسماوات السعادة .

       فلذلك يجب أن لا تكون كلماتنا عادات ألفناها ، الله أكبر ، هذه الذي يطيع زوجته ، ويعصي ربه ما قال : الله أكبر ولا مرة ، ولو قالها بلسانه ألف مرة ، وهذا الذي يغش ، ورأى أن الربح الناتج من الغش أغلى  من طاعة الله سبحانه وتعالى ، فالذي يغُش في البيع ، والشراء ما قال : الله أكبر ولا مرة ، ولو قالها بلسانه ألف مرة ، والذي يَدَعُ عبادةً لله عزَ وجل خوف إنسانٍ ما ، هذا ما قال : الله أكبر ولا مرة ، ولو قالها بلسـانه ألف مرة ، فلذلك نحن مقدمون على أيام العيد ، وفي العيد نُكّبِّر ، ويجب أن تعلموا ما التكبير ؟ التكبير يعني أن الله أكبر من كل شيء ، ومن كل ربح .. فعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

((ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له في دينه ودنياه ))  .

[أبو نعيم في الحلية] .

الله أكبر من كل إنسان ، ومن كل مكسب ، وإنجاز ، وهَدَف ، وهذا معنى الله أكبر .

الحقيقة الثانية :

ولها معنى آخر ، أنَّك كلما عرفت الله سبحانه وتعالى ترى أن الله عزَّ وجل أكبر مما عَرَفْتَ ، إذ لا حدود لعظمته ، ولا نهاية لجلاله ولجماله ولقدرته ولكرمه .

      

وما ادَّعى العرب أن هذه الآلهة تحيي الموتى ، ولكن الله سبحانه وتعالى لفت نظرهم إلى أن الإنسان إذا اتخذ إلهاً من دون الله فهل هذا الإله الذي اتخذه قادرٌ على أن يحيي الموتى ؟

( سورة الشعراء : 69-72)

       الإله يجب أن يسمع ..

( سورة الشعراء : 73 -82)

       ربنا عزَّ وجل يُوجه نظرنا إلى أن الإله هكذا يجب أن يكون قادراً على أن يحييك ، ويشفيك ، ويُطعمك ، ويسقيك ، ويسمع خَلَجَات قلبك ، سميعٌ عليم ، سميعٌ بصير ، هذا هو الإله .

فلو أن الله سبحانه وتعالى معه شريك لما انتظمت الحياة ، ولما انتظم الكون ، ولاختل نظامُ الكون ، ولكانت المُنازعات ، لأن كل إلهٍ ..

( سورة المؤمنون :91)

وحدة الكون تدل على وحدانية الخالق

       شيء آخر ، إذا فكَّرت في آيات الله في الأرض ترى أن هناك وَحْدَةً في الكون .

لنضرب مثلا نابعًا من حياتنا : قد تشتري دواءً مصنوعاً في بلدٍ يبعُدُ عنك عشرات الألوف من الأميال ، وقد يستعمل الدواء إنسان في قارة في طرف الأرض ، فإذا بهذه المواد الفعَّالة في الدواء تؤثِّر في بُنية هذا الجسد ، ما تفسير ذلك ؟ أن الخالق واحد ، والذي خلق الإنسان المولود في كندا هو نفسه الذي خلق الإنسان في أستراليا ، فإن إنسان أستراليا بإمكانه أن يشتري دواءً مصنوعاً في كندا مثلاً ، مع ما بين القارتين من بعدٍ شاسع ، وهناك وحدة في الوجود ، وبُنية الإنسان واحدة ، وعاداته ، وطباعه ، وبُنيته النفسية ، وقوانينه واحدة ..

( سورة المعارج : 21)

( سورة الأنبياء : من آية " 37 " )

( سورة النساء :28)

( سورة الأنعام :81-82)

       البُنية واحدة ، ولذلك فمن وحدة البُنية ، ووحدة الخَلق ، والتربية والتسيير تعرف إلى أن هناك إلهاً واحداً ، لكن كل إنسان له ملامح خاصة ، فما من مخلوقٍ إلا وله خطوطٌ في وجهه يتميَّزُ بها ، وبصماتٌ في أصابعه ينفرد بها ، ونبرةً لصوته يتميَّز بها ، ونوعٌ لرائحة جسده يتفرَّد بها ، فقد كان العلماء يظنون أن في الإنسـان البصمة التي ينفرد بها ، فكل إنسان له طبقة صوتية لا يشركه فيها أحدٌ من الناس ، ومن هنا تعرف على الهاتف فلاناً ، تقول له : فلان ؟ معناها ربنا عزَّ وجل أعطاك هويةً من صوتك ، ومن رائحة جلدك ، فكل إنسان له رائحة جلد خاصة يتميَّزُ بها ، وأعطاك هويةً من تركيب دمك ، والدم في الإنسان له بنيةٌ خاصة ، أعطاك هويةً من ملامح وجهك ..

       إذاً ستة آلاف مليون إنسان مع أن بنيتهم جميعاً متساوية ، ليس هناك إنسان واحد يشبه في ملامحه الخارجية ، ولا في نبرة صوته ، ولا في رائحة جلده ، ولا في بصمة أصابعه إنساناً آخر ، لذلك قال بعض العارفين بالله ، وأظنه الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى : " والله يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سُمِّيتَ الواسع " ، فالله سبحانه وتعالى من جهةٍ واحد ، ومن جهةٍ واسع .

      

سبحانه وتعالى أن يكون له شريك ، وسبحانه وتعالى أن يكون له مُعِين ،

( سورة الزخرف : من آية " 84 " )

( سورة الكهف :26)

( سورة هود : من آية " 123 " )

( سورة الزمر :62)

       وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد  .. فبالتوحيد ترتاح نفس الإنسان ، ويطمئن قلبه ، وتستريح أعصابه ، وبالتوحيد يدفع عنه القلق ، والخوف ، والحزن ، والسوداوية ، والتشاؤم ..

معنى : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ

المعنى الأول :

أي أن مقام الألوهية يقتضي ألاّ يستطيع أحد من الخلق أن يسأل الله سبحانه وتعالى ، فمهما علا الإنسان فهو مسؤول ، فلو أن هناك دائرة حكومية ، ورأس هذه الدائرة يبدو للموظَّفين أنه لا يُحاسَب ، ولكن لو اطلعت على الواقع لرأيت أنَّه هو يخشى من هو فوقه ، فهو مسؤول ، وكل مسؤول فوقه مسؤول ، لكن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل ، فمقام البشر أنهم مسؤولون ..

( سورة الصافات :24)

       مقام الألوهية لا يستطيع أحد أن يسأل الله سبحانه وتعالى ، وليس معنى أن الله سبحانه وتعالى إذا كان لا يُسْأَل عما يفعل أنه ظالم ؟ سبحانه وتعالى هو العدل ،

( سورة هود : 55-56)

       فهو من تلقاء ذاته أَلْزَمَ نفسه أن يكون على صراطٍ مستقيم ، وألزم نفسه برِزْقِ العباد ..

( سورة هود : من آية " 6 " )

       (على) تفيد الإلزام ، إذا جاءت على في حق الله سبحانه وتعالى تفيد أنه ألزم نفسه .

( سورة النحل : من آية " 9 " )

       أي أن الله عزَّ وجل ألزم نفسه أن يهدي العباد إلى سواء السبيل ، وألزم نفسه أن يهديهم إليه ، وأن يعرِّفَهُم به ، ونَصَبَ لهم الآيات الدالة على عظمته ، وبَثَّ في الأرض الآيات ، فأقام في السماء الآيات ، إذاً فالله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل ، لأن هذا المقام مقام الألوهية ، وما من مخلوقٍ على وجه الأرض إلا ويسأل ؛ يُسأل ممن هو أعلى منه ، أو يسأل ممن هو أدنى منه ، فيقول لك : أخاف على سمعتي ، ويسأل من أية جهة ، ولذلك من شأن الإنسان أنه مسؤول ، ومن شان الله سبحانه وتعالى أنه لا يُسأل عما يفعل .

المعنى الثاني :

وهناك معنى آخر لهذه الآية ، أن الله سبحانه وتعالى لعدالته المُطلقة ، ولإحسانه الذي لا حدود له لا يسأل عما يفعل ، لأن عدله يُسكت الألسنة ، ورحمته تسكت الألسنة ، ومثلاً : إذا وزع المعلم على طلاَّبه أوراق الامتحان ، وقد صُحِّحَت تصحيحاً متناهياً في الدقة ، ووزع عليهم السلالم ، وعرض عليهم الأوراق والعلامات ، وانتظر ، قد تمضي ساعة ولا أحد من الطلاب ينبس ببنت شفة ، لماذا ؟ لأن عدل المعلم أسكت الألسنة ، فالعدل يسكت ، ولفرط عدالته لا يسأل عما يفعل ، هذا معنى آخر .

       والمعنى الأول : أن مقام الألوهية يقتضي ألا يسأل ، ولا أحد في الكون يسأله ، وليس بإمكانه أن يسأله ، وليس من حقه أن يسأله ، لأنك في مُلك الله عزَّ وجل .

        والمعنى الثاني : أن الله سبحانه وتعالى لعدالته وكرمه وإحسانه لا يُسأل عما يفعل .

فلذلك ربنا عزَّ وجل قال على لسان سيدنا عيسى :

( سورة المائدة :118)

 

       الآية لا تنتهي بـ : الغفور الرحيم ، ليست كذلك ، أنت تألف أنها " فإنك أنت الغفور الرحيم ، وهي :

       فما علاقة العزة هنا بالمغفرة ؟ لأن الإنسان إذا غفر يخشى أن يحاسب على هذه المغفرة ، لمَ لَمْ تطالب فلاناً بهذه الوثيقة ؟ لمَ تساهلت مع فلان ، ولم تتساهل مع فلان ؟ لمَ أعفيت فلانًا من هذا الرسم ؟ لماذا ؟ ولماذا عفوت عن فلان ؟ هذا الذي يعفو محاسب ، لكن الله سبحانه وتعالى :

( سورة المائدة :118)

       أي أن عزتك لا تنال ، فلا يستطيع أحدٌ أن يحاسبك يا رب ، لماذا غفرت لفلان ؟ ولم تغفر لفلان ؟ فالقرآن كما قال سيدنا علي : " حَمَّال أوجه " ، أي ذو وجوه ، فإذاً :

مقام الألوهية : لاَ يُسأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ

هذا مقام الألوهية ..

 

مقام العبودية : وَهُمْ يُسْأَلُونَ

هذا مقام العبودية ، والإنسان لا يسعد إلا إذا عرف مقام العبودية ، فأنت عبدٌ لله ، وليس من شأنك أن تَحْشُرَ أنفك فيما هو من شأن الله ، كأن تقول : الله عزَّ وجل يعلم أو لا يعلم ؟ هذا من شأن الله ، الله عليمٌ حكيم ، وكلمة عليم مُطلقة ، والمُطلق على إطلاقه ، وسيدنا علي رضي الله عنه يقول : " علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون " .

       فالله سبحانه وتعالى كيف يكون مع الخلق جميعاً في وقتٍ واحد ؟ هذا السؤال من شأن الله أنت عبد ، وليس من شأنك أن تحيط علماً بالله عزَّ وجل ، ولا يعرف الله إلا الله ، فلذلك مقام العبودية يقتضي أن تعرف مقامك .. " رحـم الله عبداً عرف حده فوقف عنده ولم يتعدَّ طوره " .

      فهناك أسئلة مقبولة ، وأسئلة غير مقبولة ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال :

((  تفكروا في مخلوقات الله ، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا )) .

[الجامع الصغير عن ابن عباس بسند ضعيف]

       فلما يطرح الإنسان أسئلة متعلِّقة بذات الله يهلك ، لأن المحدود لا يستطيع أن يحيط باللامحدود ، وذو النهاية لا يستطيع أن يحيط باللانهاية ، والممكن الوجود لا يستطيع أن يحيط بالواجب الوجود ، والحادث لا يستطيع أن يحيط بالقديم ، والفاني لا يحيط بالأبدي السرمدي ، فهو الأول بلا بداية ، والآخر بلا نهاية ، فالإنسان يجب أن يصنف الأسئلة لتصنيفين، أسئلة يمكن أن تطرح ، وهذا من شأن الإنسان أن يفهمها ، وأسئلة أخرى لا يمكن أن تُطْرَح لأنها تطاولٌ على مقام العبودية ، مقام العبودية أن تقف عند هذا الحد دون أن تسأل .

مقام العبودية : وَهُمْ يُسْأَلُونَ   

هاتوا برهانكم ، فكأن التعامل مع الله عزَّ وجل وفق الأدلة ، والبراهين والحجج ، فخالق هذا العقل والمنطق ، ينبغي له أن يكون في دينه المنطق كله والعقل كله ، إذاً كل حكمٍ فقهي فيه دليلٌ نقلي ، وفيه دليلٌ عقلي ، فهل خالق العقل دينه غير معقول ؟ مستحيل ، لا عقل لمن لا دين له ، ولا دين لمن لا عقل له ، "تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتاً ، إن الرجلين ليستوي عملهما ، وبرهما، وصومهما ، وصلاتهما ، ويختلفان في العقل ، كالذرة جنب أُحُد ، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين " .

محدودية العقل

وما دام العقل من خلقه ، والكون من خلقه ، فلابدَّ من أن يكون الكون معقولاً ، ولابدَّ من أن يكون الدليل العقلي أساساً في الإيمان ، ولكن العقل على أنه أعظم شيءٍ أودعه الله فينا ليس مؤهَّلاً أن يتحكم في العقيدة ، ولا في العبادات ، ولكنه مؤهَّلٌ أن يستنبط الأحكام التفصيلية من الأحكام الكلية ، فالعقل مسموح له أن يستنبط الأحكام الفرعية من الأدلة الأصلية ، من الكتاب والسنة ، والعقل مؤهَّل لذلك ، ولذلك بَرَعَ الفقهاء والمجتهدون في استنباط الأحكام التفصيلية من الأدلة الأصلية من الكتاب والسنة ، ولكن العقل لا ينبغي أن يُحَكَّمِ بالنقل ، بمعنى أن يسمح للعقل بإثبات ما صح وروده أو نفيه ، دور العقل في العقيدة أن يفهمها لا أن ينفيها ، فالعقل له حدود .

       والعقل ميزان ولكن الشرع ميزانٌ على الميزان ، العقل ميزان ، والشرع ميزان على الميزان ، كما لو أعطيت مسألةً رياضية ، فأنت بعقلك تَحُلُّ هذه المسألة ، ولكنه مع المسألة أعطي الجواب الصحيح ، فإذا جاء الحل مُطابقاً لهذا الجواب فالحل صحيح ، وإذا جاء الحلُّ مخالفاً لهذا الجواب فالحل غير صحيح ، إذاً الشرع ميزان على الميزان ، والإنسان من دون شرع قد يَضل ، وقد يَغْتَرّ .

( سورة المدثر :18-27)

       العقل أيها الإخوة يشبه تماماً العَين ، فهي بالغة التعقيد ، ولكن ما قيمتها من دون النور ؟ فلو ألغي النور فجأةً هل نرى شيئاً ؟ ولو أن للإنسان عينين من أعلى درجة من الحساسية ، لو أطفأ الضوء هل يرى شيئاً في الغرفة ؟ كذلك العقل ، العقل جهاز فَذٌّ ، عظيم ، فما من جهازٍ أعقد من العقل في الكون ، وما من عطاءٍ أثمن من العقل في الكون ، ومع ذلك هذا العقل لا يُجدي إلا إذا كان هناك نورٌ إلهي ..

( سورة النور : من آية " 35 " )

( سورة النور :40)

( سورة الأنفال : من آية " 29 " )

 

( سورة الحديد : من آية " 28 " )

العقل تابع للنقل

       فالنور هو الهُدى ، فالعقل من دون نور قد يُلْحِد ، وقد يُنكر الدين ، وقد يقول : هذا الكتاب ليس كلام الله ، وقد يقول : إن الزنا أفضل من الزواج ، وإن السرقة أفضل من الكسب الحلال ، ونحن نقول : أوروبا أمامكم ، ألا ترى أوروبا الآن أن المتعة مهما تكن رخيصةً دنيئة فهي محببة عندهم ؟ ألم يصابوا بأمراضٍ وبيلة تفتك فيهم فتكاً ذريعاً ؟ هذا المرض العُضال ـ مرض الإيدز ـ حطَّمَهُم لماذا ؟ لأنهم اعتمدوا على عقلهم وحده في تخطيط حياتهم ، فعقلهم ضَلَّ وأضل ، وأراهم أن اللَّذة هي كل شيء ، فانكبوا عليها فانهارت علاقاتهم الاجتماعية ، وانهارت قِيَمَهُم الأخلاقية ، وتحطَّمت الأسر عندهم ، وأصبحت حياتهم كالبهائم ، وأحد الكتاب وصف أوروبا فقال : " أوربا عقلها من ذهب وقلبها من حديد " ، نفوس مُقْفِرَة من القِيَم ، لماذا ؟ لأنهم يبنون سعادتهم عل أنقاض الآخرين ، ويبنون رفاهة شعوبهم على جوع الشعوب الأخرى ، وعلى فقرها ، وعلى تدميرها ، إذاً هم ليسوا مُثُل عليا في الحياة .

       فيا أيها الإخوة الأكارم ... العقل وحده من دون الهدى لا يكفي ، العقل وحده قد يهتدي ، وقد يضل ، ولكن الشرع هو الحصن الحصين ، والإنسان بالعقل يعرف الله عزَّ وجل وبالشرع يعبده .

التعامل مع الله بالبرهان ..

( سورة المؤمنون : من آية " 117 " )

 

الأدلة إما عقلية أو نقلية أو واقعية أو تاريخية

وعندنا دليل عقلي ، ودليل نقلي ، ودليل واقعي ، ودليل تاريخي ..

هذا دليل تاريخي ..

إذاً الإعراض يأتي من الجهل ، فإذا لم يعرف الإنسان قيمة هذه الجوهرة يعرض عنها ، أو يرميها في الأرض ، لكنه إذا عرف قيمتها يَحْرَصُ عليها حرصاً شديداً ، فالحرص سببه المعرفة .

أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ

والله هذه الآية من أدق الآيات ، ولو أننا كلفنا إنسان يقرأ الإنجيل ، والتوراة ، والزَبور ، والقرآن الكريم ، وهذه الكُتُب السماوية الأربع يضغطها في سطرٍ واحد كلَّها ، ربنا عزَّ وجل لَخَّصَ في هذه الآية جميع الرسالات السماوية ..

نقطتين ..

نهاية العلم التوحيد ، ونهاية العمل العبادة .

هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ

 فإذا عرفت أن الله وحده لا شريك له ، فليس معقولاً أن تطيع مخلوقاً وتعصيه ، أمرك كله بيده ، وصحتك بيده ، وزوجتك بيده ، ومستقبلك ، وأولادك وجيرانك ، ورؤساءك ومرؤوسوك ، وزبائنك ، وأقرباؤك ، وأعضاؤك ، وقلبك ، ودسام القلب ، والشرايين التاجية بيده ، والكليتان ، وهبوط مفاجئ في وظائف الكليتين ، هذه بيد من ؟ ومرض خطير بلا سبب ، وهبوط مفاجئ ، وتوقف الكلى عن التصفية ، إذ يحتاج في كل أسبوع مرتين تصفية ، ومعامل كريات الدم الحمر بيده ، يقول لك : فقر دم لا مُصَنِّع ، مرض خطير جداً ، أي أن معامل كريات الدم الحمر بلا سبب معروف تَكُفُّ فجأةً عن صنع كريات الدم الحمر ، وهذه المعامل تصنع في الثانية الواحدة مليونين ونصف مليون كرية حمر ، وهذه المعامل تَكُفُّ فجأةً عن تصنيع كـريات الدم الحمر ، إذاً هذه المعامل بيده .

        يقال الكلية توقفت ، والبنكرياس توقَّف عن عمله ، وارتفعت نسبة السكر في الدم ، وحصل انسداد بالشريان وبالدماغ فأحدث شللاً نصفياً ، فهذه الجلطة الدموية بيد من ؟ من جعلها تتجمد ؟ كانت في الدم سائلاً في هرمون تجلد بالكبد ، وفي هرمون تميُّع ، من إفراز هذين الهرمونين إفرازاً متوازناً يبقى الدم بهذه الحالة السليمة ، ولو أن أحد الهرمونين أفرز زيادة عن اللزوم فيصبح الدم مائعاً ، فيموت الإنسان من شكة دبوس ، يموت بسبب نزف دمه كله ، أو يموت من تجلط الدم ، ويصبح الدم كله كالوحل في الشرايين والأوردة ، فالشريان بيده ، والقلب بيده ، والتجلط بيده ، والتميُّع بيده ، وعمل الكليتين بيده ، وعمل الغدة النخامية بيده ، والدرقية هذه مشكلة ، والطحال مشكلة ..

        أعرف رجلاً شاباً في ريعان الشباب ، وهو في الصف الرابع بالطب ، وعلى مشارف التخرُّج ، حدث معه فقر دم ، فنزل التعداد إلى ثلاثة ملايين بالميليمتر المكعب ، صحته طيبة ، وغذاؤه جيد ، فبعثوا عيِّنة من الطُحال إلى بلد أجنبي لفحصه ، والطحال له مهمة ، وهي أن يحلل الكريات الميتة إلى عواملها الأولى .. أي أن المهمة اقتصادية .. هذه الكريات الحمر الميتة بدل أن تلقى خارج الجسد تذهب إلى الطحال ، وتحلل إلى هيموغلوبين وإلى حديد ، والحديد يعاد شحنه إلى معامل كريات الدم الحمر في نقي العظام ، والهيموغلوبين يذهب إلى الكبد ليشكِّل الصفراء ، فالصفراء والحديد الذي يرسل إلى نقي العظام هذه من أنقاض كريات الدم الحمر .

        والآن هناك معامل لضغط الحديد ، سيارة مستعملة ، انتهى استعمالها تضغط بمكعب ، وترسل مرة ثانية إلى معامل الحديد ، وعندنا معمل في مدينة حماة من أجل أنقاض الحديد أيضاً ، فربنا عزَّ وجل جعل كل كريات الدم الحمر الميتة تذهب إلى الطحال والطحال يحللها إلى حديد وإلى هيموغلوبين ، فهذا الشاب الذي في ريعان الشباب طحاله يعمل بنشاطٍ أكثر مما ينبغي ، بمعنى أنه يأخذ الكرية الحمراء الميتة فيحللها ، ويأخذ الحيَّة فيميتها ، فصار معه فقر دم وتوفى بهذا المرض ، مرض غريب : زيادة نشاط الطحال .

       فنحن يهددنا خمسون خطراً ، إذا توقف الطحال إنها مشكلة ، وإذا اشتغل زيادة فمشكلة ، والبنكرياس ، والغدة الدرقية مشكلة ، وإذا زادت إفرازاتها فإنها تعمل فرط توتر ، وتعمل تبدد طاقة ، وتعمل مشكلات كبيرة جداً ، وإذا كسلت فتجد أن الإنسان ازداد وزنه لوزن غير طبيعي ، لأن الغذاء عندئذٍ لا يتحول إلى طاقة  ، فهل يجب أن نهتم ونخاف من الدرقية ، أم من النخامية ، أم من الكظر ، أم من البنكرياس ، أم من الصفراء ، له خمسة آلاف وظيفة ، أم من جهاز الهضم المعقد ، أم من ثقب بوتال بالقلب ، أم من تضخم الشرايين ؟

       طبيب شَرَّح قلباً ، فالقلب له دَسَّامات ، والدسام هو أعقد ما في القلب ، ثلاث وريقات مع انقباض الأذين تنفتح هكذا فيمر الدم ، فترجع فجأةً فتغلق الطريق إغلاقاً محكماً ، لا يوجد في الأرض أي مضخة إلا وهي مبنية أساسا على أن تسمح للماء بالمرور في اتجاه واحد ، فالقلب فيه دسامات خطيرة جداً .. وطبيب صنع دسَّاماً تقليداً عرضه بمئة وخمسين ألف ليرة ، فإذا واحد دسامه تعطل يركب واحداً اصطناعياً ،  يخدمه سنتين فقط ، ويحتاج بعدها لعملية ثانية ، ولدسام آخر .. على كلٍ تفتح الوريقات هكذا ، وتغلق ، لكن الطبيب رأى في ظهر الوريقة كرية لحم صغيرة ، لماذا هذه ؟ كرية لحم في ظهر الوريقة استأصلها من حيوان فتوفى الحيوان، فهل حياة الحيوان مرتكزه على هذه الوريقة الصغيرة ، بقدر رأس الدبوس ؟ ثم اكتشف بعد ذلك أن هذه الوريقة حينما تنفتح هكذا لئلا تشكل مع جدار الشريان سطح تماس فتلتصق ، هذه الكريَّة تشكل مع الجدار نقطة تماس ، فتعود إلى مكانها ..

( سورة لقمان :11 )

     ويوجد مليون جهاز ، ومليون قضية بجسمنا ، وهذا شيء معقد جداً ، فهذا الطفل لما يولد ففي الأذينين مفتوح ثقب بينهما ، وهو ثقب بوتال ، في الرحم لا يوجد في تنفس ، ولا يوجد هواء ، والرئتان معطلتان ، وجهاز التنفس معطل ، إذاً كيف تتم الدورة الصغرى ؟ من أذين ، من بطين ، للرئة ، لأذين ، عن طريق الرئتين ، الرئة معطلة في الرحم ، إذاً الله عزَّ وجل فتح فتحة بين الأذينين ، يمر الدم مباشرةً ، وحينما يولد المولود ـ هكذا قال الأطباء ـ تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب ، فأي يد تدخل إلى الداخل ، وسط الأذين ؟ وتأتي جلطة ، فمن ربُّها ؟ ومن سيَّرها ؟ تغلق ، وإذا لم يغلق الثقب ؟ فربنا عزَّ وجل أعطانا أدلة ، يترك لنا كل مئة ألف حالة ، حالة واحدة اسمها داء الزرق ، طفل لونه أزرق ، فالدم بدلاً من أن يذهب إلى الرئة لينقى من غاز الفحم ، ويأخذ غاز الأكسجين ، يذهب إلى الأقرب لأنه يوجد ضغط ، وانقباض ، وهناك فتحة صغيرة ، فلما ينضغط القلب عوضاً عن الدم لا يذهب إلى الرئتين بل يذهب للأذين الثاني ، فيصير دمه أزرق ، ويظل الطفل دائماً لونه أزرق ، وأعرف صديقاً ابنه أصيب بهذا المرض ، وقد توفي وهو في الثانية عشرة ، يصعد الدرج كل ثماني درجات يطلعهم في خلال ساعة ، لا يوجد عنده قوة على الإطلاق ، فيدُ من دخلت إلى القلب فأغلقت هذا الثقب ؟ الله سبحانه وتعالى ، فلذلك ربنا عزَّ وجل قال :

مليون جهاز بيد الله عزَّ وجل ، إذا آمنت أن يد الله عزَّ وجل ، فالمطابقة هل هي سهلة ؟ عدسة مرنة ، وعضلات هدبية دقيقة جداً ، وهذا الشكل أو هذا الجسم على مدى أربعين متراً ، كأن هذه العضلات عاقلة المسافة أربعين متراً ، خيال الجسم يقع خلف الشبكية ، إذاً تنضغط هذه العدسة بحيث يقع الخيال على الشبكية ، فيد مَن ؟ فالمطابقة وحدها عملٌ معجز ، وكل إنسان عنده مطابقة .

هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ      

فيا أيها الإخوة الأكارم ، نهاية العلم أن ترى أنه لا إله إلا الله ، ونهاية العمل أن تعبده ، ونهاية العلم أن توحِّدَهُ ، ونهاية العمل أن تعبده ، فإذا جمع الله عزَّ وجل في هذه الآية فحوى رسالات الأنبياء من دون استثناء ، فهذه هي الآية ، فلو قال لك أحدهم : أخي لخّص لي فحوى رسالات السماء كلها ، فاتلُ عليه الآية :

فإذا وحدته وعبدته نجوت من عذابه ، وسعدت بقربه وفي جنته .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi