English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الأنبياء ( 21 ) التاريخ : 20/05/ 1988- الدرس [5/8] ـ الآيات : 26 - 44 - لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس من سورة الأنبياء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

الملائكة عباد مكرمون

       أي أن هؤلاء الذين ظنَّهم الكفَّار بنات الله ليسوا كذلك ، إنهم هم عبادٌ مكرمون أي مقرَّبون ..

ومعنى لا يسبقونه بالقول أي أنهم في مرتبة العبوديَّة ، فلا يقولون إلا ما يُقالُ لهم ، وهم منصاعون لأمر الله سبحانه وتعالى ..

أي أن علم الله سبحانه وتعالى محيطٌ شامل بما هم فاعلون ، بما قد فعلوا ، وما خلفهم ..

الشفاعة

الشفاعة الزوج ، الشفعُ هو الزوج ، والشفاعة أن تضمَّ شيئاً إلى شيء ، فما من شيئين على وجه الأرض يجتمعان إلا بإذن الله سبحانه وتعالى ، وما اجتمع شيئان بنفعٍ أو ضُر إلا بإذن الله سبحانه وتعالى ، والمؤمن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء ، حتى لو أنه قد وصل إليك خيرٌ عن يدِ إنسان ، أو قد استطاع إنسان أن ينالك بالأذى ، فلا هذه ولا تلك من عند زيدٍ أو عُبيد ، إنما هما من أمر الله سبحانه وتعالى ..

أي أن هذا الإنسان الذي يملك الخيرات بحسب الظاهر لا يستطيع أن يعطيك منها شيئاً إلا أن يأذَنَ الله ، وهذا الذي يملك القدرة على الأذى لا يستطيع أن يؤذيك إلا بعد أن يأذن الله ويرضى ، إذاً الحقيقة أن علاقتك كلَّها بيد الله سبحانه وتعالى ، لكن ..

((إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ)) .

( سنن بن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ )

       إذاً :

أي من بطشه ، أو من عقابه مشفقون أي يخافون ، هذه الآيات شُرِحَت في الدرس الماضي ، وقد مررت عليها تمهيداً للآيات التي بعدها ، إذاً هؤلاء الملائكة الذين زَعَمَ كفَّار قريش ، والوثنيون أنهم بناتُ الله سبحانه وتعالى ليسوا كذلك ، إنما هم عبادٌ مكرمون أي مقرَّبون ، أوكل الله إليهم بعض المهمَّات التي تتناسب وإمكاناتهم وطبيعتهم ، وهم في مرتبة العبوديَّة المطلقة ..

الملائكة عباد طائعون خائفون لا يعصون الله

وهم أيضاً يخافون الله سبحانه وتعالى ويخشون عقابه ، والله سبحانه وتعالى مُحِيطٌ بهم إحاطةً كاملة ..

فهـذا الذي يتطاول على مرتبته ، ويدَّعي أنه إله ـ من باب الفرضيَّة ـ هم لا يفعلون ذلك ، الملائكة فوق ذلك ، إنهم مُنَزَّهون ، وإنهم مكرَّمون ، فلا يعصون الله ما أمرهم ، ولكن فرضاً ..

فهذا قانون ، فالذي يدَّعي ما ليس له ، والذي يدَّعي الألوهيَّة ، وأن بيده أمور الناس هذا متطاولٌ على مقام الألوهيَّة ، ولذلك لابدَّ من أن يُعذَّب في الدنيا والآخرة .

        وربنا سبحانه وتعالى بعد هذه الآيات المتعلِّقة بالملائكة بيَّن لنا إحدى أكبر الآيات الكونيَّة قال تعالى :

بعض مظاهر الإعجاز العلمي

أحياناً تظهر الآية لنا ظهوراً لتعبِّر عن نظريَّةٍ لم يتمَّ تحقيقها ، فمن النظريات ـ وإذا قلت : نظريَّة ، فمعنى ذلك أنها لم تصبح حقيقة ، ولكنها فرضيَّة ، النظريَّة شيء والحقيقة شيءٌ آخر ـ ولذلك لا يمكن لحقائق الدين أن تتناقض مـع حقائق العلم ، لماذا ؟ لأن الدين من عند الله ، ولأن العلم من قوانين الله ، والإله واحد ، وهذا خـَلْقه ، وهذا شرعه ، فمن المستحيل أن تجد تناقضاً بين القرآن وبين حقائق العِلم ، ومن عظمة القرآن الكريم ، ومن إعجازه أنه لم توجد حقيقةٌ علميَّةٌ منذ أن أُنْزِلَ هذا القرآن على النبي الكريم وحتى الآن تتناقض مع آياته ، وهذا مما يؤكِّد أن هذا الكلام كلام الله .

       فمن كان يظنُّ أن الإنسان سيصعد إلى الفضاء ؟ وأن الصعود في الفضاء يسبِّب قلَّةً في الضغط الجوي ، وضيقاً في النفس ؟ الله سبحانه وتعالى أشار إلى هذه الآية قبل أن يغزو الإنسان الفضاء ـ على حدِّ قول الإنسان ـ وماذا غزا من الفضاء ؟ غزا ثانيةً واحدة ، بين الأرض والقمر ، أما بين الأرض والشمس فثماني دقائق ، وطول المجموعة الشمسيَّة ثلاث عشرة ساعة ، وطول مجرَّة درب التَبَّانة مئةٌ وخمسون ألف سنة ضوئيَّة ، بعض المَجَرَّات تبعد عنَّه ستة عشر ألف مليون سنة ضوئيَّة ، فماذا غزا الإنسان ؟ غزا ثانيةً ضوئيَّةً واحدة ، وملأ الدنيا صياحاً وضجيجاً ، وكلَّفت هذه الرحلة آلافاً مؤلَّفةً من الأموال التي كانت من الممكن أن تسهم في نشر الرخاء على وجه الأرض .

        وعلى كلٍ ، لا يمكن لحقيقةٍ في القرآن أن تعارض حقيقةً في العلم ، ولكن إذا كان هناك تناقض فبين نظريةٍ وبين حقيقةٍ في القرآن ، أو بين خرافةٍ في الدين ، أو حقيقةٍ في العلم ، أو بين نظريَّةٍ لم تَثْبُت صحَّتها ، وبين حقيقةٍ في القرآن ، أما أن نجد بين حقائق القرآن ، وبين حقائق العِلم تناقضاً فهذا مستحيل ، لأن العلم اليقيني الذي وصل الإنسان إليه عن طريق التجربة هو عِلْمٌ ثابت ، وهو تعبيرٌ عن خلق الله ، وهو تعبيرٌ عن علاقاتٍ ثابتة بين الأشياء ، وإن الحقيقة القُرآنية هي وحيٌ من السماء ، وهل يُعْقَل أن يتناقض كلام الله مع خَلْقِهِ ؟ مستحيل ، لكن هناك علماء في الأصول يُحَذِّرون من أن تَجُرَّ الآية إلى تفسير نظريةٍ لم تَثْبُت صحَّتها ، أو أن تجرَّ الحقيقة العلميَّة إلى أن تلتقي مع آيةٍ ، والآية لها معنىً آخر ما أراده الله سبحانه وتعالى لتكون مطابقةً لهذه الحقيقة .

منشأ الكواكب السيارة

       على كلٍ هناك من يَزْعُمُ أن منشأ الأجرام السماويَّة ، أو أن منشأ الكواكب السيَّارة هو دوران كتلة الشمس الشديدة حول ذاتها ، فبحكم القوَّة النابذة انفلت منها بعض الكواكب ثم تبرَّدت فكانت الأرض ، فمن يؤمن بهذه النظرية يرى أن هذه الآية تناسب هذه النظريَّة :

      

والشيء الغريب هو أنه ما دامت المجموعة الشمسيَّة ، والشمس كانت جميعاً كتلةً واحدة إذاً ينبغي أن تكون هذه المجموعة من طبيعةٍ واحدة ، فلمَّا صعد الإنسان إلى القمر وجاء ببعضٍ من تراب القمر ، وُجِدَ أن بين تراب القمر ، وبين تراب الأرض فَرْقٌاً في النوع ، فهذه العينات من تُراب القمر لم تؤكِّد تلك النظريَّة ، والذي يُبْعِدُ أن تكون هذه الآية تأكيداً لهذه النظريَّة أن الله سبحانه وتعالى صَدَّرها بقوله الكريم ..

فهذا شيءٌ حصل قبل ألوف ألوف ملايين السنين ، قبل أن يُخْلَقَ الإنسان على وجه الأرض ، فجواب الذين كفروا على هذا التفسير أنهم لم يروا ذلك ، ولكنَّ الآية في أوجه تفسيراتها تشير إلى أن السماوات والأرض كانتا رتقاً أي شيئًا متجانسًا ، السماء لا تُمطر ، والأرض لا تُنبت ..

معنى : فَفَتَقْنَاهُمَا

فتقنا السماء عن المطر ، وفتقنا الأرض عن النبات ، السماء انفتقت ، فنزل منها المطر ، والأرض انفتقت فخرج منها النبات ، ويُعَدُّ النباتُ أكبر آيةٍ كونيَّةٍ تحت سَمْعِ الإنسان وبصره ، وتعدُّ ظاهرة النبات أكبر آيةٍ كونيةٍ موضوعةٍ تحت سمع الإنسان وبصره .

ظاهرة النبات

إن النبات داخلٌ في حياتنا دخولاً صميمياً ، فأنت تأكل الخُبز وهو من نبات القمح ، وتشرب الحليب ، والحليب من نتاج الحيوان ، والحيوان غذاؤه النبات ، وأنت تأكل الخضراوات ، والبقول ، والمحاصيل ، والفواكه ، والثمار ، وأنت تستخدم الأخشاب في أثاث بيتك ، وفي النوافذ والأبواب ، والأخشاب من النبات ، وأنت تستخدم الدواء ومعظم الدواء من النبات ، وأنت تستخدم بعض الحاجات ، الليف من النبات ، والسِواك من النبات ، والخُلَّة من النبات ، وهناك أشجارٌ تستفيد من جذوعها ، ومن أخشابها .

        وتعدُّ أنواع الأخشاب بالغة التعقيد ، فهناك أخشابٌ لها ميزاتٌ خاصَّة ، فأخشابٌ لا تتأثَّر بالبرد والأمطار ، وأخشابٌ ليَّنة الاستعمال ، وأخشابٌ صَلدة ، وأخشابٌ مرنة ، فالأخشاب كلُّها من ظاهرة النبات ، فهناك نباتاتٌ حدوديَّة جعلها الله حاجزاً بينك وبين جيرانك ، وهناك نباتات الزينة ، ونباتاتٌ كالمظلات ، ونباتاتٌ تستخدم أخشابها وأخرى جذورها ، ومن ثمَّ أوراقها ، ونباتاتٌ تستخدم أزهارها ، فظاهرة النبات تُعَدُّ أخطر ظاهرةٍ ، وأوضح آيةٍ بيِّنةٍ موضوعةٍ بين يدي الإنسان على وجه الأرض ، لذلك :

هذه الطاولة من النبات ، وهذه الوردة من النبات ، وهذا السجَّاد الذي تجلسون عليه ما كان ليكون كذلك لولا النبات ، إنه من الصوف ، وهذه الثياب من القطن ، فلو استعرضت الحاجات التي تستعملها كل يوم لرأيت النبات يدخل في معظمها ، فالفراش الوثير ، واللحاف الذي تتغطَّى به ، وكل حاجةٍ تقريباً أصلُها من النبات ..

أليست هذه الآية أمامهم ؟ أليست هذه الآية تحت سمعهم وبصرهم ؟ أو أليسـت هذه الآية في متناول حواسِّهم ؟ أي واضحةً أمامهم ؟ وداخلةً في حياتهم حيثُما كانوا ؟ ودائرة معهم حيثما داروا ..

هذه الأرض البُنية اللون كيف أصبحت في الربيع ذات بساطٍ أخضر يبعث البهجة في النفس ؟ فمن أين جاءت هذه الأزهار ؟ عدد الحشائش لا يعلمها إلا الله ، وأنواع الحشائش التي تظهر في فصل الربيع لا يعلمها إلا الله ، عدد الأزهار ـ أزهار الزينة ـ لا يعلمها إلا الله ، من أين جاءت ؟ على اختلاف أشكالها ، وألوانها ، وروائحها ، وطبائعها ، وخصائصها ، وبُنيتها ، وأزهارها ، وأوراقها ، وثمارها ..

لو أن السماء بقيت رتقاً فلم تنفتق عن المطر ماذا حلَّ بنا ؟ فأقطارٌ في قارَّة إفريقيا أصابها الجفاف سبع سنواتٍ متتالية ، ولم يبقَ فيها شيء ، وجميع الأشجار ماتت ويبست ، وجميع النباتات أصبحت كالهشيم ، وتبعتها الحيوانات ، وتبعها الإنسان ، والبقيَّة الباقية هاجرت إلى أقطارٍ أخرى ، ماذا كان من الممكن أن يكون لولا الماء الذي انفتقت عنه السماء ؟ إن الله عزَّ وجل جعل من الماء كل شيءٍ حي ، ومع ذلك فقد قلت لكم في خطبةٍ سابقة إن الله سبحانه وتعالى يقول :

 ( سورة المدثر : من آية " 31 " )

وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ

       يتحدَّثون عن الجراد ، والجراد يستطيع أن يأكل كل يوم بقدر وزنه تماماً ، فإذا كان هناك بعض أسراب الجراد التي يزيد وزنها عن ثمانين ألف طن ، إنها تأكل في اليوم ثمانين ألف طن ، وإن الكيلو متر مربَّع من أسراب الجراد يَعُدُّ مئتي مليون جرادة ، إذ هناك إحصائيَّاتٌ خطيرة ، والله سبحانه وتعالى يقول :

       قد يأتي الجراد إلى بلد فيؤخِّرَهُ ثلاثين عاماً ، أي لا تعود النباتات إلى ما كانت عليه إلا بعد ثلاثين عاماً ، اللهمَّ اصرف عنَّا الجراد والوباء يا ربَّ العالمين ..

ظاهرة الماء وخصائصه وأهميته

هذا الماء تلك الآية العظيمة ، هل فكَّرت في خصائصه ؟ وهل فكَّرت لماذا كان الماءُ لا لون له ؟ ولماذا كان الماء لا طعم له ؟ و لا رائحة له ؟ ويتبخَّر بدرجة أربع عشرة ؟ ولماذا كان الماء ذا سيولةٍ دقيقة بحيث ينفُذُ في أدقِّ المَسام ؟ ولماذا كان الماء يتمدَّد في التسخين ، وينكمش في التبريد إلا في درجة واحدة تنعكس معها الآية ؟ لماذا يتمدَّد الماء في الدرجة زائد أربع ؟ لولا هذه الظاهرة لما بقي مخلوقٌ على وجه الأرض أبداً ، ولأصبحت البحار محيطاتٍ متجمِّدة ، ولانعدم التبخُّر ، ولانعدم هطول الأمطار ، ولمات النبات ، وتبعه الحيوان وكان الإنسان مصيره الهلاك ، فلو أن الماء لا يتمدَّد في الدرجة زائد أربع ، هذا الماء بهذه الخصائص .

       لماذا تثبُتُ درجة غليان الماء ؟ الزيت ليس كذلك ، إنَّ درجته ترتفع إلى أرقامٍ عالية ، بينما الماء لو استمرَّ يغلي عشرات الساعات لا تزيد حرارته عن مئة درجة ، فدرجة غليانه ، هي درجة تبخُّره ، ثم إن درجة ذوبانه ، هي درجة تجمُّده ، ودرجة انكماشه ، درجة توَسًّعه ، لا لون له ، ولا طعم ، ولا ورائحة ، له خاصة نفوذيته ، من جعل الماء بهذه الصفات ؟

من منَّا يُصدِّق أن سبعين بالمئة من وزن الإنسان ماء ، ومن منَّا يصدق أن بعض الفواكه سبعةٌ وتسعون بالمئة من وزنها ماء ، فالبطيخ ماء مجمَّد ، ولكنه مجمَّد لا على أساس التبريد ، بل على أساس التكوين ، فهذا البطيخ ماءٌ مجمَّد مُحَلَّى ، فيه مواد مفيدة ، وفيه معادن ، وفيتامينات ، وفيه مواد سكرَّية ، ومجمَّد من دون تبريد ، فلذلك أراد ربنا عزَّ وجل أن يلْفِتَ النظر إلى أن الماء أساس الحياة ، وأن الإنسان لا يستغني عن الماء أكثر من أيامٍ ثلاثة ، وبعدها يموت ، ولا يستغني عن الهواء أكثر مـن دقائق ثلاث ، وبعدها يموت ، ولذلك فالهواء في كل مكان ، والماء في أماكن متفرِّقة ، أما الطعام فقد يستغني عنه الإنسان أيَّاماً عديدة تزيد على ثلاثين يوماً ، ولذلك يحتاج الطعام إلى كَسْب ، أما الماء والهواء فهو مبذولٌ لجميع الناس من دون ثمن .

أليست هذه الآية كافيةً ؟

اطلعت مرَّة على كتاب مؤلَّف من ثمانية عشرَ جزءًا ، كل جزءٍ تزيد أوراقه على ثمانمئة صفحة ، وفي كل صفحة صورةٌ لوردةٍ تختلف عن أختها ، فإذا كان الكتاب ثمانية عشر جزءًا ، وكل جزء فيه ثمانمئة صفحة ، وكل صفحةٌ نباتٌ يسبِّح الخالق ، إذاً هذه النباتات كلُّها من أجل إمتاع النظر ، لا من أجل القوت ، أليس هذا إكراماً إلهياً ؟ أليس في هذا تودُّدٌ للإنسان ؟ أليس هذا مسخَّراً للإنسان ؟ فالإنسان حينما يرى أن الله سبحانه وتعالى كرَّمه ..

( سورة الإسراء :70)

       كم أنواع الشراب الذي تشربه ؟ وكم أنواع الطعام الذي تأكله ؟ وكـم أنواع الفواكه التي خلقها الله سبحانه وتعالى ، كـم ؟ كم هي كثيرة !

أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ

ماذا ينتظر الإنسان حتى يؤمن ؟

( سورة عبس :32)

( سورة الطور :35)

( سورة يوسف :105)

ظاهرة الجبال

هذه السلاسل الجبليَّة العظيمة كيف جعل الله في منتصفها سُبُلاً ، ومضائق ، وممرَّات ؟ فلولا هذا لكان انتقال الناس من سَفْحٍ إلى آخر شيئاً مستحيلاً ، فإذا وجدت الجبلين بينهما وادٍ هكذا ، أو بينهما ممر جبلي ، فليس هذا مصادفة إنه آيةٌ واضحةٌ على رحمة الله بالإنسان ..

       أمَّا أن تكون الجبال رواسي أن تميدَ بهم ، فلأن الجبال جعلها الله سبحانه وتعالى في أماكن دقيقة جداً من الأرض ، بحيث إذا دارت الأرض حول نفسها دورةً سريعة كانت محصِّلة هذا الدوران استقراراً ، آيةٌ من آيات الله العُظمى ..

 ( سورة النمل : من آية " 61 " )

       من جعلها ساكنة ؟ لو أن هناك اضطراباً طفيفاً لما بقي هذا المسجد على ما هو عليه ، ولم يبقَ على وجه الأرض بناء ، ولو لا أن الله سبحانه وتعالى جعل الأرض قراراً ، مستقرَّةً مع حركةٍ تأخذ بالألباب ، ونحن جئنا إلى هذا المسجد ، وبدأ الدرس في تمام الساعة الثامنة وخمس دقائق تقريباً ، والآن الساعة الثامنة وخمسٌ وثلاثون دقيقة ، فقد مضى على بدء الدرس ثلاثون دقيقة ، من منكم يصدِّق كم من الكيلو مترات قطعتها الأرض في هذه النصف ساعة ؟! في كل ثانيةٍ تقطع الأرض ثلاثين كيلو متراً ، فبالدقيقة ثلاثين في ستين ، أي ألف وثمانمئة ، ففي الثلاثين دقيقة ألف وثمانمئة ضرب ثلاثين ، ألف وثمانمئة إلى عشرة ، ثمانية عشر ألفاً إلى ثمانية عشر ألفاً في ثمانية عشر ألفاً ، أربعة وخمسون ألف كيلو متر قطعت الأرض منذ أن بدأت كلامي وحتى الآن ..

الأرض تنتقل حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو متراً في الثانية ، وفي دورتها حول نفسها بسرعة ألف وست مئة كيلو متر في الساعة ، إذاً هذه الدورة وهذه الحركة تحتاج إلى استقرار ..

 ( سورة النمل : من آية " 61 " )

       تجد بناء يقول لك : هذا مُعَمَّر من ثمانين سنة ، ما فيه ولا شَق ، فما معنى ما فيه شق ؟ أي لا يوجد اهتزاز ، لأن أي اهتزازٍ أصاب الأرض لكان أثره واضحاً في الأبنية .

مرَّة أوضحت ذلك ، أن العجلة التي يصنعها الإنسان ، مهما كان القالب التي صُبَّت فيه هذه العجلة دقيقاً محكماً متوازناً ، لابدَّ لهذه العجلة من أن تضطرب على السرعات العالية ، يأتي الإنسان ويضع هذه العجلة في الميزان ، فيخبره الميزان أنها في هذا المكان تحتاج إلى قطعةٍ من الرصاص مقدارها خمسون غراماً ، توضع هذه القطعة في العجلة ، فإذا دارت العجلة بسرعةٍ بالغة بقيت مستقرَّة دون اضطراب ، فهذا المثل اللطيف يمكن أن يُطَبَّق على الأرض .

الأرض فجاج وسبل ممهّدة للسير

الفجاج أي الطُرُق بين الجبال ..

إلى أهدافهم وإلى ربِّهم  ، لعلَّ هذه الجبال الشامخة ، وهذه الأرض المستقرَّة ، والسماوات المنفتقة عن الأمطار ، والأرض المنفتقة عن النبات ، لعلَّ في هذا دليلاً قاطعاً على وجود الله ، وعلى عظمته ، وتربيته ، وتدبيره ، ومَحَبَّته ، وإكرامه ..

 

عظمة خلق السماوات

هذه السماء سقف ، قال العلماء : محفوظة من أن تُنَالَ بأذى ، أو محفوظةً من أن تتبدَّل طبيعتها ، فيكفي أن تعلموا أن في الجو طبقةً من الأوزون ، هذه الطبقة لا تزيد سماكتها عن الميليمترات ، هذه الطبقة تمنع وصول الأشعَّة التي تؤذي الإنسان ، فالأشعَّة الشمسيَّة فوق هذه الطبقة تؤذي الإنسان ، ولكنَّها بعد هذه الطبقة لا تؤذيه ، وإنَّ هذه السماء كأنَّها سقفٌ محفوظٌ ، أي حافظٌ للإنسان محفوظةٌ من أن تُمَسَّ بأذى ، ومن أن تتبدَّل طبيعتها ..

عن آيات السماء ، وعن مذنَّباتها ، فالمذنَّبات آية ، والكويْكبات آية ، والنيازك آية ، والثقوب السوداء آية ، والكازارات آية ، والمجرَّات آية ، والنجوم آية ، والكواكب آية ، والأقمار آية ، وحركة الكواكب آية ، والتجاذُب فيما بين الكواكب آية ، وقانون الجاذبيَّة آية ..

السماء لها آيات ، هي آيةٌ واحدة ولها آياتٌ كثيرة ..

آية الليل والنهار

الليل يُخْلَق ، ومن آياته الليل والنهار ، الليل والنهار من دوران الأرض حول نفسها ، والليل والنهار آيةٌ عُظمى على رحمة الله بالإنسان ، ساعةُ نومٍ في الليل لا تعدلها ثلاث ساعاتٍ في النهار لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الليل سَكَنَاً ، وجعل الليل مُظلماً ، وجعل الكائنات كلِّها تأوي إلى أوكارها في الليل ، ولذلك إذا استيقظ الإنسان في منتصف الليل يُحسُّ بسكونٍ يُخَدِّرُ الأعصاب ، هذا هو الجو المناسب للنوم ، أصواتٌ قليلة وضوءٌ خافت ، أمـا النوم في النهار فقلَّما يرتاح الإنسان فيه ، فالليل جعله الله سكناً ، وجعله سِتْرَاً ، يقول لك : لو نقلنا الليل ، فالإنسان له أغراض بعضها مقبول ، وبعضها غير مقبول ، جعل الله الليل ستراً ، وجعله سكناً ، وجعله وقتاً مناسباً لمناجاة الله عزَّ وجل ، لذلك :

( سورة القدر :1)

 

 ( سورة المزمل : من آية " 20 " )

 ( سورة الإسراء : من آية " 1 " )

الليل مناسبة للعبادة والمناجاة

       جعل الله الليل مناسباً لمناجاته ، مناسباً لعبادته ، وذكره وتلاوة كتابه.. وفي الحديث :

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ،  وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)) .

 ( صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ )

فقم في الدجى    لا تخشَ وحشةً

*  *  *

         هؤلاء الذين يمشون إلى المساجد في الليل هؤلاء في أعين الله ، وهؤلاء لهم عند الله أجرٌ كبير ، فلذلك يقول ربنا عزَّ وجل :

هذا الضياء ، وهذه الحرارة ، وهذه الشمس التي تبعث الدفء والنور والتطهير للأجسام فهذه من آيات الله العُظمى ، ولذلك قالوا : " كل مخلوقٍ يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت " ..

الليل مـهـما طـال     فلابدَّ من طلوع الفجر

والعمر مـهما طـال    فلابدَّ مـن نزول القبر

*  *  *

      ولو أن لا يوجد ليل ونهار ، فيسألك أحدهم : كم عمرك ؟ فتجب : لا أعرف ، ولكـن بوجود الليل والنهار صار أيام الأسبوع ؛ السبت ، والأحد ، والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، والجمعة ، وأسبوع ، أربعة أسابيع ، شهر ، ثلاثة أشهر ، فصل ، أربعة فصول سنة ، أربع سنوات سنة ، العقد الأول ، يقول لك : أنا ولدت في الأربعينات ، وهذا بالخمسينات ، وثالث بالستينات ، ورابع بالسبعينات ، وخامس بالثمانينات ، وسادس بالتسعينات ، وعندنا قرن ، وبعد القرن يوجد حِقَب ، وبعده ذلك :

( سورة الرحمن)

 فلولا دورة الأرض حول نفسها لما كان الليل والنهار ، ولما كان الزمن .

       إذاً الليل سَكَن ، والنهار للكسب ، والليل مأوى ، والليل ستر ، والليل ذكرى ، والنهار لنعلم عدد السنين والحساب ..

هذه الشمس التي تكبُر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرَّة ، أي أن مليون أرض وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جَوف الشمس ، والشمس حرارتها في نواتها أكثر من عشرين مليون درجة ، بينما حرارتها على سطحها تزيد على ستَّة آلاف درجة ، أما ألسنة اللهب المُنْبَعِثَة منها فيزيد طول بعضها على مليون كيلو متر ، والشمس مُتَوَقِّدةٌ بتقدير بعض علماء الفلك منذ خمسة آلاف مليون سنة ، ولو أن الأرض أُلقيت في الشمس لتبخَّرت في ثانيةٍ واحدة .

يقول لك : الطاقة الشمسيَّة ، الآن هناك أجهزة كثيرة للتسخين على الطاقة الشمسيَّة ، فهناك سيَّارات تتحرَّك على الطاقة الشمسيَّة ، وهناك مواقد تعمل على الطاقة الشمسيَة ، عن طريق مرآة مُقَعَّرة ولها مكان تضع عليها القدر ، وهذه المرآة بحسب أشعَّة الشمس ، وانعكاسها ، وِمْحَرَق هذه المرآة المقعَّرة تستطيع أن تسخِّن الماء ، وأن تطهي الطعام ، إذاً هذه الشمس شيءٌ عظيمٌ جداً ..

الكواكب : كلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ

فكلمة كلٌ نَكِرَة ، العلماء استنبطوا أن هذه الآية تنطبق على الذرَّة ، وعلى المجرَّة ، بدءاً من الذرَّة ، وانتهاءً بالمجرَّة ، نظام الكون يقوم على أن كل جرمٍ فيه يسبح في فَلَكٍ حول نواته ، لماذا ؟ لو لا أن الكواكب تتحرَّك في مساراتٍ بيضاويَّةٍ أو دائريَّة حول كواكب أخرى لأصبح الكون كلُّه كتلةً واحدة ، لأن هذه الحركة ينتج عنها قِوىً نابذة ، وهذه القُوى النابذة محسوبةٌ حساباً دقيقاً كي تكافئ القِوى الجاذبة ، كل جِرمٍ سماوي ينجذب إلى جِرمٍ آخر ، فلماذا ؟ لأنه يدور ، وماذا إذا دار ؟ من دورته تنشأ قوَّةٌ نابذة ، هـو ينجذب إلى النواة ، ومن دورته تنشأ قوَّةٌ نابذة ، ومن توازن قِوى الجذب مع قِوى النبذ ينشأ هذا الاستقرار الحركي ،  فلذلك :

فكل كوكبٍ له مسارٌ حول كوكبٍ آخر ، وشيءٌ لا يُصدَّق أن هذا الكون مستقرُ على مبدأ التجاذب ، تجاذب حركي ، فالكوكب ينجذب بحسب الكُتلة ، وبحسب مُرَبَّع المسافة والسرعة ، وبحسب أشياء كثيرة  كلُّها متداخلة والمُحَصِّلة استقرارٌ في الكون ، هذه :

 ( سورة النمل : من آية " 61 " )

       وتوجد آية قرآنيَّة أخرى :

 ( سورة الرعد : من آية " 2 " )

       هناك عمد ، لكنَّ هذا العمود لا ترونها ، ما قولك أن يُنْشَأُ بناءٌ من مئة طابق بعيدٌ عن الأرض مسافة خمسين متراً ، من دون أعمدة ؟ هذا فوق طاقة البشر ، فهناك أعمدة ولكنَّها شَفَّافة تخترقها ، هكـذا :

هناك عَمَد ، فالقمر مجذوبٌ إلى الأرض بما يساوي كبلاً فولاذياً مضفوراً قطرُه خمسون كيلو متراً ، ولو كان ربنا عزَّ وجل رَبَطَ القمر بالأرض بكبلٍ فولاذي ، وربط الأرض بالشمس بكبلٍ أكبر ، والشمس  بالقمر بواحد ، لرأيت السماء شبكةً سوداء ، وهذا شيءٌ مستحيل ، إنه قال :

       أي أنها بِعَمَدٍ ولكنَّكم لا ترونها ، وهذه قِوى التجاذب ، إنه شيءٌ لا يُصدَّق ، من آيات الله الكُبرى الدالَّة على عظمته .

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ

إنّ كفَّار قريش تَمَنَّوا أن يموت النبي عليه الصلاة والسلام فتنتهي دعوته ، وتنتهي هذه الرسالة ، وتنتهي هذه المشكلة ، فهم ينتظرون موته ، ولذلك قال الله عزَّ وجل :

أتكون الشماتةُ بالموت ؟ لأن الناس جميعاُ سيموتون ، والقائلون سيموتون ..

والإنسان أحياناً يمشي في جنازة فيقول لك : مسكين لقد مات ، وكأنه هو لا يموت ، مسكين ، وأنت مسكين كذلك ، أمر محتوم ..

 ( سورة القصص : من آية " 88 " )

( سورة الرحمن :26)

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته   يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ

فإذا حملت إلى القبور جـنازةً    فاعلم بأنَّك بـعـدها محمولُ

*  *  *

      

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ

لا تبقى إلا المواقف ، الخير يزول والشر يزول ، هناك قولٌ دقيقٌ جداً :<