English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الأنبياء ( 21 ) التاريخ : 27/05/ 1988- الدرس [6/8] ـ الآيات : 42 - 70 - لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس من سورة الأنبياء ، في الدرس الماضي وصلنا إلى قوله تعالى :

 

حفظُ الله عبادَه بالليل والنهار

     يكلؤكم بمعنى يحفظكم ، من الذي يحفظكم ؟ يحفظ أجهزتكم ، وصحتكم ، وأولادكم ، وأهلكم ، وأموالكم ، لابدَّ من رحمةٍ وعنايةٍ وحفظٍ من قبل الله عزَّ وجل .

    هل في الأرض كلِّها جهةٌ تستطيع أن تحفظكم ؟ لأن أجهزة الإنسان بيد الله عزَّ وجل ، أن تعمل بانتظام من دون خلل فهذا بإذن الله ، وهذا بقدرة الله ، ولثالث برعاية الله ، والرابع بحفظ الله ..

( سورة الطارق: 4)

       وربنا عزَّ وجل يقول :

( سورة يوسف :64)

       آلاف القصص التي أسمعها من كل أخٍ كريم أن الله عزَّ وجل حفظ مالي من التلف ، وحفظ ابني من حادثٍ مروع ، ورعى زوجتي من عمليةٍ جراحية خطيرة ، ولولا أن الولادة تمت في الوقت المناسب ، وصان صحتي من الخلل ، هذا الذي يحفظكم ، يحفظ كل شيءٍ متعلقٍ فيه ، مَن ؟ الله سبحانه وتعالى .

( سورة يوسف :64)

تعليم الإسلام سبل الحفظ والكلأ   

الأدلة من القرآن الكريم :

       لقد علَّمنا الله سبحانه وتعالى كيف نستعيذ به ..

( سورة الفلق )

       الشيطان إذا دخل نفس الإنسان ..

( سورة الفلق )

       وعلمنا أن نستعيذ به في سورةٍ أخرى :

( سورة الناس )

الأدلة من السنة النبوية :  

والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أوى إلى فراشه يقول :

(( اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ ، لا مَلْجَا وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ )) .

( من صحيح البخاري : عن " البراء بن عازب " )

 

       وعلمنا أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام أن نقول :

(( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ )) .

( من سنن الترمذي : عن " أنس بن مالك " )

       وعلمنا النبي عليه الصلاة السلام في أدعيته أن نقول :

(( اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ )) .

 ( من صحيح البخاري : عن " شداد بن أوس " )

       وحينما يلتجئ الإنسان إلى الله عزَّ وجل يحفظه الله ،

(( أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء )) .

[الجامع الصغير عن واثلة بن الأسقع]

       هذه الاستعاذة إن كانت بآيات القرآن الكريم التي وردت في معرض الاستعاذة والالتجاء ، أو كانت في الأحاديث الشريفة التي وردت في معرض الالتجاء والاستعاذة ، فهذه كلها إذا قرأها الإنسان وقلبه حاضر ، ونفسه طاهرة ، وعمله مستقيم ، فإن الله سبحانه وتعالى يحفظه من كل شر ، فهل في الكون جهةٌ بقدرتها أن تحفظكم إذا سألتموها الحفظ ؟

      إن الإنسان أحياناً تحمل زوجته وهي على وشك الوضع ، فترى الزوج يلجأ إلى الله عزَّ وجل أن يكون المولود سليماً ، فإذا جاء المولود سليماً فهذا بفضل الله عزَّ وجل ، وإذا جاء مشوَّهَاً أو فيه خلل فتجده ينفق آلاف الآلاف من أجل أن يعود بشكلٍ صحيح ، وقد يكون هذا غير ممكن .

رحمة الله تقتضي حفظ العباد

     لم يقل الله سبحانه وتعالى من الخالق ، بل قال :

    لأن الله سبحانه وتعالى برحمته يكلؤكم ، لأنه رحمنٌ رحيمٌ يحفظكم ، لأنه رحمنٌ رحيمٌ يقيكم من شر ما خلق ، فكلمة الرحمن هنا جاءت مُنَاسِبَةً للحفظ والرعاية ، أي أنه إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ولكن الله سبحانه وتعالى بين لنا أن مَعِيَّتَهُ لها قانون..

 ( سورة المائدة : من آية " 12 " )

إعراض العباد عن ذكر الله   

    فيُقبل على الدنيا ، ويُقبل على مصالحه ، وتجارته ، وما يَعْنِيه منها ، وبيته ، أما إذا ذُكِّرَ بربه فإنه يعرض عنه ، وإذا دُعي إلى مجلس علم فإنه يعتذر ، وإذا دعي إلى عملٍ صالح يدَّعي أنه متعب ، أما إذا دعي إلى صفقةٍ أو إلى شراء أرضٍ أو إلى شراء حانوتٍ ، أو إلى رحلةٍ ممتعةٍ فإنه لا ينام الليل ..

       " يا رب كيف أشكرك ؟ " ، قال : يا موسى تذكرني ولا تنساني ، إنك إن ذكرتني شكرتني ، وإذا ما نسيتني كفرتني " ، أي أنه بمجرد أن تذكرني فأنت شاكرٌ لي ، فإذا ما نسيتني كفرتني .

    والله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة طه )

       هذا قانون ..

   ( مَنْ ) اسم شرط جازم يأتي بعدها فعلان ، يقع الثاني حتماً إذا وقع الأول ، هذا معنى الشرط

  هذا فعل الشرط :

   معيشة شقية ، ولو كنت من أصحاب الملايين ، ولو كنت من أقوى الناس ، لأن الله سبحانه وتعالى يَسْلُبُ المُعْرِضَ السعادة ، ويبقي له الضيق ، والقلق ، والحيرة ، والقهر ..

( سورة الصافات )

       أما المؤمن فإذا ذُكِّرَ يذكر ، إذا ذُكِّرَ بآيات ربه خر لله ساجداً ، إذا ذكر بأمرٍ إلهي نفَّذه ، وبنهيٍ تركه ، وبعبادةٍ قام إليها ، وبمجلس علمٍ بادر إليه ، وبالقرآن قرأه .

     هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر الله فعلى أي شيءٍ يعتمدون ؟ وإلى أي قوةٍ يستندون ؟ .

نظام جسم الإنسان تحت رحمة الله  

    فهؤلاء الكفار ، هؤلاء الفجار حينما أعرضوا عن ذكر الله ، وحينما استغنوا عن رحمته ، هل لهم قوةٌ تمنعهمم من الله عزَّ وجل ؟ هذا سؤال ، أي أن هذا الكافر المُعرض على أي شيءٍ يستند ؟ إن كل عقله متوقفٌ على سلامة شرايين المُخ ، فإذا تجمدت نقطة دمٍ في أحد شرايين المخُ دخل مستشفى الأمراض العقلية ، أو أصيب بالشلل ، أو أصيب بالعمى ، كل قوة الإنسان نابعةٌ من حِفْظِ الله له ، فلو أن شرياناً صغيراً ، أو وعاءً شعرياً تجمدت فيه قطرة دمٍ لاختل توازنه ، ولفقد ذاكرته ، وبصره ، وسمعه ، ومحاكمَته ، وحركته ، وقوته ، فعلى أي شـيءٍ تعتمد ؟

 

        أيّ غدةٍ من غدد الإنسان لو أنها قصَّرت أو نشطت أكثر مما يجب ، تصبح حياة الإنسان جحيماً ، فهذه الغدة الدرقية لو أنها قصَّرت لأصيب الإنسان بالتكاسل ، ولو أنها نشطت أكثر مما ينبغي لأصبحت حياة الإنسان قلقةً لا ينام الليل ، لفرط توتُّره ونشاطه ، وهذه الغدة النخامية ، غدة الكظر، فمراكز بالإنسان معقدة جداً ، فمركز توازن السوائل لو اختل لشرِبَ الإنسان في اليوم مئات اللترات من الماء ، ولطرحها في البول فوراً ، ولابدَّ له أن يقيم إلى جانب صنبور ماءٍ ، وإلى جانب دورة مياه ، لو أن غدةً صغيرةً اختل توازنها .

     الكبد يفرز هرمون التجلُّط ، وهرمون التميُّع ، ومن إفراز هذين الهرمونين بشكلٍ متوازن ترون الدم على وضعه الطبيعي ، فيه سيولة بين التجلُّط وبين التميُّع ، ولو أن هرمون التميع زاد قليلاً لخسر الإنسان دمه من جُرْحٍ بسيط ، أو لو أن هرمون التجلط زاد قليلاً لمات فوراً بجلطةٍ فجعل الدم كله كالوحل في شرايينه وأوردته ..

     ولو أن الإنسان التهبت القنوات النصف دائرية في أذنيه لا يستطيع أن يمشي على قدميه ، بل يحتاج إلى من يمسكه ، ويفقد توازنه ، والتوازن نعمة من نعم الله الكُبرى .

    فمن أَمَّنَ لك التوازن ؟ ومن الذي جعل هذه الأجهزة تعمل بانتظام ؟ تأكل اللُّقمة ، فاللعاب فيه مواد هاضمة ، ولسان المزمار لولا أنه يعمل لأصبحت حياة الإنسان جحيماً ، وطريق الهواء وطريق الطعام ، وهذا اللسان إذا أردت أن تأكُل يُغْلِقَ طريق الهواء ويفتح طريق المريء ، فإذا أردت أن تتكلم أغلق طريق المريء وفتح طريق الهواء ، ولو اختل عمله قليلاً لمات الإنسان ، ولو دخل إلى رئتيه بعضٌ الماء لأصبحت حالته خطيرة، فلولا أن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الرغامى ، القصبة الهوائية أشعاراً تطرد المواد الغريبة نحو الأعلى ، وهذا هو القشع لما استقامت حياة الإنسان ، ولولا أن المريء مزود بعضلات دائرية تسوقُ اللقمة من الأعلى إلى الأسفل ، فالإنسان وهو نائم يأكل ، والطعام يمشي في المريء ، ولو علق من رجليه وأطعمته لقمةً تنطلق نحو الأعلى بفضل هذه العضلات التي تتقلَّص تباعاً .

     فالإنسان ينام ، لكن لسان المزمار لا ينام ، وكلَّما تجمَّع الريق في فمه ، وهو نائم يأتي أمر من الدماغ إلى لسان المزمار بإغلاق القصبة الهوائية وفتح المريء ، فيقال : بلع ريقه وهو نائم ، وكل فترة يحس على حاله ، وهذان الجفنان يرفَّان بشكل منتظم ، ست عشرة حركة في الدقيقة ، أنت لا تدري ، فكلما تشكَّل على القرنية غبارٌ أو شيءٌ غريب جاء الجفن ومسح هذه القرنية ، وجعل هذه الأجفان لئلا تلتهب أطراف الأجفان .

    والحديث عن الهضم شيءٌ لا ينتهي ، فالبنكرياس ، والصفراء ، والكبد ، والزُغابات المعوية ، والحديث عن جهاز الدوران لا ينتهي ، القلب، والدسَّامات ، والدورة الصغرى ، والدورة الكبرى ، والشرايين ذات مرونة عالية جداً والأوردة أقل مرونة ، فمن جعل الشريان في الداخل والوريد في الخارج ، فلو أن الآية معكوسة ، أي أن الشريان في الخارج ، والوريد في الداخل ، فأي جرحٍ أصاب الشريان يفقد الإنسان دمه كله ، أما الشرايين ذات الضغط العالي في الداخل ، والأوردة ذات الضغط المُنخفض في الخارج ، من رَتَّبَ هذا الترتيب ؟

    من جعل هذا الشعر ، وهذه الأظافر بلا أعصاب حِس ، الإنسان برأسه في ربع مليون شعر ، وبكل شعرةٍ شريانٌ ووريد وغدةٌ دهنية ، وعصبٌ محرك وعضلةٌ وغدة صبغية ، لكن لا يوجد عصب حسي من أجل أن تقص شعرك من دون عملية جراحية ، ومن دون مستشفى ،  من دون تخدير ، تقصُّ شعرك وأظافرك ، وأنت في راحة .

     إذا سُدّت قناة الدمع تصبح حياة الإنسان جحيماً ، فيحتاج إلى منديل دائم ، وكل دقيقة يمسح دمعه ، وعندئذٍ يفيض الدمعُ على خده ، والدمع مادة قلوية ، وبعد أيام يلتهب الجلد ، وأدق قناةٍ في الإنسان قناة الدمع ، ولشدة دقتها لا تُرى بالعين ، فتأخذ الدمع الفائض وتضعه في الأنف كي يكون المكان رَطِبَاً ، ورطوبة الأنف ضرورية من أجل أن تلتصق المواد الغريبة في السطوح المتداخلة التي هي في طريق الهواء .

      إنّ الإنسان زوده الله عزَّ وجل في أنفه بشرايين غاية الرقة والهشاشة ، فإذا ارتفع ضغط دمه قليلاً تمزَّقت هذه الشرايين ، وسال الدم من أنفه ، وهنا يجب إجراء عملية لتلافي الخطر ، فإذا ارتفع الضغط الشرياني في الدم تمزقت هذه الشرايين ، وسال الدم وهو الرُعاف ، والرُعاف صمام أمان ، وأحياناً الآلات الغالية جداً يضعون في طريق الكهرباء نقطة ضعف ، شريطاً رفيعاً جداً ، على أي ارتفاعٍ للتيار يسيخ هذا الشريط فينقطع التيار ، وهذا ضروري جداً ، وهكذا الأنف .

المخلوق ضعيفٌ لا يملك نصرا ولا نفعا ولا ضرا

     أي أن هؤلاء الذي أعرضوا عن الله ، وأعرضوا عن ذكره ، واستغنوا عـن رحمته لا يعتمدون على شـيء ، لكن يعتمدون على أوهام ..

     معنى يصحبون أي يلتجئون ، لبعدهم عن الله عزَّ وجل ، وعدم استجابتهم له لا يستطيعون أن يلجؤوا إليه فيحميهم من عدوِّهم .

أي :

متاع الدنيا زائل بالفقر أو الموت

 ( سورة النساء : من آية " 77 " )

( سورة البقرة )

 ( سورة الإسراء : من آية " 18 " )

 ( سورة الأنعام : من آية " 44 " )

( سورة التوبة )

 ( سورة لقمان : من آية " 24 " )

       فعلى الإنسان ألا يفرح بمتاع الدنيا ، وإنما سُمِّيَ متاعاً لأنه موقَّت .

 ( سورة النساء : من آية " 77 " )

       خالق الكون ينصحك ،

    أترضى به ؟ أيعجبك أن تستمتع بالحياة سنوات عِدَّة ثم يساق الإنسان إلى النار وبئس المصير ، هذا هو التمتع ، لذلك :

 ( سورة لقمان : من آية " 24 " )

 

أعظم العقوبة ترك الإنسان هملا بلا معالجة

     والله الذي لا إله إلا هو إنّ أشد عقوبةٍ يعاقب بها الإنسان أن يتركه الله هملاً بلا معالجة ، فلما تأتي الإنسان المُعالجات الربَّانية تباعاً فهذه والله الذي لا إله إلا هو إشارةٌ طيبة ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى عَلِمَ فيك خيراً فأدَّبَكَ في الدنيا ، فإذا أحب الله عبده ابتلاه ، الإنسان يتألم إذا فعل المعصية ، وتركه الله هملاً بلا معالجة ، هنا يتألَّم ، عندئذٍ كأنه مُهْمَل ، وكأنه مُهان ،

 ( سورة الأنعام : من آية " 44 " )

       خُذوا الدنيا ، وسوف تردون إلى عالم الغيب والشهادة ، هذه والله الذي لا إله إلا هو حقيقةٌ خطيرة إذا رأيت الله يتابعك بالمعالجة فهذه بشارةٌ طيبةٌ طيبة ، أما إذا رأيت أن الله سبحانه وتعالى يُعطيك الدنيا كما تشتهي ، ولا يُعالجك فهذه والله علامةٌ سيئة ، وإذا رأيت الله يُتابع نِعَمَهُ عليك ، وأنت تعصيه فاحذره .

حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ

     ترى رجلاً عمره ستون سنة يلعب طاولة ، أذن الظهر فلم يصل ، من أربعين سنة هكذا ، هذا مهان عند الله عزَّ وجل ، بالستينات يمضي وقته كله في لَعِب النَرد ، من دون صلاة ، وصحته جيدة !!

     كأنهم لا يموتون ، تجده جالساً مع نساء لا يحللن له ، وهو يمتِّع نظره بهن ، ويدير معهن أحاديث غاية في الخبث ، وهو مقيمٌ على المعاصي ، ويقول لك : لم أفعل شيئاً ، فأنا طاهر ، وأنا مستقيم ، وأنا كذا ، فهذا الذي ينشأُ على المعصية ، ويستمر عليها فيقسو ، ويعمى قلبه ، عندئذٍ يجعله الله خارج المعالجة .

الاتعاظ بالموت والموتى    

أليس هناك موت ينهي هذه الحياة ؟ يُنهي هذا النعيم ، وهذه المباهج، وهذه الملذَّات ، وهذه الحماقات ، أليس هناك موت ؟!

    شريط متحرك عليه أشخاص ، في نهاية المكان يتساقط الناس ، ويأتي أناسٌ آخرون ، هكذا الحياة ، أُناسٌ يولدون ، وأناسٌ يموتون ، فعلى مستوى البشر ، وعلى مستوى النبات ، وعلى مستوى الجماد ، وعلى أي مستوى ، هناك فناء ، وهناك ولادة جديدة ، إن ربك هو الخلاَّق العليم ، فهناك خلق مستمر ، وفناء مستمر ، وكل إنسان له عمر ، مهما اعتنى بصحته ، ومهما كان أكله مدروساً ، ومهما كانت ممارساته رياضيَّة عالية المستوى بعد ذلك ينتهي أجله ، ولو أن بالرياضة ، وبالمشي ، وبالدقة التامة في الطعام والشراب ، يتمكن أن يعيش صحيح الجسم ، ولكن لابدَّ من الموت ، يأتي ملك الموت ..

     فإذا طال على الإنسان العمر بالمعصية قسا قلبه ، وظن أنه مُخَلَّد ، وظن أنه لن يموت ، وهكذا يتوهَّم .

 

القرآن بشير ونذير ، وعد ووعيد

هذا الوحي ، لأن هذا الوحي فيه وعدٌ ووعيد ، وفيه ذِكْرٌ لأهل الجنة ، وما ينعمون به ، وفيه ذكرٌ لأهل النار ، وما يَشْقَوْنَ به .

أي أن هذا كتاب فيه إنذار ، وفيه تبشير ، وتحذير ، وأمر ، ونهي ، وحكمة ، وقواعد ، وكُلِّيات ، وأخبار ، وتنبُّؤات للمستقبل ، وقصص الأنبياء السابقين ، ومشاهد من يوم القيامة ، وآيات كونية ، وكل شيء ..

لكن هذا الذي جعل في أذنه وقرا عن أن يسمع الحق هذا لا يسمع ، ما هو الوقر ؟ الشهوات ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ )) .

 ( من سنن أبي داود : عن " أبي الدرداء " )

       فالشهوات الدنيوية بمنزلة وقرٌ يصم الآذان عن سماع الحق .

مشابهة الكافر للبهيمة من حيث التصرف في حال الخطر

    سبحان الله ! الكافر لا يخاف إلا بعينه ، فهو يقترب في هذه الناحية من البهيمة ، والإنسان إذا رأى في غرفة شّقاً عرضياً ، وكان مهندساً ، والبناء قائم ، والبيت مسكون ، يتوقَّع أن هذا الشق خطير ، أن الأساس فيه انهيار بسيط ، فيملأ الشق مادة ، ثم يمتحن هل الشق يتفاقم ؟ لأنه فيه فكراً ، ودماغاً ، وتفكيراً ، وعقلاً ، ولو كان هذا الشق في حائط إصطبل ، وفي هذا الإصطبل دابة فهل تخاف الدابة ؟ أم تقلق ؟ أم تفكر ؟ أم تسأل مهندساً ؟ مستحيل ، دابة ، متى تهرب الدابة من الإصطبل ؟ إذا وقع عليها السقف ، في هذه الحالة فقط ، أما الإنسان فأذكى من ذلك ، الإنسان يخلي البيت ، والبيت قائم ، ويقول : أصبح البيت في خطر ، فمن علامات العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه ، وأن ترى الأخطار القادمة ، أما كل إنسان إذا واجه الخطر فيخاف حتى البهائم ، لكن الإنسان كرَّمه الله بالعقل ، فبالعقل يرى الأخطار المتوقعة قبل أن يقع فيها ، فلذلك الكافر يقترب من البهيمة حيث إنه لا يخاف إلا بعينه ، فهو في بحبوحة وصحة ، فتجده أعرض عن ذكر الله .

لِمَ قال ربنا عزَّ وجل :

ولم يقل : مسَّهم عذابٌ .

وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ

     فالله عزَّ وجل ذكر النفحة تصغيراً لهذا العذاب ، إنها شيء طفيف جداً ، نفحة ، جعلها نكرة ، وجعلها مفردة ، وعبَّر عنها بالمس ، وليس أصابهم ، بل مس ، فلو كان التيار الكهربائي عالي التوتر ، ومسه الإنسان مساً خفيفاً لانتفض من أخمص قدميه إلى قمة رأسه ، على المس ، أما لو أمسكه فيصبح فحماً على الفور ، فالمس غير الإمساك ، إذا أمسك الإنسان تياراً كهربائياً يتفحم على الفور إذا كانت شدته ستة آلاف فولط ، أما لو اقترب من ساحة هذا التيار فيصعق ، فربنا عزَّ وجل عبَّر عن أن عذاب الله لا يحتمل ، لو أن نفحةً منه مسَّت بعضهم مساً ! ..

    أين استغناؤهم ؟ أين إهمالهم ؟ وإعراضهم ؟ وكبرهم ؟ واستخفافهم ، واستهزاؤهم ؟ كله تلاشى ، لأن الكافر يخاف بعينه ، ولا يتَّعظ إلا بعد التأديب ، لا يُصلي إلا بعد المرض ، ولا يصلي إلا ، وهو فاقد الحُرِّيَة ، أهكذا المؤمن ؟ ألا يكفي هذا الكون العظيم كي يقودك إلى الله عزَّ وجل بعظمته ؟ ألا تكفي هذه النِعَم التي سخَّرها الله لك كي يجذبك إلى الله عزَّ وجل ؟ ألا تكفي هذه المودة من الله عزَّ وجل ؟ هذا الخلق القويم ؟

( سورة التين )

       هذا الخلق الكامل ، وهذه الصحة ، والأجهزة ، والسمع ،  والبصر، والبيان ، والعقل ، والقلب ، والرئتان ، والمعدة ، والأمعاء ، والعضلات ، والزوجة ، والأولاد ، والبيت ، والعمل ، والرزق ، فهذه النِعَم التي أسبغها الله عليك ظاهرةً وباطنة .

     ولذلك كان الإنسان البطل هو الذي يأتي ربه طَوعاً ، والإنسان الآخر يأتيه بعد قَهْرٍ ، أو بعد معالجةٍ ، والثاني جيد ، ولكن ما أشرف من يعرف ربه في الرخاء ، وما أعظمه ، وأنبله ، وأكثر وفاءهُ ، وشكره .

نفحة فقط ..

الشدة علاج الغافلين   

حدثني أخ كان راكباً طائرة ، وكانت على وشك السقوط ، قال لي : منظر لا يوصف ، فثلاثمائة راكب كل واحد منهم شخصية مهمة ، فتاجر ، وسائح ، وكل واحد معتز بشكله ، وبجماله ، وبماله ، هذا رجل أعمال مثلاً ، حينما شعر الرُكاب أن الطائرة على وشك السقوط شيءٌ لا يوصف ، فأين اعتزازه بنفسه ؟ وأين استغناؤه عن رحمة الله ؟ واستخفافه بالدين ؟ وتعاليه ؟ وأين هذه الصفات كلّها ؟ ذهب كبرياؤه ، وذهبت عزته الفارغة ، وذهب اعتزازه بنفسه وماله ، وقوله : أنا وأنا ، صار كالأطفال تماماً ، كالطفل .

         حتى إن قائد الطائرة أمر بعض المضيفين أن ينبِّه الركاب إلى وضع أحزمة الأمان ، ولم يسمع أحد من الركاب مقالته ، لشدة الهول الذي هم فيه ، هذا المُضيف نظر إلى الركاب ، فإذا هم غارقون في الدُعاء ، وفي البكاء ، ويندبون حظَّهم ، ويندبون حياتهم ، ويستغيثون ، إلا أن هذا المضيف رأى واحداً من الرُّكاب أَهْدَأَهم أعصاباً ، فتوجه إليه فإذا هو مغمى عليه .

مستهم ..

     الآن عرفت الله عزَّ وجل ؟ بالطائرة عرفته ؟ وعلى الأرض لم تعرفه ؟ وأنت جالس في بيتك لم تعرفه ؟ وأنت بين أهلك وأولادك ، وأنت في معملك ، وفي دكانك ، وفي متجرك ما عرفته ؟ وأنت في نزهتك ما عرفته ؟ إلا حينما تركب الطائرة تعرفه ، أو تركب السفينة ويهيج البحر !!

نصب الموازين يوم القيامة للحساب   

أي الموازين المُقْسِطَة العادلة ، ميزان دقيق جداً ، فهنيئاً لمن قاس عمله بميزان الله ، فقد يقاس عمل الإنسان بميزان الأرض ؛ فلان حَصَّل مالاً وفيراً ، بمقياس الناس يُعَد ذكياً ، يقول لك : ركَّز وضعه ، اشترى بيتاً، وعنده كل وسائل الرفاهة ، فبمقياس أهل الأرض يعد ذكياً ، ونبيهاً وماهراً ، ولكن بمقياس السماء ، وبمقياس خالق الكون يُعَدُّ هذا الدخل غير مشروع يحاسب عليه ، فهنيئاً لمن قاس أعماله لا بمقياس الناس ، ولكن بمقياس رب الناس ، فإذا قِسْتَ أعمالك بمقياس رب الناس عرفت أن هناك حساباً دقيقاً ، وسؤالاً دقيقاً ..

( سورة الحجر )

       السؤال صعب ، لو قيل لإنسان : تعال إلينا بعد يومين لنسألك بعض الأسئلة ، أنا أؤكد لكم أنه لا ينام الليل ، إنسان لإنسان ، طبعاً إذا كان إنساناً مُهِماً ، فكيف إذا كان رب العالمين سيحاسِبُكَ عن كل أعمالك ؟

عدلُ الله تعالى المطلق