English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الأنبياء ( 21 ) التاريخ : 03/06/ 1988- الدرس [7/8] ـ الآيات : 74 - 94 - لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع من سورة الأنبياء ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

من خصائص الأنبياء

وذكرت لكم في الدرس الماضي أن طائفةً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين سيأتي ذكرهم في سورة الأنبياء بشكلٍ موجز ، والحقيقة أن الفضيلة لا قيمة لها ما لم تتجسَّد في الإنسان ، لذلك أثر القدوة الحسنة في النفوس أثرٌ كبير ، بينما أثر الكلام النظري في النفوس أثرٌ قليل، لهذا جعل الله سبحانه وتعالى الأنبياء العِظام قدوةً حسنةً وأسوةً نتأسَّى بها ، ولولا أن الفضيلة تجسَّدت في سلوكهم لما سار الناس على هذا الدرب ، ولما اقتفوا آثار هؤلاء الرُسل الكرام .

       الشيء الذي يجمع بين هؤلاء الأنبياء جميعاً أنهم عبيدٌ لله سبحانه وتعالى ، كلُّهم عبيدٌ لله في قِصَصَهِم ، وفي مواقفهم ، وفي تصرُّفاتهم ، وفي أقوالهم ، وفي أفعالهم ما يؤكِّد عبوديتهم لله عزَّ وجل .

       الشيء الآخر ، أن هؤلاء الأنبياء بشر ، وليسوا آلهة ، لذلك هم معصومون عن أن يقعوا في خطأٍ في تبليغ الرسالات ، معصومون عن أن يعصوا الله عزَّ وجل ، ولكنَّهم ينسون كما ينسى البشر ، وقد يتركون الأولى ، والله سبحانه وتعالى يوجِّههم الوِجهة الصحيحة ، إنهم بشر ، وليسوا فوق البشر ، هذا هو القاسم المشترك بينهم ، إنهم أيضاً يحبُّون الله عزَّ وجل حبَّاً لا حدود له ، يطيعونه طاعةً لا حدود لها ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

من خصائص الأنبياء

وقد ورد في كتب التفسير أن سيدنا لوط عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام كان ابن أخٍ لسيدنا إبراهيم ، فكان إبراهيم عَمَّه ..

وإذا تتبَّعنا مثل هذه الآيات :

] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا [ .

 ( سورة القصص : من آية " 14 " )

 

             فأكبر عقابٍ يقع على إنسان أن يحظر الله عنه العِلم والأدب ، فإذا آتاك ربك أيها الأخ الكريم طرفاً من العل، م وطرفاً من الحكمة فقد أُوتيت من بضاعة النبوَّة ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

ولا شيء في الأرض عند الناس وعند الله ، في الدنيا وفي الآخرة يرفع الإنسان كالعلم ، لذلك عَن مُعَاوِيَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ...)) .

[متفق عليه]

وما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه .

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ )) .

( من سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك ) 

       رتبة العلم أعلى الرُتَبْ .. فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .

وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وعِلْمًا

قال بعضهم : " الحُكم هو النبوَّة ، والعِلم هي أوامر الشرع " ، وبعضهم قال : " الحُكم أن يضع الإنسان كل شيءٍ في مكانه الصحيح " . والله سبحانه وتعالى يقول :

] وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [ .

 ( سورة البقرة : من آية " 269 " )

       فأعظم شيءٍ يناله الإنسان من ربِّه أن يجعله حكيماً ، فبالحكمة يجلب المال ، وبالحمق يبدِّدُه ، بالحكمة يجعل الزوجة السيئة صالحة ، وبالحمق يفسد الصالح ، ما من عطاءٍ أعظم عند الله من أن يؤتيك الحُكْمَ أي الحكمة ، بالمعنى الثاني من معاني الحكم ..

إهلاك الله لقوم لوط

والقرية التي كانت تعملُ الخبائث قريةٌ اشتهرت بعمل الفاحشة مع الذُكور ، وهذا العمل قَذِرٌ وقبيحٌ إلى أبعد الحدود ، لذلك في كتب الفقه من يرتكب هذا العمل يُقْتَل ، لأن الله سبحانه وتعالى أهلَك قوم لوطٍ بأن جعل قريتهم عاليها سافلها ، وفي آيةٍ أخرى :

] فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ [ .

( سورة الأنفال )

       وما هذا المرضُ الخطير الذي يستشري في العالم اليوم إلا عقابٌ عاجلٌ لهذه الفاحشة الشاذَّة التي يندى لها جبينُ الإنسانيَّة خجلاً ..

      

من علامات الإيمان

1 – الابتعاد عن أهل الكفر والفسوق

إذاً المؤمن من لوازمه أنه يبتعد عن أهل الكفر والفسوق ، لذلك فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ ، فَاعْتَصَمَ نَاسٌ بِالسُّجُودِ ، فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ ، وَقَالَ :

(( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلِمَ ؟ قَالَ : لَا تَرَايَا نَارَاهُمَا )) .

[الترمذي ، أبو داود]

        أي أنَّك إذا طمحت إلى أن تكون في بلدٍ أموره الماديَّة مُيَسَّرة ، ولكن فسقه شديد فهذه مقامرة ومغامرةٌ بدينك .. 

(( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ )) ، لشيوع المعاصي ، وشيوع الفساد ، وشيوع الرذيلة ، وتفكُّك الأسرة ، وانحراف الشباب ، وانحراف الفتيات ..

2 – الاشمئزاز من فعل الفاحشة

فمن علامات الإيمان أن المؤمن يشمئز من فعل الفاحشة ، فضلاً عن أنه لا يفعلها ، إنه يشمئز من أخبارها ، يشمئز من مرتكبيها ، أصبحت له نفسٌ صافية ، وعنده حساسيةٌ أخلاقية عالية ، فكلَّما التقى بأُناسٍ يرتكبون الفاحشة ، أو يباهون بها يبتعد عنهم ، ولا يطيق أن يلتقي معهم ، أما الذي يلتقي مع أهل الفسق والفجور ، ويقيم معهم علاقاتٍ حميمة ، ويستمتع في العلاقة بهم إنَّ حالته مَرَضِيَّة تستوجب المُعالجة ..

أي من قبل سيدنا إبراهيم ، ومن قبل سيدنا لوط ، هذا النبي الكريم من أولي العزم .. ] فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [ .

( سورة القمر : 10 )

       يا رب انتصر لدينك إني مغلوب ..

الدعاء في الشدة والرخاء

وكأن الله سبحانه وتعالى يُعَلِّمنا أن الأنبياء ينادون الله عزَّ وجل فيستجيب لهم ، ويا أخي المؤمن أنت مَدْعوٌّ لأن تُنادي ربَّك ، كلَّما ألمَّت بك ملمَّة ، أو كلَّما نزلت بك نازلة ، أو كلما ضاق بك الأمر ، أو كلما كاد لك عدو ، كلما شعرت بالضيق نادِ ربَّك كما نادى نوحٌ ربَّه ..

لقد جعل الله سبحانه وتعالى الأرض تنبع بالماء ، وأنزل من السماء ماءً منهمراً حتى أغرق الماءُ كلَّ شيء ، وكان سيدنا نوحٍ على ظهر السفينة مع أهله ، ومع المؤمنين فنجا من الكربِ العظيم ، فالبلاء خاص ، والرحمة خاصَّة ، لا كما يقول بعض الناس : الرحمة خاصَّة ، والبلاء عام ..

دائماً المؤمن له نجاة من كل بلاءٍ عام ، إذا قد عرف الله عزَّ وجل ، واستقام على أمره قبل وقوع البلاء .

هؤلاء قوم آخرون ، قوم لوطٍ كانوا :

فأهلكهم الله عزَّ وجل ، وقوم نوحٍ كانوا :

نستنتج من هذا أن العاقبة للمتقين ، وأن الكفر ، والفِسْقَ ، والفجور، والعصيان مآله إلى الهلاك ..

قصة داود وسليمان في حكمهم في الحرث

هذان النبيَّان الكريمان الأول والدٌ للثاني ..

الحرث الأرض المزروعة ، بعضهم قالوا : أرضٌ مزروعةٌ قمحاً ، وبعضهم قالوا : أرضٌ مزروعةٌ كَرْمَاً .. أي عنباً ..

غنمٌ تعود ملكيَّتها لقومٍ ، دخلت الغنم هذه الأرض ، ورَعَتْ فيها فأصابت منها أضراراً بليغة ، هؤلاء الخصمان رفعوا قضيَّتهم إلى سيدنا داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، يبدو أن هذا النبي الكريم وجد أن الأضرار التي لَحِقَت بالأرض المزروعة تكافئ المغانم التي لحقت في قطيع الغنم ، فأعطى أمراً ، أو أعطى حكماً أن يتبادل الفريقان ملكيَّتهما ، يأخذ أصحاب القطيع الأرض ، ويأخذ أصحاب الأرض القطيع .

       ويبدو أن سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام عُرِضَت عليه هذه القضيَّة أيضاً ، فحكم بوحيٍ من الله عزَّ وجل ، ويبدو أن حكمه كان عن الله سبحانه وتعالى ، ولا ينفي أن يكون حكم سيدنا داود أيضاً حكماً صائباً ، ولكن حكم سليمان بأن يأخذ صاحب الأرض القطيع فينتفع من لبنه ، وأن يأخذ صاحب القطيع الأرض فيصلحَ ما أصابها ، وبعد عامٍ يستردُّ كل فريقٍ أرضه أو غنمه ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

معنى نفشت أي رعت هذه الغنم في الأرض ليلاً..

قال بعضهم : لا يمنع أن يتفوَّق الابن على أبيه ، وهذا ليس فيه غضاضةٌ في حقِّ الأب ، بل إن الأبَ وحده لو أن ابنه تفوَّق عليه لكان هذا مُطمئناً له ، هذه حالة.

       والحالة الثانية : إنَّ تربية سيدنا داود لابنه سليمان التربية العالية كانت من نتائجها هذه الفتوى ، وهذا الحكم الصائب ، فهذا في صحيفة سيدنا داود ، وبعضهم قال : لقد حكم داود بحكم الله عزَّ وجل ، لكن الله أوحى إلى سليمان حكماً نَسَخَ الحكم الأوَّل ، على كلٍ الذي حدث الكلمة التي جاءت في هذه الآية ..

الإنسان مفتقر إلى الله عزَّ وجل في فهمه للأمور ، فربما فهم شيئاً بفعل صفائه ، واستقامته لقوله تعالى :

] وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ .

( سورة البقرة : 282)

] وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ .

( سورة التغابن : 11)

العلم الإشراقي : ففهمناها سليمان

       استنبط علماء الأصول من هذه الآية أن بعض العلم يمكن أن يكون إشراقياً ، وقد مرَّ بنا في عِلم العقيدة أن هناك اليقين الحسي ، وهناك اليقين العقلي ، والاستدلالي ، وهناك اليقين الإخباري ، وهناك اليقين الإشراقي ، واليقين الإشراقي مأخوذٌ من هذه الآية :

إذاً :  أن الإنسان وقف موقفاً صعباً ، واستلهم الله سبحانه وتعالى لأمدَّه الله بالحقيقة .. يروى عن هذين النبيين أن سيدنا سليمان رُفِعَت إليه قضيَّةٌ ، أن امرأتين كان لكل منهما طفلٌ صغير ، وقد وُضِعَا الطفلان في مكانٍ ، وجاء ذئبٌ فأكل أحدهما ، فادَّعت كل امرأةٍ أن الابن الباقي لها ، ورُفِعَت القضيَّة إلى سيدنا سليمان ، فلمَّا تنازعا أمامه فقال : " الحل بسيط ؛ نأتي بسكين ، ونقطع هذا الطفل بينكما " ، فما كان من الأم الحقيقيَّة إلا أن صاحت : " هو لها ، وليس لي " ، فعرف هذا النبي الكريم من عاطفة الأم الحقيقيَّة أن هذا الابن لهذه الأم .. فالله عزَّ وجل يُلهم القضاة الحقيقة أحياناً إذا كانوا صادقين ..

وكل واحد منَّا معرَّض في حياته إلى أن يقع في مشكلة ، ولا يدري لها حلاً ، الله سبحانه وتعالى يتفضَّل عليه ويوحي إليه ، والوحي له أنواع..

أنواع الوحي

]وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ .

 ( سورة النحل : من آية " 68 " )

]إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى [ .

( سورة طه : 38)

       هناك وحي غريزة كوحي النحل ، وهناك وحي إلهام كالوحي الذي نزل على أمِّ موسى ، وهناك وحي رسالة كالوحي الذي نزل على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، فكل واحد معرَّض إلى أن يقع في أزمة ، فإذا استلهم الله سبحانه وتعالى ربَّما جاءه حلٌّ لم يكن يخطر له على باله ، وليست العبرة من هذه القصص إلا أن نتأسَّى بهؤلاء الأنبياء العِظام ..

أي كلاً من داود وسليمان آتيناه حكماً وعلماً ، جاءت هذه الآية لتقرِّر أن حكم داود كان صحيحاً ، وأن حكم سليمان جاء حكماً أقرب إلى الصواب وكان بوحيٍ من عند الله سبحانه وتعالى من دون أن نضع من قدر سيدنا داود .

معجزات داود عليه السلام

فسيدنا داود آتاه الله معجزاتٍ ما لم يؤتها بعض الأنبياء منها ، فلقد سخَّر الله مع داود الجبال يسبِّحن والطير ، كان يسمع تسبيح الجبال ، والله سبحانه وتعالى يقول :

]وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [ .

( سورة الإسراء : 44 )

       لقد آتى الله سيدنا داود القُدرة على سماع تسبيح الجبال والطير ..

وعلَّمنَاه صنعة لَبوس لكم

صنعة اللبوس أي صناعة الدُروع ، هذه الصناعة مما تفضّل الله سبحانه وتعالى على سيدنا داود ، وعلَّمه إيَّاها ، أي حينما كانت الحروب وجهاً لوجهٍ ، وسيفاً لسيفٍ ، ويداً بيدٍ ، هذه الحروب كان فيها رحمة ، لماذا ؟ لأن الأشجع هو الذي ينتصر ، أما الحروب التي لا تُفَرِّقُ بين مقاتلٍ وغير مقاتل ، هذه حروب ، وإن كان المسلمون اضطروا إليها ، ولكنَّها في الأساس ليست شرعيَّةً ، لأنه لا ينبغي أن يُقْتَل إلا المُقاتل ، أما الطفل البريء ، أما المرأة الضعيفة ، أما الشيخ الضعيف فهؤلاء لا ينبغي أن يُقْتَلوا ، لذلك المُنَظَّمات الدولية تحرِّم أن يقتل العُزَّل من المدنيين ، فهذه الحرب التي سنَّها الله سبحانه وتعالى :

والدروع يتقي المُقاتل بها ضربة السيف ، وهذه رحمةٌ للمقاتلين ..

فلا ينبغي أن يُقْتَل إلا من يقاتل ، أما الطفل الصغير ، أما المرأة الضعيفة هذه في أعراف السماء ، وأعراف الأرض ، في شرائع السماء ، وفي قوانين الأرض لا ينبغي أن تقع ..

       

ذَكَرَ ربنا سبحانه وتعالى أنه سَخَّر لسيدنا سليمان الريح عاصفة ، في بعض التفاسير ، وفي بعض الروايات أن هذا النبي الكريم كان يمتطي الريح لينتقل بها من مكانٍ إلى مكان بوقتٍ قصيرٍ جداً ، الشأن في هذا كشأن الطائرات السريعة ..

الأرض التي باركنا فيها : أرض الشام

أمَّا هذه الأرض التي باركنا فيها كما تروي معظم التفاسير هي أرض الشام ، ولماذا بارك الله فيها ؟ لأنها كانت مَهْبِطَ الرسالات السماويَّة، ولماذا بارك الله فيها ؟ لأن الله سبحانه وتعالى أجرى فيها الخير ، وجعلها بلاداً مقدَّسة فيها خيرٌ كثير ، وفيها جوٌ معتدل ، وفيها أُناسٌ صالحون ، في بعض الأحاديث يقول عليه الصلاة والسلام :

((الشام صفوة الله من أرضه وفيها صفوته من عباده)) .

[مجمع الزوائد عن أبي أمامة]

       وفي أحاديث كثيرة .. أحاديث قيام الساعة .. تذكر :

((إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ)) .

 ( سنن أبي داود : عَنْ " أَبِي الدَّرْدَاءِ " )

       والشيء الذي يلفت النظر أن في هذا البلد الطيب الكريم اتجاهٌ نحو الله سبحانه وتعالى يتجلى في حضور مجالس العلم ، وفي بحث الناس عن أمور دينهم ، وفي تمسُّكهم بشريعة ربِّهم ، هذه كلها تؤكِّد ما جاء في بعض الأحاديث الشريفة عن فضل بلاد الشام ..

والله سبحانه وتعالى سَخَّرَ لسيدنا سليمان الشياطين ، سخَّرهم له لأن هذا النبي الكريم دعا ربَّه فقال :

]رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ .

( سورة ص : 35)

       أي أن سليمان طلب من ربِّه أن يؤتيه المُلَك ، وحينما يطلبُ نبيٌّ من ربِّه أن يأتيه الله الملك ، فمعنى ذلك أن هذا المُلَك أراد أن يستخدمه في نشر الحق ، وإذا طلب الإنسان أن يكون في موقعٍ دقيق فمن أجل أن يهدي الناس بهذا الموقع لا أكثر ولا أقل ، الدنيا لا تُبْتَغى لذاتها ، لا يبتغيها لذاتها إلا أهل الدنيا ، ولا يبتغيها لذاتها إلا أهل الكفر والفسوق والعصيان ، أما المؤمن فيما لو طلب الدنيا لا يطلبها إلا لغيرها لتكون قوةً له على هداية الآخرين ..

أي أنهم يغوصون في البحار ، ويستخرجون له اللؤلؤ ..

مما يأمرهم به ..

فقصَّة سيدنا داود ، وقصَّة سليمان فيها من العجب العُجاب ، لأن الله سبحانه وتعالى سخَّر لهم الجبال والطير ، وسخَّر لهم الشياطين ، وسخَّر لهما الرياح .

قصة أيوب عليه السلام وصبره على الضر

سيدنا أيوب ..

فبعض التفاسير تشير إلى أن النبي متى يَمَسُّه الضر ؟ إذا أعرض قومه عنه ، إذا لم يستجيبوا له ، إذا لم يهتدوا لدعوته ، إذا لم يلتزموا أمره، الداعية إلى الله عزَّ وجل لا يمسَّه الضُر إلا إذا أعرض الناس عن دعوته ، فلذلك ما ترويه بعض الكتب الإسرائيليَّة من مصائب لا حصر لها ، من أن الدود قد أكل لحمه كلُّه ، هذه مبالغاتٌ ما أظنُّ أن الله سبحانه وتعالى أرادها ، إلا أنَّ الأقرب إلى الواقع ، والأقرب إلى مقام النبوَّة أن هذا النبي الكريم كان الضرُّ عنده إعراض الناس عنه ، وكيف أن الشياطين كانت تصرفُ الناس عنه ، فهذا ضرٌّ لا شكَّ أصابه ، ولا يمنع هذا التفسير من أن يُبتلى النبي الكريم ببعض المصائب التي تصيب إخوانه من النبيين ، أما تلك المبالغات التي لا حدود لها في الأمراض التي نهشت لحمه وأصابته هذه ربَّما كانت لا أصل لها ..

        هذه الآية الثانية تؤكِّد أن الضرَّ الذي أصابه هو ضرٌ من نوع إعراض الناس عن دعوته ، فلمَّا استجاب الناس إليه، واستجاب أهله المقرَّبون ، واستجاب قومه أيضاً ، فسعد بهذه الاستجابة ..

      

الأنبياء الذين ذَكَرَهُم الله عزَّ وجل في القرآن ليسوا هم جميع الأنبياء ، إلا أن الله سبحانه وتعالى ذكر في بعض الآيات من أن النبيين ..

]مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ[ .

 ( سورة غافر : من آية " 78 " )

       فربنا سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة يفيض في الحديث عن بعض الأنبياء ، ويختصر في الحديث عن بعض الأنبياء الآخرين ، وقد يذكر اسم نبيٍّ فقط من دون أي تعليق ، كل هذا لحكمةٍ يعلمها الله سبحانه وتعالى ..

الصبر من صفات الأنبياء

فالصبر من صفات الأنبياء ، وهو بالتالي من صفات المؤمنين ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان)) .

       بل إن الإيمان نصفان ؛ نصفٌ صبرٌ ، ونصفٌ شكرٌ ، والصبر لا يفوقه شيء ، وذلك لحكمةٍ بالغة وأن الأمر كلَّه بيد الله ، فالموحِّد الذي يعرف أسماء الله الحُسنى ، وصفاته الفُضلى يصبر ، لماذا يصبر ؟ لأن المعالجة في النهاية تعود عليه بالنفع ، والأمثلة كثيرة ، والأنبياء العِظام هم قدوةٌ لنا في الصبر ، والإنسان إذا أصابه ضرٌّ ، أو أصابه بلوى ، أو أصابته مصيبةٌ ، أو أصابه مكروهٌ ينبغي أن يتجلَّد وأن يصبر ، والله سبحانه وتعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ويقول :

]فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ[ .

 ( سورة الأحقاف : من آية " 35 " )

]وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ[ .

( سورة النحل : من آية " 127 " )

]وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ[ .

( سورة الطور : من آية " 48 " )

       إن كنت مؤمناً حقَّاً ، وإن كنت مَعْنِيًّا بهذا الخطاب ، وكل خطابٍ خوطِب به النبي الكريم فالمؤمنون معنيُّون به بالتبعية ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)) .

       فكل أمرٍ موجَّهٌ إلى النبي الكريم هو أمرٌ موجَّهٌ لنا بالتبعيَّة ، لأننا مأمورون أن نقتدي بهم في كل أحوالهم ، والأنبياء من أُولى صفاتهم الصبر.

أنواع الصبر : الصبر على الطاعة ، والصبر عن المعصية ، والصبر عن الشهوة

        والصبر كما يقول العلماء على ثلاثة أنواع ؛ صبرٌ على الطاعة وصبرٌ عن المعصية ، وصبرٌ عن الشهوة ، فالإنسان رُكِّبَ من عقلٍ وشهوة ، الحيوان رُكِّب من شهوةٍ بلا عقل ، المَلَك رُكِّب من عقلٍ بلا شهوة، لابدَّ من صراعٍ بين الشهوة وبين العقل ، بين الحاجة وبين القيَم ، بين المصلحة وبين المبدأ ، هذه طبيعة الحياة ، إن الصراع بين الحاجات وبين القيم ، بين المصلحة وبين المبدأ ، بين العقل وبين الشهوة هذا الصراع ينتهي بمصلحة العقل عند المؤمن ، وينتهي بمصلحة الشهوة عند الكافر ، لذلك المؤمن يقوده عقله ، والكافر تقوده شهوته ، من هنا قال الله عزَّ وجل :

]وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4)[ .

( سورة النجم )

      علامة المؤمن أنه يتملَّك زمام نفسه فهو يقودها إلى الخير ، ومن علامات المنافق أن نفسه تتملَّكه فتقوده إلى الشر ، والله سبحانه وتعالى يقول :

]وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ[ .

 ( سورة النساء : من آية " 27 " )

       هذه إرادة الله ..

]وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا(27)[ .

 ( سورة النساء )

       دائماً أهل الأهواء ، أهل الشهوات ، أهل الفسق ، والفجور يتمنَّون على جميع الناس أن يتابعوهم ، لذلك يزيِّنوا لهم الدنيا ، يخوِّفونهم من الدين .

]إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ[ .

 ( سورة آل عمران : من آية " 175 " )

       يخوفونهم من الإنفاق ..

]الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ[ .

 ( سورة البقرة : من آية " 268 " )

انظروا عمن تأخذون دينكم

       دائماً الشيطان يخوِّف الإنسان من الإنفاق في سبيل الله ، ويخوِّفه من التَدَيُّن ، يذكُر له آلاف القصص عن أناسٍ تديَّنوا فسقطوا ، وهذه قصص مُخْتَلَقَة ليس لها أصل ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام وهو يخاطب ابن عمر فيقول له : ((يا ابن عمر دينك ، دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا)) .

 [حلية الأولياء لأبي نعيم]

       وقد روى الإمام مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قوله :

((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ)) .

 ( من صحيح مسلم عن محمد بن سيرين) 

       لو أن الإنسان أخذ دينه عن أهل التقصير ، عن الذين مالوا إلى الدنيا واستمرؤوها ، عن الذين خلطوا الدين بالدنيا ، عن الذين اتخذوا الدين مطيَّةً إلى الدنيا ، لو أن الإنسان أخذ دينه عن هؤلاء لرأى في الدين رُخَصَاً لا حدود لها ، إذا تتبَّع هذه الرُخَص رأى نفسه مقطوعاً عن جناب الله عزَّ وجل ، لأن المعاصي والمخالفات والتقصير من شأنها أن تجعل بين العبد وبين الله حجاباً كثيفاً ، لذلك :

((دينك دينَك إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا))  .

القضية خطيرة جداً ، القضية مصيريَّة ، فحينما يأتي ملك الموت ، وتكون قد تابعت إنساناً ضالاً في الدنيا من أهل الأهواء تجد أنه لا ينفعك مالٌ ولا بنون ، ولا ينفع هذا الذي تابعته في الدنيا ، كل إنسانٍ يحاسب عن عمله وحده ..

]كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)[ .

 ( سورة المدثر )

]وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ[ .

 ( سورة الإسراء : من آية " 13 " )

       ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام :