English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الحج ( 22 ) التاريخ : 01/ 07/ 1988- الدرس [3/7] - الآيات : 14 - 23 – لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

وصف الله لأصناف من البشر :    

  أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من سورة الحج ، ربنا سبحانه وتعالى يصف أصنافاً من بني البشر ؛ مُتَّبعون ضالّون ، ومَتْبُوعون ضالون ، وأناسٌ مذبذبون يعبدون الله على حرف :

     الله سبحانه وتعالى يصف لنا نماذج من بني البشر ، ويتبِعُ ذلك بقوله سبحانه وتعالى :

وصفُ الله بالإرادة

      إرادة الله في الذين آمنوا أن يدخلهم جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، الله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً وقع ، وإذا رأيتم شيئاً قد وقع فقد أراده الله عزَّ وجل ، لأنه لا يقع شيءٌ في ملك الله إلا بإرادة الله، فإذا أراد شيئاً وقع ، وإذا وقع الشيء أراده الله ، من هنا يَعْتَقِدُ المؤمن أنَّ لكل شيءٍ حقيقة ، وحقيقة الإيمان أن تعتقد أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَرُ اللَّهِ ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ )) .

( من صحيح مسلم : عن " أبي هريرة " ) 

       كلمة " لو" ليست واردةً في قاموس المؤمن ، لو أني فعلت كذا وكذا، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقع شيءٌ في ملكه إلا بإرادته ، وكل شيءٍ أراده لابدَّ أن يقع لأن الله سبحانه وتعالى فعَّالٌ لما يُريد ..

       أما هذه الإرادة ، هذه الإرادة الإلهيَّة متعلِّقةٌ بالحكمة ، يعني أن الله عزَّ وجل يريد وإرادته ملابسةٌ للحكمة تماماً ، الإنسان أحياناً يريد تحت ضغطٍ ، يفعل شيئاً بضغطٍ ، ولكنَّه لا يريد أن يفعله ، أو يفعل شيئاً بجهلٍ فبعد أن ينكشف الأمر يتمنَّى لو لم يفعله ، هذا شأن الإنسان ، لكنَّ شأن الله سبحانه وتعالى أن إرادته متعلقةٌ بالحكمة ، وحكمته متعلِّقَةٌ بالخير المُطْلَق ، فكل شيءٍ وقع أراده الله ، وكل شيءٍ أراده الله وقع ، وإرادته متعلقةٌ بالحكمة ، وحكمته متعلقةٌ بالخير المطلق ، وهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات إرادة الله فيهم أن يدخلهم الجنَّة إلى أبد الآبدين.

        لذلك ليس هناك تناسبٌ بين خلق السماوات والأرض وبين العمر القصير الذي يعيشه الإنسان ، هذه السماوات والأرض شيءٌ عظيم ، وهي كلُّها مسخَّرةٌ لهذا الإنسان ، أفيعقل أن تكون حياة الإنسان هذه الحياة القصيرة التي تنتهي بالموت ؟! الحقيقة أن حياة الإنسان تبدأ بالموت ، والله سبحانه وتعالى يقول على هذا الذي يأتيه الموت ولم يقدِّم العمل الصالح يقول :

] يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحدٌ(25)وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ(26) [ .

( سورة الفجر )

       الشيء الآخر في هذه الآية :

الإيمان مقرون بالعمل الصالح

      في أكثر من مئتي موضع في كتاب الله وردت الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لأن الإيمان من دون عمل لا قيمة له ، اعتقاد ، لو أنَّك اعتقدت أن هذه المراوح تعمل بالكهرباء ، ماذا فعلت ؟ وهي كذلك ، ماذا قدَّمت ؟ لكنَّك إذا عملت عملاً صالحاً فيه ترقى إلى الله عزَّ وجل ، إذا اعتقدت اعتقاداً صحيحاً ولم يكن هناك عملٌ يؤكِّدُ اعتقادك أو يجسِّده فإن هذا الاعتقاد لا قيمة له ، لذلك : " الإيمان من دون عمل كالشجر بلا ثمر "، حيثما كان الإيمان وجب العمل ، وحيثما صَحَّ العمل صَحَّ الإيمان.

       هناك صِنفان من الناس : صنفٌ يدَّعي أن عمله صالح ولا حاجة إلى أن يعبد الله عزَّ وجل ، يقول لك : أخي القضية بالقلب ، وأنا قلبي أبيض ، لا أُكنًّ حقداً لأحد ، نقول : لو أن عملك صالح من دون إيمان هذا شرطٌ لازمٌ غير كافٍ ، وصنفٌ آخر يدَّعي أنه مؤمن ، وأن القضية بالقلب لا بالعمل ، أيضاً هذا مُخطئ والرد عليهما هذه الآية الكريمة ..

     والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن هو ما وقر في القلب وصدَّقه العمل )) .

( الجامع الصغير عن أنس بسند لا يصح )

       ما من مسلمٍ على وجه الأرض إلا ويتمنَّى أن يكون من أهل الإيمان، وما من مسلمٍ على وجه الأرض إلا ويتحلَّى ظاهراً بمظاهر أهل الإيمان ، ليس التحلي كافياً وليس التمني كافياً ، لابدَّ من إيمانٍ ومن عملٍ صالح ، مهما صحَّت عقيدتك إن لم يدعمها التطبيق والعمل فلا قيمة لها ، ومهما صحَّ عملك إن لم ينطلق من عقيدةٍ صحيحة فلا قيمة له ..

الآن :

معنى : ] مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ[

      أيْ ما يغيظه ، والكيد هو التدبير ، والسبب هو الوسيلة ، هذه الآية فسَّرها المفسِّرون في اتجاهاتٍ عديدة .

المعنى الأول :

      بعضهم قال : " لابدَّ أن ترجو الله عزَّ وجل ، لابدَّ أن تُحسن الظنَّ بالله عزَّ وجل ، لابدَّ أن تضع آمالك بالله عزَّ وجل ، لابدَّ أن ترجو ربَّك " ، أما اليأس والقنوط ، والسوداويَّة والتشاؤم ليس لها مكانٌ في الدين إطلاقاً ، عند الله ما ليس عند العبيد  ، إذا أعطى أدهش .

      وأنتم كما ترون كيف أن الله سبحانه وتعالى بعد أن يئسَ الناس من رحمة السماء ، لجهلهم بربِّ السماء ، جاءتهم الأمطار بشكلٍ لم يسبق له مثيل ، هذا نموذج ، فالذي ييأس من رحمة الله ، الذي يقنَطُ من نصر الله ، الذي يظنُّ أن الله سبحانه وتعالى ليس مع المؤمنين ، ولن ينصرهم ، ولن يأخذ بيدهم إلى ما يصبون إليه إنما هو إنسانٌ بعيدٌ كل البعد عن الإيمان ..

      هذا ليس مؤمناً ، لا قيمة لحياته إطلاقاً ، موته خيرٌ من حياته ، هذا معنى .

المعنى الثاني :

     أن هذه الهاء لا تعود على الذي يظن ..

     أيْ أن الشخص الذي يظن ذلك هو سوداوي يقطع أمامك كل الآمال، يسفِّه لك كل التفاؤلات ، يحبط لك كل الطُموحات ، يبيِّن لك أن الله لن ينصر أحداً من المؤمنين ، وأن الأمر مِن سيئ إلى أسوأ ، هكذا يصور لك ، هذا ليس مؤمناً لأنه لا يعرف الله عزَّ وجل ، إنه مشرك ليس موحِّداً ، هذا الإنسان ما عرف أن الأمر كلُّه بيد الله عزَّ وجل ، وان يد الله فوق أيدي كل الناس ، هكذا قال الله عزَّ وجل :

] يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ .

( سورة الفتح : من آية " 10 " )

       هذا الذي ينطلق من يأسٍ ، وقنوطٍ ، ومن سوداويةٍ ، ومن تشاؤمٍ ليس مؤمناً وحياته لا قيمة لها ، بل موته خيرٌ من حياته ، هذا المعنى الأول .

       إذاً المعنى الثاني : أن الهاء في ] يَنْصُرُهُ [ تعود على النبي عليه الصلاة والسلام ، فكفَّار مكَّة ما كانوا يظنون أن الله سبحانه وتعالى سيرفع شأن النبي عليه الصلاة والسلام ، سينتقل إلى دار الهجرة ، فيؤمن به أصحابٌ مخلصون صادقون ، سينتصر على كفَّار قريش في بدر ، فتنشأ دولةٌ إسلاميَّة فتيَّة ، هالهم هذا النصر المُبين ، وهذا الفتح العظيم ، لذلك امتلأت قلوبهم حقداً لِمَا رفع الله به نبيه ، وبوّأهُ عاليَ المقام ، قال : من كان يظن أن الله عزَّ وجل لن ينصر نبيَّه ، ولن يرفع شأنه ، ولن ينصره على أعدائه ، ولن يُعلي ذكره ، ولن يرحمَ المؤمنين بدعوته ، هذا الذي يتمنَّى الشر أن يكون بالمسلمين ، هذا الذي يظنُّ أن الله يحبُّه على معصيته ، وأن الله لا يحبُّ المؤمنين على طاعتهم ..

سنة الله مع أنبيائه : النصر المبين      

      وقد نصر الله نبيَّه ، وامتلأ قلبه حقداً لهذا النصر ، هذا الذي يظنُّ كذلك ليس أمامه إلا أن يموت غيظاً ، الله سبحانه وتعالى تمَّت كلمته بنصر عباده المؤمنين .

] إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ(51) [ .

( سورة غافر )

       وعداً عليه حقًّا ، هذا وعدٌ عظيم ..

] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [ .

( سورة النور : من آية " 55 " )

        من كان يظن من مشركي قريش أن لن ينصره الله ، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ، أمّا حينما نصره امتلؤوا غيظاً وحقداً ، هؤلاء ليموتوا غيظاً ، لن يغيِّر الله سنَّته في خلقه ، إنه ينصر رسله والمؤمنين .

        لذلك لو أن أخوين صديقين ، لو أن هناك جارين ، زميلين ، أحدهما مستقيم ، والثاني منحرف ، والمنحرف أُوتي ذكاءً ، وهو يظنُّ أنه أذكى من هذا المؤمن المستقيم ، وأن الأمور تجري لصالحه ، وأنه سيرتقي من مكان إلى مكان ، ومن مرتبة إلى مرتبة ، وأن ذكاءه يكفي ليجلب له المال ، حينما يفاجأ هذا المنحرف أن المؤمن رفعه الله ، ورفع اسمه ، ولمع نجمه ، وتوفَّق في حياته توفيقاً عجيباً ، لا ينبغي لهذا المنحرف أن يغتاظ وأن يحقد عليه لأن هذه سُنَّة الله في خلقه ..

] وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128) [ .

( سورة الأعراف )

      هذه الآية لها مفهوم واسع ، مفهومها التطبيقي على المؤمنين أنه إذا كان هناك رجلان ، جاران ، صديقان ، زميلان ، أخوان ، شريكان ، واحد مستقيم يخشى الله عزَّ وجل ، ويرجو رحمته ، والثاني منحرف لا يبالي بقِيَمِ الدين ، الشيء الذي لابدَّ من أن يقع أن هذا المؤمن سوف ينصره الله في الدنيا ، سوف يرزقه رزقاً حلالاً كافياً ، سوف تَقَرُّ عينه بأهله ، سوف يرتقي من حالٍ إلى حال ، من مرتبةٍ إلى مرتبة ، سوف يحبُّه الناس، سوف يلمع اسمه ، سوف يعلو ذِكْرُهُ ، هذا المنحرف لا ينبغي أن يحقد عليه ، ويقول : أنا أذكى منه ، فأنت منحرف ، فلا تقل : أنا لي معارف أكثر ، أنا أحمل شهادة أعلى ، لا ، هذه سُنَّة الله في خلقه ..

] وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19) [ .

( سورة الأنفال )

] إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا [ .

( سورة الحج : من آية " 38 " )

] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا(96) [ .

( سورة مريم )

     هذا المعنى الثاني ، فالذي غاظه ، وجعل قلبه يمتلئ حقداً عندما نصر الله نبيَّه ، وجعله وأصحابه أصحاب شأنٍ رفيع ، هذا الذي اغتاظ ليمُتْ غيظاً .

المعنى الفرعي لقوله : ] مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ[

      هناك معنى فرعي ، هذا الذي امتلأ قلبه غيظاً لمّا نصر الله نبيه عليه الصلاة والسلام إذا كان بإمكانه أن يمنع النصر ، إذاً فليفعل ما يشاء ، ليصل إلى السماء ، ليمدُد بسببٍ إلى السماء ، وفي السماء ليقطع هذا الوحي عن النبي ، وليقطع هذا النصر إن أمكنه ، إن أمكنه ذلك فليفعل ، وحتماً لن يستطيع ذلك ، هذا المعنى الذي يُضاف إلى المعنى الثاني ، فإذا كنت قد آلمك أن ينصر الله نبيَّه الكريم فامدد بسببٍ إلى السماء ، توصَّل إلى أن تصبح في السماء ، وعندها امنع عن النبي الوحي إذا أمكنك ذلك ، وهذا من باب المستحيل ، أي لن تستطيع أن تفعل شيئاً ، إذا سبقت إرادة الله أن يُكْرِمَ نبيه الكريم فلن تستطيع أن تفعل شيئاً ، لأن الله سبحانه وتعالى حينما يكرم النبي عليه الصلاة والسلام ، أو حينما يكرم المؤمنين لا ينتظر موافقة أحد ، إذا شاءت إرادة الله عزَّ وجل أن يرفع شأن المؤمن فلا ينتظر أن يوافق أحدٌ على هذا القرار ، هكذا ربنا سبحانه وتعالى فعَّالٌ لما يريد .

      

الجواب : لا ، لو أنه وصل إلى ذلك هل بإمكانه أن يمنع نصر الله عن نبيِّه ؟ لا ، هل بإمكانه أن يقطع عنه الوحي ؟ لا .

المعنى الثالث :

       وهناك معنىً ثالث .. أتمنَّى عليكم أن تدقِّقوا في هذه المعاني ، هناك معنىً ثالث .. وهو من ظنَّ أن الأمور كلًّها مسدودةٌ في وجهه ، أُعلِنَ عن هذه المسابقة فلم ينجح ، رُشِّحَ لهذا العمل فلم يُقْبَل ، طرق هذا الباب فسُدَّ في وجهه ، فحينما يبدو لك أن الأمور مُعَسَّرة ، وأن الطرق كلَّها مغلقة ، وأن الأبواب كلُّها مسدودة ، حينما تظنُّ ذلك هناك علاجٌ لهذه الحالة ، الله سبحانه وتعالى ليس ضدَّك ، لا ينفعه أن يكون ضدَّك ، من أنت ؟ أنت عبدٌ..

((لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)) .

( من صحيح مسلم عن أبي ذر ) 

       أيْ أنَّ الله سبحانه وتعالى ليس له معك خصومة حتى يجعل الأمور كلَّها مسدودة في وجهك ، لا ، إنها معالجة ، إنها معالجةٌ لتقصيرٍ ، أو انحراف ، أو معصية ، فمن كان يظن أنْ لن ينصره الله في الدنيا ، لن يرزقه ، لن يصلح بالَه ، لن يريحه من المصائب ، مصيبةٌ تلو مصيبة ، مشكلةٌ تلو مشكلة ، ورطةٌ تلو ورطة ، ما هذه الحياة ؟ يقول في ساعة اليأس : أريد الموت ، لا ، الله غني ، الله كريم .

معنى : ] فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [

    ليعمل عملاً صالحاً ، أيْ ليفعل سبباً يستدعي رِضوان الله عزَّ وجل ، ليعمل عملاً صالحاً يستلزِم أن يرضى الله عنه ..

     ليخدم إنساناً ، يتصدَّق ، يبر والديه ، يترفَّق بجيرانه ، يدل إنساناً ضالاً ، يكرم إنساناً معذَّباً ، يعين إنساناً مريضاً ، يميط الأذى عن الطريق ، يدفع من ماله الذي كسبه مِن حلال ..

        إذا ضاقت بالإنسان الدنيا ، الأمور معسَّرة ، الدخل قليل ، الأمراض كثيرة ، الهموم بعضها فوق بعض ، كما قال الشاعر :

رماني الدهـر بالأرزاء حتى    فؤادي في غـشــاءٍ من نبالِ

فـكـنت إذا أصابـتني سهامٌ    تكسَّرت النصالُ علـى النصالِ

*  *  *

       إذا اصطلحت على الإنسان الهموم  ، أحاطت به المصائب من كل جانب ، الأبواب كلُّها مغلقة ، الطرق كلُّها مسدودة ، مصيبةٌ تلو مصيبة ، مشكلةٌ تلو مشكلة ؛ في ماله ، وفي صحَّته ، وفي أهله ، وفي أولاده ، ومع من هم أعلى منه ، ومع مَن هم أدنى منه ، كل يوم مشكلة ، ما هذه الحياة يا رب ؟! ..

فما عليه إلا أن يتصدَّق ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((استمطروا الرزق بالصدقة)) .

( الجامع الصغير بسند فيه ضعف)

       تصدَّق ، اخدم إنسانًا ، اكفل يتيماً ، برّ والديك ، افعل صدقة ، عاون إنساناً ضعيفاً ، اعمل عملاً صالحاً ، تقرَّب إلى الله ، ابحث عن سبب يرضى الله عنك به ..

معنى : ] ثُمَّ لْيَقْطَعْ [  .

المعنى الأول :

      أي ليقطع دابر الشيطان ، ليتوقَّف عن كل معصية ، عن كل مخالفة ، هذه لا تجوز دعها .

المعنى الثاني :

       إذا كان الإنسان يائساً من نصر الله عزَّ وجل ، يائساً من أن يرزقه الله عزَّ وجل فعليه أن يعمل عملاً صالحاً مبنياً على استقامةٍ تامَّة .

المعنى الثالث :

       ثم لينظر كيف أن هذا التدبير يذهب ما في قلبه من الغيظ ، ومن الحقد ، ومن الشعور بالحرمان .

       القرآن كما قال الإمام عليٌّ كرَّم الله وجهه : " حمَّال أوجه " ، والقرآن ذو وجوه .

       لك أن تأخذ بالمعنى الأوَّل ، من لوازم الإيمان أن ترجو الله عزَّ وجل ، وأن تضع في الله كل ثقتك ، فإن لم تكن كذلك فلست مؤمناً ولا قيمة لحياتك .

المعنى الثاني : أنك إذا حقدت على أهل الإيمان إذا رفعهم الله عزَّ وجل فحقدك عليهم لن يغيِّر من معاملة الله لهم .

والمعنى الثالث : إذا ضاقت بك الدنيا أو ألمَّت بك الخطوب ، وجاء الشيطان وقال لك : إن الله يريد أن يعذِّبك ، إنه خلقك ليعذِّبك ، إنه سوف يحرمك كل شيء ، انظر هو مع الكفَّار يعطيهم القوَّة ، والمال ، والصحَّة ، و ، و .. وأنت يحرمك ، إزاء كل هذا الذي يوسوس به الشيطان ، فعلاجُه ودفعه يكون بالصدقة ، أو أيّ عمل صالح مع استقامة واضحة .

      إخوةٌ كرام كُثُر حدَّثوني : حينما ضاقت بهم الدنيا تصدَّقوا ، فكانت هذه الصدقة مفتاحاً لرِزْقِهِم ، يعني اعمل عملاً صالحاً يرضى الله به عنك، لكن هذا العمل الصالح لا قيمة له إذا رافقته معصية ..

((ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلِّط )) .

( ورد في الأثر)

     اعمل عملاً صالحاً مبنياً على استقامةٍ تامَّة، وبعدها لابدَّ من أن ترى أن الله يغيِّر الأحوال ، إذا أعطى أدهش ، والله سبحانه وتعالى يقول :

] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا(107) [ .

( سورة الكهف )

] مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [ .

( سورة النحل : من آية " 97 " )

    هذا وعد قطعي ، فإذا أنت طبَّقت أمر الله عزَّ وجل فلابدَّ من أن تقطف ثمار وعد الله ، فهذه الآية تنفي كل أنواع اليأس ، كل أنواع القنوط ، كل أنواع الضجر ، كل أنواع الحرمان ، كل أنواع السوداويَّة ، كل أنواع التشاؤم ، هذه الآية تبُثُّ التفاؤل ، حتى إن الإنسان لو كان مريضًا ، وقد أكَّد له الأطبَّاء أن مرضه لا شفاء له ، مرضٌ عُضال ، واللهِ الذي لا إله إلا هو لو أنه أخلص لله عزَّ وجل ودعاه وعمل عملاً صالحاً يسترضي الله به فإنه لابدَّ من أن يشفيه الله عزَّ وجل ..

] وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ(80) [ .

( سورة الشعراء )

      لا حدود لقدرته ، الأطبَّاء حينما يرون حالةً مستعصية تُشفىَ تلقائياً وذاتياً يقولون : هذا درسناه في الجامعة ، هو الشفاء الذاتي ، أي حينما تتدخَّل يد الله مباشرةً لتزيل هذا المرض     هو الشفاء الذاتي ، فالإنسان لا يقنط ، لا يقنط من شفاء ، ولا مِن رزق ، ولا من صحَّة ، ولا من إصلاح زوجة ، أحياناً إنسان يقول لك : هذه الزوجة لا سبيل إلى إصلاحها ، ومن يدريك ؟ ربَّما بين ليلةٍ أو ضحاها تصبح امرأةً أخرى ، من أدراك أنها لا تصلح ؟ ليس هناك يأس في الإسلام ، ليس هناك تشاؤم ، لا تقل : لن يكون هذا ، ما عند الله ليس كما تظن ، ما عند الله خير .

أم لا يُذْهِبْ ؟ هنا الجواب يُذْهِب .

     أما في المعنيين الأولين الجواب لا يُذْهِب ، إذا حقدت على النبي الكريم ، لأن الله نصره فافعل ما تشاء ، هذا التدبير لن يفعل شيئاً ، تدبيرك لن يُذهب ما بك من غيظ .

في المعنى الأوَّل والثاني الجواب لن يُذْهِبْ ، وفي المعنى الثالث الجواب يُذْهِبْ ..

نعم ، بعضهم قال : هل يذهبن كيده ما يغيظه ، أو هل يذهبن كيده غيظه ، إما أن تكون (ما) مصدريَّة أو موصولة ، إن كانت مصدريَّة نقول : هل يذهبن كيده غيظه ، وإن كان موصولة نقول : هل يذهبن كيده الذي يغيظه ..

هداية الله لها ثمن

     يهدي طالب الهدى ، يهدي الذي دفع ثمن الهدى ، يهدي مَن أطاع الله عزَّ وجل ، هذه الجامعة تعلِّم مَن ؟ تعلِّم مَن قَبِلَ أن يكون طالباً فيها ، أما مَن رفض أن يكون فيها طالباً كيف تُعلِّمه ؟ ..

     أيْ أنَّكَ إذا أردت الهدى أراد الله لك الهدى ، وإذا أردت الضلال أراد الله لك الضلال ، لماذا ؟ لأن الله خيَّرك ، أنت مخيَّر ..

] إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3) [ .

( سورة الإنسان )

] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [ .

( سورة البقرة : من آية " 148 " )

] فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(5) [ .

( سورة الصف )

] إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(6)[ .

( سورة المنافقون )

] لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50) [  .

( سورة القصص )

      لا يهدي القوم الكاذبين ، فالهدى له أسباب ، والضلال له أسباب ، فمن فعل أسباب الضلال أضلَّه الله ، ومن فعل أسباب الهدى هداه الله ..

      والله سبحانه وتعالى جعل للهدى طريقاً فمن سلكه أراد له الهدى ، فالدولة جعلت لمهنة الطبِّ طريقاً ، تأخذ ثانويَّة بمجموع مرتفع ، تدخل كليَّة الطب ، وتتخرَّج ، فمن سلك هذا الطريق شاءت له الدولة أن يكون طبيباً ، ومن لم يسلك هذا الطريق منعته من مزاولة الطب وعاقبته بتهمة أنه دجَّال، أليس كذلك ؟ طريق هذه المهنة معروف ، من سلكه سُمح له أن يزاول هذه المهنة ، ومن لم يسلكه لم يُسْمَح له بمزاولة هذه المهنة ، فإرادة الجهات الصحيَّة منوطةٌ بأن تسلك الطريق القانوني لهذه المهنة ، هذا مثل بسيط ، وربنا عزَّ وجل رسم للهدى طريقاً ، من سلك هذا الطريق أراد الله له الهدى ، ومن لم يسلك هذا الطريق أراد الله له الضلال .

الهدى الابتدائي والهدى الجزائي :

       لذلك عندنا هدى ابتدائي وعندنا هدى جزائي ، وعندنا ضلال ابتدائي ، وعندنا ضلال جزائي ، فإذا عُزي الضلال إلى الله عزَّ وجل فهو الإضلال الجزائي المبني على الضلال الاختياري ، نعم أمر إذا عزي الهدى أو الضلال إلى الله مباشرةً ، فمعنى ذلك أنه هدىً أو ضلالٌ جزائي بني على هدىً أو ضلال اختياري ، هذا معنى :

] إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3) [ .

( سورة الإنسان )

    وأن الله يهدي من أراد الهدى الله سبحانه وتعالى يهديه..

المسلمون واليهود والصابئون والمجوس والمشركون

     هناك أناس ينتمون إلى أهل الإيمان ، وأناسٌ آخرون ينتمون إلى النصرانيَّة ، وأناسٌ آخرون ينتمون إلى اليهوديَّة ، وهناك أناسٌ آخرون صابئون ، هؤلاء بين النصرانيَّة واليهودية ، وأناسٌ آخرون مجوس عبدوا النار ، ورأوا أن الكون فيه خيرٌ وشر ، فيه نورٌ وظُلمة فعبدوا النار اتقاءً لشرِّها ، ومنهم مَن هو مشرك بالله عزَّ وجل ، كمشركي العرب ، وهؤلاء على اختلاف مللهم ، ونِحَلِهم ، ومشاربهم ، ومعتقداتهم ، وأفكارهم ، وقيمهم، وتشريعاتهم كلهم يقيمون على شركهم ، والحق واحد ولا يتعدد ، فهؤلاء ست ديانات .

1 -  ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [ هذه الأولى .

2 - ] وَالَّذِينَ هَادُوا [  ، هذه الثانية .

3 - ] وَالصَّابِئِينَ [ ، هذه الثالثة .

4 – ] وَالنَّصَارَى [ ، هذه الرابعة .

5 - ] وَالمَجُوسَ [ ، هذه الخامسة .

6 - ] وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [ ، هذه السادسة .

    هذه سِتُّة مذاهب ، أو ستُّ ديانات ، والحق واحد ، لابدَّ من أن يكون الحق مع أحدها فقط ، الباقون ليسوا على الحق ، فمن يفصل بينهم ؟ الله سبحانه وتعالى ، كل أناسٍ يزعمون أنهم على الحق والآخرون على الباطل ، كل حزبٍ بما لديهم فرحون ، هكذا في الدنيا ، كل جهةٍ تظنُّ أنها محور العالم ، وأنها على حق ، وأن ما سواها في ضلالٍ مبين ، هكذا يعتقد البوذيّون ، والسيخ في الهند هكذا يعتقدون ، وأصحاب المِلَل والنِحل هكذا يعتقدون ، والمسلمون يعتقدون هكذا ، والنصارى هكذا ، واليهود هكذا ، هذا اعتقاد كل فريقٍ منهم ، وكلٌ منهم يقول : نحن على حق والآخرون على الباطل ..

فصل الله بين الناس بوم القيامة

    لكن الحق بيَّنَهُ الله عزَّ وجل في هذا الكتاب ، وهذا الكتاب أنزله الله سبحانه وتعالى وتولَّى حفظه ، فمن كان على هذا الكتاب فهو على حق، ومن خالف هذا الكتاب فهو على باطل ، فلذلك هذا الكتاب مقياس ، هو مقياسٌ لك .. فلو أن خمس قطع من الأقمشة ، أو ست قطع ، كل قطعة مكتوب عليها الطول ، هذه القطعة كُتِبَ عليها عشرة أمتار ، هذه خمسون مترا ، هذه خمسة عشر متراً ، نحن معنا متر ، وهذا المتر يحل كل مشاكلنا ، نقيسها يا أخي ، هذه ليست عشرة ، بل هي سبعة ، ثم نقيس الأخرى ، هذه ليست خمسين ، بل خمسة وعشرون ، فنحن معنا مقياس .. فالله عزَّ وجل لرحمته بنا أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام هذا القرآن الذي :

] لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [ .

( سورة فصلت : من آية " 43 " )

    لا ريب فيه ، فمن انطبقت عقائده وسلوكه على هذا القرآن فهو على الحق المبين .

] فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79) [ .

( سورة النمل )

       أما الانتماء الشكلي ، يقول لك : أنا مسلم ، ماله حرام ، نساؤه كاسياتٌ عاريات ، مائلاتٌ مُميلات ، له علاقات حميمة جداً مع غير المسلمين ، هم أقرب إليه من إخوانه المؤمنين ، أي إسلامٍ هذا ؟

(( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً )) .

( الطبراني عن ابن عباس )

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )) .

( من صحيح البخاري عن أبي هريرة )

] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ الأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا [ .

( سورة البقرة : من آية " 264 " )