English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الحج ( 22 ) التاريخ : 08/ 07/ 1988- الدرس [4/7] - الآيات : 25- 38 – لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع من سورة الحج ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم

  

      فالذين كفروا بالله ، وقد بيَّنت في دروسٍ سابقة أن الكفر تكذيبٌ وإعراض ، تكذيبٌ بآيات الله ، تكذيبٌ بآياته الكونية ، وتكذيبٌ بآياته القرآنية ، وتكذيبٌ بوعده ، وتكذيبٌ بوعيده ، وتكذيبٌ بأسمائه ، وتكذيبٌ بمنهجه ، تكذيبٌ وإعراض ، الذين كفروا أعرضوا عن الله عزَّ وجل ، والتفتوا إلى الدنيا ، التفتوا إلى الشركاء ، التفتوا إلى المال ، التفتوا إلى كل ما يقرِّبهم من الدنيا ..

من لوازم الكفرِ الصدُّ عن سبيل الله    

       من لوازم الذين كفروا أنهم يصدّون عن سبيل الله ، فكفروا فعل ماض ، أما يصدون عن سبيل الله فهو فعلٌ مضارع ، والفعل المضارع يفيد الاستمرار ، هم دائماً يصدون عن سبيل الله ، أيُّ شيءٍ يؤدِّي إلى مرضاة الله فهم يصدون الناس عنه ، أيُّ شيءٍ يقرِّب الناس من الله فهم يصدونهم عنه ، أيُّ شيءٍ يوصلهم فهم يقطعونهم عنه ، من لوازم الكفار أنهم يصدون عن سبيل الله ، هم ضالون مُضلون ، فاسدون مُفسدون ، هؤلاء الكفار يصدون عن سبيل الله ، أي شيءٍ يوصل إلى الله فهم في هذا الطريق عقبةٌ كَؤود ، ربما كان دفع المال طريقاً إلى الله عزَّ وجل ، فهم يمنعون الناس أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله ، ربما كانت الأعمال الصالحة التي يُبتَغى بها وجه الله طريقاً إلى الله عزَّ وجل ، فهم يمنعون هذه الأعمال الصالحة ، ربما كان تعليم العِلم أو تلقِّي العِلم طريقاً إلى الله عزَّ وجل ، فهم يمنعون تعليم العلم وتلقينه ، وهكذا ..

     فنعوذ بالله أن نَصُدَّ الناس عن سبيل الله ، بل اللهم ارزقنا أن نكون هادين مهديين ، أن نهتدي ، ويُهتدى بنا ، أن نكون واصلين ، أن نكون مقرِّبين ..

    قال الله سبحانه وتعالى ..

] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [ .

( سورة آل عمران : من آية " 96 " )

البيت الحرام مكان للعبادة والتقرب   

   أيْ أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل هذا البيت مكاناً للتقرُّب إليه ، جعل هذا البيت مكاناً لعبادته ، جعل هذا البيت مكاناً للتفرُّغِ لعبادته ، فلذلك من حكمة الحج أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين أن يأتوا إليه مخلِّفين وراء ظهورهم بيوتهم ، وزوجاتهم ، وأولادهم ، وأموالهم ، وحوانيتهم ، ووظائفهم ، ومكانتهم ، ومتعهم ، ومباهجهم ، كل دنياهم مركزةٌ في بلادهم ، مِن أجل ألا تكون الدنيا عائقاً بين العبد وبين ربه ، من أجل ألا تكون الدنيا حجاباً بين العبد وبين ربه ، فالله سبحانه وتعالى أمر الناس أن يأتوا إليه ، وهم في طريقهم إليه يقولون : لبيك اللهم لبيك.

       أمرهم أن يبتعدوا عن الدنيا ، الشيء الذي أباحه لهم في بلادهم حرَّمه عليهم وهم قاصدون إليه ، حرم عليهم لبس الثياب المَخيطة ، جعلهم يذكرون ساعة النشر ، ساعة الحشر ، أراد أن يصرفهم عن الدنيا ، وربما كان اللباس من الدنيا ، أمرهم أن يرتدوا ثوبين رداءً وإزاراً ليس غير ، لئلا تلتفت النفس إلى الثوب ، وإلى مظهره ، وإلى أناقته ، وإلى ألوانه المُنسجمة ، ولئلا يختال الإنسان بثيابه ، والله سبحانه وتعالى جعل البيت الحرام مكاناً للإقبال عليه ، جعل البيت الحرام مكاناً للتوجُّه إليه ، جعل البيت الحرام تفرُّغاً لعبادته .

        الناس يُصلّون في بلادهم ، ولكنَّهم يُصلّون ، وقد ينشغلون في صلاتهم عن الاتصال بربهم ، قد ينشغلون بدنياهم عن الالتجاء إلى الله عزَّ وجل ، ولكنهم بالحج أمرهم أن يأتوا إليه ، ولْيدَعوا كل شيءٍ وراء ظهورهم ، أراد أن يعلِّمهم كيف أن هناك فِراقاً للدنيا لا رجعة بعده ، هذا الحج تدريبٌ على الفراق النهائي ، كيف أن الحاج يَنْخَلِعُ وينسلخ من كل ميزات الدنيا التي توفرها له مكانته ودخله في بلده ، فربنا سبحانه وتعالى جعل المسجد الحرام معطوفاً على سبيل الله ..

     فكأن المسجد الحرام مكافئٌ لكلمة سبيل الله ، كما أن الأعمال الصالحة كلَّها ؛ طلب العلم ، تعليم العلم ، إنفاق المال ، أداء العبادات ، أداء الزكاة ، الصيام ، هذه كلها سُبَلٌ إلى الله عزَّ وجل ، كذلك المسجد الحرام سبيلٌ إلى الله عزَّ وجل ..

مشاعر الناس في المسجد الحرام سواء ، القريب والبعيد    

     أيُّ مكانٍ تذهب إليه لا تفارقك مشاعُر بأنك في البلد الفلاني ، إذا ذهبت إلى بلد شرقي ، أو غربي ، أو عربي ، أو إسلامي ، دائماً هناك شعور مستمر أنك في هذا البلد ، لكنك إذا دخلت البيت الحرام لا تشعر أنك في السعودية ، تشعر أنك في بيت الله ، هذا المعنى مستفاد من قوله تعالى :

    أيْ حقُ الغريبِ عنه كحقِّ المقيم فيه ، هو للناس جميعاً ، ليس لأهل مكة ، وليس لأهل المدينة ، وليس لمن يقيم في المملكة ، إنه للناس جميعاً..

معنى : ] العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ [    

       العاكف المُقيم ، والباد الذي جاء من البادية أو الذي جاء من مكانٍ بعيد ، يعبَّر عنه في كتب الفقه : بالآفاقي ، أيْ حقُ المسلم أينما كان ، من أي بلدٍ كان ، من أي مجتمعٍ كان ، في البيت الحرام كحقِّ ساكني مكة المكرَّمة سواءً بسواء ، يعني أنَّ هذا البيت للناس ، وليس لأهل بلدٍ بالذات ، ولا لأهل إقليمٍ معين ، ولا لأهل مصرٍ ما ، إنما هو للمسلمين جميعاً .

حرمة البيت الحرام

     وربنا سبحانه وتعالى جلَّت مشيئته أراد أن يجعل هذا البيت الحرام ، وسماه حراماً لأنه يحرم فيه كل إيذاءٍ يقع على أي مخلوق ، هناك أشهُرٌ حُرُم ، وهناك أمكنةٌ حرم ، فالمسجد الحرام مكانٌ حرام لا يجوز فيه القتال، ولا يجوز فيه الأخذ بالثأر ، ولا يجوز فيه العدوان ، ولا يجوز فيه قتل الصيد الذي هو مباحٌ في مكانٍ آخر ، وفي وقتٍ آخر، أيْ أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل هذه الأشهر الحرام وجعل البيت الحرام حَداً للخصومات ، كل من دخل هذا البيت فهو آمن ولو كان مهدور الدم ، إذا دخل البيت فهو آمن ، مكانٌ حرام وأشهرٌ حرام ، فربنا عزَّ وجل قال :

     هذا مكان عبادة ، مكان إقبال ، مكان تعبُّد ، مكان صفاء ، مكان بعد عن الدنيا ، عن أخبار الدنيا ، عن صراعات الدنيا ، عن مشكلات الدنيا ، عن أزمات الدنيا ، مكان عبادةٍ خالصة ، مكانٌ يُذَكِّر الناس باليوم الآخر ، يُذكّرهم بمنقلبهم إلى ربهم ، لذلك لا ينبغي أن تقوم فيه فتنة ، ولا ينبغي أن يجري فيه عدوان ، ولا ينبغي أن يقع فيه اقتتال ، إنه شهرٌ حرام وبيتٌ حرام ، والله سبحانه وتعالى يتوعَّد مَن تسوّل له نفسه في هذا البيت الحرام وفي الشهر الحرام أن يعتدي على أيّ مخلوق ، يقول الله سبحانه وتعالى :

جزاء من أراد في البيت الحرام بالإلحاد والظلم

في للظرفية المكانية ..

أي مَن ينوي ..

     الإلحاد الانحراف عن جادة الصواب ، استقامت وجهته أو أَلْحَد ..

    هذه الباء للملابسة ، أيْ إرادته منحرفة ، مَن يرد إرادةً متلبِّسَةً بالانحراف بسبب أنه ظلم نفسه أو ظلم مخلوقاً آخر ،

      حتى إن بعض المفسرين فهموا من هذه الآية ، أن الخطيئة في البيت الحرام يعظمُ إثمها ، ويضاعف عقابها ، حيث لو أن الإنسان أراد سيئةً ، ولم يفعلها حوسب عليها ، وهو في البيت الحرام لقوله تعالى :

وليس مَن يقترب ، ليس مَن يظلم ..

     في هذا البيت ، وفي للظرفية المكانية والزمانية ، أيْ في البيت الحرام وفي الأشهر الحرام .

     أيْ متلبِّساً بانحرافٍ عن طريق الإيمان الصحيح ، والعمل الصالح..

بدافع من ظُلمه لنفسه أو ظلمه للآخرين ، هذا الذي يفعل إثماً ، أو يقتل حيواناً ، أو يؤذي إنساناً ، أو يقلع نبتةً ، أو يشتم مخلوقاً ، أو يفسُق ، أو يفجر ، في هذا البيت الحرام ؛ مَن أراد هذه المعاصي ..

    في الدنيا والآخرة ، لأن ربنا عزَّ وجل جعل هذا البيت مكاناً للعبادة والنُسك ، فأيّ عملٍ مُخِلٍّ بهذه العبادة وبالطمأنينة التي يجب أن تتوافر للحاج في هذا المكان فهذا إفسادٌ في الأرض .

     لذلك فإنَّ في زمن العرب لو أن حرباً ضَروساً نشبت بين فئتين ، وجاءت الأشهر الحرم انتهى كل شيء ، لو أن أحد الخَصْمَين دخل الحرم فهو آمن ، الله سبحانه وتعالى جعل البيت الحرام ، وجعل الأشهر الحرام رحمةً للناس ، حَدَّاً لنزاعاتهم ، وإيقافاً لخصوماتهم ، وإنهاءً لمشكلاتهم .

بيت الله الحرام أول بيت وضع للناس

يقول ربنا عزَّ وجل في آيةٍ أخرى :

] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [ .

( سورة آل عمران : من آية " 96 " )

       هذه الآية دليلٌ قطعي على أن أول بيتٍ أنشئ على وجه الأرض لعبادة الله سبحانه وتعالى هو البيت الحرام في مكة المكرَّمة ، لكن ربما كُلِّفَ هذا النبي العظيم سيدنا إبراهيم بإعادة إنشاء البيت ، أَّما هذا البيت فلابدَّ من أنه وُضع منذ عهد آدم .

] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [ .

( سورة آل عمران : من آية " 96 " )

       وبعض علماء الجغرافية يرون أن الكعبة المشرفة تقع في الوسط الهندسي تماماً للقارَّات الخمس ، إذا أخذنا أطراف القارات الخمس ، ووصلنا بين أطرافها بأقطار تأتي الكعبة المشرَّفة في مركز تقاطع هذه الأقطار ، بيتٌ متوسِّط ، وربنا سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة جعله في وادٍ غير ذي زرع لئلا يأتيه إلا الحاج ، فلو كان في وادٍ ذي زرعٍ ، وجوٍ لطيف ، وبحيراتٍ رائعة ، وجبالٍ خضراء لجاءه الحاج والسائح ، لكنه بهذه الطريقة لا يقصده إلا الحاج ، الحاج وحده ، ومع أن هناك حراً شديداً ومع أن هناك ازدحاماً بالغاً ، فإن الذي ذهب إليه بإخلاصٍ شديد ، يقول لك : لم أذق في حياتي نعيماً وسعادةً أبلغ من هذا الحج ، وهذه حكمة الله سبحانه وتعالى ، كأنه هناك تجلّيًا من الله مكثفًا لهؤلاء الحجاج الأطهار ، الحجاج والعمار وفد الله ، فإذا ذهب الإنسان إلى بيت من بيوت الله في بلده الذي يقيم فيه فلن يجد مثل هذا الشعور والسعادة ..

(( إن بيوتي في الأرض المساجد وإنَّ زوَّارها هم عُمَّارها ، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني ، وحُقَّ على المزور أن يكرم الزائر)) .

( ورد في الأثر)

       إذا كان إكرامك من قبل الله عزَّ وجل حقٌ عليه إذا أتيته لبيته الذي في بلدك ، فكيف إذا أتيته في البيت الحرام ؟ شتَّان ، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :

((وَلا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ ، مَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)) .

( من صحيح البخاري عن أبي سعيد )

       هذه المساجد الثلاثة لها مكانة خاصة ، ويبدو أن الله سبحانه وتعالى جعلها موطناً للتجلِّي الذي يَنْعُمُ به الحجَّاج والعُمَّار .

أي حددنا مكان هذا البيت ، وجعلناه مرجعاً إلي ..

أيْ أنَّ هذا البيت أقيم على التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد .

] وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [

     بعضهم قال : الطائفين الذين يطوفون حول البيت .

     وأما :

      

] وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [

    المصلون ، وهناك من يستنبط من هذه الآية أن الطواف يسبق القِيام ، والقيام يسبق الركوع ، والركوع يسبق السجود ، وكأنها مراتب ، طاف ، فأقام ، فركع ، فسجد ، يعني أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، الركوع خضوع ، والسجود طلب العون ، والقيام الالتزام ، والطواف هو البحث ، طاف باحثاً ، ثم عكف واقفاً ، ثم ركع ثم سجد ، طهِّرا بيتي من الشرك ومن القَذَر ومن كل شيء ، وهؤلاء الذين شرَّفهم الله عزَّ وجل بخدمة مساجده وبيوته هؤلاء تنطبق عليهم هذه الآية ، ليست خدمة بيوت الله وظيفة ، وظيفةٌ يتقاضى الإنسان راتبها ، إنها شرفٌ تشرِّف الإنسان ، لذلك َمن هُم تواقوَّن لخدمة بيوت الله عزَّ وجل فهؤلاء لابدَّ من أن تشملهم هذه الآية :

      

] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [

أيْ ادعُهم إلى الحج ، إذا انتهيت من بناء البيت وتجديده ، أذِّن في الناس بالحج .

الأجر على قدر المشقة : ] يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ [

      والذين قالوا : الثواب على قدر المشقَّة لم يخطئوا ، كلَّما قلَّت المشقَّة وصار السفر متعةً ، والطائرة مكيفةً ، والصالات كلها مكيَّفة ، والخيام مكيفة في عرفات ، والطعام لذيذ ، والتنقُّل ممتع ، قَلَّ الأجر ، وأصبح الحج متعةً ، لذلك السلف الصالح يأتون راجلين ، وبعضهم يأتون راكبين ، ولكن لا ينبغي للحاج اليوم أن يذهب ماشياً ولا راكباً ناقةً ، لأن الجهد ليس مطلوباً لذاته ، أما إذا كان الجهد عاماً ، المشقة إن كانت عامةً فالله سبحانه وتعالى يثيب عليها ، على قدر المشقة ، ولكن الآن أصبح الانتقال لا خيار فيه ، لابدَّ من ركوب الطائرة ، ولابدَّ من التنقُّل بين مكة وعرفات ، وبين مكة والمدينة بوسائل الركوب المعروفة .

يأتوك رجالاً وراكبين ، رجالاً مترجِّلين ، ويأتوك راكبين ..

أيْ أنَّ هذه الناقة أصبحت ضامرة لشدة المشقَّة وبعد المسافة ..

     طبعاً نحن حينما نذهب إلى الحج فالمسافة بيننا وبين الحرم تُعَدُّ قريبةً نسبياً ، أما الذين يأتون من باكستان ، من الهند ، من الصين ، من أمريكا، من أوروبا فهذه مسافاتٌ طويلة ، وركوب الطائرة يستغرق عشرات الساعات ، كما يكلِّف إنفاق مئات الألوف ..

     لذلك النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله ، تماماً بتمام .

منــافع الحـج : روحية ومعنوية     

    فلا يُعقل أن يدعوك الله سبحانه وتعالى وأنت في بلدك ، يدعوك لترك أهلك ، وعملك ، ودكَّانك ، ووظيفتك ، وأولادك ، وتأتي إليه ، ولا تجد شيئاً هذا مستحيل ، مستحيل في حق الله عزَّ وجل ، مستحيل في حقِّ الضيافة أن تأتيه من مكانٍ بعيد ولا يكرمك ، لذلك :

     وعلامة الحاج الصادق أنه يتمنَّى أن يحج كل عام ، علامة الحاج الذي أقبل على الله وتجلى الله على قلبه ، أنه يتمنى أن تكون أيامه كلها حجاً ، فلذلك يقول الله سبحانه وتعالى :

    والمفسرون قالوا في تفسير هذه الآية : " منافع روحية ، ومنافع دنيوية " ، فإضافةً إلى أن الحج عبادة راقية ، والإنسان في الحج يقبل على الله عز‍َّ وجل ، ويعاهده على الطاعة ، يتوب إليه ، ويتعرف إليه ، ويتشرف قلبه بالإقبال عليه ، إضافةً إلى كل هذا فإن في الحج منافع ، ربما يلتقي المسلمون من شتىَّ أقطارهم ، ربما يتعرَّف بعضهم على بعض ، ربما يبحثون قضيةً عامة ، ربما يتشجَّع الإنسان ليكون مثل هؤلاء ، ربما يكون التنافُس بينهم ، هناك منافع روحية ، ومنافع دنيوية تكون في الحج .

] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [ .

( سورة البقرة : من آية " 197 " )

       فالحاج يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام المعلومات ، كلما صعد شَرَفاً أو هبط وادياً ، أو استيقظ ، أو نام ، أو التقى بركبان ، يقول : "لبيك اللهم لبيك ، لبيك استجابةً لدعوة الله سبحانه وتعالى :

       فإذا رمى جمرة العقبة قطع التلبية وقال : " الله أكبر والله أكبر " ، بدأ يكبِّر ويهلل ويسبح ، الحج كله ذكر ، الحج كله دعاء ، الحج كله صلاة ، الحج كله إقبال ، الحج كله اتصال ، الحج مناسبةٌ كي يتصل هذا العبد بخالقه اتصالاً محكماً مكثفاً مجدياً صحيحاً .

نعمة بهيمة الأنعام

     هذه الأنعام من آيات الله عزَّ وجل ، الأنعام تعني الإبل والبقر والغنم بما فيه الماعز ، هذه الحيوانات التي جعلها الله آيةً على كرمه .

] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلّلْنَاهَا لَهُمْ [ .

( سورة يس )

       لو أن الله سبحانه وتعالى رَكَّبَ في هذه الأنعام أخلاق الضباع ، أو أخلاق الذئاب ، أو أخلاق الوحوش الكاسرة ، أو أخلاق السباع ، كيف نستفيد منها ؟ كيف نربِّيها ؟ كيف نكثِّرها ؟ كيف نذبحها ؟ كيف نتِّقي شرها؟ إنها وديعة ، الغنم والماعز والبقر والجمل ، ربنا عزَّ وجل قال :

] أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17) [ .

( سورة الغاشية )

       فهناك بحوث عن الجمل يكاد العقل لا يصدقها ، فالله سبحانه وتعالى خلق الجمل خِصِّيصاً للصحراء ، له عينان تُريانه الصغير كبيراً .. أي كالمجهر .. والبعيد قريباً .. مثل التلسكوب .. ولعينيه رموش بإمكانه أن يُغمض عينيه ، وأن يرى طريقه لئلا يؤذيه غبار الصحراء ، له أجفان يرى من خلالها ، ولا تتأثر بغُبار الصحراء ، بإمكان الجمل أن يَسُدَّ أذنيه ، الجمل له ثفينات ، يجلس جلسةً نظامية كي يسهل تحميله ، لو جلس كالحمار على جنبه كيف نُحَمِّل الجمل ؟ إنه يجلس بشكلٍ نظامي ، يحمله صاحبه ، وهو قاعد ، ثم يقف ، مَن هَيَّأ له هذا السنام الذي يجزئُهُ عن تناول الغذاء أشهراً ؟ الجمل بإمكانه أن يعيش بلا ماء ما يزيد عن عدة أشهر ،  بإمكان الجمل أن يمتَّص الماءَ من خلاياه ، الجمل يصبر ، له هذه الأخفاف التي تعينه على السير في الرمال ، فلو حدثتكم عن الجمل لطال الحديث ، وهناك بحوثٌ طريفةٌ جداً وعميقة وغزيرة لا يتسع الوقت لذكرها جميعاً ، فهذه سُمِّيَتْ أنعاماً لأنها نعمةٌ كبرى من الله عزَّ وجل .

        والغنم كذلك نأكل لحومها ودهنها وشحمها ، ونستفيد من عَظمها ، ونستفيد من أصوافها ، ومن جلودها ، ومن ألبانها ، ومن أمعائها ، كل شيءٍ في الغَنَمِ خير ، هذه نعم الله سبحانه وتعالى ، الألبان ، مشتقات الألبان تعرفونها جميعاً ، لا تجد بيتًا في الأرض إلا وفيه مشتقَّات الألبان ، هذه آيةٌ عظمى على نِعَمِ الله عزَ وجل .

] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ [ .

       من جعلها مذللةٌ ؟ فبإمكان الطفل الصغير أن يقود الجمل الكبير ، لأنه مذلل ، لو لم يكن مذللاً لخاف منه الرجل فكيف بالطفل ؟ .

 

الهدي في الحج : الأكل منها والتصدق على الفقراء

      كلوا من هذا الهَدْي ، لذلك أجاز العلماء أن يأكل الحاج من هَدْيِهِ ، وكلكم يعلم أن هناك حاجاً مفرداً ، وحاجاً متمتِّعاً ، وحاجاً قارناً ، فالحاج المفرد لا دم عليه ، لا هدي عليه ، أما المتمتِّع والقارن فعليهما الهدي ، هدي المتمتع هدي جَبرٍ ، وهدي القارن هدي شكرٍ ، لأن الله أعانه ووصل العمرة بالحج فعليه هديُ شكرٍ ، أما المتمتع فعليه هدي جبرٍ ، لأنه اعتمر ، ثم تحلل ، ثم أحرم من مكة قُبَيْلَ الحج ، فعليه دم جبرٍ ، فأجاز العلماء أن يأكل الحاج نَدْبَاً أو وجوباً أو إباحةً من لحم الهدي ، وأن يطعم منه القانع والمُعْتَر ، لكنهم حرَّموا الأكل على من قدَّم الهدي نذراً أو جزاءَ إثمٍ ارتكبه في الحج ، هذا الهدي الذي يقدَّم جزاءً وكفارةً لإثمٍ ارتكبه الحاج ، أو وفاءً بنذرٍ لا ينبغي أن يأكل الحاج منه شيئاً .

هذا أمر ندب أو أمر إباحة هناك أمر يقتضي الوجوب ، وهناك أمر إباحة ، ثم ..

] وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ [ .

( سورة البقرة : من آية " 187 " )

       هذا أمر إباحة ، ليس معناه أنه إذا لم يأكل الرجلُ يكون قد عصى ، عندنا في الشرع أمر إباحة ، كما أنه عندنا أمر ندب ، وكذلك عندنا أمر وجوب .

وبعد أن رمى الحاج جمرة العقبة وذبح الهدي ..

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ

     التَفَثْ ، الإنسان حينما يقصُّ أظافره يقضي تفثه ، وحينما يحلق شعر رأسه يقضي تفثه ، وحينما يغتسل فيُذهب عن جلده الأوساخ يقضي تفثه ، بعد أن أحرموا يوم الثامن من ذي الحجة ، أو بعد أن أحرموا من العمرة إلى الحج للقارن ، واستمروا على إحرامهم أياماً ولياليَ لا يمسَّون طيباً ، ولا يحلقون رأساً ، ولا يلبسون مخيطاً ، ولا يستعملون طيباً ، بعد أن أحرموا ، وتحمَّلوا مشاقَّ الإحرام ، فالآن جاء وقت قضاء التَفَث ، قال تعالى :

       حَمَّلَ بعض العلماء هذه الآية على أن الحاج وهو في عرفات ، أو وهو يطوف البيت ، أو وهو يقبِّل الحجر ، أو وهو يسعى بين الصفا والمروة ، يعاهدُ الله على أعمالٍ صالحة ، على خدمة الخَلق ، على هداية الخلق ، على الاستقامة على أمر الله ، هذا العهد الذي عاهدت الله به ، بعد أن تحللت من الإحرام جاء وقت الوفاء به ..

وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ     

      الحاج كأنه عاهد الله سبحانه وتعالى ، وهو في عرفات عاهد الله ، وهو يقبِّل الحجر الأسود عاهد الله ، وهو يلتزم المُلتزم عاهد الله ، وهو يسعى بين الصفا والمروة عاهد الله ، وهو يطوف حول البيت يعاهد الله سبحانه وتعالى ، فإذا حَلَّ من إحرامه ، وقضى تفثه عليه أن يفي بنذره ، أحد الصالحين اشترى قبراً في حياته ، كان كل يوم خميس يضَّطجع فيه حياً ، ويتلو قوله تعالى :

] رَبِّ ارْجِعُونِ(99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [ .

( سورة المؤمنون )

       فيقول لنفسه : قومي لقد أرجعناكِ ، قومي إلى العمل الصالح قد أرجعناكِ ، وكأن لسان حال الحاج .

      بعد أن يرموا جمرة العقبة ، وبعد أن يذبحوا الهدي ، ويحلقوا شعورهم ، ويغتسلوا يتحللون التحلُّل الأول ، أي بإمكانهم أن يفعلوا كل شيء كان محظوراً عليهم إلا النساء ، هذا التحلُّل الأول ، فإذا طافوا طواف الرُكن ، طواف الركن : يعني طواف الإفاضة ، حلَّ لهم كل شيء كان محظوراً عليهم بما فيه النساء .

الطواف بالبيت العتيق

     فإذا قلت : كَسَّر غير كَسَرَ ، وغَلَقَ غير غلَّق ، وقَطَعَ غير قَطَّع ، قطَّع فيه مبالغة ، قطعتُ اللحم قطعتين ، أما قطَّعتها قطعاً صغيرة ، فوزن فَعَّلَ يفيد التكسير ، فربنا عزَّ وجل قال :

     أي وليطوفوا كثيراً ، فهم النبي عليه الصلاة والسلام من قوله تعالى:

      الطواف سبعة أشواط ، الحد الأدنى سبعة أشواط ، لكن الطواف الواجب دائماً أربعة أشواط ، والسُنَّةُ سبعة أشواط ، فمن طاف أربعة أشواطٍ وأصابه إغماءٌ فرضاً فقد أدَّى الفريضة ، طواف الزيارة .

     وسمي البيت العتيق عتيقاً لأنه أقدم بيت ، وسمي البيت العتيق عتيقاً لأن الله كرَّمه أن يخضع لجبَّار ، لذلك : كل أنواع الغزو التي شهدها العالم الإسلامي لم تصل إلى الكعبة ، جعله الله عتيقاً .

       والمعنى الآخر أن كل من دخل هذا البيت مخلصاً أعتقه الله من النار ، إما لأنه عَتِيقٌ زماناً ، أو لأنه في مَنْجَاةٍ من سيطرة الجبابرة ، أو لأن كل من دخله أعتقه الله من النار ، لأن : مَن حج ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )) .

( من صحيح البخاري عن أبي هريرة)

       لذلك قال العلماء : من أفاض من عرفات ، ولم يغلِب على ظنِّه أن الله قد غفر له فلا حج له ، تفعل ماذا ؟ جئت من بلدك مِن بُعْدٍ يزيد عن عشرات الآلاف مِن الكيلو مترات ، دفعت الرسوم ، دفعت النفقات ، أغلقت محلَّك التجاري ، تركت أهلك ، لماذا جئت ؟ أليس جئت للمغفرة ؟ تفعل ماذا هناك ؟ مَن أفاض مِن عرفات ولم يغلب على ظنِّه أن الله قد غفر له فلا حج له .

تعظيم حرمات الله تعالى دليل على التقوى      

     أي أن هذه المناسك الذي يعظمها ، هناك حاج يتساهل ، يقول لك : لا تدقق ، هذا لا يعظِّم شعائر الله ، لديك أشياء مباحة في بلدك ، الطيب مباح ، بالعكس مندوب ، قال عليه الصلاة والسلام :(( حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء ...)) .

( رواه أحمد عن أنس)

       فالطيب مباح في بلدك ، ولكن الله سبحانه وتعالى هناك أراد أن يتعبَّدك ، أن يمتحن مدى طاعتك له ، والطاعة دائماً تُمْتَحَن لا في المعاصي والآثام بل في المُباحات ، حينما تَنهى ابنك عن أن يسرق فلابدَّ أن يلتزم ، أما حينما تنهاه أن يأكل طعامه الذي جُعِلَ له ، ويستجيب لك فهذه منتهى الطاعة ، فربنا عزَّ وجل نهانا عن أشياء مباحة لنا ونحن في بلدنا ، مباح أن تلبس ثوباً مخيطاً ، مباح أن تغتسل بصابون مُعطَّر ، مباح أن تأخذ من الطيب ، مباح أن تحلق رأسك ، فربنا عزَّ وجل أراد أن يمتحن عبوديَّتك امتحاناً صارماً ، فالمعاصي ، والآثام شيء بديهي ، وتركها من باب أولى ، لما فربنا يأمرك عزَّ وجل أن تترك المباح فترك المعصية من باب أَوْلَى ، فإذا كان لبس المخيط حرام ، النظر للنساء أشد حُرْمَةً ، إذا كان استعمال الطيب حرام فالكذب أشد حرمةً ، ربنا عزَّ وجل جعل المباحات محرمة هناك ليكون ترك المحرَّمات من باب أوْلى ، شيء بديهي جداً أن تكون بعيداً عن كل إثمٍ أو معصية .

    الحُرْمَة الشيء الذي لا يجوز أن تناله ، شيءٌ محرم .

الأنعام كلها حلال إلا ما استثني