English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الحج ( 22 ) التاريخ : 15/ 07/ 1988- الدرس [5/7] - الآيات : 38- 52 – لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس من سورة الحَج ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى .

       

توطئة

      يؤكِّد بعض العلماء أن هذه الآيات هي الآيات التي أذِن الله فيها أوَّل مرَّة للمؤمنين بالقتال ، ذلك أن الحق لابدَّ من أن تدعَمَهُ قوَّة ، وأن الحق من دون قوة مُسْتَباح ، وأن أهل الباطل منذ القِدَم يكيدون للحق ، وأن هناك صراعاً دائماً بين الإيمان والكفر ، بين الحق والباطل ، لذلك في هذه الآيات يذكر الله فيها سبحانه وتعالى أن الذين آمنوا قد ظُلِموا ، وأنهم عليهم أن يأخذوا حقهم ، وأن يحافظوا على هذا الحق ، ولكن لماذا لا يتولَّى الله سبحانه وتعالى الدفاع عنهم ؟ ولماذا لا يعفيهم من مؤونة القِتال ؟ هذا السؤال الأوَّل .

        الله من دون شك قادرٌ على أن يقدِّم النصر للمؤمنين على طبقٍ من ذهب ، من دون عناءٍ ، ولا تعبٍ ، ولا جهدٍ ، ولا مشقَّة ، ولكنَّ هذا النصر الذي يُقَدَّم من دون جهد لا قيمة له ، ولا يرقى بهم ، ولا يتيحُ لهم أن يسعدوا في الجنَّة التي وعدهم الله بها .

        الله سبحانه وتعالى وعدهم بالنصر بشرط أن يكون القتال من فعلهم، وعدهم بالنصر بشرط أن يكون النصر عن طريقهم ، لذلك كان التمهيد بقوله تعالى :

دفاع اللهِ عن المؤمنين      

     أيْ أَن الله خالق الكون ، واجب الوجود ، الأبدي السرمدي ، القوي، القهَّار ، العزيز ، الجبَّار ، هذا الإله العظيم الذي خلق كل شيء ، والذي خلق الكون فقال له : كن فيكون ، هو نفسه يدافع عن الذين آمنوا ، ولم يقل : يَدْفَعُ ، بل يدافع ، لأن دافع مصدره المُدافعة ، والمدافعة أبلغ من الدفاع ، دَفَعَ دفعاً ، ودافع مدافعةً ..

     ولا يَعرف معنى هذه الآية إلا المؤمن ، لأنه من خلال تجاربه اليوميَّة يرى رأي العين كيف أن الله سبحانه وتعالى يُدافع عنه ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يُنقذه من عدوِّه ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يكيد لمن يكيدون له ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يحفظه بحفظه المنيع ، هذا المعنى لا يتذوقه إلا المؤمن ..

     لماذا ؟ قال بعض العلماء : " هذه الآيات توطئةٌ وتمهيدٌ لآيات القتال" ، إن الله يدافع عنكم .

بغض الله للخائنين للأمانة    

     لماذا يدافع الله عن المؤمنين ؟ قال : لأنه يحبٌهم ، ولماذا يكيد للكافرين ؟ لأنه لا يحبُّهم ، إن الله لا يحبُّ أعداء المؤمنين ، من هم أعداء المؤمنين ؟ هم الكافرون ، لماذا لا يحبهم الله عزَّ وجل ؟ لأنهم خائنون ، كافرون ، خانوا ماذا ؟ خانوا أمانة التكليف .

] إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا(72) [ .

( سورة الأحزاب )

       الإنسان حمل الأمانة ، فإما أن يفي بعهده ، وإما أن يخون الأمانة ، فالله سبحانه وتعالى لا يحبُّ كل خَوَّانٍ ، لم يقل : كل خائنٍ ، لأن الذي ينسى الأمانة ، ولا يقوم بحقِّها ليس خائناً فحسب ، بل هو خَوَّان ، أيْ أنَّهُ كثير الخيانة ، هذه الأمانة هي نفسك التي أودعها الله بين جنبيك ، نفسك التي أوكلك الله بتزكيتها ، هذه أهملتها وتبعت الشهوات ، فلذلك حينما يتخلَّى الإنسان عن أمانته التي عهد الله بها إليه فهذِهِ ليست خيانةً فحسب ، بل هِيَ أشدُّ أنواع الخيانة ، سمَّاه الله سبحانه وتعالى خَوَّان أيْ كثير الخيانة..

      الخوَّان هو الذي خان الأمانة التي مِن أجلها جاء الله به إلى الدنيا ، لماذا أنت هنا على وجه الأرض ؟ سؤال كبير ، لماذا أنت هنا في الأرض؟ لأنك حملت الأمانة في الأزل ، لأنك قبلت حمل الأمانة وقلت لربِّك : أنا لها يا رب .. فالآية الكريمة :

] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [ .

( سورة الأعراف : من آية : " 172 " )

       فالأمانة أنَّك جئت إلى الدنيا ، ووضِعَت نفسُك بين يديك أمانة كي تزكِيَها ، ولا تتزكَّى النفس إلا إذا عرَّفتها بربِّها ، وإلا إذا استقمتَ على أمره وأقبلتَ عليه فطهُرت نفسك من أدرانها ، فلذلك :


      لأنه يحبُّهم ، ولماذا يحبهم ؟ لأنهم أدَّوا الأمانة ، ولأنهم شكروا النعمة ، بينما أعداؤهم الكفَّار لا يحبُّهم ، لماذا لا يحبُّهم ؟ لأنهم خانوا الأمانة وكفروا النعمة ، وهاتان صفتان أساسيَّتان من صفات الكفر ، خيانة الأمانة وجحود النعمة ..

لذلك قال بعضهم : " كفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله "، وكفاك شرفاً أنك مؤمنٌ به ، وكفاك عزَّاً أنك عبدٌ له ، وكفاك فلاحاً ونجاحاً وتفوَّقاً وفوزاً أنك مستقيمٌ على أمره ..

دعوة إلى حفظ الأمانة

       ألا يطمح أحدنا أن تكون له هذه الخصيصة ؟ ألا يطمح الإنسان أن الخالق العظيم يُدافع عنه ؟ ألا ترون أنّ أهل الدنيا إذا أقاموا علاقةً مع شخصٍ مُهمٍّ تراهم يتيهون بهذه العلاقة ، ويفخرون بها ، وربما لا تسعهم الأرض سروراً ، يعرضون عليك الصورة التي اجتمعوا فيها معهم على طاولةِ طعام العشاء ، يقول لك : فلان كنت معه ليلة أمس ، وتناولتُ العشاء معهُ ، ألا ترى أن خالق الكون ، أن الله جلَّ وعلا هو يدافع عنك ، أليس هذا شرفاً عظيماً لك أيها المؤمن ؟ أتبتغي عند الآخرين العِزَّة ؟ أتبتغي عند أهل الدنيا العِزَّة ؟ ابتغ العزّة عند الله ، فالله سبحانه وتعالى رفعك فلا تخفض نفسك ، الله أعزَّك فلا تُذِلَّ نفسك ، الله كفاك فلا تنظر إلى سواه ..

      هذه الآية لها معنى قد تدركه عقولنا ، إلا أنّ هذه الآية تستوجب منك الكثير من المُعاناة ، فمن كان مؤمناً حقاً وكان يدعو الله حقاً في سرِّه وجهره ، وقد رأى من مدافعة الله عنه الشيء الكثير عندئذٍ يعرف معنى هذه الآية ، ويعيش هذا المعنى ، أن تعيش المعنى أبلغ من أن تفهمه ..

      كن مؤمناً ، والله سبحانه وتعالى يتولَّى الدفاع عنك ، الإنسان العادي أحياناً يشعر بغِبْطَة وبطمأنينة لا حدود لها إذا وكَّل محامياً لامعاً في قضيةٍ شائكة ، يقول لك : أنا محامِيَّ فلان وهو من ألمع المحامين ، وله صِلاتٌ وثيقة مع القضاة ، واجتهاده لا يُخطئ ، وله شخصيَّةٌ قويَّة ، وله هيبةٌ في قصر العدل ، وقد وكَّلته وأنا مطمئن ، فما قولك إذا كان الذي يتولَّى الدفاع عنك هو الله سبحانه وتعالى ؟ ..

      لأنه يحبُّهم ، لأنهم يحبونه وهو يحبُّهم ، لأنهم حملوا الأمانة ، ولأنهم شكروا النعمة ، بينما أعداؤهم الكفَّار خانوا الأمانة ، وكفروا النعمة ، فإذا كادوا للمؤمنين فالله سبحانه وتعالى يتولَّى الدفاع عنهم ..

      كن مؤمناً واحْظَ بهذا الشرف العظيم ، كن مؤمناً ، ونَم مطمئناً هادئ البال ، فلن تستطيع جهةٌ على وجه الأرض أن تنالك بالأذى لأن الله يدافع عنك ، كن مطمئنَّاً ، ولا تخشَ إلا الله ، كن مطمئناً ، وكن مؤمناً ، ولا تأخذك في الله لومة لائم ..

        كفى المؤمنين فخراً هذه الآية ، فإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، هو أهلٌ بأَن تتوكَّل عليه .

      

إذنُ اللهِ للنبي e والمؤمنين بقتال المشركين

     من الذي أَذِنَ ؟ الله سبحانه وتعالى ، أحياناً لا يُذْكَرُ الفاعلُ تعظيماً له ..

     خُلِقَ الإنسان ، مَنْ خلقه ؟ الله سبحانه وتعالى ، الفاعل قد لا نذكره لشدَّة عظمته ، أو لأنه معروفٌ لدى كل الناس ، هل من خالقٍ إلا الله ؟ إذا قلنا : خُلِقَ الإنسان لأنَّ الخالق معروف ، لأنه أعظم من أن يُذْكَر أو أجلّ أن يُذْكَر ..

الحديث قبل قليل كان عن المؤمنين ..

     فربَّما يقول قائل : لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل : أُذِنَ للذين آمنوا أن يقاتلوا ؟ فربنا عزَّ وجل من إعجاز القرآن الإيجاز ، فبدَّل بكلمة المؤمنين كلمة الذين يقاتلون ، واستنبط العلماء أن الذي يُقَاتَل يَحِقُّ له أن يُقاتِل إذا كان قد قوتل ، لذلك لا ينبغي أن تبدأ أنت بالقتال ، البادئُ هو الظالم ، إذا قوتلت ، طبعاً الخطاب موجَّه إلى النبي الكريم وأصحابه الذين ذاقوا مِن بأس قريش ، ومن التضييق ، والشدَّة ، والتعذيب الشيءَ الكثيرَ ، لذلك يقول الله عزَّ وجل :

بفتح التاء ، أيْ هم قوتِلوا بأنهم ظُلِموا ، إذاً هناك شرطان ، لا ينبغي للمسلمين على مستوى الأمَّة الإسلاميَّة أن تقاتل أعداءها إلا إذا بدؤوها بالقتال ، وكانوا بهذا القتال ظالمين ، شرطان ، أما أن تعتدي على غيرها فعندئذٍ لا تُنْصَر ، يجب أن تُبْدَأ بالقتال من قِبَلِ أعدائها أولاً ، ويجب أن يكون هذا العدوان ظالماً ، عندئذٍ أُذِنَ لها أن ترد الصاع صاعين ، يأتي عدوٌ غاصبٌ دخيل يأخذ الأرض ، ويبيح المحرَّمات ، ويشرِّد السكَّان ، ويبقى المسلمون صامتين ؟! لا ..

سبب القتال ظلم الأعداء

     وهذه الباء سببية ، أيْ أَنَّ سبب مشروعيَّة القتال أنهم ظُلِموا ..

وعدُ الله المؤمنين بالنصر     

     فلِمَ لمْ يقل الله عزَّ وجل : وأن الله سينصرهم ، لا ، لأن هذه أبلغ ، لأن إحراز النصر للمؤمنين شيءٌ هيِّنٌ على الله عزَّ وجل ، شيءٌ سهلٌ جداً على الله عزَّ وجل ..

      قد يقول لك قائل : القضية سهلة جداً ، أنا بإمكاني أن أفعلها ، ربما لا يقول لك : سأفعلها لك ، إذا قال سأفعلها لك فكـأنها مُهِمَّةٌ صعبة ، وكأنها مهمَّةٌ كبيرة ، قال : هذا بإمكاني أن أفعله ، فالأمر يسير ، وإذا قال الله لك : بإمكاني أن أفعله فمعنى ذلك أن نصر المؤمنين شيءٌ على الله يسير ..

     لكنَّ القتال لا يكون إلا عن طريق جموع المسلمين ، لا يوجد قتال فردي ، هذا الأمرُ ليس على آحاد المسلمين ، ولكنَّه على مجموع الأمَّة ..

       
فلو فرضنا : أمةٌ مسلمة لها عدوٌ غاشم استباح محرَّماتها ، أيحقُّ للأفراد أن يقاتلوا هذا العدو ؟ لا ، لابدَّ أن يكون القتال على مستوى الأمَّة ، لابدَّ أن يكون على مستوى الجماعة المؤمنة التي تتمثَّل في أميرها ..

بيان نوع الظلم : الإخراج من البيوت بغير حق

ما هو هذا الظلم ؟ ما بيان هذا الظُلم ؟ ..

     الإنسان قد يُنْفَى من دياره لفاحشةٍ ارتكبها ، وقد يُنفى من دياره لجريمةٍ فَعَلَهَا ، أما أن يُخْرَج من دياره بلا سبب ؟ أن يشَرَّد الإنسان من بيته ومن أرضه بلا سبب ؟ هذا هو الظلم الكبير ، لذلك حينما يدافع الإنسان عن أرضه فهذا دفاعٌ مشروع ، حينما يدافع عن أرضٍ سُلِبَت منه فهذا دفاعٌ مشروع وحَقٌّ له ..

       فالمؤمنون الأوائل ذهب بعضهم إلى الحبشة ، وذهب الآخرون إلى المدينة ، إنهم قد أُخْرِجوا ، فمن أمرهم بالخروج ؟ كفَّار مكَّة ؟ هم لم يأمروهم بالخروج صراحةً ، ولكن ضيَّقوا عليهم ، وضيَّقوا عليهم ، وشدَّدوا عليهم ، حتَّى حملوهم على الخروج ، آذوهم ، وضيَّقوا عليهم ، وقاطعوهم ، ونكَّلوا بهم ، وعذَّبوهم حتى حملوهم على الخروج ..

إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللّهُ     

    أيْ أَنَّ ذنبهم الوحيد أنهم قالوا : ربنا الله ، وهذا الذي يتحمَّل المتاعب لأنه يقول : ربي الله هو إنسانٌ عند الله عظيم ، وهو إنسانٌ له عند الله أجرٌ كبير ..

الأمر بدفع الظلم للحفاظ على الدين وشعائره

     لولا أن الله سبحانه وتعالى شرع للمؤمنين الجهاد لجاء أعداؤهم من غير مِلَّةٍ فاستباحوا أرضهم ، وشرَّدوهم منها ، وهدموا معابدهم ، ونكَّلوا بهم ، إذاً لابدَّ للحق من قوَّةٍ تحميه ، من هنا شُرِعَ الجهاد في سبيل الله ..

     ولولا أن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن ندفع عنَّا الظُلم بالجهاد ..

       فالصوامع هي أماكن العبادة التي كان يقبعُ بها العبَّاد في قديم الزمان ، والبِيَعُ كنائس النصارى ، والصلوات كُنُس اليهود ، والمساجد دور عبادة المسلمين ، هكذا جاء في بعض التفاسير ، على كلٍ الصوامع والبيع والصلوات والمساجد كلُّها تمثِّل دور العبادة التي يُعْبَد فيها الله سبحانه وتعالى ، وفيها يُذْكَر ، فلولا مشروعيَّة الجهاد لما بقي في الأرض بيت يُعْبَد الله سبحانه فيه .

       طبعاً جاء المغول والتتار في العصور الوسطى ، وغزوا بلاد المسلمين ، ولولا مشروعيَّة الجهاد لفقدنا هذا الدين الحنيف ، ولكنَّ بالجهاد رددناهم .. سيدنا صلاح الدين لولا مشروعية الجهاد لظَلَّ الإفرنج يعيثون في هذه الأرض الفساد .. ونحن يجب علينا أن نردُّ الظلم بالظلم ، وهؤلاء شُذَّاذ الآفاق لابدَّ أن يُرَدَّ ظلمهم بالجهاد في سبيل الله ، باسترداد الحقِّ المُغْتَصَب ، لذلك :

المعنى الموسّع للآية : التوازن في القوى

       هذه الآية واسعة جداً في تعدّد معانيها ، وهناك معنى آخر للآية : ربنا عزَّ وجل رحمةً بالضِعَاف يقيم قِوى متوازنة ، أحياناً تكون قوَّتان كبيرتان ؛ هاتان القوَّتان الكبيرتان ضمانةٌ للضِعاف ، فلو أنها قوةٌ واحدة لأكلت الجميع ، من معاني هذه الآية أن هناك توازن في القوى دائماً هو من فعل الله سبحانه وتعالى ، رحمةً بالضِعاف ، حتى على مستوى غير الجهاد ، على مستوى الاقتصاد أحياناً شركتان تنتجان سلعةً واحدة ، هاتان الشركتان تتنافسان لجلب المشترين ، فكل واحدة تُحَسِّن بضاعتها وتخفض أسعارها ، فهذه رحمة ، التوازن في كل شيء رحمة ، فهذه الآية تشير إلى معنى التوازن :

هدف المساجد والبيَع والصوامع ذكرُ الله

      إذاً هذه المساجد ، وتلك البِيَع والصلوات ، والصوامع هدفها الأول أن يُذكر اللهُ فيها ، وأن تذكره وحده ، وأن لا تذكر سواه ، لذلك قال تعالى :

] وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18) [ .

( سورة الجن )

       لا ينبغي على منبر رسول الله أن يُذْكَر غير الله ورسوله ، هذا مسجدٌ أُقِيمَ لنشر الحق لا لزيدٍ أو عبيد ، فلذلك :

      إذاً مشروعيَّة الجهاد أنه قوَّةٌ للحق ، والحق بلا قوةٍ لا قيمة له ، المسلمون إن لم يكونوا أقوياء فأعداؤهم من الكفَّار يَحتلّون أرضهم ، وينهبون ثرواتهم ، ويستبيحون دماءهم ، ويزوِّرون تاريخهم ، ويهدِّمون معابدهم ، هكذا ، لذلك فالجهاد كما قال الإمام عليٌّ كرَّم الله وجهه : "الجهاد درع الله الحصينة ، وجُنَّته الوثيقة ، وهو لباس التقوى ، وما غُزِيَ قومٌ في عُقْرِ دارهم إلا ذلوا " .

قانون النصر : وَلَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ         

       كما قلت قبل قليل : إنَّ الله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يقدِّم النصر للمسلمين هيِّناً ليِّناً ، على طبقٍ من ذهب من دون عناءٍ ولا تعب ، من دون جهدٍ ولا مشقَّة ، من دون قتالٍ ولا صبرٍ ولا شيءٍ من هذا القَبيل ، ولكن هذا النصر الذي يقدِّمه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بلا جهدٍ منهم لا قيمة له..

من أخذ البلادَ بغير حربٍ    يهـون عليـه تسـليم البلادِ

*  *  *

       لكنَّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون هذا النصر عن طريق المؤمنين ، عن طريق بذل الجهد ، عن طريق التضحية ، عن طريق العطاء ، عن طريق أن يبيع الإنسان نفسه في سبيل الله ..

يعني ..

] إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(160) [ .

( سورة آل عمران )

       الله سبحانه وتعالى جعل لهذه الآية قانوناً للنصر ، فالله سبحانه وتعالى ينصر من ينصره .. يُروى أن سيدنا صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه كان له شيخ ، وقد هَجَمَ الفرنجة على بلاد المسلمين ، وسفكوا الدماء ، وانتهكوا الأعراض ، وعاثوا في الأرض الفساد ، وكان خطرهم يزداد كلَّما مرَّت الأيام ، وأعمالهم العدوانيَّة تشتد ، لذلك استشار شيخه ماذا يفعل ؟ فقال : " أَزِلْ المُنكر حتى تستحقَّ النصر " ، ويروي التاريخ أنه قال له : " يا سيدي لم يبق هناك وقتٌ لإزالة المنكر" ، فدفعه وقال : " قم لا نصرك الله " ، حتى نفَّذ هذه النصيحة بحذافيرها فأغلق كل دورِ اللهو ، ومنع شرب الخمر ، وأقام حدود الله عزَّ وجل ، ثم التفت وقاتل الفرنجة حتى انتصر عليهم .. وآخر معركة جرت في عين جالوت حينما انتصر سلطان مصر على التتار ، ما الذي فعله ؟ أقام العدل ، وأزال كل المنكرات، وعندئذٍ استعان بالله عزَّ وجل ، والله سبحانه وتعالى نصره .

       فلذلك الآية الكريمة :

       أيْ لا تطمع أن ينصرك الله عزَّ وجل وأنت مقيمٌ على المعاصي ، لأنك إذا أقمت على المعصية فأنت والذي تقاتله سواء ، فإذا تساوى المتقاتلان في البعد عن الدين كان النصر للأقوى عدداً وعدَّةً ، أما إذا كان أحد الفريقين مؤمناً فالله سبحانه وتعالى هو الذي ينصره ..

القوة والعزة من صفات الله تعالى

      فكن مع القوي ، كن مع القوي العزيز ، الله قويٌّ لا يُقْهَر ، وإرادته لابدَّ أن تنفذ ، وهو ينصر الذين ينصرون الله عزَّ وجل ..

التمكين في الأرض

1 - تعريفه :

     ما هو التمكين ؟ الإنسان بين أن يكون مُمَكَّناً في الأرض ، وبين أن يكون مستضعفاً ، فالمستضعف هو الذي لا يقوى على تحقيق مُراده ، لا يملك القوَّة ، ضعيف ، مقهور ، لكنَّ المُمَكَّن هو الذي يملك أن يحقِّق ما يريد ، فربنا عزَّ وجل وصف هؤلاء المؤمنين بأنهم .

    

آثاره : إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 فمن التمكين في الأرض أن تكون ذا بحبوحة ، فالإنسان إذا اغتني ، وكان ضعيف الإيمان فبعد أن يغتني يترك الصلاة ، وبعد أن يغتني يأمر زوجته أن تُسْفِرُ عن وجهها ، وبعد أن يغتني يحبُّ أن يفعل المنكرات ، هذا مكَّنه الله في الأرض أي جعله بماله مستطيعاً أن يفعل ما يشاء ، فما كان منه إلا أن ارتكب المعاصي ، وابتعد عن الدين .

      التمكين واسع جداً ، قد يجعلك الله قوياً ، قد يجعلك في مرتبةٍ اجتماعيَّة حيث إنّ أَمْرَكَ نافذ ، إذا أمرتَ فأمرُك مُطاع ، إذاً أنت مُمَكَّن في الأرض ، قد تكون في منصب ، في عمل ، في وضع اجتماعي ، في وضع معاشي ، في وضع اقتصادي ، في وضع من الأوضاع فأنت قويٌ بقوَّة المال أو بقوة السلطان ، فإذا كنت في هذا المستوى عليك أن تصلِّي وتأمر الناس أن يصلّوا ..

       فأحياناً يكون الإنسان معلِّمًا في مدرسة فيصبح مديراً لهذه المدرسة ، صار عنده قوَّة أكبر ، هل يوظِّف هذه القوَّة لنشر الفضيلة بين الطلاب ؟ في حَضِّهم على الصلاة ؟ في حضِّهم على معرفة الله عزَّ وجل ؟ هل يأمر بالمعروف ؟ هل ينهى عن المنكر ؟ ..

        أحياناً يكون الأب ممكَّناً ، يدخل إلى بيته سلطاناً للبيت ، أمره نافذ ، هذا الذي تزوَّج ، ووهبه الله زوجةً وأولاداً هل يقوم ، ويصلي بأولاده وزوجته؟ فهذا قد مكَّنه الله في الأرض ، جعله في بيت مستقل ، قد يكون أحياناً الشاب في بيت ليس له رأي ، البيت فيه معاصٍ ، فيه منكرات ، فيه مخالفات ، الصلاة لا قيمة لها في هذا البيت ، إذا صلى يُستهزأ به ، نقول : هذا الشاب غير ممكَّن ، فإذا تزوَّج هذا الشاب ، وصار له بيت مستقل ، وله زوجة وأولاد ، هذا الإنسان قد مَكَّن الله له في الأرض ، أتراه يصلي ؟ أيأمر هذه الزوجة أن تصلي ؟ أيصلي بها وأولادُه من ورائه ؟ أيقيم أمر الله في هذا البيت أم أنَّه حينما مُكِّن أطلق لشهواته العِنان ؟ وجلب أجهزة اللهو ليحظى بها ببعض المباهج ؟ فهذه الآية واسعة كثيراً تنطبق على كل واحد منَّا ..

       هذه الآيةُ من الممكن أن تأخذها على مستوى فردي ، ومن الممكن أن توسِّعها إلى أعلى مستوى ، فالمسلمون حينما كانوا في الأندلس مكَّنهم الله ، بلادٌ شاسعةٌ واسعةٌ مكَّنهم الله فيها ، فلمَّا أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر مكَّن الله لهم حكمهم ، وأمدَّهم بقوَّةٍ منه ، وجعلهم ينطلقون لفتح أوروبا ، ووصلوا إلى مشارف باريس ، فلمَّا تركوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، واتخذوا القَيْنات ، وانغمسوا في الموشَّحات ، واشتروا الجواري الحِسان ، وشربوا الخمر في الأندلس فالله عزَّ وجل عندئذٍ تَخَلَّى عنهم بكل بساطة ..

      

        فهذه الآية يمكن أن تُطَّبَّق على كل واحد منَّا ، يكون هذا غيرَ متزوج فيتزوج ويصير له بيت مستقل ، فالله مكَّنه في الأرض ، يكون معلِّماً فصار مديراً ، يكون كاتباً فصار رئيس دائرة ، يا ترى بعدما رفعه الله هل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ؟ هل يُحِق الحق ويُبْطِل الباطل؟ هل ينحاز مع إنسان قوي على حساب المؤمنين ؟ امتحان ، وهذه الآية أيضاً تُطَبَّق على المسلمين فيما لو حكموا الدنيا ، فيما لو أعاد الله لهم مجدهم وعزَّهم ، فيما لو أعاد الله لهم تمكينهم في الأرض ..

     فالمؤمن لا يزيده المال إلا تواضعاً ، ولا تزيده القوة إلا طاعةً لله عزَّ وجل ، والمُنافق إذا تمكَّن في الأرض أكثر فيها الضلال والدمار ، وعاث فيها فساداً ، هذا هو الفرق بين المؤمن وبين غير المؤمن ..

           

      الإنسان قد يسافر إلى بلد أجنبي ، ويكون معه مئات الملايين ، وهناك ليس مَنْ يحاسبه على الصلاة ، مباهج ومناظر ، وطعام وشراب ، ومن مكانٍ إلى مكان ، ومن فندق إلى فندق ، أمَّا إذا كان مؤمناً ، واضطر إلى السفر فهل يترك الصلاة هناك ؟ لن يتركها ، الإنسان المُمَكَّن أعطاهُ الله عزَّ وجل مِيِّزة ، كما أعطاه إمكانيَّات ماديَّة أو معنوية ، أو قدرات ، أو قِوى ..

وَللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ

       هذا امتحان ، لكنَّ هذا الذي مُكِّن في الأرض فلم يُصَلِّ ولم يأمر بالصلاة ، ولم يؤتِ الزكاة ، ولم يأمر بإيتاء الزكاة ، ولم يأمر بالمعروف ، ولم ينه عن المنكر ..

      سوف يعود إلى الله عزَّ وجل ، وسوف يحاسبه على عمله إن خيراً فخير ، وإن شرًّا فَشَرٌّ .

مواساة الله نبيَّه بقصص الأنبياء قبْله

      الله سبحانه وتعالى يواسي النبي عليه الصلاة والسلام ، فإن كذَّبوك يا محمد ، صلى الله على محمد ، فانظر إلى الأنبياء من قبلك مع أقوامهم :

     فهؤلاء الأنبياء جميعاً كذَّبهم أقوامهم ، فلك أيها النبي الكريم بهم أُسوة ، أي أنك لست وحدك المُكذَّب ، الأنبياء من قبلك كُذِّبوا ، أقوامهم كذَّبوهم ..

     لم يقل : وكذَّب قومُ مُوسى مُوسَى ، بل قال :

     لأن سيدنا موسى لم يكذِّبه قومه ، إنما كذَّبه الأقباط ، وعلى رأسهم فرعون ..

فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ     

إنّ الله عزَّ وجل يُملي للكافرين لحكمةٍ يُريدها ، يزيدهم قوَّةً إلى قوَّتهم ، يعطيهم البلاد ، المال ، العز ، الجاه ، ثم يأخذهم أخذ عزيزٍ مُقْتَدِر ..

      أيْ أَنَّ عاداً وثمود وأصحاب مَدْيَن وغيرهم ، هؤلاء الأقوام الذين كذَّبوا الرُسل أملى الله عزَّ وجل لهم ، فالإملاء ليس دليلاً على أن الله راضٍ عن الإنسان ، فالله عزَّ وجل قد يُمِدّ الكافر بما يشتهي ؛ من مالٍ وأولادٍ وبنين ، وعزٍّ وشأن ، لكن هذا امتحان وابتلاء ، وليس عطاءً ..

] فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15) [ .

( سورة الفجر )

      هو يقول هذا ، هذا ليس إكراماً ..

] وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16) [ ، فالله قال :

] كَلا [ .. ليس عطائي إكراماً ، ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء ..

       قد يرى الإنسانُ عدوَّه يزداد قوةً إلى قوته ، ويزداد مالاً ، وله صحَّةٌ طيِّبة ، وله أولاد ، وله زوجة ، ويعيش كما يحلو له ، والدنيا ترقص من حوله ، والأمور كلها تأتي وَفْقَ مراده ، فلا ينبغي لك أن تشكك في قواعد الدين ، وربنا عزَّ وجل يقول في آية شهيرة :

] فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)[  .

( سورة الأنعام )

صورة من صور إهلاك الله القرى الظالمةَ

ما أكثر القُرى التي يُهْلِكُها الله وهي ظالمة ..

     فهناك قرى كثيرة ظَلَمَتْ فأهلكها الله ، فإذا زرتها الآن ترى بئراً معطَّلةً ، ليس هناك من إنسانٍ يغدو لهذِهِ البئر فيستعين بها على شرابه ..

    إذاً ، قصرٌ مهجور ، وبئرٌ معطَّلة ، صورة من صور إهلاك القوى ، بئر معطَّلة والبئر مرفق حيوي جداً ، لو كان هناك أشخاص يقيمون في هذه القرية لكان هذا البئر يعمل ليلاً ونهاراً ، لكنها بئر معطَّلة وقصر مشيد ، والأشباح وحدهم يسكنونه ، إنَّه بيت كبير خاوٍ ، كما زار البحتري إيوان كِسرى بعد خوائه فوصفه وصفاً بليغاً .

معنى : ]  وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [