English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الحج ( 22 ) التاريخ : 22/ 07/ 1988- الدرس [6/7] - الآيات : 52- 63 – لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السادس من سورة الحَج ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      

الصراع بين الحق والباطل

أيها الإخوة الأكارم .. هذه الآية تفسِّر سر الصراع بين الحق والباطل في كل عصرٍ ومَصر ، في أي مكانٍ وفي أي زمان ، هناك صراعٌ بين الحق والباطل ، أراده الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ عظيمة ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

أيْ أَنَّ هؤلاء الرسل الذين حملوا رسالة ، وهؤلاء الأنبياء الذين أوحي إليهم ، هؤلاء صفوة الله من خلقه ، ومع ذلك :

الله معهم ، أيَّدهم بالمعجزات ، أوحى إليهم ، عصمهم ، أمرهم بالتبليغ ومع ذلك :

الأنبياء يتمنون هداية الناس    

ماذا يتمنى النبي أو الرسول ؟ يتمنى هداية الخَلق ، يتمنى سعادتهم ، يتمنى إنقاذهم من النار ، يتمنى أن يعرفوا الله عزَّ وجل ، يتمنى أن يعبدوه، يتمنى أن يسعدوا في الآخرة ، هذه أمنية النبي والرسول ، لا يتمنى النبي أو الرسول إلا الخَيْرَ المُطْلَق لكل الخلق ، هذه أمنيته ، يتمنى أن يرى الناس في سعادة ، أن يراهم على هدى ، أن يراهم منضبطين بالشرع ، يتمنى أن يراهم مُنْصفين لا يأكل بعضهم بعضاً ، ألم يقل سيدنا جعفر رضي الله عنه للنجاشي :

(( أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيفَ )) .

(أحمد عن أم سلمة )

هذه هي الجاهلية ؛ عدوان على الأموال ، والأعراض ، وكذبٌ وبهتان ، وانحرافٌ وضلال ، وانغماسٌ في الملذَّات الرخيصة إلى ما هنالك من حماقات الجاهلية .. ماذا يتمنى النبي أو الرسول ؟ يتمنى هداية الخلق ، يتمنى إنقاذهم من الظلمات إلى النور ، يتمنى نقلهم من الجهل إلى المعرفة ، يتمنى أن يعرفوا ربهم ، يتمنى أن يحققوا الهدف الذي من أجله خُلقوا ، إنه رسول الله ، إنه نبي الله بعثه الله رحمةً للعالمين ، قال :

هذه " مِن " لاستغراق الأفراد ، أي لا يمكن أن يكون هناك رسولٌ أو نبي إلا وله عدوٌ من شياطين الجن والإنس .

] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [ .

( سورة الأنعام : من آية : " 112 " )

فلا ينبغي على الإنسان أن يضيق ذرعاً بأعداء الحق ، إنهم يعملون ويتحرَّكون وَفْقَ خطَّة الله رب العالمين ، لا ينبغي أن تضيق بهم ذرعاً ، لا ينبغي أن تقول : لماذا هؤلاء خلقهم الله عزَّ وجل ؟ لماذا سمح لهم أن ينالوا من الحق ؟ لماذا سمح لهم أن يكيدوا له ؟ لماذا سمح لهم أن يأتمروا عليه ؟ لماذا أخرجوا النبي ؟ لماذا تتَّبعوه في هجرته من مكة إلى المدينة ؟ لماذا ضَيَّقوا عليه ؟ لماذا حاربوه مراتٍ كثيرةٍ ؟ لماذا سمح الله لهم ؟ لا ، لا تقل هكذا ، هذه خطةٌ إلهية ، هذا تصميم إلهي .

] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ [ .

لا تعترض على حكم الله ، إن وراء حُكم الله حكمةً بالغة ، كل شيءٍ وقع لابدَّ من أن يقع ، ولو لم يقع لكان هذا نقصاً في حكمة الله سبحانه وتعالى ، ولكن الإنسان في الدنيا قد تُغَطَّى عليه الأمور ، لكن إذا صحا ، وعرف الحقيقة يرى أن هذا الذي وقع هو عين الحكمة ، وليس في الإمكان أبدع مما كان ، ولو كُشِفَ الغطاء لاخترتم الواقع .

أي ما من رسولٍ حصراً ، وما من نبيٍ حصراً إلا إذا تمنى ؛ تمنَّى الهداية ، تمنَّى الخير ، تمنى إنقاذ البشر ، تمنى أن يعبدوا الله ، تمنى أن يعرفوه ..

معنى : ] أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [

الأنبياء والمرسلون يُمَثِّلون جانب الحق ، والشياطين ، شياطين الإنس والجن يمثِّلون الباطل ، فلابد من صراعٍ بين الحق والباطل ، الأنبياء والمرسلون يمثلون جانب الخير ، وشياطين الإنس والجن يمثلون جانب الشر ، الأنبياء والمرسلون يمثلون جانب الحق ، وشياطين الإنس والجن يمثلون جانب الباطل ، فالصراعُ بين الحق والباطل ، وبين الخير والشر صراعٌ دائم ..

أيْ ألقى الشيطان في أمنيته هو ، هكذا التفسير ، في أمنيته هو ، أي أمنية الشيطان نفسه ، لأنه : ما كان للشيطان أن يصل إلى نبي ، ما كان للشيطان أن يصل إلى رسول ، يفكِّر هذا الشيطان .. سواءٌ أكان من الجِن أو من الإنس .. يفكر كيف يطفئ نور الله عزَّ وجل ، كيف يضع العثرات في طريق الحق ، كيف يصد الناس عن سبيل الله ، كيف يفسد عقائدهم ، كيف يفسد أخلاقهم، كيف يجعلهم ينصرفون إلى الدنيا ، كيف يُلقي في أنفسهم الشُبُهات ، كيف يحبب إليهم المعاصي والترُّهات ، كيف ؟ هكذا يلقي الشيطان في أمنيته ، النبي العظيم والرسول الكريم يتمنَّى هداية الخلق ؛ والشيطان يتمنى إضلالهم ، ما الذي يحصل ؟ الذي يحصل أن الله مع الحق ، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ الذي يحصل أن الله يؤيِّد الحق ، وأن الله ينصر رسوله ، وأن الله مع المؤمنين .

] إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ [ .

( سورة آل عمران : من آية : " 160 " )

هذا الذي يحصل .

خطط الشيطان وأمنياته ينسخها الله    

كل هذه الخِطَط ، وكل هذه العراقيل ، وكل هذه العَقَبَات ، وكل هذه الأساليب الخبيثة الماكرة ، وكل هذه الإمكانات ، وكل هذه الخطط ينسخها الله عزَّ وجل بكلمةٍ واحدة ، هكذا ، كُنْ مع الله تَرَ الله معك ، كن مع الله ولا تكن مع الباطل ، لأن الباطل كان زهوقاً .

] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [ .

( سورة الأنفال : من آية : " 36 " )

ألم يكن كيد أبي جهلٍ وكيد أبي لهبٍ عظيماً ؟ لقد ماتا شر ميتة ، أين كَيْدُهُم ؟ لقد نسخه الله عزَّ وجل ، أين كيد أعداء الله ؟ لقد نسخه الله عزَّ وجل ، أين كيد الذين حاربوا الإسلام ؟ لقد نسخه الله عزَّ وجل ، أين كيد الذين أرادوا إطفاء هذا النور ؟ لقد نسخه الله عزَّ وجل .

معنى : ] ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ [      

ما معنى يحكم الله آياته ؟ أيْ أَنَّ الآية التي أنزلها الله في كتابه الكريم ، مثلاً:

] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ [ .

( سورة النور : من آية : " 55 " )

إحكامَ هذه الآية أن يُسْتَخْلَفَ المؤمنون في الأرض .

] مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [ .

( سورة النحل : من آية : " 97 " )

إحكام هذه الآية أن يحيا المؤمن حياةً طيبة .

      

إحكام هذه الآية أن الله يدافع عن الذينَ آمنوا حقيقةً .

      

إحكام هذه الآية أنْ ينصرَ الله من ينصره ، هكذا ، لذلك :

فهنيئاً لمن كان مع الحق ، هنيئاً لمن كان مع الله عزَّ وجل لأنه لابدَّ من أن ينتصر ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟

معاني النسخ :      

ينسخ أي يلغيه ، النسخ لها معانٍ عديدة ، من معانيها الإلغاء ، إلغاء الحُكم ..

] مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [ .

( سورة البقرة : من آية : " 106 " )

النسخ هنا الإلغاء ، هذه الخطط ، وهذه الأساليب ، وهذه الإمكانات ، وتلك العَقَبَات ، وهذا الصَدُّ عن سبيل الله يُلْغَى بكلمةٍ واحدة ، عشرة آلاف مقاتل ما اجتمعوا في تاريخ الجزيرة العربية ، ما اجتمعوا ، جاؤوا ليستأصلوا الإسلام من أصله ، جاؤوا ليقضوا على المسلمين واحداً وَاحداً ، وجاءت معهم الإبل ، والخِيام ، والقدور ، والجزور ، وكادوا للإسلام ، واتفقوا مع اليهود ، ونقض اليهود عهدهم مع النبي الكريم ، جاءتهم ريحٌ عاتية قلبت قدورهم ، واقتلعت خيامهم ، وجاء مؤمنٌ حديث العهد بالإيمان ، سيدنا نعيم بن مسعود ، وقد أوقع بين اليهود وبين قريش الخلاف ، فما هي إلا أيامٌ ثلاثة حتى رحل الأحزاب عن المدينة ، وكفى الله المؤمنين القتال ، هذا قرآن ..

صفة العلم والحكمة : ] وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [       

عليم بالنفوس ، عليم بالنوايا ، عليم بالأهداف ، عليم بأن المؤمن يَهْدِفُ إلى إحقاق الحق ، إلى إظهار الحق ، إلى نشر الحق ، هذا هو المؤمن ، وعليم بأن الكافر يريد إطفاء نور الله ، يريد إفساد الناس ، يريد إضلالهم ، يريد أن يُشْقِيَهُم.

حكيم ، لابدَّ من هذه المعركة بين الحق والباطل ، لماذا ؟ ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحيا مَنْ حيَّ عن بيِّنة ، لماذا هذه المعركة بين الحق والباطل ؟ ليظهر المؤمن على حقيقته ؛ محباً ، صادقاً ، مخلصاً ، صبوراً ، متوكلاً ، جَلْدَاً ، شجاعاً ، ولماذا هذه المعركة بين الحق والباطل ؟ لتظهر خِسَّةُ الكافر ودناءته ، وانحيازه إلى الدنيا ، ورغبته في أخذ كل شيء ، ويظهر عدوانه ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا مَنْ حَيَّ عن بينة ، هكذا، آية رائعة جداً ..

فعلى مستوى الأسرة مثلاً ، يوجِّهُ الأب ابنه باتجاهٍ صحيح ، يأتي الخال إذا كان بعيداً عن الدين ، يأتي العَمُّ ، يأتي ابن العم فيسفِّه اتجاه الولد، ويرغِّبُهُ بالمعصية ، ويقول له : لا تستمع لهذا الكلام ، الأب يتمنى إصلاح ولده ، يأتي قريب بعيد عن الحق يتمنى إفساده ، كلما دعوت الناس إلى الحق دعاهم آخرون إلى الباطل ، تدعوهم إلى الاستقامة ، يدعوهم الآخرون إلى الانحراف ، تدعوهم إلى طاعة الله ، يزيِّن لهم آخرون معصية الله عزَّ وجل ، تدعوهم إلى العبادة ، فيدعونهم إلى الشهوة ، هكذا.

هذه المعركة بين الحق والباطل ، وبين الخير والشر ، وبين الهدى والضلال ، معركةٌ قديمةٌ قِدَمَ الإنسان ، ولن تنتهي حتى ينتهي الدوران ، فالإنسان لا ينبغي أن يضيق ذرعاً بخصوم الحق إنهم كُثُر ، وإنهم موجودون في كل مكانٍ وزمان ، والله سبحانه وتعالى جعل النبي عليه الصلاة والسلام أسوةً حسنةً لنا ، لقد جاهد الكفارَ والمنافقين ، لقد تحمَّل من كيدهم ، ومن خططهم ، ومن إفسادهم ، ومن تضييقهم الشيء الكثير ، ومع ذلك ، ففي الطائف كان دعاؤه الشهير :

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين إلى من تكلني ، إلى صديق يتجهَّمني أو إلى عدوٍ ملَّكته أمري ، إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي)) .

( السيرة النبوية )

الآن تتمة هذه الآية دقيقةٌ جداً :

      

أفكار الشيطان فتنة للقلوب المريضة والقاسية

أيْ أَنَّ هذه الأفكار التي يلقيها الشياطين ، شياطين الإنس أو شياطين الجن ، هذه الأفكار التي يلقيها الشياطين إنما هي فتنةٌ للذين في قلوبهم مرضٌ ، فالقلب الممتلئ شهوةً يستجيب لهذه الأفكار ، فإذا قال لك إنسان : افعل ما بدا لك ، انتهز شبابك ، واستمتع بشبابك ، وافعل كل شيء ولا تلتفت إلى كل قيدٍ أخلاقي ، فهذه الأفكار ، هي دعوةٌ إلى الانغماس في الشهوات ، مَنْ يستجيب لها ؟ مَن في قلوبهم مرضٌ ، هؤلاء الذين في قلوبهم مرضٌ يستجيبون لهذه الشهوات ، لهذه الدعوات ، لهذا التوجيه ، فلذلك التوجيه المَرَضِي المنحرف لا يستجيب له إلا المَرضى ، لا يستجيب له إلا المُنْحَرِفون ، الباطل لا يستجيب له إلا المبطلون .

أيْ أَنَّ هذه النفوس المريضة لابدَّ أن تُعالج ، المرحلة الأولى من معالجتها أن تُكشف على حقيقتها ، يأتي هذا الذي يلقيه الشيطان فيكشف النفوس المريضة على حقيقتها ، وتستجيب لهذه الدعوة ، تفتن بها ، تقبلها ، ترحب بها ، تباركها على فسادها .

الظالم بعيد عن الحق

هم بعيدون عن الحق بُعد الأرض عن السماء ، بعيدون عن الحق وهم يُشَاقّونَ الحق ، يعني يناصبونه العِداء ، يكيدون له ، لا يَقِرُّ قرارهم إلا إذا تراجع الحق ، لا تستريح نفوسهم إلا إذا أُطْفِئ نور الله عزَّ وجل ، لا يسكنون إلا إذا ابتعد المؤمنون عن الدعوة إلى الله عزَّ وجل ، فلذلك :

أيْ أَنَّ أخطر حالة تصيب الإنسان أن يجد نفسه في خندقٍ معادٍ للحق ، أقذر دور يقوم به الإنسان أن يجد نفسه يُناصب أهل الحَق العِداء ، ويحاول أن يطفئ نور الله عزَّ وجل ، أن تكون مع صف الشياطين ضد المؤمنين ، أن تكون مع أهل الباطل ضد الحق ، أن تكون مع أهل الضلال ضد الهُدى ، أن تكون في خضمّ المعاصي ضد من هم في الطاعات ، هذه مصيبة كبيرة ، والله على مستوى الأسرة ، تجد المنحرف يشجِّع على المعصية ، على الفساد ، على التَهَتُّك ، على الانحلال ، يَعُد هذا رقياً ، حضارة ، يقول له : أين تعيش أنت ؟! لا تزال بهذه العقلية ؟! اخرج مع ابنتك كما تشتهي ، أعطها كل حريتها ، هكذا يريد ، على مستوى الأسرة ، على مستوى شريكين ، المنحرف دائماً يُرَسِّخ الباطل ، يرسخ الانحراف .

هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ 

هذا الذي آتاهُ الله العلم إنسان متميِّز ، لقوله تعالى :

] هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ .

( سورة الزمر : من آية : " 9 " )

أيعقل أن يستوي الذين يعلمون مع الذين لا يعلمون ؟! ] وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114)[ .

( سورة طه )

ما قَبِلَ الله عزَّ وجل في الكتاب كُلِّهِ أن تكون قيمةٌ مُرَجِّحَةٌ بين الخلق إلا قيمة العلم ، لذلك :

] يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ[ .

( سورة المجادلة : من آية : " 11 " )

والآية الأساسية :

] هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ .

( سورة الزمر : من آية : " 9 " )

لا يستويان ، لا والله ..

أهل الحق مع الحق أينما كان

فأهل الحق لا يستجيبون إلا للحق ، لا ينصاعون إلا له ، أيُّ توجيه في بُطُل ، أيُّ دعوة إلى المعصية ، أيُّ توجيه نحو الانحراف يرفضونه ، ويمقتونه ، ويلعنونه ، ولا يستجيبون إلا للحق .

أيْ أَنَّ هذا الذي يلقيه الشيطان لا يتأثَّر به المؤمنون ، لا ينصاعون له ، لا يعبؤون به ، يفنِّدونه ، يرفضونه .

سعادة قلب المؤمن بالحق

المؤمن سعيد بالحق ، يأتي الحق على قلبه بَرْدَاً وسلاماً ، الحق للمؤمن كالغذاء للجسد ، يتغذَّى بالحق .

قانون هداية الله للمؤمنين     

هذا قانون ، هؤلاء الذين آمنوا بالله ، لابدَّ من أن يهديهم إلى صراط مستقيم ، لابدَّ أن يهديهم ، ويصلح بالهم ، لابدَّ أن يأخذ بنواصيهم .

] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [ .

( سورة البقرة : من آية : " 257 " )

كلما عَثَرَت قدم المؤمن أقالَه الله عزَّ وجل ، كلما انحرف قليلاً ردَّه الله إلى الحق ، كلما بَعُدَ قليلاً دفعه الله إلى الحق ، كلما أخطأ عاتبه الله عزَّ وجل ، لذلك إذا أحب الله عبده عاتبه ، إذا أحب الله عبده عَجَّلَ له بالعقوبة ..

لكن هذا الهُدى على درجات ، المؤمن يستمع إلى الحق فيلتزم به ، هذه الدرجة أرقى أنواع مراتب الهُدى ، من دون عقاب ، الأقل درجة تأتيه مصيبة فيعود بها إلى الله عزَّ وجل ، كلما كَبُرَ حجم المصيبة كانت نفس هذا الإنسان أكثر بُعْدَاً عن الله عزَّ وجل ، فإذا ارتقى المؤمن يعود إلى الله بعتابٍ ، يعود إلى الله بآيةٍ قرآنية يقرؤها ، تدمع عيناه ، يعود إلى الله بنصيحة ، يعود إلى الله بخاطر قلبي ، لكن إذا كان أبعد من ذلك فلابدَّ من تأديبٍ مؤلم ، لذلك كلما كان العَوْدُ أسهل كانت النفس أرقى ، تعامل مع الله ، لا على أساس أن الله يهديك بالمُصيبة ، لا ، اطلب منه الهدى بالكلمة ، بالتوجيه ، بالقرآن ، بحديث النبي العدنان ، من دون أن تأتي المصيبة ..

 

حياة الكافر شكٌ وريبٌ في القرآن   

الكافر دائماً في شك ، ليس متأكداً ، هذه الحقائق الناصعة التي جاء بها القرآن ليست عنده واضحة ، وهو عَمَىً عليهم أيْ القرآن الكريم كما قال الله سبحانه وتعالى :

] وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ(44) [ .

(سورة فصلت)

] وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا(82) [ .

( سورة الإسراء )

] بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ(9) [ .

( سورة الدخان )

هو في رَيْب ، في شك ، ليس متأكداً ، لو استمع إلى نصيحةٍ من عالم يشكك في نواياه ، يفسِّر هذا العمل تفسيراً شيطانياً ، وبالنسبة للقرآن فهو ليس متأكداً من أنه قطعي الثبوت ، والله سبحانه وتعالى يقول :

أي في شكٍ ..

الحقيقة تظهر عند الموت ، ولات ساعة مندم

متى الصاعقة ؟ حينما يأتي الموت ، هو طول حياته متشكك ، تجده يقول لك : يا أخي والله شيء يحيّر ، تجلس مع أهل الدين يتكلمون كلاماً تقنع فيه أحياناً ، تجلس مع أهل الباطل يتكلمون كلاماً تقنع فيه كذلك ، هو كالشاة العائرة بين الغنمين ، مذبذبين لا إلى هؤلاء وإلا إلى هؤلاء ، إنْ جلس مع أهل الدنيا يقنع بكلامهم ، ويتمنى أن يكون مثلهم ، وإن جلس مع أهل الدين يطْرَبْ لهم ، هو ليس له موقف واضح فلذلك :

يحسب حساباً لكل شيء إلا ساعة اللِّقاء ، إلا ساعة انتهاء الأجل ، هذه تأتيهم كالصاعقة .

] فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(42) [ .

( سورة المعارج )

] فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45)[  .

( سورة الطور )

] قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ( 91 ) [ .

( سورة الأنعام )

      

إن ساعة موتهم تأتيهم بغتةً .

لقد حدثني أخ البارحة عن رجل في يومِ وقفةِ عيدٍ جالسٌ مع أهله ، وهو مرحٌ في طبيعته ، هكذا قال : سأذهب إلى هذا المستشفى لأجري بعض الفحوصات ، من باب التسلية ، من باب المُزاح ، ركب مركبته وتوجَّه إلى المستشفى ، ولم يصل إليه إلا ميتاً ، كنت في محل تجاري قال لي جارنا : هكذا كنتُ العيد الماضي ، لا يشكو شيئاً ، في أوج قوته ، في أوج نشاطه ، فحدثني أخ كريم عن طموحاته في العشرين سنة القادمة ، وفي المساء كان في عداد الموتى ، أين طموحات عشرين سنة ؟ لذلك :

] فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(42) [ .

( سورة المعارج )

معنى : ] أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [

أيْ يومٌ لا يلد يوماً آخَر ، آخِرُ يوم ، هذا اليوم العقيم مخيف ، هناك يوم غير عقيم ، يوم يلد ، تنام فتستيقظ ، هذا اليوم ليس عقيماً ، لكن حينما يفحص الطبيب النبض يجده صفراً ، يضع مصباحاً متألقاً في عين المريض فالقُزحية لا تستجيب ، يضع مرآةً على فمه ؛ فالمرآة ليس يغشيها بخار ، يقول : عظَّم الله أجركم ، إنَّه منتهٍ ، يذهب بعضهم إلى كتابة النعي ، وبعضهم إلى تأمين القبر ، وبعضهم إلى تأمين لوازم النعي ، وما شاكل ذلك .

] فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ(10) [ .

( سورة المدثر )

البطولة أن تُعِدَّ لهذا اليوم العُدَّة ، الذكاء والبطولة أن تُعِدَ لهذا اليوم ، ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما مَنْ يتِّقي اللهَ البطل .

لا يوجد مَرَدّ ..

النجاح الحقيقي هو الفوز بالجنة

فهذا هو النجاح ، هذا هو الفوز ، هذا هو التفوُّق ، هذا هو الفلاح..

] لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61) [ .

( سورة الصافات )

] وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26) [ .

( سورة المطففين )

] فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [ .

( سورة يونس : من آية : " 58 " )

 

] دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [ .

( سورة يونس : من آية : " 10 " )

] وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ(73) [ .

( سورة الزمر )

] فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِه(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِه(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24) [ .

( سورة المعارج )

] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ(16)كَانُوا قَلِيلا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(17)وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(18)وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(19) [ .

( سورة الذاريات )

إلى آخر الآيات ..

الخسران الحقيقي هو دخول النار    

نعوذ بالله من هذا العذاب ، عذاب مهين ، هناك عذاب أليم ، وهناك عذاب عظيم ، وكذلك عذاب مهين ، أيْ عذابٌ أليمٌ عظيمٌ مهين .

جزاء المهاجر في سبيل الله

تركوا بلادهم ، تركوا ممتلكاتهم ، تركوا ظهورّهُم ، تركوا أهليهم ..

ولكن هذه الهجرة في سبيل الله ، نيَّتهم من هذه الهجرة الله ورسوله، فالحديث الشريف :

(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )) .

( البخاري عن عمر بن الخطاب )

تَرَك كل شيء في سبيل الله ، جَعَلَ الله أغلى مِن كل شيء ، آثره على كل شيء .

معنى آخر للهجرة في سبيل الله : العبادة في الهرج

وبعضهم استنبط من هذه الآية أن الإنسان إذا لَقِيَ الله قتيلاً في سبيل الله أو لقيه ميتاً على فراشه كلاهما في الأجر سواء ، ما دام مهاجراً في سبيل الله ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ )) .

( من صحيح مسلم : عن " معقل بن يسار " )

أيْ أنَّك إذا عبدت الله في زمن الشدة ، في زمن الفِتَن ، في زمن الشهوات ، في زمن الأمر بالمُنكر والنهي عن المعروف ، في زمن القابض على دينه كالقابض على الجَمْر ، إذا عبدته في هذا الزمان الصعب ، في زمن الشهوات والفتن ، في زمن الفجور والكفر ، إذا عبدته وكنت غريباً كما بدأ الإسلام غريباً ، فهذا له أجرٌ عظيم ..

ماتوا ، وقتلوا ، ما هو هذا الرزق ؟ قال : هذا رزق أهل الجنة ، هذا هو الرزق الحَسَن الذي يسعى إليه ، لكن الدنيا فانية ، فأحياناً الإنسان يحضر جنازة ، أو يشاهد ميِّتاً يخرج من بيت فخم جداً ، فهناك بيوت تَحارُ فيها العقول ، هذا الميت كيف خرج منه إلى القبر ؟ أليس هذا البيت رزقاً ؟ نعم ، ولكنَّه رزق منقطع ، وليس متصلاً ، رزق ينتهي عند الموت ، كل شيءٍ في الدنيا ينتهي عند الموت ، لكن البطل هو الذي يعمل فيها عملاً يأخذه معه إلى القبر ، كل شيء يقف عند القبر لا قيمة له ، كل شيء يدخل معك في القبر هو الذي عليه المعوَّل .

هذا الرزق الحسن ، أي الأبد ، نعيمٌ أبدي ، نعيمٌ مقيم .

] وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ(48) [ .

( سورة الحجر )

الحياة فيها نَغَص ، فمهما استقامت للإنسان فالزمن ليس في مصلحته ، والزمن سَيُقَرِّبُهُ من الموت ، ولو أنها جاءت كما يشتهي فإنَّ معها القَلَق ، ومعها الخوف ، ومعها الحزن ، إنَّ معها القلق خوفاً من أن تذهب ، وبِحَسْبِ هذا القلق منغصاً في الحياة .

أحياناً يعطيك الإنسانُ شيئاً ، لكن هذا الإنسان ليس في إمكانه أن يمنع عنك الأمراض ، أو يمنع عنك المصائب ، لكن الله سبحانه وتعالى خير الرازقين .

لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ

هذا الرضى المُطْلَق ، الإنسان يراقب نفسه فمثلاً إذا اشترى حاجة ، فإذا وجد فيها عيباً بسيطاً تجده قد انزعج ، الإنسان مفطور على الكمال ، ولا يرضيه إلا الكمال المُطلق ، فلذلك عزَّ وجل لما قال :

يعني يوم القيامة ، أيْ أَنَّ هذه الجنة هي التي تُرضي الإنسان ، تُرضيه حتى أقصى درجة ، تُرضيه رضاءً مُطلقاً .

علمُ الله بما يصلح الناس وحلمُه عنهم

أيْ أ