English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس "02 / 23" من تفسير سورة  النور (024) : الآيات 1 – 2  :   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم   

 

 

              الحمد لله رب العالمين ، والصلاة ، والسلام على سيدنا  محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

            أيها الإخوة المؤمنون مع الدرس الثاني من سورة النور ، أولا : لماذا سميت هذه السورة سورة النور ؟ بعضهم يقول : لأن ما فيها من أحكام تشريعية ، وما فيها من آداب خلقية ، وما فيها من أصول أسرية تعدُّ بمثابة النور الذي يلقى على حياة المجتمع ، فمجتمع بلا آداب ، و بلا حدود ، و بلا أحكام ، وبلا معاملات وفق الحق والكمال هو مجتمع في ظلام :]اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ[ .

[سورة البقرة : الآية 257]

          يخرجهم من الظلمات إلى النور بهذه الأحكام التشريعية ، بالأحكام المتعلقة بالنساء ، بأحكام الزواج ، بأحكام الطلاق ، بأحكام حسن المعاملة ، بآداب المجتمع ، بالآداب التي يجب أن تكون بين أفراد الأسرة ، فلذلك سميت هذه السورة سورة النور لأن أحكامها التشريعية ، وآدابها الخلقية بمثابة النور الذي يضيء جنبات حياتنا الاجتماعية .

          الشيء الثاني : هذه السورة تتجه إلى الأسرة ، والأسرة هي نواة المجتمع ، فالمجتمع قائم على خلايا ، الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع ، لذلك أكثر أحكام هذه السورة تتجه إلى الأسرة ، وإلى حفظ الأنساب ، إلى الآداب ، وإلى التعفف ، إلى عقوبة الانحراف الخلقي ، وإلى عقوبة الخيانة الزوجية ، كأن هذه السورة تتجه إلى الأسرة ، والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع.

          أمر آخر ؛ هذه السورة بأكملها تتجه إلى ترسيخ القيم الخلقية في المجتمع ، فالمجتمع دون قيم خلقية مجتمع حيواني ، مجتمع بهيمي ، تتحكم فيه الغرائز ، والانفعالات السفلية ، تتحكم فيه النزوات ، مجتمع دون قيم خلقية هو مجتمع كالبهائم ، لذلك تتجه عناية هذه السورة إلى الأسرة تارة ، وإلى القيم الخلقية التي ينبغي أن تسود المجتمع تارة أخرى.

          وهذا مثل نضربه للتوضيح : لو أن بيتا فخما بني على أحدث طراز ، وأثِّث بأفخر الأثاث ، وجهز بكل التجهيزات ، فيه كل الأدوات والآلات ، لكن لا يوجد في هذا البيت نوافذ ، وليس فيه إضاءة ، فما قيمة جمال بنائه ، وما قيمة جمال أثاثه ، وكيف يهتدي الإنسان إلى مداخله ومخارجه ، وإلى استعمال أدواته ، واقتناء أجهزته ، كل ما فيه من ميزات لا تعرف إلا بالنور ، لذلك خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض ، وأنزل الكتاب : ]اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ[ .

 [ سورة النور : الآية 35]

وقال عز وجل : ]اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ[ .

[سورة الكهف : الآية1]

          فكأن الله سبحانه وتعالى بما أنزل علينا من تشريعات ، وبما أنزل علينا من كتب ، بما بعثه فينا من أنبياء ، ورسل ، والله سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض ، لذلك يقول الله سبحانه وتعالى في هذه السورة :]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ[ .

[سورة البقرة : الآية 257]

          فالنور هو الحقيقة التي تصح بها حياتنا ، وهو من عند الله ، وليست هناك جهة غير الله يمكن أن تأخذ منها الحقيقة ، الحقيقة وحدها من الله عز وجل ، لأن  الله نور السماوات والأرض ، فلذلك سميت هذه السورة سورة النور لأن فيها إضاءة لحياتنا .

          في حياتنا شيء مباح ، وشيء ممنوع ، وآخر حرام ، أمرنا الله بغض البصر ، وبحفظ الفرج ، أمرنا بعدم الاختلاط ، وأمرنا بالزواج ، نهانا عن الزنى ، جعل للزنى حدا رادعا ، وحدا قاسيا ، فهذه التشريعات لحياتنا الاجتماعية بمثابة النور الذي يضيء جنبات هذه الحياة لذلك سميت هذه السورة سورة النور ، تتجه إلى الأسرة أولا ، وإلى ترسيخ القيم الخلقية ثانيا ، وهذا النور الذي سميت به هذه السورة مضاف إلى ذات الله عز وجل ، ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ[ ، فما من مشكلةٍ تقع في المجتمع إلا وراءها معصية ، وما من معصية إلا وراءها جهل ، فالإنسان إذا آمن بالله عز وجل أخرجه من الظلمات إلى النور ، وقد وُصِفَ هذا القرآن مرات عديدة بأنه نور يمشي المؤمن بهداه ، قال تعالى : ]إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوِمُ[ .

[ سورة الإسراء : الآية 9]

          والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((وَالصَّلاَةُ نُورٌ))

[مسلم(223) ابن ماجه(280) ، أحمد(22953) ، الدارمي(653) ]

إنك إذا اتصلت بالله عز وجل قذف الله في قلبك النور ، فرأيت فيه الخير خيرا ، والشر شرا ، فكلمة هذه السورة ؛ سورة النور فيها من الضياء ، وفيها من النور ما يكشف به كل ملابسات الحياة التي نحياها.

          شيء آخر ؛ لو أن مجموعة من القوارير فيها مواد مختلفة ، ولا تَعْرِفُ هذه المواد ، بعضها نافع ، وبعضها ضار ، بعضها عديم الجدوى ، وبعضها سامٌّ ، بعضها شديد السمية ، بعضها ثمين ، وبعضها رخيص ، قوارير متشابهة ، فيها مواد مختلفة ، فأنت إذا ألقيت عليها نورا كشافا عرفت بهذا النور كل عنصر مما يتألف ، وثمنَه ، واستعماله ، وفوائده ، ومضاره ، أو أنه ألصق على كل قارورة لوحة صغيرة تقول لك : هذا العنصر كذا وكذا ، وفوائده كذا وكذا ، واستعماله كذا وكذا، فالكتابة التي يمكن أن تكون على هذه القارورة كشاف ، فعندما يقول ربنا عز وجل : هذا حرام ، وهذا حلال ، وهذا نافع ، وهذا ضار : ]قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ[ .

( سورة النور الآية 30)

          هذه الآية نور ، والأحكام الشرعية نور تهتدي به ، فحينما تغض بصرك عن محارم الله يلقي الله في قلبك حلاوة حتى تلقاه ، حينما تغض بصرك عن محارم الله يخلق الله مودة بينك وبين أهل بيتك ، حينما تغض بصرك عن محارم الله تشعر بالطهر ، تشعر بالسمو ، تشعر بالقدسية ، إذاً هذا الأمر الإلهي بمثابة النور الذي ملأ حياتك ضياء ، وبهجة ، وسرورا ، وسكينة ، وملأها اطمئنانا ، وسعادة ، فأيُّ حكم إلهي إذا طبقته كان بمثابة النور في الظلام ، هذا النور يبدد الظلام ، يذهب الترهات ، يذهب الأباطيل ، لهذا قال الله عز وجل ، وهاأنا أعيد الآية على مسامعكم مرة ثانية : [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] .

 ( سورة البقرة : الآية 257)

فإذا قرأت هذه السورة ، وطبقت ما فيها خرجت من الظلمات إلى النور ، وإذا كان هناك اختلاط ، وكان هناك تجاوز لأحكام هذه السورة نشأت الخلافات الزوجية ، وانتهت بالطلاق ، وانتهت بضياع الأولاد ، وتشريدهم ، واختلاط الأنساب ، وقد تنشأ معها الجريمة إذا رافقَها عدوان ، فلذلك إذا طبقت أحكام هذه السورة كان النور الذي يشع من ثنياتها يبدد الظلام الذي يعيش فيه معظم الناس ، فبالنور تظهر قيمة البيت الفخم المؤثث بأثاث غال ، والمجهز بأجهزة متنوعة ، ولكن بلا نور ما قيمة هذا البيت ؟ قوارير فيها مواد مختلفة من دون لصائق ما قيمة هذه المواد ؟ لا تعرفها ولا تعرف كيف تستعملها ، أو تتجنب مضارها، وكيف تعرف فوائدها ، لذلك يعني تسمية هذه السورة ، أو كما يقولون : اسم على مسمى ، سورة النور ، إنك إذا قرأتها ، وتمعنت فيها ، ووقفت عند أحكامها ، وطبقتها شع النور في حياتك ، شع النور في بيتك ، ولا تنسوا أن سيدنا عمر رضي الله عنه قال : (عَلِّمُوا نِسَاءَكُمْ سُورَةَ النُّورِ)

[سنن سعيد بن منصور(1003) ، وذكره البيهقي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن مجاهد(2428)]

وسوف ترون كيف أن فيها من التشريعات ، وفيها من الآداب ما لو طبق لأصبح بيت المسلم جنة على الأرض ، لو طبقت هذه الأحكام لأصبحت بيوت المسلمين جنات على وجه الأرض.

          بسم الله الرحمن الرحيم  :]سُورَةٌ[ ، كما قلنا في الدرس الماضي إن هذه السورة ، هذه الآية الوحيدة التي فيها كلمة سورة :

 

  

( سورة النور)

          في هذه السورة موضوعات متنوعة ، ولكن يجمعها محور واحد ، هو نظام الأسرة ، الآداب الاجتماعية المتعلقة بالنساء ، القيم الخلقية المتعلقة بعلاقة الرجل بالمرأة ، الحدود المانعة ، والحدود الرادعة ، هذا كله يفهم من كلمة سورة ، يعني أن هذه الآيات العديدة التي تشملها سورة النور بمجملها تتمحور حول محور واحد ، ألا وهو علاقة الرجل بالمرأة ، وثانيا النظام الاجتماعي الذي ينبغي أن يكون سائدا في البيت .

          هذه السورة يمكن أن تكون من نوع التربية ، التربية تعني التوجيهات المستمرة لنقل الإنسان من طور إلى طور ، فيها توجيهات إلهية تنقل المسلم من طور إلى طور ، هذا الكلام كله ينضوي تحت كلمة ]سُورَةٌ[ ، أما ]أَنْزَلْنَاهَا[ ، فالإنزال يتم من شيء مرتفع إلى شيء منخفض ، يعني هذه التشريعات ليس مصدرها بني البشر ، ولكن مصدرها إله البشر ، هذه التشريعات أنزلت من السماء ، والإنسان لا يتقبل تشريعا إلا إذا كان من عند خالق الأرض والسماوات ، لأن الخالق هو المشرع ، فمثلاً إذا صنع معمل آلة ، فأيّة جهة مؤهلة أن تصدر تعليمات تشغيلها ؟ إنها الجهة الصانعة ، هذا في عالم الصناعة ، الجهة التي صنعت هذه الآلة وحدها مؤهلة أن تصدر نشرة فيها بيان طريقة استعمالها ، وطريقة صيانتها ، وطريقة أن يكون مردودها جيدا ، فالصانع هو المشرع ، ولأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق ، وهو العليم الخبير ، والحكيم العليم ، وهو اللطيف الخبير ، وهو القدير ، وهو الغني ، وهو السميع ، وهو البصير ، هو وحده سبحانه وتعالى يمكن أن يشرع لنا ما يمس علاقاتنا الاجتماعية ، هذا معنى أنزلناها : ]سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا[ ، وهذا يعني أن تطبيق هذه الأحكام ليس من قبيل الزيادة ، ولا من قبيل التجمل ، ليس من قبيل أنّ لك أن تأخذه ، ولك ألاّ تأخذه ، ليس هذا هو الموضوع ، ]وَفَرَضْنَاهَا[ ، يعني أنه إن لم يطبق ما فيها من أحكام انقلبت حياة الإنسان إلى جحيم ، دمر البيت ، وفسد ، طلقت الزوجة ، وتشرد الأولاد ، وهذا يحدث يوميا ، ما من طلاق جرى ، تعسفيًّا كان أو غير تعسفي ، ما من فراق بين زوجين ، ما من أولاد قد شردوا إلا بسبب مخالفة لأحكام هذه السورة.

          لذلك ]وَفَرَضْنَاهَا[ يعني أن الإنسان ليس له خيار ، لأنّ الله تعالى يقول :] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[  .

( سورة الأحزاب :الآية 36).

          أنت ليس لك خيار ، عندما يُنزّل ربنا عز وجل في قرآنه الكريم حكما تشريعيا ، أمرا ، نهيا ، فليس للمؤمن خيار ، الخيار قد انتهى ، أنت تختار أن تأكل هذا الطعام ، أو ذاك الطعام ، أنت هنا مخير ، أنت تختار أن تسكن في هذا الحي ، أو في ذاك الحي ، أن تقترن بهذه المرأة ، أو بتلك ، ولكن فيما أنزله الله من أحكام تشريعية ليس لك خيار ، لقول الله عز وجل  : ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[  .

( سورة الأحزاب :الآية 36)

          يعني أن الله عز وجل أمرنا بغض البصر ، فلا يجوز أن نقول : هذا ممكن ، وهذا ليس ممكناً ، أو أن الزمان صعب ، والوقت معقد ، الفساد عمَّ ، والطريق مليء بالنساء الكاسيات العاريات ، هذا الكلام مرفوض ، لأن ربنا عز وجل قال : ]لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا[ .

( سورة البقرة :الآية 256)

         ولا يمكن أن يكون الأمر الإلهي إلا في إمكان كل أن إنسان يطبقه ، فلذلك :]أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا[ ، لنفترض أنكَ قلت : تتوقف حياتي على شرب الماء ، فشرب الماء فرض ، تتوقف حياتي على تنفس الهواء ، فتنفس الهواء فرض ، تتوقف سعادتي في الدنيا ، والآخرة على تطبيق هذه الأحكام ، فهذه الأحكام هي فرض من قِبَل الله عز وجل ، لذلك : ]سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا[ ، يعني الأوامر التي سوف تأتي في هذه السورة لا مجال للحل الوسط فيها ، فلما يقول بعض الصناع : لا يوجد في الآلة حل وسط ، إما أن تكون وفق ما صممت ، وإما أن تتوقف عن العمل ، كذلك الإنسان ؛ إما أن يطبق هذا التشريع بكل ما فيه ، بجمله وتفصيلاته ، أو أن  تصبح حياته منكدة ، حياة فيها الشقاء ، وفيها الهلاك ، ]سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ[ ، يعني فيها أحكام تشريعية ، وفيها آيات تعرّف بذات الله سبحانه وتعالى ، وفيها آيات تشريعية ، وآيات كونية ، فالآيات التشريعية ]فَرَضْنَاهَا[ ، والآيات الكونية بيّناها ، فإذا عرفت الخالق طبقت أمره ، لذلك يجب أن تعرف الآمر قبل أن تعرف الأمر ، هكذا قال أصحاب النبي العدنان ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : ((يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنِّي أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَلا أَجِدُ قَلْبِي يَعْقِلُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  إِنَّ قَلْبَكَ حُشِيَ الإِيمَانَ وَإِنَّ الإِيمَانَ يُعْطَى الْعَبْدَ قَبْلَ الْقُرْآنِ)) .

[أحمد(6604)]

          فإذا تعلمت الشرع قبل أن تعرف الله عز وجل فإنك لن تطبقه ، بل تحتال عليه ، أما إذا عرفت الله أولا من خلال هذه الآيات الكونية ، إذا عرفته خشعت له ، فإذا خشعت له بحثت عن أمره،  وطبقته بحذافيره ، وطبقته بإخلاص ودقة ، لذلك معرفة الله سبحانه وتعالى هي البداية .

          وهذا يؤكده الإمام الغزالي رضي الله عنه إذ يقول: "العلم بالله ، وبأمر الله ، وبخلق الله" ، فالعلم بالله أن تعرف الله سبحانه وتعالى ، وأن تعرف أسماءَه الحسنى ، وصفاته الفضلى ، أن تعرف لماذا خلقك ؟ ولماذا أوجدك ؟ أن تعرف الغاية التي من أجلها أنت موجود على وجه الأرض ، أن تعرف أن الله سبحانه وتعالى حسيب لَمْ يخلق الإنسان سدى ، لم يخلقه عبثا قال عز وجل : ]أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ[ .

( سورة المؤمنون :الآية 115)

وقال : ]أَيَحْسِبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى[ .

( سورة القيامة :الآية 36)

          فهذا الذي يعصي الله بالتأكيد لا يعرفه ، قد يعرف أمره ونهيه ، وقد يتبحر في أمره ونهيه ، وقد ينال في ذلك أعلى الشهادات ، هذا عالم بأمر الله ، وليس عالماً بالله ، لأنّ علامة العالم بالله أنه يخشاه ، لقول مَسْرُوقٍ : (كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ) .

[سنن الدارمي(314) ، والطبراني في الأوسط (8698) مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام بلفظ : كفى ...أعجب برأيه]

          وعلامة الذي يعرف أمر الله أنه يعرفه إذا سألته عن قضية في المواريث ، في أحكام التجويد ، في أحكام الطلاق ، في أحكام البيوع ، هذه موضوعات كلها تحتاج إلى دراسة ، وإلى حفظ ، وإلى تذكر ، وإلى أداء امتحان ، وتحفظ ، وتؤلف فيها كتب كثيرة جدا ، ولكنك إذا عرفت الله أطعته ، وإذا عرفت هذه الأحكام حفظتها ، ولا يغنيك هذا عن معرفة الله ، فإذا عرفت الله فتعلم بعدها كل شيء ، لأن كل شئ بعد معرفة الله كالصفر أمام الواحد ، معرفة الله وحدها هي الأساس ، فإذا عرفت بعض الأحكام التفصيلية فهذا صفر أمام الواحد ، صاروا 10 ، إذا علمت أحكام المواريث 10 أحكام البيوع 100 صاروا ، أحكام النكاح 1000 صاروا ، إذا عرفت أصول الفقه 10000 صاروا ، إذا عرفت هذه الأشياء الإسلامية الدقيقة فهو علم أضيف إلى ذخيرتك ، فإذا عرفت كل هذه العلوم ، ولم تعرف الله عز وجل فهذه كلها أصفار ، لا يوجد فيها واحد ، لأن أصل الدين معرفته كما يقول الإمام علي كرم الله وجهه (أصل الدين معرفته) ، وفي الأثر يقول تعالى : ((ِاْبَن آدَمَ اطْلُبْنِي تَجِدْنِي ، فَإِذَا وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَإِنْ فُتُّكَ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)) .

[تفسير القرطبي(2/302)]

]سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[ ، ولأن التدين عند الإنسان بالفطرة أحيانا تأتي الشهوات ، وتأتي الدنيا ، وما فيها من متاعب تطمس هذه الفطرة ، فهذه الآيات للتذكرة ، فكل إنسان يعرف الله عز وجل بالفطرة  ، فإذا انطمست هذه الفطرة احتاج إلى مذكِّرات ، لو أن الإنسان كان صافيا ، كان بعيدا عن كل مشكلة ، بعيدا عن كل قضية ، عن كل همٍّ ، عن كل إغراء ، وعن كل ضغط ، لو ابتعد عن وُحُولِ الحياة ، تستيقظ فيه الفطرة ، فطرته تدعوه إلى الإيمان بالله عز وجل ، وإلى طاعته ، فهذه النفس لا تسعد إلا إذا أَوَت إلى الله ، قال تعالى : ]وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[ .

( سورة طه :الآية 124)

وقال سبحانه : ]مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً[ .

( سورة النحل :الآية 97 )

          فلذلك الإنسان لا يسعد إلا بالله عز وجل ، ]لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[ ، لأن الفطرة طيبة ، ]فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا[ .

( سورة الروم :الآية 30 )   

فالإنسان فطرته سامية ، لذلك إذا تحدث الأجانب عن بعض الانحرافات الخلقية يقولون : إن هذه الانحرافات تسبب شعورا بالكآبة ، فعلا ! لماذا ؟ لأن هذا الشعور بالكآبة هو تحرك الضمير ، تحرك الفطرة العالية ، الحق حق ، والباطل باطل ، في كل مكان ، وفي كل زمان.

( سورة النور )

          طبعا ربنا سبحانه وتعالى حينما أودع فينا هذه الشهوة أودعها لحكمة بالغة ، وهذه الشهوة لا يمكن أن توصف بأنها شريرة ولا خيِّرة ، إنها حيادية ، قوة دافعة تدفعك إلى شيء ما ، سبحانه وتعالى أودع في نفس كل إنسان حب النساء ، والعكس بالعكس ، ]زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا[ .

( سورة آل عمران :الآية 14)

فهذه الشهوة إنما أودعها الله في الإنسان ليرقى بها إلى الله ، كيف ترقى قطعة الخشب إلى الله ، فهي لا تحب ، ولا تكره ، ولا تغضب ، لكن الإنسان بما فيه من شهوات إذا ضبطها ارتقى إلى الله عز وجل ، إذا مرَّت امرأة سافرة ، وغضضت بصرك عنها فعلت هذا من أجل من ؟ من أجل الواحد الديان ، فلأن هذا الأمر تميل نفسك إليه ، وإرادتك ألزمتك أن تغض البصر عنها ، من هنا ارتقيت إلى الله شاكرا ، فالشهوة في الأصل لا يمكن أن تسمى شريرة ، الله سبحانه وتعالى أودع فينا هذه الشهوة من أجل أن تنشأ الأسرة ، فإذا وجدت سيارة قد تدهورت في قاع الوادي هل تقول : يا أخي هذا المعمل هو الذي فعل هذا الحادث ؟ لا ! المعمل صنع هذه السيارة من أجل أن تركبها ، وتنتقل بها من مكان إلى آخر ، أما هذا السائق الذي قادها مخمورا ، ونزل بها في الوادي فهو الذي أساء ، فهل توصف هذه السيارة بأنها شريرة ، إن صانعها قد صنعها من أجل أن تكون في خدمتك ، كذلك الشهوات إنما أودعها الله في الإنسان لترقى به ، لا لتهلكه ، فإذا أساء استخدامها يهلك نفسه .

          شئ بسيط جدا ، 3 مساحيق بيضاء ، سكر ، وملح ، ومنظف ، فإذا وضعت السكر في الشاي فهذا عمل خير ، تشرب الشاي ، وتحمد الله عليه ، وإذا وضعت الملح في الطبخ تأكل الطعام ، وتحمد الله عليه ، وإذا غسلت الصحون بهذا المسحوق تحمد الله على هذه النعمة نعمة الصابون ، فإذا وضعت هذا المسحوق التنظيفي في الطبخة ألقيتها في سلة المهملات ، وإذا وضعت الملح في الشاي لفظت هذا الشاي ، ما هو الشر ؟ حينما تسيء استخدام هذه المواد ، الشر هو إساءة الاستخدام ، المواد كلها خيرة ، فحينما تتزوج ، وتنجب الأولاد ، ويكبر الأولاد ، وترى أن هذه الأسرة أصبحت عشاً إسلامياً فيه السعادة ، والسرور ، والطمأنينة والوفاء ، والمحبة ، والأنس تشعر أن الحياة الزوجية فيها أنس ، وربنا عز وجل كر أنّ من آياته الشمس والقمر ، ومن آياته الليل والنهار ، آياته كثيرة جدا : ]وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً[ .   

( سورة الروم :الآية 21)

          فربنا سبحانه وتعالى حينما أودع في الإنسان هذه الشهوة من أجل أن تنشأ الأسرة ، وهي اللبنة الأُولى في المجتمع ، لا من أجل الزنى ، ولا من أجل السفاح ، أو من أجل دور اللهو ، ولا من أجل الأفلام الساقطة ، هذا كله خلاف الأصول ، وهذه كلها قنوات قذرة ، وهناك قناة نظيفة واحدة ، هي قناة الزواج .

          فهذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان جعل لها قناة نظيفة طاهرة خيرة مسعدة تأنس بها ، وما سوى هذه القناة فالقنوات كلها قذرة.

          ]الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ[ ، تحدثت في الدرس الماضي عن أن التشريع لا قيمة له إلا إذا دعم بمؤيد ، أي بعقاب ، فالإنسان من طبيعته التفلت ، وحينما يعرف أنه إذا زنى فلابد أن يلقى في ساحة عامة ، وأن يجلد على مرأى من الناس مائة جلدة ، فإنه يعد للمليون قبل أن يزني ، (وفي الحديث : ((إِنَّ اللهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لاَ يَزَعُ بِالْقُرْآنِ)) ،  أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد وهذا هو الواقع) .

[تفسير ابن كثير(3/60)]

          فلو أن ربنا سبحانه وتعالى قال : الزاني فاجلدوه مائة جلدة لشمل هذا الحكم الزانية على طريقة القرآن الكريم في كل الآيات ، ولكن هنا لئلا يتوهم بعضهم أن الزاني هو وحده المعاقب ، بينما الزانية لم يكن دورها إيجابيا ، فإن الزانية جرمها في الزنى لا يقل عن جرم الزاني ، لذلك فإن ربنا سبحانه وتعالى لو قال من باب التأكيد : الزاني فاجلدوه مائة جلدة ، لانطبق هذا الحكم على الزانية ، ولكن لئلا نقع في التباس ، لئلا يفهم من هذا الحكم أن المرأة إذا زنت فلا شيء عليها فإنه سبحانه وتعالى يقول: ]الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ] ، لكن هناك آية في سورة النساء قال الله فيها : [وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً[ .

( سورة النساء :الآية 15)

          هذه الآية في سورة النساء كان مضمونها أن المرأة إذا زنت يجب أن تحبس في البيت حتى يتوفاها الله ، ويجب أن تؤذى بالكلام ، هذا الحكم نسخ بهذه الآية ، لماذا نسخ ؟ لأن ربنا عز وجل حكيم ، الأشياء التي كانت مستحكمة في الجاهلية كالخمر ، والزنى جاء تحريمها تدريجيا ، لأن النقلة المفاجئة قد تسبب صعقاً ، وهذا تعليم لنا ، الزنى كان متفشيا في الحياة الجاهلية ، بل إن الزانية كانت تضع على بيتها علامة تفتخر بها ، بل إن الرجال كانوا يشتركون في امرأة واحدة زواجا ، فكان هناك فوضى في العلاقات الزوجية ، لذلك فإنه سبحانه وتعالى بدأ بهذا التعذير ، أن تحبس المرأة الزانية في البيت حتى يتوفاها الموت ، فلما نزلت هذه الآية نسخت تلك الآية ، وهذا النسخ معناه التدريج في التشريع ، كيف ؟ إن الله سبحانه وتعالى قال: ]وَلاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى[  .

( سورة النساء :الآية 43)

ثم جاء التحريم القطعي ، كيف كان التدريج في تحريم الخمر ، كذلك كان التدريج في حد الزنى ، من تعزير بمثابة حبس في البيت حتى الموت ، إلى الجلد مائة جلدة ، على كل هذا حد الزاني الحر ، لأن للزنى إذا اقترفه العبد حكم آخر ، وحد الزاني الحر البالغ البكر أيْ غير المحصن ، غير المتزوج حده وحد الزانية الحرة البالغة البكر مائة جلدة ، فلو فرضنا أننا أردنا أن نبحث عن أسباب مخففة لهذا الزاني الحر ، البالغ ، العاقل ، البكر ، لو أردنا أن نبحث له عن بعض المخففات لوجدناه بدافع الشهوة ، بدافع الحرمان ، بدافع الضغط ، لذلك حده مائة جلدة ، لكن هذا الزاني المحصن الذي أكرمه الله بزوجة فما عذره ؟ ليس له عذر ، ضغط الشهوة لا أصل له ، فهذا الشيء محقق عنده ، ولكنه الفساد في الأرض ، ولكنه إفساد العلاقات الزوجية ، ولكنه تضييع للأنساب ، وانتهاك الحرمات ، ولكنه العدوان على زوج  هذه المرأة ، العدوان على زوجها ، والعدوان عليها بأن جعلها زانية ، والعدوان على أولادها بالتشريد ، والعدوان على نفسه بجريمة الزنا ، إن هذا الزاني المحصن ثبت في السنة أن حده الرجم حتى الموت ، وبعضهم يستنبط من قوله تعالى : ]إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا[  .

( سورة المائدة :الآية 33)

يعني حتى الموت ، لكن هناك بعض الأحكام الفرعية المتعلقة بالزنى ، أولا : هناك خلاف حول الجمع بين الجلد والرجم ، والجمهور على أنه لا يجمع ، فبعض الفقهاء رأوا أن الزاني المحصن يجلد ، ويرجم ، بينما جمهور العلماء يرى أنه يرجم فقط من دون جلد ، وهناك خلاف حول تغريب الزاني غير المحصن مع جلده ، والتغريب أن ينفى من مدينته ، هذا الموضوع أيضا خلافي ، وهناك خلاف حول حد الزاني غير الحر ، ثلاث موضوعات خلافية تترك لكتب الفقه ، ولبعض الموسوعات الفقهية ، ما هو حد الزاني غير الحر ؟ وهل يغرب الزاني غير المحصن مع الجلد ؟ وحول الجمع بين الجلد والرجم حتى الموت ، وقد ثبت هذا بالسنة المطهرة .

          ]فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ[ ، لماذا قدمت الزانية ؟ قال القرطبي في تفسيره : (قيل لأن الزنى في النساء أعر ، هو لأجل الحبل أضر ، وقيل لأن الشهوة في المرأة أكثر، وعليها أغلب فصدَّرها تغليظا لتردع شهوتها ، وإن كان قد ركب فيها حياء ، ولكنها إذا زنت ذهب الحياء كله ، وأيضا فإن العار بالنساء ألحق ، إذ موضوعهن الحجب والصيانة  ، فقدم ذكرهن تغليظا ، واهتماما) .

[القرطبي في تفسيره (12/160)]

لذلك بدأ ربنا سبحانه وتعالى بالزانية لأنها الأصل في جريمة الزنى .

          شيء آخر : ]الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي[ ، هذه الألف واللام هذه أل الجنس ، أيْ أيّة زانية ، وأيّ زان كائنا من كان إذا زنا في ديار المسلمين يجب أن يجلد إذا كان غير محصن ، ويجب أن يرجم إذا كان محصنا ، هذه إشارة دقيقة ، الآن الدول قوانينها نافذة على أرضها في حق كل إنسان يطأ أرضها ، سواء أكان من جنسيتها ، أم من غير جنسيتها ، فلو فرضنا أن إنساناً غير مسلم زنى فيجب أن يقام عليه الحد ، ما دامت واقعة الزنى تمت في ديار الإسلام ، هذه إشارة دقيقة جدا ، فكل من يسكن مع المسلمين يجب أن يلزم حدودهم ، ويجب أن يطيع تشريعهم ، ويجب أن يدفع ثمن المخالفة ، الآن أي إنسان ولو كان غير مسلم إذا سرق تقطع يده ، ما دامت هذه السرقة تمت في بلاد المسلمين ، لذلك الزانية والزاني ، أيْ جنس الزاني ، وجنس الزانية ، كائنا من كان ، مسلما أو غير مسلم ، فاجلدوهما ، فهذه الألف واللام تسمى في علم النحو ألف الجنس ، تقول : الحديد ، أيْ جنس الحديد ، النحاس ، قلْ : نحاس ، لا ، النحاس أيْ جنس النحاس على وجه الأرض ، وخصائصه كذا وكذا.

          شيء آخر ؛ كلمة : ]فَاجْلِدُوا[ لم يقل الله : فاجلد ، قال : ]فَاجْلِدُوا[ ، لماذا كان وجه الخطاب إلى المجموع ؟ لأنّ كل خطاب موجه إلى مجموع المسلمين معناه أن أولي الأمر الذين أنيط بهم الأمر عليهم أن يطبقوه نيابة عن المسلمين ، مادام المسلمون قد ارتضوا زيدا أو عبيدا ليدير شؤونهم ، فهذا الإنسان موكل بتطبيق حد الزنى ، لذلك هذا الحد لا يجوز أن يطبق من آحاد المسلمين ، هذا الحد يطبق من قبل أولي الأمر فقط ، فلا يجوز أن يقول شخص : إذا شاهدت شخصاً يزني فسأجلده ‍‍‍!! من أنت ؟ أنت من آحاد المسلمين ، هذا الحد لا يطبق إلا من قبل أولي الأمر ، وحتى تريح نفسك فالحدود منوطة كلها بأولي الأمر وحدهم ، فالإنسان يفكر إذا ظن بأنه مسلم يجب أن يقيم حد الله ما دام مسلماً ، هذا الكلام مرفوض ، ]الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ[ ، حتى إن الله حينما يقول :]وَأنَكْحِوُا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ[ .

( سورة النور:الآية 32)

 كلمة : ]وَأنَكْحِوُا[ ، يعني على أولي الأمر أن ييسروا سبل الزواج ، هذا أمر موجه إلى الأمة ، وبالتالي إلى من يلي أمور الأمة ، فتيسير الزواج للشباب هذا العمل من أوائل أعمال أولي الأمر ، ]وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ[ ، فلعل هذه الرأفة رأفة مزيفة ، أأنتم أرحم أم الله ؟ هو الخالق ، هو الرحمن الرحيم ، هو الذي يعلم كل شيء ، هو الخبير بنفوس عباده ، لذلك هذه الرأفة لا معنى لها ، هي رأفة ساذجة ، قال تعالى :]وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ[ .

( سورة البقرة :الآية 179)

فحياة المجتمع تقوم على إقامة الحدود ، فإذا أقيم حد السرقة ، وحد الزنى ، عاش الناس في بحبوحة ، وفي أمن ، وسلام ، وطمأنينة .

        هناك إشارة في سورة الإسراء متعلقة بالزنى ، يقول الله عز وجل : ]وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاًقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً * وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ[ .

( سورة الإسراء :الآيات 31-33)

          هنا سؤال ، لماذا جاء النهي عن الزنى بين آيتي النهي عن القتل ؟ ]وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ[ ، ]وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ[ ، ثم جاء النهي بينهما عن الزنى ، فقد استنبط بعض العلماء أن الزنى بمثابة القتل ، ولكنه قتل معنوي ، فالمرأة إذا زنت تكون وكأنها قُتِلَت ، وكأنها انهارت ، وفقدت مكانتها ، وكذلك الرجل ، فلذلك لشدة العناية بهذه الفضيلة ؛ فضيلة العفاف جاءت جريمة الزنى بين جريمتي القتل ، وكأنه قتل معنوي ، إذا كان القتل المادي إزهاقَ الروح ، فالقتل المعنوي تضييع النفس ، واضمحلالها ، وذهاب كرامتها ، وشأنها ، وعزتها.

          هذا شيء ، والشيء الآخر : ]إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ[ ، فهذه الآية هي أسلوب التهييج ، أقول له : إذا كنت رجلاً فافعل ذلك ، إذا كنت مؤمنا حقا فأقم الحد ، ]وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ[ ، لأنّ من لوازم المؤمن أن يبتعد عن الزنى ، ومن لوازم المؤمن أن يقيم هذا الحد ، ]وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ .  

          لماذا قال العلماء : المشاهدون ؟ في الحقيقة أن الإنسان يتلقى أحيانا ضرباً ، فإذا تلقى هذا الضرب وحده من الضارب فالألم مادي فقط ، ولكن إذا تلقى هذا الضرب أمام ملأ من الناس يعتقد أن الألم يتضاعف آلاف ، بل ملايين الأضعاف فعندنا ضرب ، وعندنا إهانة ، فربنا عز وجل لا يقصد ضرباً مؤلماً إلى درجة أنه يؤذي ، ولكن أن يوضع الإنسان في ساحة عامة ، وأن يجلد على ملإٍ من الناس ، فلان أعوذ بالله ، يا لطيف ، فلان يجلد ، أين شأنه ؟ أين كرامته ؟ أين عزته ؟ فهذا عقاب رادع ، عقاب مخيف ، ]وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ ، وهناك شيء آخر ، فهؤلاء المشاهدون حينما يرون الرجل قد ألقي على الأرض ، وقد انهالت عليه السياط ، وقد شعر بالألم والهوان معا صار المشاهدون يحسبون ألف حساب لجريمة الزنى قبل أن يقدموا عليها ، وكأن هذا الحد إذا أقيم على ملإٍ من الناس كان بمثابة التطعيم ضد مرض الزنى ، فكما أنّ الإنسان يتلقى بعض المصول فيحصن من بعض الأمراض ، كذلك إذا رأى منظر جلد الزاني ، فلربما كان هذا الجلد تلقيحا له ضد مرض ، أو جريمة الزنى ، ]وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ ، من ثلاثة إلى ألف.

          إذًا : ]إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ[ أسلوب تهييج ، إذا كنت كذا فافعل كذا ، فهو مؤمن قطعا ، المخاطب مؤمن ، ولكن هنا يستثير الله حماسته ، ونخوته ، وقواعد إيمانه ، فلعله يبتعد ، أو ينطلق إلى إقامة حد الله عز وجل ، ]وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ .

          وإن شاء الله في الدرس القادم نتابع تفسير قوله تعالى : ]الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ[ .

( سورة النور :الآية 3)

          هناك بعض الأشياء الطريفة في أمريكا ، حيث ترتكب في كل 30 ثانية جريمة قتل ، أو اغتصاب ، أو سرقة ، وأخ كريم أعطاني بعض الكلمات مقتطفة من جريدة الثورة تفيد أن نتائج دراسة أجراها معهد لاستطلاع الرأي في هامبورغ ، أن امرأة ألمانية غربية من كل اثنتين تقريبا تخون زوجها ، أيْ خمسين بالمائة ، امرأة من كل اثنتين تخون زوجها ، وأن واحدة من كل عشرة تقريبا لها عشيق منتظم ، وأن النساء المتزوجات يخن أزواجهن ، وهناك تفصيلات أخرى ، على كل يعني حينما يطلق للإنسان العنان ، وحينما لا تقام حدود الله عز وجل يصبح المجتمع كله فوضى ، فكما جاء النبي إلى قومه في الجاهلية ، والحياة فيها فوضى ، إذاً تعود الحياة أحيانا إلى نوع من الفوضى لا ينقذها منها إلا إقامة حدود الله .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi