English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت ( 29 ) : 10/16 ـ 07/12/1990 ـ الآيات [ 36 ـ 44 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس العاشر من سورة العنكبوت، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      

Text Box: قصة شعيب مع قوم مَدين :
 

 

       ربنا سبحانه وتعالى يُحَدِّثُنَا عن أقوامٍ كفروا بربهم فأذاقهم الله جزاء كفرهم وانحرافهم ، من هؤلاء قوم مدين ، قوم سيدنا شُعَيْب ، فقال تعالى :

      

 

1 – سرُّ وجودك عبادة الله :

قال تعالى :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ(56) ﴾ .

( سورة الذاريات )

       أي أن سر وجودك على الأرض ، ومجيئك إلى الدنيا أن تعبد الله عزَّ وجل ، والعبادة طاعةٌ طوعية ، أساسها معرفةٌ يقينية ، تفضي إلى سعادةٍ أبدية .

إن الإنسان يرقي إلى أعلى درجات خُلِقَ لها حينما يعبد الله عزَّ وجل ، لذلك ما من نبيٍ ولا رسولٍ إلا دعا إلى عبادة الله عزَّ جل ، لأنك لا ترقى إلا إذا عبدته ، والعبادة الخضوع الكامل ، الانصياع الكامل ، الحُب الكامل ، الشوق الكامل إلى الله عزَّ وجل ، الإنسان حينما يغيب عن عبادة ربه غاب عن ذاته ، غاب عن سر وجوده ، غاب عن الهدف الذي خُلق له .. أنت إذا عبدته فأنت في ظل رحمته ، وظل حفظه وتوفيقه ، فإذا حِدْت عن أمره دفعت الثمن باهظاً ..

      

2 – لا تستقيم عقيدة المرء في الدنيا إلا إذا آمن باليوم الآخر :

        لا تستقيم عقيدة المرء في الدنيا إلا إذا آمن باليوم الآخر ، لأن الله سبحانه وتعالى خَلَقَ السماوات والأرض تعبيراً عن أسمائه الحسنى وصفاته الفُضلى ، ولكن اليوم الآخر تجسيدٌ لاسم الحق ، كل المظالم في الدنيا ، كل الحظوظ ، وزِّعت الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء ، اليوم الآخر هو الأساس ، فإذا أغفله الإنسان وقع في فراغٍ فكريٍ كبير ، حياةٌ قصيرة مشحونةٌ بالمتاعب ، ما سرُّها ؟ حياةٌ قد تنتهي في وقتٍ مبكر ، قد لا يكون في الحياة فرصةٌ للاستفادة من الإعداد لها ، سؤالٌ كبير :

       يعد الإنسان نفسه ليحيا حياةٍ طيبة ، قد لا يبقى في حياته الوقت الكافي ليستمتع بما أعد له ، أما إذا آمنا باليوم الآخر تحل جميع المشكلات ، وتسوى فيها جميع الحسابات ، إنها الحياة السرمدية الأبدية ؛ لا نغص ، ولا قلق ، ولا خوف ، ولا حزن لمن عرف ربه في الدنيا ، واستقام على أمره .

      

Text Box: النهي عن الإفساد في الأرض :
 

 

      والإفساد ؛ إفساد العلاقات ، إفساد علاقة النفس بربها ، إفساد علاقة المرء بأهله ، إفساد علاقة المُسلمين ببعضهم ، إفساد علاقة الإنسان بالإنسان ، فأية علاقةٍ بين العبد وربه هناك من يفسدها بإلقاء الشُبُهَات ، هناك من يفسدها بالحمل على المعاصي والمُحَرَّمات ، العلاقة بين النفس وربها ، بين الأخ وأخيه ، بين الشريك وشريكه ، بين الرجل وزوجته ، هذه العلاقات أهل الباطل الكفار يَسْعَوْنَ في الأرض فساداً ، يعثون في الأرض مفسدين ..

      

Text Box: انظروا كيف كان عاقبة المكذبين :
 

 

        أهلكهم الله عزَّ وجل ، والحقيقة أن هذا الهلاك هلاك الدنيا إذا كان على أثر كفرٍ وانحراف تبعه هلاك إلى أبد الآبدين .

      

Text Box: وَقَد تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِم 
 

 

    ربنا سبحانه وتعالى شاءت حكمته أن يبقي لبعض الأقوام الظالمة شيئاً من آثار بلادهم ، دليلاً على هلاكهم ، وعلى أن أمر الله عزَّ وجل هو الحق ، وعلى أن العاقبة للمُتقين ، فهلاك الأمم وبقاء آثارهم ، نحن  أحياناً نزور الآثار ، والحقيقة أن المؤمن إذا زار الآثار فلهذه الزيارة عبرةٌ كبيرة ..

﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعَاً وَأبْصَاراً وأفئدَة فما أغنى عَنْهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم مِنْ شَيء ﴾ .

( سورة الأحقاف : من آية " 26" )

 

       أقوام أشد منا قوةً وأكثر جمعاً وأعظم حضارةً دّمَّرَهُمُ الله عزَّ وجل ولقوا نتيجة أعمالهم .

 

      

Text Box: وهذه سنة الله جارية في الأقوام المكذّبين :
 

 

       الأقوام التي كفرت وانحرفت أهلكها الله عزَّ وجل ، بعضها أهلك بريحٍ صَرْصَر ، بعضها أُهْلِكَ بالصيحة ، بعضها أهلك بحجارةٍ من السماء، بعضها أهلك غرقاً ، والأحداث التي من حولنا أيضاً تؤكِّد هذه المعاني ..

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112) ﴾ .

( سورة النحل )

       إذاً كلما وقع زلزالٌ ، أو هَلاكٌ ، أو فيضانٌ ، أو حروبٌ أهليةٌ مدمرةٌ ، هذه كلها من آيات الله عزَّ وجل ، لأن الله سبحانه وتعالى ما كان له أن يهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون .

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(59) ﴾ .

( سورة الكهف )

      

من آثارهم  ..

      

Text Box: تزيين الشيطان الأعمال للإنسان :
 

 

       الحقيقة الإنسان حينما ينتقل إلى عملٍ ما ، ينطلق من تصور أن هذا العمل في مصلحته ، وله منه مكسبٌ كبير ، إن كانت رؤيته غير صحيحة، إن كانت رؤيته ضبابية ، إن كانت رؤيته ليست كما يريد الله عزَّ وجل ، هذا هو الضلال وقع في الانحراف ؛ أما إذا تمتع الإنسان برؤيةٍ صحيحة كان مهتدياً ، ما هو الهدى ؟ أن ترى وفْقَ ما أراد الله عزَّ وجل .

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أَعْمالا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104) ﴾ .

( سورة الكهف )

       هذه مصيبةٌ كبيرة ، أن تنظر إلى الشيء من زاويةٍ مَغْلوطة ، أو أن تراه رؤيةً مغلوطة ، أو أن تظنه خيراً وهو شر ، أن تظنه حقاً وهو باطل ، الضلال في حقيقته رؤيةٌ غير صحيحة ، لذلك البطولة أن تُصَحِّحَ رؤيتك دائماً وفق ما أراد الله عزَّ وجل ، فالله سبحانه وتعالى أعطاك ميزان العقل ، وأعطاك ميزان الفطرة ، وأعطاك ميزان الشرع ، فإذا وافق عقلك ميزان الشرع أنعم به من عقل ، إذا وافقت فطرتك ميزان الشرع أنعمْ بها من فطرة ، أما الميزان الذي لا يُخطئ ، فهو الشرع الذي أنزله الله على نبيه .

إذاً : كلما استخدمت عقل الشرع ، وأعملت عقلك ، وكلما ركنت إلى فطرتك ، وجاءت نتائج العقل والفطرة موافقةً للشرع فأنت على حق ، أما إذا هداك عقلك إلى خلاف الشرع هذا العقل قد ضَل ، وقد انحرف ، وقد طغى ، وقد بغى ، وهذه الفكرة قد انطمست .

       فنحن نركن إلى الفطرة إذا كانت موافقةً للشرع ، نركن إلى العقل إذا جاء موافقاً للشرع ، أما إذا ابتدع الإنسان شيئاً مخالفاً للشرع فقد وقع في ضلالٍ مبين  .

       إذاً : الخطورة أن يزيّن الشيطان للإنسان عمله ، فيرى عمله صائباً ، يرى عمله صحيحاً ، يرى عمله فيه فلاحٌ ونجاح ، هنا الخطورة ، لأنه ما من إنسانٍ يُقْدِمُ على شيءٍ إلا ويتوهَّمُ أنه صواب ، ما من قاتلٍ يقدم على جريمته إلا ويظن أنه سيكسب بهذه الجريمة خيراً كثيراً ، فإذا وقع في أيدي العدالة وسيق إلى دفع ثمن جريمته ، عندئذٍ يندم ولات ساعة مندم .

 

Text Box: البطولة أن تفعل فعلاً لا تندم عليه :
 

 

البطولة أيها الإخوة أن تفعل فعلاً لا تندم عليه ، فكل من أسرع ، وانطلق إلى عملٍ ليس متأكداً من مطابقته للشرع ، كل حركاتك وسكناتك إن لم تكن وفق منهج الله عزَّ وجل ، كل حركاتك وسكناتك إن لم تكن وفق ما أَمَرَ الله ، وما عنه نهى فهذه الحركات طائشة ، وسوف يدفع الإنسان ثمنها باهظاً .

      

لأن .

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا(27) ﴾ .

( سورة النساء )

       أي أن الله عزَّ وجل هو الخالق ، هو العليم ، هو الحكيم ، يريد أن تكون في سعادة ، يريد أن تسعد في الدنيا والآخرة ، أعطاك المنهج الصحيح ..

﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا(27) ﴾ .

      

Text Box: للأسف الشديد : فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ 
 

 

       أي أنهم كانوا عقلاء ، حدثني صديقٌ لي قال : كنت في بلادٍ في أقصى الشرق ؛ حضارة ، والتقدم ، والتقنية ، والتكنولوجيا ، شيء يفوق حد الخيال ، وهم يعبدون بوذا ، فقال مدير شركة أطلعه على منجزات شركته ، شيءٌ لا يصدق ، فلما أخذه إلى المعبد قال : يا سبحان الله ما أبعد البَوْنَ بين هذه الحضارة وهذا التصنيع ، وهذه الدقة ، والإتقان ، والصناعة ؛ وبين هذه العبادة التي لا معنى لها ، ولا تقف على قدميها ، إذاً : هذا من أخطر أنواع الضلال ، أن تكون في ناحيةٍ متفوقاً ، لك تفوقٌ كبير في اختصاصك ، أو في صناعتك ، أو في زراعتك، أو تجارتك ، فإذا انتقلنا إلى عقيدتك ، وإلى طقوسك ، وإلى دينك ، وإلى ما تعتقده وجدنا بوناً شاسعاً بين هذا وتلك ، فربنا سبحانه وتعالى أشار إلى هذا :

      

     فشعوبٌ بأكملها تعبد البقر ، إذا مَرَّت بقرةٌ في عرض الطريق انقطع السير ، فإذا دخلت هذه البقرة إلى مكانٍ ، لها أن تأكُلَ أي شيء ولو كان ثميناً ، بل إنهم يعانون من أشد أنواع المجاعات وأعداد الأبقار يفوق حد الخيال ، هذه عقيدةٌ زائغة ، هذا هو الانحراف في الفكر ، هذا هو الكفر بعينه ، أن تعبد من دون الله مخلوقاً لا يملك لك نفعاً ولا ضراً، فلذلك لا يصح العمل إلا إذا صَحَّت العقيدة ، أية عقيدةٍ فاسدة يقابلها انحرافٍ في السلوك .

      

   أي كانوا عقلاء في أعمالهم ، في دُنياهم ، في تجارتهم ، في مساكنهم ، في علاقاتهم ، الإنسان أحياناً يهبط ، يتفوَّق في الدنيا ، فإذا سألته عن الآخرة ، سألته عن دينه ، عن عقيدته ، هبط هبوطاً مخيفاً .

      

Text Box: لا يستطيع عبدٌ أن ينفلت من قبضة الله :
 

 

      ما كانوا سابقين ، أي أن الكافر لا يستطيع أن يتفلَّت من قبضة الله عزَّ وجل ، مهما فكّر وخطط ، وفعل ، وَدَّبَر هو في قبضة الله ، لذلك الإنسان لضعف إيمانه يتوهم أن هذه الجهة وضعت هذه الخطة وسوف تنفذ ، أما المؤمن يرى أنه لا حول ولا قوة إلا بالله ، يرى أنه لا إله إلا الله ، يرى أنه لا يقع شيءٌ في ملك الله إلا بأمر الله ..

(( لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) .

( من سنن الترمذي : عن " عبد الله " )

       

أي أن الإنسان إذا عصى الله عزَّ وجل لا يسبق مشيئة الله عزَّ وجل ، هو في قبضته ..

      

Text Box: قاعدة مطَّردة في العذاب : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ 
 

 

     قال : " يا رب لقد عصيتك ولم تعاقبني !! قال : عبدي قد عاقبتك ولم تدر " ، فإذا توهَّم الإنسان لحظةٍ واحدة أن هذه المعصية تنفعه ، وأنها تكسبه مغنماً كبيراً ، هذا هو الجهل بعينه ، هذا هو الحمق بعينه  .

      

وفي الأثر :

" إن لكل سيئةٍ عقاباً " .

       أي انحرافٍ له ثمنٌ تدفعه في الدنيا والآخرة  .

      

Text Box: أنواع العذاب :
 

 

 

1 – معنى : حاصبا

أي حجارةً من السماء كقوم لوط ..

 

2 – الصيحة :

﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ(37) ﴾ .

( سورة العنكبوت )

 

      

 

3 – الخسف :

كما فعلنا بقارون ..

      

 

4 – الغرق :

كما فعلنا بقوم نوحٍ وقوم فرعون ..     

      

استعرض معي الآيات :

﴿ وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا(77) ﴾ .

( سورة النساء )

       نواة التمرة فيها خيطٌ رفيعٌ جداً في الشِقِّ الذي في النواة ، هذا هو الفتيل ، فإذا وضعت النواة على لسانك من أحد طَرَفَيْهَا شعرت بنتوءٍ مدبب هذا هو النقير ، ولهذه النواة غشاءٌ رقيق هو القطمير ، فربنا عزَّ وجل من خلال بيئة العرب الصحراوية ، ومن هذه الفاكهة التي تتواجد عندهم ..

﴿ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(124) ﴾ .

( سورة النساء )

﴿ وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا( 77 ) ﴾ .

(سورة النساء )        

      ولا قطميراً  ..

      

إذاً  :

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47) ﴾ .

( سورة الأنبياء )

      

Text Box: أشد أنواع الظلم الجهل :
 

 

      والحقيقة أن أشد أنواع الظلم أن تبقي نفسك جاهلةً ، أن لا تعرفها بمهمَّتها ، أن تبقيها جاهلة ، أن لا تزكيها ، أن تحببها بالدنيا ، ولقد خلقت لغيرها ، لا تنس قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعاه الصغار إلى اللعب وكان صغيراً ، فقال عليه الصلاة والسلام : لم أخلق لهذا ، إذاً خلق لماذا ؟

" خلقت لك السماوات والأرض فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضه عليك " .

       مثل بسيط أسوقه لكم : قديماً كانت مدارس داخلية ، فمدرسة من أشهر المدارس لها قاعات للمطالعة ، وفيها مهاجع ، وفيها مطعم ، فالطالب في هذه المدرسة الداخلية عليه أن يمضي الوقت الذي بعد الدراسة في المُطالعة ، عليه أن يقرأ ، عليه أن يكتب ، عليه أن يتدرَّب ، أما المطبخ ففيه الموظفون ، والطباخون والعمال بحيث يأتيه الطعام جاهزاً في الساعة السابعة مساءً ، فهذا الطالب طعامه مضمونٌ له ، وهو مكلفٌ للدراسة ، ما قولكم بطالبٍ ترك قاعة المُطالعة وتوجَّه إلى المطعم ليتفقد أحوال الطباخين والأطعمة ، وما تم في صنع هذا الطعام ، وهذا الطعام ، ضمن له الطعام فانشغل به ، وكُلِّف بالدراسة فتشاغل عنها ، هذا حال بعض الناس ، ربنا عزَّ وجل يقول :

﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ .

( سورة الزخرف : من آية " 32 " )

﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ( 22 ) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ( 23 ) ﴾ .

( سورة الذاريات )

        الرزق يحتاج إلى سعي ، والرزق مضمون ، أما معرفتك بالله عزَّ وجل ، عملك الصالح ، هذا مكلفٌ به ، فما قولك بإنسان أعرض عن معرفة الله ، وعن طاعته ، وعن العمل للآخرة وانشغل بما ضُمِنَ له ، وهذا منتهى الضلال ، الذي ضمن لك تسعى له سعياً حسيساً ، والذي كلفت به تهمله إهمالاً شنيعاً ، فربنا عزَّ وجل يقول :

﴿ وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى(39)وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى(40) ﴾

( سورة النجم )

       فليس لك إلا ما سعيت ، فالذي ضمن لك يجب أن ترتاح من قِبَلِهِ ، والذي كُلفت به يجب أن تسعى له .

       الآن بعد أن عرض الله علينا هذه القصص ، الأقوام السابقة كيف انحرفت في عقيدتها ، وكيف انحرفت في سلوكها ، وكيف ظلمت ، وبغت ، وطغت ، وكيف أهلكهم الله عزَّ وجل ، يقول الله عزَّ وجل :

      

Text Box: مَثَلُ الَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ 
 

 

الإنسان كما قال الله عزَّ وجل في آيةٍ أخرى :

﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28) ﴾ .

( سورة النساء )

       هكذا خُلِقَ الإنسان  ..

﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21) ﴾ .

(سورة المعارج )

         هو هلوع .

وفي آيةٍ ثانية :

وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)

( سورة النساء )

       وفي آيةٍ ثالثة :

﴿ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولا(11) ﴾ .

( سورة الإسراء )

       إذاً : هو ضعيف ، وعجول ، وهلوع ، لنأخذ الآية الثانية :

﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28) ﴾ .

       ربنا عزَّ وجل شاءت حكمته أن يكون الإنسان ضعيفاً ، لو أن الله خلقه قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه ، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره ، وفي الأساس الإنسان ضعيف ، ومعنى كونه ضعيفا أنه بحاجة إلى ركنٍ ركين ، يحتاج إلى شيءٍ يَدْعَمَهُ ، شيءٌ يركن إليه ، يحتاج إلى من يُدافع عنه ، يحتاج إلى من يأخذ بيده ، هكذا طبيعة الإنسان .

       حتى في الدنيا ، الإنسان يسعد أشد السعادة إن كان له قريبٌ له مركزٌ قوي ، تراه يفتخر به ، كلما نابه أمرٌ يتصل به ، يشعر بالطمأنينة أن هناك شخصاً قوياً يُحِبُّهُ ، تسكن نفسه ، هذه فطرة الإنسان ، لأن الله سبحانه وتعالى خلقه ضعيفاً ، من لوازم ضعف الإنسان أنه يسعى إلى ركنٍ ركين ، إلى جهةٍ قويةٍ يعتمِدُ عليها ، إلى جهةٍ قويةٍ تدافع عنه ، يسعى إلى جهةٍ قويةٍ يطمئن بقربها ، يفتخر بقوتها ، هكذا طبيعة الإنسان .

        أحد أسباب سعادة المؤمن أنه يؤمن أن كل ما في الكون بيد الله عزَّ وجل ، حتى خصومه بيد الله ، حتى الأشخاص الأقوياء الذين يظنهم الناس أقوياء هم في قبضة الله عزَّ وجل ، هذا الشعور ، حتى الوحوش الضارية ، حتى الجراثيم الفتَّاكة ، حتى أعراض الطبيعة ، هذه كلها بيد الله ، فأحد مصادر سعادة المؤمن شعوره بأن كل ما في الكون بيد خالقه ، فإذا كانت علاقته بخالق علاقةً طيبة ، علاقةً حسنة ، علاقة حُبٍ ، علاقة طاعةٍ ، علاقة انصياعٍ ، علاقة توكلٍ ، شعر بسعادةٍ لا يعرفها إلا من ذاقها ، لهذا قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى : " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " .

مثلاً شابٌ دُعِيَ إلى الخدمة الإلزامية ، في الجيش هناك آلاف الرُتَبَ الكبيرة ، في الجيش عقوبات ، وسجن ، وأعمال شاقة ، فما قولك إذا كان والد هذا الشاب قائداً للجيش ، بماذا يشعر هذا الشاب إذا كان والده قائداً الجيش ، القائد الأعلى للجيش ؟ يشعر بطمأنينة ، ولا يخشى كل هذه الرُتَب ، هذا مثل للتبسيط ، المؤمن ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ .

( سورة الطور : من آية " 48 " )

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾ .

( سورة هود )

Text Box: الشعور بالأمن نعمة عظيمة :
 

 

       فلو حللنا سر سعادة المؤمن في الدنيا يكون هذا الشعور ، هو ضعيف الإنسان ، والمؤمن إنسان ضعيف ، لكن حينما استقام على أمر الله ، ونفذ شرع الله ، واعتمد على الله ، وتوكل على الله ، واستسلم لقضائه وقدره ، شعر بالقرب منه ، وشعر بهذا الشعور المُطَمْئِن ، فلذلك ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81) ﴾ .

( سورة الأنعام )

       من هو الإنسان الحقيقي الذي يتمتع بالأمن ؟ الأمن مهمٌ جداً لأن السلام شيء ، والأمن شيءٌ آخر ، السلام أن لا تقع مصيبة ، أما الأمن أن لا تتوقع مصيبة ، وفرق كبير بين أن لا تقع  المصيبة وبين أن لا تتوقع المصيبة ، إن توقع المصيبة مصيبة أكبر منها ، إنك من خوف الفقر في فقر، إنك من خوف المرض في مرض ، توقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها ، ربنا عزَّ وجل يقول :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81) ﴾ .

( سورة الأنعام )

       من هو هذا الإنسان الذي عافاه الله من القَلَق ، من الخوف ، من الشعور بالقهر ، من توقُّع المرض ؟ من توقع الفقر ؟ من توقع المصيبة ؟ أي إنسانٍ هذا الإنسان الذي ملأ الله قلبه أمناً وطمأنينةً ورضى ،  وشعوراً بقربه من خالقه ؟ ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82) ﴾ .