English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت ( 29 ) : 13/16 ـ 28/12/1990 ـ الآيات [ 45 ـ 46 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

    

        الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً  و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث عشر من سورة العنكبوت ، في الدرس الماضي وصلنا إلى قوله تعالى :

[ سورة العنكبوت ]

Text Box: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ

 

بقي من هذه الآية قوله تعالى :

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 

معنى الذكر لغة واشتقاقه :

أيها الإخوة الأكارم ، الذكر ، والذكرى ، والتذكر ، من اشتقاق واحد ، تذكُّر الشيء أي أن تستعيده ، أن تستحضره ، والله سبحانه وتعالى يصف القرآن الكريم كله بأنه ذكرى ، قال تعالى :

[ سورة عبس ]

       معنى ذلك أن الإنسان فُطر على أن يعرف الله ، فطر على أن يستقيم على أمره ، فطر على أن يسعى للتقرب منه ، فطر على أنه لا يرتاح إلا بالإقبال عليه ، هذه فطرة الله عز وجل ، فالقرآن الكريم كله ، ودعوة الأنبياء كلها هي إنما قائمة على تذكير الإنسان بفطرته  ، وحينما يهتدي الإنسان إلى فطرته يسعد في الدنيا والآخرة ، لذلك يفيدنا في هذه الآية آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى :

[ سورة الروم ]

Text Box: الوجهة الخالصة والاستقامة التامة : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا :
 

 

أقم وجهك أي أن يقيم الإنسان وجهته الخالصة في استقامة تامة إلى الله ، وأن يقومها كلما انحرفت عن طريق معرفة الله أولاً ، وطاعته ثانياً ، والتقرب إليه ثالثاً ، إنه إن فعل هذا مائلاً إلى الله تاركاً كل ما سواه .

       إن أقمت وجهتك الخالصة إلى الله ، وقومتها كلما انحرفت في استقامة تامة إليه عن طريق  معرفته أولاً ، وطاعته ثانياً ، والتقرب إليه ثالثاً ، مائلاً إليه من كل قلبك ، تاركاً كل ما سواه ، إنك إن فعلت هذا لزمت فطرتك ، انسجمت مع فطرتك ، حققت فطرتك ، حققت وجودك ، وسلامة وجودك ، وكمال وجودك ، واستمرار وجودك ، هذا المخلوق لا يسعد إلا بالله ، آية دقيقة جداً :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ﴾ .

      أحياناً يلقي الإنسان بصره إلى جهة ثابتة دليل الاهتمام البالغ ، إذا كنت تعبأ بشيء ، وتخاف أن ينفجر تبقى عينك على الساعة ، ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ .

أن تقيم وجهك لله في استقامة خالصة وتامة مائلاً إليه تاركاً كل ما سواه ، إن فعلت هذا فقد حققت فطرتك ، وحققت سر وجودك  وحققت سلامة وجودك ، وحققت كمال وجودك ، وحققت استمرار وجودك ، قال تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ .

إن فعلت هذا فقد لزمت فطرة الله .

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ .

       كلمات قليلة أنقلها لكم من كلمات بعض العارفين بالله : : في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله " .

مهما بالغت في طمأنينة قلبك عن طريق وفرة المال ، عن طريق مركزك القوي ، عن طريق تأمين كل حاجاتك ، ففي القلب شعث ، تفرق ، لا يلمه إلا الإقبال على الله ، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله ، لو جلست مع أصدقائك ، مع أقربائك ، مع محبيك ، لو جلست في مكان تحبه وفي زمان تحبه ، لكن في القلب وحشة لا يزيلها إلا الإنس بالله ، وفي القلب حزن لا يذهبه إلى السرور بمعرفة الله ، وفي القلب قلق لا يسكنه إلا الاجتماع على الله والفرار إليه ، وفي القلب نيران حسرة لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه والصبر على كل ذلك ، وفيه فاقة ـ يعني فقر ـ لا يسدها إلا محبته .

مهما حاولت ، كلمة أعرفها في الوقت المناسب ، إذا تقدم بك العمر ، والإنسان وصل إلى خريف العمر ، فإذا قال : والله لا شيء أجمل من معرفة الله ، ولا شيء أسعد من قربه ، ولا شيء أنفع من طاعته ، هذا الكلام إن عرفته في الوقت المناسب فأنت أسعد الناس ، أما إذا عرفته بعد فوات الأوان فهذه مشكلة ، البطولة أن تعرف الله في الوقت المناسب .

إذاً حينما قال الله عز وجل :

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .

إنك إن ذكرت الله حققت فطرتك ، إنك إن ذكرت الله اطمأننت إليه ، إنك إن ذكرت الله سعدت بقربه ، إنك إن ذكرت الله زال عنك الخوف ، والقلق  والحزن والضياع ، والتشتت ، والتبعثر ، والضيق ، والشعور بالوحشة ، والشعور بالفقر ، كل المشاعر المدمرة التي تحيل حياة الإنسان جحيماً إنها تذوب إذا عرفت الله عز وجل لذلك :

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .

 

Text Box: تفصيلات : ذكر الله :
 

 

      الآن ندخل في تفصيلات معنى ذكر الله أكبر :

معنى الذكر :

أن حالة تصيب النفس هذه الحالة تحفظ النفس كلما يلقى إليها من معرفة ، فالإنسان إما أن يكون في حالة ذكر أو حالة نسيان .

الذكر يشبه الحفظ ، لكن الحفظ حيازة ، والذكر استحضار ، والذكر نوعان ، ذكر عن نسيان وذكر عن حضور ، فلان يذكر إما أنه ذكر بعد أن نسي وإما أنه دائم الحضور .

Text Box: أنواع الذكر : ذكر بالقلب وذكر باللسان :
 
        

يا أيها الإخوة الأكارم ، والذكر نوعان أيضاً ، ذكر لسان وذكر قلب ، وربما كان ذكر القلب هو المعني ، وهو المقصود ، قال الله سبحانه وتعالى :

(سورة الأحزاب )

أيضاً هذه الآية تلقي ضوءاً كاشفاً على قوله تعالى :

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ ، فإن أرقى أنواع التفسير أن تفسر القرآن بالقرآن .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا(42) ﴾ .

إن فعلتم ذلك .

﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(43) ﴾ .

أيها الإخوة الأكارم ، اقتدوا بسيدنا سعد بن أبي وقاص الذي كان يقول : << ثلاثة أنا فيهن رجل ، وكلمة رجل في القرآن لا تعني أنه ذَكَرٌ ، لا ، قال تعالى :

[ سورة النور ]

تعني أبطالا ، كلمة رجل ، قال تعالى :

 

[ سورة الأحزاب ]

     يقول سيدنا سعد : << ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفي ما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها ، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ، وما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى >> .

هذا الكلام كلام النبي حق من الله تعالى ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، ماذا يقول عليه الصلاة والسلام في شأن الذكر ؟

Text Box: أحاديث في فضل الذكر :
 

 

الحديث الأول :

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا ، قَالُوا : وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : حِلَقُ الذِّكْرِ )) .

[ أحمد ]

      هذا المجلس إن شاء الله تعالى من حلق الذكر ، نذكر فيه الله تعالى ، حلق الذكر المكان الذي يذكر فيه الله خالصاً لوجهه ، هذا الحديث الشريف رواه البيهقي .

الحديث الثاني :

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَامَّةٍ ، تَامَّةٍ ، تَامَّةٍ )) .

[ الترمذي ]

إذاً : أن تذكر الله عز وجل ذكراً خفياً عقب صلاة الفجر ، وأن تصلي ركعتين الضحى ، كانت لك هذه الصلاة ، وهذا الذكر ، وتلك صلاة الضحى كأجر حجة وعمرة ، تامة ، تامة ، تامة ، هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي .

الحديث الثالث :

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى )) .

[ ابن ماجة ـ أحمد ـ مالك ]

أن تذكر الله عز وجل هذا الحديث أيضاً رواه الإمام أحمد في مسنده.

الحديث الرابع :

 

روى البخاري مسلم في صحيحيهما عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ )) .

[مسلم]

قال تعالى :

[ سورة النحل ]

[ سورة فاطر ]

ليس مـن مات فـاســـتراح    بميت إنما الميت ميت الأحياء

***

     << يا كميل ، مات خُزان المال ، وهم أحياء ـ وهم في أوج حياتهم ـ والعلماء باقون ما بقي الدهر >>

إذاً : الذي يذكر ربه ، والذي لا يذكر ربه كالحي والميت .

أصحاب النبي عليهم رضوان الله سألوا النبي عليه الصلاة السلام : أي جلساءنا خير ؟ نجلس مع من ، نلتقي مع من ، نخاطب من  نصاحب من ، نحب من ـ فقال عليه الصلاة والسلام : (( من ذكركم الله رؤيته ، يعني إذا رأيتموه تذكرتم ربكم )) .

هناك إنسان إذا رأيته تذكرت الدنيا ، إذا رأيته تذكرت الشهوات ، إذا رأيته تذكرت الموبقات ، وأما الذي يجب أن تجلسْ معه هو من ذكركم الله رؤيته ، وزاد في عملكم منطقه ، يعطيك حجة قوية ، يحاصرك ، فإذا كنت مضطرًا أن تسير في طريق الإيمان ، وذكركم في الآخرة عمله ، هناك من يدعو إلى الزهد ، وليس زاهداً ، هناك من ترى عمله مخالفاً لقوله ، عمله في وادٍ ، وقوله في واد ، فهذا الذي ذكّركم الله رؤيته ، وزاد في عملكم منطقه ، وذكركم في الآخرة عمله هذا اجلسوا إليه وصاحبوه .

فالمؤمن عليه أن يختار مؤمناً يصحبه ، أن يختار أخاً في الله يتصل به يمحضه وده ، يمحضه محبته ، لا أن يوزع قلبه بين أناس غافلين ، قال تعالى :

[ سورة الكهف ]

       الإمام مسلم في صحيحه يروي من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله في كل أحيانه في السراء وفي الضراء ، في إقبال الدنيا ، في إدبار الدنيا ، في الشدائد ، في الرخاء ، في الصحة ، في المرض ، في الليل ، في النهار في السفر ، في الحضر ، في الأزمات ، في حالات الراحة  النبي عليه الصلاة السلام كان يذكر الله في كل أحيانه ، وإن الله أمر المؤمنين ما أمر به المرسلين .

ويقول عليه الصلاة والسلام :

الحديث الخامس :

عَنْ سَعْدِ ابْن مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ ، وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي )) .

[ أحمد ]

وهذا من تمام الأدب مع الله عز وجل ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن من الناس مفاتيح لذكر الله تعالى إذا رأوا ذُكر الله بهم )) .

 

الحديث السادس :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً )) .

[ الترمذي ـ أحمد ]

وفي رواية ثانية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي مَجْلِسٍ فَتَفَرَّقُوا ، وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَيُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا كَانَ مَجْلِسُهُمْ تِرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .

[ الترمذي ـ أبو داود ]

وفي رواية ثالثة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلا رَأَوْهُ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .

[ أحمد ]

أن تجلس مجلساً لا تذكر الله فيه .

الآن نعود إلى قوله تعالى :

﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .

أيها الإخوة الأكارم ، آية دقيقة جداً هذه تمهيدات لهذه الآية ، يقول الله عز وجل :

﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .

Text Box: معنى : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ 
 

 

المعنى الأول :

يقول بعض العلماء : ذكر الله أكبر ما في الصلاة ، لقوله تعالى :

[ سورة طه ]

هدف الصلاة أن تذكر الله ، فهل أن تذكره بلسانك أم بقلبك ؟ بلسانك وبقلبك ، إن ذكرته بلسانك ، ولم يكن الذكر في قلبك فهذا الذكر الظاهري لا يكفي ، المعول عليه هو القلب ، والقلب مفتاحه اللسان ، لذلك قال تعالى :

﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(14) ﴾ .

[ سورة طه ]

       المعنى الأول : ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ ، أي أكبر ما في الصلاة كلها .

المعنى الثاني :

الآن عندنا معنى آخر ، يا ترى ذكر الله للعبد أم ذكر العبد لربه ؟ القرآن حمال أوجه .

المعنى الأول : ذكر الله لعبده ، والدليل ، قال تعالى :

[ سورة البقرة ]

 

يـنادى لـه فـي الكـون أنّا نحـبه    فيسمع من في الكون أمر محبنا

***

 

        المعنى الأول : ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ لعباده إذا ذكروه أكبر ، من ذكرهم له تَذْكُره ويذكرك ، إن ذكرك الله عز وجل ذكره أكبر من ذكرك له ، إذا ذكرته فأنت مفتقر إليه ، لكن إذا ذكرك أغناك ، إذا ذكرك رحمك ، إذا ذكرك أسعدك ، إذا ذكرك حفظك ، إذا ذكرك وفقك ، إذا ذكرك يسر لك الأمر ، إذا ذكرك قربك ، فرق كبير جداً بين أن تذكره ، وبين أن يذكرك ، الله سبحانه وتعالى هكذا يقول :

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ .

       ما ذكرني عبدي في ملأ من خلقي إلا ذكرته في ملأ خير منه ، لذلك يقول العلماء : ذكر الله للعبد أكبر من ذكر العبد لربه ، هذا المعنى ، ذكر الله للعبد أكبر من صلاته كلها ، هو قطع عمله ، وتوجه إلى المسجد ، وتوضأ ، وصلى ، إذا ذكرك الله ذكراً فهو خير من كل صلاتك  ، مهما قلت : أنا بذلت ، وتوضأت ، وصليت ، وأغلقت محلي التجاري ، إياك أن تمن على الله ، لأن ذكر الله لك أكبر من كل صلاتك ، بل إن ذكر الله لك أكبر من كل عملك ، هكذا جاء في بعض التفاسير .

      المعنى الأول : ولذكر الله ما في الصلاة .

 

المعنى الثاني :

ذكر الله للعبد أكبر من ذكر العبد لربه ، ذكر الله للعبد أكبر من صلاته ، ذكر الله للعبد أكبر من كل عمله ، إذاً أنت لا بعملك ، ولكن بفضل الله عز وجل .

المعنى الثالث :

هناك معنى كان يجب أن أقوله في أول المعاني ، وهو أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول :

﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .

        أكبر من أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، أن تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر فهذا شيء سلبي ، هذا المصلي لا يفعل المنكر ولا الفحشاء ، هل هذه هي كل الصلاة ؟ لا ، ذكر الله أكبر من أن تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر ، إنها في حدودها الدنيا ، إنها في بداياتها ، إنها في حدها الأدنى تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولكن في حدها الأعلى ولذكر الله أكبر ، كأنك إذا انتهيت عن الفحشاء والمنكر فهي حالة التخلية ، فإذا ذكرت الله عز وجل فهي حالة التحلية ، فلا ينبغي أن تكون الصلاة فقط تنهى عن الفحشاء والمنكر ، بل هي أعظم من ذلك ، النهي عن الفحشاء والمنكر شيء سلبي ، هذا المصلي لا يكذب ، لا يسرق ، لا يزني ، لا يقتل ، لا يفحش في الكلام ، ولكن هذه الصلاة يجب أن تسمو في الإنسان ، ترقى به إلى الله عز وجل .

المعنى الأولي المأخوذ من قوله تعالى :

] إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ .

أكبر من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر .

المعنى الرابع :

] وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ .

ذكر العبد لربه أكبر من كل ما في الصلاة ، أكبر من أركان الصلاة ، أكبر من كل طاعاته ، لأن الأعمال الصالحة كلها من أجل أن تصلي ، لأن العبادة كلها من أجل أن تصلي ، لأن الحج من أجل أن تصلي ، لأن الصوم من أجل أن تصلي ، لأن الزكاة من أجل أن تصلي ، ذكر العبد لربه أكبر من كل أركان الصلاة ، من وقوف ، وركوع ، وسجود ، وقراءةٍ ، إلى آخره ، ذكر العبد لربه أكبر من كل الصلاة ، أكبر من كل طاعته ، من كل أعماله لأنها الهدف ، الهدف أن تسعد بالله عز وجل .

المعنى الخامس :

بعضهم قال :

] وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ .

الصلاةُ ذكر ، والحقيقة أن فيها أذكارا قولية ، الله أكبر ، سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك :

[ سورة الفاتحة ]

هذا ذكر لله عز وجل ، قال تعالى :

[ سورة الزمر ]

       الله أكبر ، سبحان ربي العظيم ، ففي الصلاة فيها أذكار قولية ، ولكن هذه الأذكار القولية قصدُها وهدفها أن يصل هذا الذكر إلى القلب ، اللسان يفنى ، أما القلب فيبقى ، يقول تعالى :

[ سورة الشعراء ]

      فكلما انتقلت هذه الأذكار من اللسان إلى الجَنان فقد أفلحت ونجوت .

المعنى السادس :

شيء آخر ، الصلاة ذكر بمعنى ، أنك إذا صليت فأنت ذاكر لربك .

قد تجلس مع إنسان تراه نسي الصلاة ، هو يصلي ، لكن إذا وجد حديث مُمتع ، أو كان في قضية ، أو حل مشكلة ، أو اجتماع ينسى الصلاة ، لمجرد أن تنسى الصلاة فأنت ضعيف الاهتمام بربك ، لكن الإنسان إذا بادر إلى الصلاة في وقتها ، ولم تشغله أعماله عن صلاته ، فمجرد أن تأتي الصلاة فأنت ذاكر لله عز وجل ، ] وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ ز

إذا أردت أن تفعل شيئاً ، أن تنجز عملاً ، أن تكتب رسالة ، أن تعقد اجتماعاً ، أن تجري محاسبةً ، فلا تنسَ أن ذكر الله أكبر ، فإذا شغلت بهذا العمل ، وسهوت ، وتفاعلت مع هذا العمل ، ونسيت الصلاة ، لم يعد عندك ذكر الله أكبر ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام فيما ترويه السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تقول :

(( كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ )) .

[ البخاري ]

من شدة تعظيمه للصلاة .

] وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ .

 

Text Box: علاقة الآية : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ بختامها : وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
 

 

 

لكن لو تساءلتَ أيها الأخ الكريم : ما علاقة قول الله عز وجل :

] وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45) [ .

      ما من كلمة مناسبة لهذه الآية من قول الله عز وجل : ] وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ  [، يعني يا عبدي ، إنني أرى عملك ، فإن كان عملك صالحاً أعانك على أن تذكرني ، وإن ذكرتني ذكرتك ، وإن كان عملك سيئاً حجبك عن أن تذكرني ، وإن لم تذكرني لا أذكرك .

إذاً : أن يأتي الله عز وجل بقوله :

] يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45) [ .

        شيء مهم جداً ، يعني أن عملك أيها العبد هو سبب صلاتك ، وعملك سبب حجابك ، إن كان عملك كريماً أْكَرمَك ، وإن كان لئيماً أَسْلمك ، فانظر إلى عملك .

كل إنسان بإمكانه أن يدخل إلى قاعة الامتحان ، ويجلس على كرسي ، وأن يمسك بقلم وأمامه ورقة ، أما إذا لم يكن قد درس ، فما قيمة هذا الجلوس ؟ وما قيمة هذه الأقلام ؟ وما قيمة هذه الأوراق والمسودات ؟ فالقضية قضية عمل ، فمن كان عمله طيباً رأى أن الطريق إلى الله سالك ، وأن إقباله على الله سهل ، وأن اتصاله بالله محقق ، وأنه يكتشف أن الصلاة أسعد ما في الحياة ، ومن كان عمله سيئاً ، من ظلم الناس ، واعتدى عليهم ، وأكل أموالهم ، وغشهم ، واحتال عليهم ، واستعلى عليهم ، وأهانهم ، إن هذا الإنسان لا يستطيع أن يذكر الله عز وجل ، فلذلك إذا أردت أن تقيم الصلاة فافحص عملك  .

 

Text Box: الإعداد لكل صلاة بالاستقامة الكاملة :
 

 

يجب أن تَعدّ للصلاة بعد أن تنتهي منها ، تعد للصلاة القادمة ، فمن صلاة الفجر وحتى صلاة الظهر يجب أن تعد لصلاة الظهر ، تعد بغض البصر ، تُعد بالصدق ، تعد باستقامة اللسان ، تعد بضبط الجوارح ، تعد بأن لا تقع في غيبة ، ولا نميمة ، ولا بهتان ، ولا فحش ، ولا كذب ، ولا تدليس ، ولا كبر ، ولا استعلاء ، ولا طغيان ، ولا عدوان ، ولا مجاوزة ، ولا احتقار  ولا سخرية ، هكذا ، مادام هناك ضبط للجوارح ، واللسان ، للقلب ، إذا أذن الظهر فقد أقمت الصلاة ، هذه الساعات الطويلة التي أمضيتها في طاعة الله وخدمة خلقه تعينك على أن تصلي.

أذن الظهر ، وصليت الظهر ، الآن تهيئ نفسك لصلاة العصر عن طريق الضبط والخدمة ، والعمل الصالح ، لذلك ما من كلمة أروع من أن تكون ذيلاً لهذه الآية من كلمة :

] وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45) [ .

الله عز وجل يرى ، وإنك ـ أيها العبد ـ مكشوف أمامه ، قال تعالى :

[ سورة القيامة ]

       إنك مكشوف أمام نفسك ، فكيف أمام الله عز وجل الذي يعلم السر وأخفى ، ويعلم ما خفي عنك ، يعلم السر ، ويعلم ما يخفى عنك ؟

أيها الإخوة الأكارم ، الصلاة عماد الدين ، من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ، وكل ثمار الدين تجنونها في الصلاة .

عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : قَالَ : مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ : لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( يَا بِلَالُ ، أَقِمْ الصَّلَاةَ ، أَرِحْنَا بِهَا )) .

[ أبو داود ، أحمد ]

عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ )) .

[ النسائي ]