English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت ( 29 ) : 14/16 ـ 04/01/1991 ـ الآيات [ 47 ـ 52 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع عشر من سورة العنكبوت ، وصلنا في الدرس الماضي بتوفيق الله إلى قوله تعالى :

[ سورة العنكبوت ]

 

Text Box: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ 
 

 

يعني كما أنزلنا على موسى التوراة ، وعلى عيسى الإنجيل ، وعلى داود الزبور ، كما هو شأن الله عز وجل في إرسال الرسل ، وإنزال الكتب كذلك أنزلنا إليك الكتاب ، أي هذا القرآن ، وإذا سماه الله قرآناً فلأنه يُقرأ ، وإذا سماه كتاباً فلأنه مكتوب .

] وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ [ .

هؤلاء أهل الكتاب لهم أنبياء ، لهم كتب يعرفون بها ما الوحي ، وما الكتاب ، وما النبي ، وما المعجزة ، هذا شيء يعرفونه ، وشيء يألفونه .

 

Text Box: فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ 

 

ومن هؤلاء العرب ، ومن هؤلاء من يؤمن به ، هؤلاء الذين ليسوا أهل كتاب ، بل  هم مشركو مكة ، ومِن هؤلاء من يؤمن به .

إذاً : كذلك يعني كما أنزلنا على موسى التوراة ، وعلى داود الزبور ، وعلى عيسى الإنجيل ، ] وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ [ ، أيْ هذه سنة الله في خَلقه أن لا يدع عباده بلا أمر ، ولا نهي ، ولا تعريف  ولا توجيه ، ولا إرشاد ، ولا تبين ، ولا إخبار ، ولا إنذار ، ولا إعذار ، ولا وعد ، ولا وعيد ، هذا شأن الله ، شأن رحمته ، شأن حكمته ، شأن حرصه على هداية الناس ، شأن أنه خلقهم ليرحمهم  ، خلقهم ليسعدهم .

من لوازم رحمة الله عز وجل ، من أسماء الله الحسنى أنه هو الهادي ، وبشكل مبسط وتمثيل بسيط : إذا رأى الأب ابنه في طريق غلط فلا يمكن لأب أن يسكت ، لابد من أن يوجه ، لابد من أن يُحذّر ، لابد من أن يُعلّم ، من أن يبين ، فالمسؤولون يشقون طريقاً ، وبعد شق الطريق يضعون اللافتات رحمةً بمن يمر على الطريق ، هنا منعطف خطر ، وهنا منزلق خطر ، وهنا طريق ضيقة ، وهنا تقاطع خطر ، وهنا قطار سيعبر الطريق ، ما هذه اللافتات ، ما هذه الشاخصات إلا رحمة بهؤلاء المارة ، بأصحاب المركبات ، لئلا يصابوا بالأذى والهلاك .

شأن الخالق العظيم أنه لا يَدَع خلقه معطلِّين عن الأمر والنهي ، لا يدَع خلقه بلا توجيه ، بلا تعريف ، بلا تبيين ، بلا أمر لصالحهم ، بلا نهي عما يؤذيهم ، بلا وَعد يبشرهم ، بلا وعيد يخوفهم بلا بيان لحقيقة الكون ، وحقيقة الحياة ، وحقيقة الإنسان بلا إشارة إلى الماضي السحيق ، بلا تعريف بما ينتظر الإنسان في المستقبل البعيد ، هذا كله من شأن الله عز وجل .

] وَكَذَلِكَ [ ، يعني كما أنزلنا على موسى التوراة ، وعلى عيسى الإنجيل ، وكذلك أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن ، لأن هذا من شأن الله ، هكذا تقتضي رحمة الله .

عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :

(( .... يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ، يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ ، يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي ، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ )) .

[ مسلم ـ الترمذي ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ الدارمي ]

] وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [ .

ينبغي أن يؤمنوا به ، لأنهم أصحاب كتاب يعرفون ما النبي ؟ وما الوحي ؟ وما الكتاب ؟ وما الشرع ؟ ومن بعض هؤلاء العرب المشركين مِن أهل مكة مَن يؤمن به ، مَن حَكَّم عقله ، وأدرك أن هذا النبي إنما هو نبي من عند الله ، وأن هذا القرآن كلام الله ، فيؤمن به .

 

Text Box: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ

 

هذا الذي يرفض الإيمان ، هذا الذي يجحد آيات الله في الكون ، وآيات الله في القرآن ، إنما هو كافر بنعمة الله ، ما عرفها ، وما قدرها حق قدرها ، الآية الأساسية في هذا الدرس قوله تعالى :

 

Text Box: حكمةُ اللهِ في أُمِّيَةِ النبي عليه الصلاة والسلام :

 

] وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48) [ .

النبي عليه الصلاة والسلام أميٌ ، هكذا وصفه الله عز وجل ، وقد لا يرتاح المسلم بسذاجة إلى أن النبي أميٌ ، إن عظمة النبي تكمن في أنه أمي ، لماذا ؟

لو أن الله سبحانه وتعالى جدلاً أو فرضاً جعله يقرأ ويكتب ، لو أن هذا النبي الكريم تعلّم القراءة والكتابة ، وقرأ ثقافة عصره ، واستوعب ما في هذا العصر من ثقافة ، والثقافة تعني خبرات البشر المتراكمة ، ثقافة أية أمة ، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ ، ويكتب ، وقد استوعب ثقافة عصره كما هو الوصف لبعض العباقرة ، أو لبعض المبدعين ، أو لبعض الأدباء ، أو لبعض العلماء ، يقولون : إنّ فلاناً قد استوعب ثقافة عصره ، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام استوعب ثقافة عصره ، وكان يقرأ ، ويكتب ، ولو اطلع على ما في الكتب ، وما في الحضارات ، ثم جاءه الوحي ، إن أيّ إنسان سيسأله كل يوم ، وفي كل وقت ، مع كل كلمة يتلوها على قومه ، يا رسول الله ، أهذه من عندك أم من الوحي ؟ يختلط الوحي بالثقافة ، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ ، ويكتب ، وقد استوعب ثقافة العصر لجعل الناس الوحي دراسةً ، لجعل الناس الوحي ثقافةً ، لجعل الناس الوحي اطّلاعاً ، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ ، ويكتب لتوصلنا بهذا إلى إنكار نبوة النبي ، وإلى إنكار الوحي ، ولكن حكمة الله جل وعلا شاءت أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام أمياً .

ولا يذهبن بكم الظن أن كلمة أُمّي تعني أنه لا يعلم ، لا ، قد يأتينا طبيب من أرقى فروع الاختصاص ، ولكنه يجهل لغتنا جهلاً مطبقاً ، فهو في لغتنا أُمّي ، وهو يمثل أعلى درجات العلم ، وكلمة أمي تعني أنه لا يقرأ لغة .

أنا أحياناً حينما أُمسك ورقة تخطيط قلب لا أفهم منها شيئاً ، فأنا أُمّي في هذا ، أما إذا قرأها طبيب فيقول : القلب سليم ، أو فيه اضطراب ، أو فيه اضطراب في النظم ، أو ما شاكل ذلك .

لذلك معنى أمي :

يا أيها الأمي حســـبك رتبـةً    في العلم أن دانت لك العلماءُ

***

 

Text Box: كلما ارتفعت قيمة المعلِّم ارتفعن قيمة التلميذ :
 

 

الآن إنسان يحمل ليسانس أو ماجستير في الشريعة ، يأخذ بعض الأحاديث الشريفة فيدرسها ، ويحللها ، ويدرس صيغها ومضامينها وأبعادها ، يؤلف كتيباً صغيراً ، يمنح على هذا الكُتَيب لقب دكتور ، لأنه فهم بعض أحاديث النبي ، فلذلك إذا قلنا : إن النبي أمي يجب أن نقول : ولكن يوحى إليه ، من الذي يوحي إليه ؟ إذا قلنا : إن فلاناً تلميذ فلان ، كلما ارتفع المدرس ارتفع معه التلميذ ، أنا أستاذي فلان ، هؤلاء الأطباء قد يقولون : أنا فلان الفلاني البروفيسور الفلاني ، الذي أجرى عشرة آلاف عملية قلب مفتوح هو أستاذي ، كلما رفعتَ من قيمة الذي علّمك ترتفع معه ، من الذي علم النبي عليه الصلاة والسلام ؟ إنه الله سبحانه وتعالى ، وكفى بنبينا شرفاً وفخراً أن الله أوحى إليه .

لذلك مرةً جرت مناقشة بين أناس لا يقدّرون أُمّية النبي وأناس يعرفونه قدره حق القدر ، فقالوا : أنتم نبيكم أمي ، فكان الجواب : ولكنه يوحى إليه ، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى أراد أن يقطع على كل الناس ، وعلى كل المشككين ، وعلى كل الكافرين ، وعلى كل الملحدين ، أن يقطع عليهم طريق إنكار نبوة النبي ، فجعله أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، لماذا ؟ ليكون الوحي ظاهرةً جلية .

 

Text Box: ظاهرة الوحي :
 

 

أيها الإخوة الأكارم ، موضوع أمّية النبي ينقلنا إلى ظاهرة الوحي ، ظاهرة الوحي هي الأساس في الدين ، كل هذا القرآن جاءنا عن طريق الوحي ، هذا الكلام كلام الله ، بما فيه من أوامر ونواهٍ وأخبار ، وتحليل وتحريم ، وما فيه من وعد ووعيد ، ما فيه من توجيه ، كل ما في هذا الكتاب جاءنا عن طريق الوحي ، إذاً : موضوع الوحي موضوع خطير جداً في الإسلام ، لأنه على فهمه الدقيق ، وعلى اليقين به يترتب كل فهمك لكلام الله ولسنة نبيه .

أيها الإخوة الأكارم ، في الوحي شيءٌ يجب أن يُعلم عِلماً يقينياً ، هو أن ظاهرة الوحي تتمثل في شيء و، في حقيقةٍ خارجة عن إرادة النبي لا يملك جلبها ولا ردّها ، لو أنه يملك جلبها لاختلط الشيء ، لو أنه يملك ردها لاختلط الأمر ، حقيقة الوحي أن الوحيَ مستقل تمام الاستقلال عن كيان النبي ، لا يملك جلبها متى شاء ، ولا ردها متى شاء ، لذلك عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ :

(( كَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ ، فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ، قَالَ : وَالتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِهَا ، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : اقْرَأْ ، قُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ ... )) .

[ متفق عليه ]

ليكون هذا الوحي واضحاً وضوح الشمس أنه ليس حلماً ، وليس رؤيةً نفسيةً ، ولا خيالاً ، ولا وهماً ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ )) ، فهو ليس بنائم ، وعاد إلى البيت وهو خائف وقال :

(( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي )) .

هذا الوحي ليس حالةً نفسيةً ، ليست شفافيةً نفسيةً ، ليس رؤيةً نفسيةً يملك استحضارها متى شاء ، وردها متى شاء ، لا ، الوحي شيء خارج تماماً عن إرادة النبي ، لا يملك جلبها ، ولا ردها .

هذا معنى دقيق جداً ، لأن موضوع الوحي ، وموضوع أمّية النبي موضوعان متكاملان ، النبي عليه الصلاة والسلام لأنه أمي إذاً فهو مقطوع عن ثقافة عصره كلياً ، فكل ما جاء به ما هو إلا وحي يوحى .

 

Text Box: بعض الدلائل على ظاهرة الوحي :
 

 

 

عندنا بعض الدلائل التي تبرز ظاهرة الوحي ، لا على أنها كما يدّعي بعض المستشرقين رؤية نفسية ، ولا على أنها شفافية ، ولا على أنها شيء أَلِفه النبي عليه الصلاة والسلام ، أو أحد فروع عبقريته ، لا ، ظاهرة الوحي ظاهرة مستقلة استقلالاً تاماً وخارجةً عن كيان النبي عليه الصلاة والسلام .

الدليل الأول :

أول دليل على ذلك : أن هناك فَرقاً كبيراً جداً بين أسلوب القرآن و أسلوب النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف ، أليس كذلك ؟ لمجرد أن تقرأ آيةً تقول : هذا قرآن ، ولمجرد أن تقرأ حديثاً شريفاً تقول : هذا حديث ، هناك بون شاسع ، وفرق كبير ، وتمايز واضح بين أسلوب القرآن وأسلوب النبي عليه الصلاة والسلام هذا أولاً .

لو أن الوحي شيء من عند النبي كما يدعي الكفار ، أو كما يدعي أعداء الإسلام ، الوحي كان ينقطع ، ويتألم النبي أشد الألم ، وينتظر الوحي انتظاراً ممضاً ، ولا يأتي الوحي ، ماذا يعني ذلك ؟ لو أن الوحي شيء من عند النبي لجاء به كما شاء .

الدليل الثاني :

عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ :

(( تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ تَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكَلَ شَبَابِي ، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي ، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي ، وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ : ] قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [ )) .

[ ابن ماجه ]

ماذا قال ؟ قال : ما أظن إلا أنك قد بِنت منه ـ أي هذا طلاق لقد طلقكِ طلاقاً فيه بينونة كبرى ـ فجاء الوحي بحكم آخر .

كان عليه الصلاة والسلام يُسأل فلا يجيب ، وينتظر الوحي ، حينما اتّهم المُرجفون في المدينة ، اتهموا أمهم أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ما اتهموها به ، والأمر معروف عندكم ، أصاب النبي غم شديد ، هذه الزوجة الطاهرة بنت أحب الناس إليه تُتّهم تتهم في عفتها ، ماذا فعل النبي ؟ تأخر الوحي شهراً بأكمله ، فالوحي حقيقة مستقلة عن مشيئة النبي لا يملك جلبها ولا دفعها ، وحينما جاء جبريل النبي عليه الصلاة والسلام وارتعد منه خوفاً ، وقال : (( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي )) ، وحينما ضمه ضمةً ، وحينما انقطع الوحي فقال الله عز وجل :

[ سورة الضحى ]

هذا كله يؤكد أن الوحي شيء لا علاقة للنبي به ، إنما هو خارجي عنه يأتيه بمشيئة الله وينقطع عنه بمشيئة الله .

الدليل الثالث :

شيء آخر ، لو أن هذا الوحي من عند النبي لما ذكر النبي العتاب هناك عتاب في أماكن متعددة من كتاب الله ، قال تعالى :

[ سورة عبس ]

[ سورة التوبة ]

إذاً : جاء الوحي بتوجيه مخالف لاجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام ، وفي هذا ما يؤكد على أن الوحي ظاهرة مستقلة عن النبي عليه الصلاة والسلام .

الدليل الرابع :

كلكم يعلم أن السيدة امرأة عمران ، هذه المرأة المؤمنة التي قال النبي نقلاً عما قالته :

[ سورة آل عمران ]

والقصة معروفة ، وكانت موضوع الخطبة اليوم  ، قال تعالى :

[ سورة آل عمران ]

هذه الحادثة ما تعرفها أنت ، وأنت أميٌ ، وما أخبرك أحد بها ، أما : ] وَمَا كُنْتَ لَدَِيْهِمْ [ لها تفسير رائع جداً :

 النبي عليه الصلاة والسلام لا يقرأ ، لا يقرأ كتاباً ، ولم يكن معهم حينما وقعت لهم هذه الحادثة التي وقعت قبل مئات السنين ، أليس هذا دليلاً على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ لذلك هذه الآية التي قالها الله عز وجل :

] وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [ .  

أنت لا تقرأ ، ولا تكتب ، ولكن قد يسأل سائل : كيف قال الله عز وجل :

[ سورة العلق ]

 

Text Box: إشكالات مدفوعة ، وأوهامٌ مرفوعة :
 

 

 

الإشكال الأول :

كيف يأمر أن يقرأ ، وهو لا يقرأ ؟ الجواب سهل جداً :

القراءة أيها الإخوة إما من كتابٍ ، وإما من محفوظٍ ، النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يقرأ من كتاب ، أما قوله تعالى :

[ سورة الأعلى ]

لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ، أنت حينما تقف بين يدي الله عز وجل ألا تقرأ فاتحة الكتاب أمياً كنت أم متعلماً ، فالقراءة من المحفوظ هذه القراءة لا علاقة لها بهذه الآية ، ولكن المقصود في قراءة هذه الآية أن تقرأ من كتاب .

] وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48) [ .

الإشكال الثاني :

أمّا ورد في السنة المطهرة من أحاديث يُشم منها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرف القراءة والكتابة فأكثرها ضعيف بل موضوع ، وإذا قيل : إن النبي كتب فهذا بمعنى أمر بالكتابة ، ألا تقول مثلاً : إن فلان بنى هذا البناء ، يعني أمر ببنائه ، فلان رجل كبير ما عرف موقع البناء ، إذا قلت : فلان أقام هذا البناء ، أي سمح بإنشائه ، أو أمر بإنشائه أو موَّله ، فإذا ورد في السنة الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام كتب بمعنى أنه أمر بالكتابة ، ألا نقول : الملك الفلاني كتب إلى الملك الفلاني ، فهل هو كتب ؟ هو أعطى توجيهاً ، وهناك من كتب له .

إذاً : أي حديث ورد في السنة يفهم منه أن النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ ويكتب فهذه الأحاديث أكثرها ضعيف ، وبعضها موضوع ، أما ما كان منها صحيحاً فهو بمعنى أنه أمر بالكتابة ، وعلى كلٍ الذي لا يقرأ ولا يكتب لا يغيب عنه أن هذا كلام يكتب ، وأن هذا حرف طويل ، وأن هذا حرف مطموس ، هذه الأشياء لا تنافي أمية النبي عليه الصلاة والسلام ، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ ويكتب قال تعالى :

]إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48) [ .

هؤلاء المشككون ، هؤلاء المنكرون لنبوة النبي يتخذون من تعلمه القراءة والكتابة مطعناً في نبوته ، أساساً ماذا يقول أعداء النبي وأعداء المسلمين ؟

إن الراهب بحيرا علمه كل شيء في هذه الزيارة العابرة ، فكيف إذا كان يقرأ ويكتب ؟

Text Box: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

 

قال تعالى :

]بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [ .

هذه الآية دقيقة جداً أيها الإخوة ، ومما يدل على أنك عالم ، ومما يدل على أنك أوتيت العلم أن ترى أن هذا الكلام كلام الله ، وما دور النبي عليه الصلاة والسلام إلا دور المبلغ الأمين ، هذا كلام الله ، بل أبلغ من ذلك كما قال سيدنا سعد : << إذا كنت ممن أوتيت العلم ترى أن حديث النبي عليه الصلاة والسلام حق من الله تعالى >> ، تنفيذاً أو فهماً دقيقاً ، لقوله تعالى :

[ سورة النجم ]

إذاً : كلما ارتقى مستوى علمك ، كلما ارتقى مستوى إيمانك ترى إعجاز هذا القرآن ، ترى أن هذا القرآن كلام الله عز وجل ، قال تعالى :

]بَلْ هُوَ آيَاتٌ [ .

هذا القرآن ليس من عند النبي ، ولا من عبقريته ، هناك من يضفي على النبي صفات العبقرية والإبداع ، هو كذلك ، ولكن يتوصلون من ذلك إلى إنكار نبوته ، يقولون : هو عبقري ، مصل        كبير ، عنده نفس شفافة ، تراءى له ما يصلح أمته من بعده ، هذا كلام فيه لغم ، هذا كلام فيه مطبّ كبير ، النبي عليه الصلاة والسلام رسول الله جاءه الوحي من عند الله فنقله بأمانة بالغة كما جاءه .

قال تعالى :

]بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [ .

القرآن الكريم آياته واضحة بينة في صدور الذي أوتوا العلم ، إذاً : من هو الذي يعلم ؟ في آية أخرى قال تعالى :

[ سورة آل عمران ]

Text Box: كيف يُعْرَف الرجل أنه من أولي العلم ؟!

 

 يا أيها الأخ الكريم ، إذا رأيت يد الله هي المسيطرة ، وهي الفعالة ، ولا يد سواها ، إذا رأيت أنه لا إله إلا الله ، لا معبود بحق ، لا رافع ولا خافض ، ولا معز ولا مذل ، ولا معطي ولا مانع ، ولا رازق ولا باسط ولا خافض ، إذا رأيت ذلك فأنت من أولي العلم ، لقول الله عز وجل :

[ سورة آل عمران ]

 

ويجب أن ترى مع وحدانيته في التصرف يجب أن ترى عدالته حتى تكون من أولي العلم ، إذا رأيت وحدانيته في ألوهيته ، ورأيت وحدانيته في ربوبيته ، ورأيت وحدانيته في الخلق ، ورأيت وحدانيته في الأمر ، ورأيت عدالته ، ورأيت أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى فأنت من أولي العلم هذا شاهد .

الشاهد الآخر ، إذا رأيت هذا الكلام كلام الله ، وأنه كلام معجز في نظمه ، معجز في تشريعاته ، في بلاغته ، في أخباره ، في وعده   في وعيده ، في حقائقه العلمية ، في أساليبه التربوية ، إذا رأيت هذه الرؤية فأنت أيضاً من أولي العلم ، قال تعالى :

]بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ(49) [ .

هناك قوله تعالى :

]وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ(47) [ .

الكافر هو الذي أعرض عن الله عز وجل ، والكافر هو ظالم لنفسه حرمها كل خير ، قال تعالى :

 

Text Box: طلبُ الكفار من الرسول الآيات الحسية :

 

]وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ [ .

يبدو أن الذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يطلبون منه المعجزات .

النبي صالح فتق الجبل فظهرت منه ناقة ، هؤلاء الذين كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام تساءلوا لمَ لمْ يأتِ النبي بآية من هذه الآيات ؟

الحقيقة هذه آيات حسية ، والنبي عليه الصلاة والسلام جاء بمعجزة عقلية ، والآيات الحسية تتناسب مع طفولة البشرية ، بينما الآيات العقلية تتناسب مع تطورها ، ومع تقدمها ، الآيات الحسية لا يراها إلا من عاصرها ، وبعدئذٍ تصبح خبراً يُصدَّق أو يُكذَب ، أما الآيات العقلية فهي معجزة النبي الخالدة ، وأنت بعد ألف عام وزيادة تقرأ الكتاب ، فترى إعجازه ، وإذا رأيت إعجازه آمنت برسالة النبي عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى :

]وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ [ .

لو أن النبي جاء بآية

Text Box: جواب النبي لقومه : قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ

 حسية ظاهرة كما جاء موسى وعيسى والنبيون من قبله فماذا أجابهم النبي بأمر الله ؟ قال تعالى :

]قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ [ .

الله هو الذي اختار هذه الآية ، ولم يختر آية حسية ، هو الحكيم ، هو القدير ، أنا لا شأن لي بذلك ، أنا لا أملك جلباً ولا دفعاً ، ولا نفعاً ولا ضراً ، قال تعالى :

]قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)[ .

أنا في الحقيقة لا أزيد على أنني كُلفت من قِبل الله عز وجل أن أنذركم عذاب يوم عظيم ، وأُبيّن لكم موجبات هذا الإنذار ، أنا أنذركم ، وأُبين لكم ، هذا حجم النبي عليه الصلاة والسلام ، ليس في إمكان النبي أن يأتي بآية ، ليس بإمكان النبي أن يبدل آية مكان آية ، ليس بإمكان النبي أن يقترح على الله شيئاً ، قال تعالى :

]وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ(50) [ .

قال تعالى :

]وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ [ .

 هو الذي يملكها ، وهو الذي اختار لكم هذه الآية :

]وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ(50) .[ .

 

Text Box: كفى بالقرآن آيةً ومعجزة :

 

قال تعالى :

]أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [ .

ألا يكفيهم هذا القرآن معجزة ؟ هذا القرآن في حلاله وحرامه ، في أمره ونهيه ، في وعده ووعيده ، في أخباره وفي قصصه ، في أمثاله وفي حِكمه ، في ذكره عن الأقوام السابقة ، في ذكر المغيبات عن الإنسان ، هذا القرآن بهذه الصياغة وبهذا النظم وبهذا الإعجاز وبهذه الفصاحة وبهذه البلاغة .

]أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[ .

 

Text Box: القرآن رحمة وذكرى وشفاء :

 

هذا الكتاب رحمة كبيرة ، ولذلك القرآن الكريم ذكر شفاءَين : العسل فيه شفاء للناس لأجسامهم ، والقرآن شفاء لما في الصدور ، فذا أردت أن يشفى جسمك فتناول العسل ، وإذا أردت أن تشفى نفسك فاقرأ القرآن ، ولم يرد لفظ الشفاء في القرآن إلا في موضعين ، في موضع شفاء الأجسام ، وموضع شفاء النفوس ، قال تعالى :

[ سورة الإسراء ]

]أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[ .

المؤمن يكون القرآن له ذكرى ، فإذا طبقه يكون له رحمة ، أما الآية التالية فدقيقة جداً في فهمها ، قال تعالى :

 

Text Box: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا

 

]قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا [ .

الله جل في علاه يشهد لي أن هذا الكلام كلامه ، بربكم كيف يشهد الله بذلك ؟ الله في عُلاه يشهد لي ، وتكفيني شهادته أن هذا الكلام كلامه ، وليس من عندي .

محور الآيات اليوم كله إثبات أن هذا القرآن كلام الله ، ليس من عند النبي ، إن هو إلا وحي يوحى ، لأنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، كيف ؟ بعض الأمثلة :

الله سبحانه وتعالى يقول :