English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت (29) : 15/16 ـ 11/01/1991 ـ الآيات [ 52 ـ 59 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين  .

        أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس عشر من سورة العنكبوت ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

 

Text Box: من معاني شهادة الله بأحقية القرآن ورسالة النبي العدنان :

 

        هذه الآية أيها الإخوة لها معانٍ كثيرة ، في الدرس الماضي تحدثت عن بعض معانيها .

المعنى الأول :

        المعنى الآخر : هو أنك إذا كنت على حق ، يكفيك طمأنينة أن الله يعلم ذلك ، يكفيك شعوراً بالأمن والراحة أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، فإذا وحّد الإنسان استراح قلبه ، وإذا أشرك أصابه عذاب شديد ، لقول الله عز وجل :

( سورة الشعراء )

        إن أعلى أنواع العلم أن توحد الله عز وجل ، نهاية العلم التوحيد ، إن كذبوك ، إن كنت على حق ، وهناك من سَخِر منك ، إذا كنت على حق ، وهناك من استخف بآرائك ، إذا كنت على حق ، والله سبحانه وتعالى راض عنك ، وهناك من يشكّك فيك ، هذه آية دقيقة جداً . 

        لماذا ؟ لأن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، هو العليم ، لهذا يقول الإمام علي كرم الله وجهه : << من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به >> .

        حينما لا تستطيع أن تقنع الآخرين بأنك على حق ، أو حينما يتعنت الآخرون ، حينما يجحد الآخرون ، حينما ينكر عليك الآخرون ، كفاك فخراً وطمأنينة وشعوراً بالإنصاف أن الله يعلم نياتك ، ويعلم أنك على الحق .

( سورة الأنعام )

        هذا معنى آخر من معاني قوله تعالى : 

 

المعنى الثاني :

        هو أن النبي عليه الصلاة والسلام رسول الله ، من الذي يشهد للنبي عليه الصلاة والسلام أنه رسول الله ؟ الله سبحانه وتعالى ، كيف شهد الله لسيدنا موسى أنه رسوله ؟ أعطاه معجزات ، أمسك بالعصا فإذا هي ثعبان مبين ، ونزَع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ، ضرب بعصاه البحر فإذا البحر طريق يبس ، هذه المعجزات الحسية شهادة الله عز وجل لرسوله موسى عليه السلام أنه نبيه ، وحينما أحيى سيدنا عيسى الميت ، وحينما أبرأ الأكمه والأبرص ، شهد الله عز وجل لسيدنا عيسى أنه رسوله ، فكيف شهد الله عز وجل لنبينا عليه الصلاة والسلام أنه رسوله ؟ لا بد من أن يعطيه شيئاً لا يستطيعه البشر ! لا بد من أن يكون معه دليل من خالق البشر ، إن معجزات الأنبياء السابقة كانت معجزات حسية ، والمعجزات الحسية تنقضي بانقضائها وتصبح خبراً ، فإما أن يُصّدق ، وإما أن لا يصدق ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لكرامته على الله عز وجل ، ولأنه سيد الأنبياء والمرسلين ، ولأنه سيد ولد آدم ، ولأنه سيد الخلق وحبيب الحق ، أكرمه بمعجزة من نوع آخر ! أكرمه بمعجزة خالدة ، بإمكان أي إنسان جاء بعد النبي أن يكتشف بالدليل القطعي أن سيدنا محمداً هو رسول الله من خلال هذه المعجزة التي بين أيدينا ، معجزة النبي عليه الصلاة والسلام لم تكن معجزة حسية وقعت ، وانقضت ، وأصبحت خبراً يصدق أو لا يصدق ، إنها معجزة خالدة إلى يوم القيامة .

        الرسول الكريم قال : (( ألا ترضون أن يشهد الله لي بأني رسوله ؟! )) .

[ ورد في الأثر ]

          كيف ؟ هذا الكتاب الذي بين أيديكم .

( سورة الإسراء )

        القضية متسلسلة ومنطقية ، ما الذي يشهد لنا أن هذا الإنسان هو رسول الله ؟ إنه القرآن ، وما الذي يؤكد لنا أن هذا الذي بين أيدينا كلام الله ؟ هو الإعجاز ، إذاً بإمكانك عن طريق قراءة القرآن وتدبره ، والتأمل فيه أن تكتشف إعجازه ، فإذا اكتشفت إعجازه كان هذا القرآن دليلاً لك على أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم هو رسوله ، فإذا كان القرآن كلامه ، والنبي رسوله ، إذاً أنت ليس لك إلا أن تذعن لأمر الله عز وجل ، لذلك كل ما جاء به القرآن ، وكل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو من عند الله ، فإما أن تكون عبداً لله ، وإما أن تأبق عن عبادته !


( سورة غافر )

        إن الطبيب مسموح له أن ينظر إلى أحد أعضاء المرأة لمعالجته ، لو أن عين الطبيب نظرت إلى مكان آخر لا يبعد عن المكان الأول إلا بعشرين سنتيمترا ، هل في الأرض كلها جهة تستطيع كشف خيانة هذه العين ؟ لا ، لكن الله سبحانه وتعالى قال :

     العين قد تخون ، قد تنظر إلى ما ينبغي ، قد تجعل بؤرة النظر إلى مكان آخر غير العضو الذي يعالجه الطبيب ، إذاً الله سبحانه وتعالى وحده يعلم ، يعلم كل شيء ، يعلم خائنة الأعين ، يعلم ما تخفي الصدور، يعلم السر ، ويعلم ما هو أخفى من السر ، هناك علانية تُعلنها ، وهناك سر تخفيه ، وهناك شيء يخفى عنك أنت ! إن الله يعلمه .

 

المعنى الثالث :

        الكتاب بإعجازه يشهد لنا أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو رسوله ، والنبي عليه الصلاة والسلام يحدثنا عن ربه يقول كذا ، وكذا ، وكذا ز

المعنى الرابع :

        المعنى الذي طرحته في الأسبوع الماضي : إن هذا القرآن أيضاً إذا شئت أن يشهد الله لك أنت أيها المؤمن أنه كلامه فإليك التفصيل !

     طبّق آية من آياته ، نفّذ أمراً من أوامره ، ثم انظر كيف أن الأحداث الخارجية ، وكيف أن القضاء والقدر يتجه لتحقيق الوعد الذي وعدك الله إياه في القرآن ! وسقتُ على هذا آيتين في الأسبوع الماضي .

( سورة النحل )

     الحياة الطيبة التي هي من قدر الله عز وجل إنما هي شهادة الله لك ـ أيها المؤمن ـ أن هذا القرآن كلامه ، والمعيشة الضنك التي هي من قدر الله تعالى ، هي شهادة الله لك ـ أيها المؤمن ـ أن القرآن حق .

( سورة طه )

     إذاً : هناك إعجاز في القرآن ، وهناك تأويل القرآن ، والتأويل هنا بمعنى خاص ، وهو أن يقع الوعد والوعيد ، وقوع الوعد والوعيد هو  تأويل القرآن ، إذا دُمّر مال المرابي فهو تأويل آية الربى ، إذا نما مال المتصدق فهو تأويل آية الصدقة ، إذا حفظ المال من التلف هو تأويل آية الزكاة ، إذا نجح الإنسان في الحياة في شتى الميادين هو تأويل قوله تعالى :

( سورة طه )

     طمأنينة المؤمن التي يتميز بها عن الآخرين هو تأويل الله لقوله تعالى :

( سورة فصلت  )

        حينما يأتيك رزق من حيث لا تحتسب ، وأنت قائم على أمر الله هو تأويل قوله تعالى :

( سورة الطلاق )

 

Text Box: خلاصة طرق معرفة أن القرآن والنبي العدنان من عند الله الرحمن :

 

     لذلك الأحداث الخارجية تؤكد آيات القرآن الكريم ، إذاً إما أن تنظر في آيات القرآن الكريم فترى فيه من الإعجاز اللغوي ، والإعجاز البلاغي ، والإعجاز البياني ، والإعجاز العلمي ، والإعجاز التشريعي ، والإعجاز الإخباري ، والإعجاز التاريخي ، والإعجاز الرياضي ، والإعجاز الحسابي ، وإما أن تتأمل الأحداث ، فإذَا هي تؤكد القرآن الكريم ، الأحداث الخارجية كلها تؤكد آيات القرآن الكريم .

     لذلك قيل : إنك إذا أردت أن تعرف الله عز وجل فتأمل في آيات الله الكونية ، وتفكر فيها تتعرف إليه ، وإن أردت أن تتعرف إلى الله تعالى تأمل في آياته القرآنية ، وإن أردت أن تعرف الله تعالى انظر إلى الأحداث الخارجية ، الأحداث الخارجية تؤكد لك أنه في السماء إله وفي الأرض إله ، وآيات القرآن تؤكد أنه كلامه ، والكون يجسّد أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى .

 

Text Box: معنى علمِ الله عزوجل : يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ والأَرضِ

 

     كلمة ( يعلم ) كما قلنا في درس سابق : إن الله سبحانه وتعالى منزه حتى عن صفات الكمال التي تخطر في بالنا ، لأنه كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك ، أنت إذا رأيت هذا الكأس انتقل من هذا المكان إلى هذا المكان تقول : علمت بانتقاله ، لكن إذا أنت نقلته فهذا علم آخر ، علم الله من نوع آخر ، لا كعلم الإنسان ، فقد يراقب الإنسان شيئاً قد تحرك ، يقول : أعلم أنه يتحرك ، أعلَمُ أنه انتقل ، ولكن لا يقع شيء في الكون إلا بقدرة الله ومشيئته وبعلمه .

     فإذا قلنا : إن الله يعلم فالعلم له معنى آخر غير المعنى الذي يتبادر إلى أذهان الناس حينما يقولون : نعلم أو لا نعلم .

 

Text Box: ما هو الحق والباطل ؟

 

        ما الباطل ؟ ما تعريف كلمة الباطل ؟ الشيء الزائل ، والحق واحد ، ما تعريف الحق ؟ في الأصل الحق هو غير الباطل ، والحق هو غير اللعب ، لأن الله سبحانه وتعالى قال :

( سورة التغابن  )

        فخلق السماوات والأرض ثابت بالحق ، الحق ملازم له ، وحينما نفى الله عز وجل عن خلق السماوات والأرض أن يكون هذا الخلق باطلاً قال تعالى :

(سورة ص)

( سورة الدخان  )

        حينما نفى اللعب والبطلان عن خلق السماوات والأرض ، وأثبت أن خلق السماوات والأرض كان بالحق ، إذاً : ما الحق ؟ هو شيء مناقض للباطل ، والباطل هو الشيء الزائل ، فالحق إذاً : هو الشيء الثابت إلى الأبد ، هذا هو الحق ، اللعب هو العبث ، عمل لا جدوى منه ، أو لا هدف له ، يقول ربنا عز وجل :

( سورة المؤمنون )

( سورة القيامة )

        فخلق السماوات والأرض ليس باطلاً ، أو ليس مؤقتاً ، لم يخلق الله السماوات والأرض للفناء ، بل خلق الإنسان للبقاء ، وخلق الكون تسخيراً من الله عز وجل لهذا الإنسان كي يعرف الله عز وجل .

     إذاً : الوقفة عند كلمة الباطل ، حينما تبني جداراً بلا قواعد ، تبني جداراً بلا شاقول ، حينما يبني إنسان جداراً بلا أصول ، فإن هذا الجدار لا بد من أن يقع ، جدار بالباطل ، والباطل لا بد من أن يقع .

        أحياناً ترى بأم عينك كيف أن الباطل لا يصمد أمام الحق ، وكيف أن الباطل ينتهي ، ويتداعى كبيت العنكبوت .

 

Text Box: وَالَّذِين آمَنُوا بِالْبَاطلِ :

 

       

ما هو الإيمان بالباطل ؟

        آمن بفكرة لم ترد في كتاب الله ، آمن بحقيقة أو بنظرية مناقضة لكتاب الله عز وجل ، سلك سلوكاً بعيداً عن منهج الله عز وجل ، أحل شيئاً حرمه الله هو باطل ، حرم شيئاً أحله الله هو باطل ، سلك طريقاً بعيداً عن طريق الله عز وجل هو باطل ، اعتقد شيئاً مخالفاً للعقيدة التي جاءت في كتاب الله هو باطل .

        آمنت بالباطل عقيدة ، آمنت بالباطل سلوكاً ، آمنت بالبطل هدفاً ، آمنت بالباطل وسيلة ، أي شيء خارج عن كتاب الله وعن سنة رسول الله ، بل أيّ شيء خارج عن منهج الله هو باطل ، والحقيقة الهندسية كما تعلمون أن بين نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد ، فإذا زاح الخط عن الاستقامة التي بين النقطتين فهو خط مائل ، أو منحنٍ ، أو منكسر ، والباطل يتعدد ، أما الحق فلا يتعدد ، لهذا يقول الله عز وجل :

 

( سورة يونس )

     هناك حق ، وغير الحق ضلال قطعاً ، قال تعالى :   

        اعتقد شيئاً مخالفاً لكتاب الله ، سلك سلوكاً مخالفاً لسنة رسول الله ، أَلِفَ شيئاً لا يرضي الله ، ابتعَدَ عن شيء يحبه الله ، إذا خرج عن منهج الله اعتقاداً أو سلوكاً فقد آمن بالباطل ، فإذا آمن الإنسان أن هذا المال لا بد من أن يستثمر بفائدة ربوية ، هكذا منطق الحياة ، فقد آمن بالباطل ، وإذا استثمره بفائدة ربوية فقد سلك سلوكاً باطلاً ، فهذه الآية مطلقة ، والمطلق على إطلاقه ، وهذه الآية جامعة .

Text Box: استنباطات من قوله تعالى : أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ

 

1 – خسارة أهل الباطل شاملة للدنيا والآخرة :

 

        أحياناً حينما يستخدم الإنسان كلمة ( خسر ) أو ( خسارة ) فلا بد من أن يصفَها ، خسر ماله ، خسر جهده ، خسر وقته ، خسر شيئاً ، خسر بيتاً ، خسر زوجة ، خسر صديقاً ، لكن كلمة الخسارة في كتاب الله جاءت غير مقيدة ، لهذا إن من أشد أنواع الخسارة أن تخسر الدار الآخرة .

        إن من أشد أنواع الخسارة أن تخسر رضوان الله عز وجل ، إن من أشد أنواع الخسارة ألا تعرف عن الله شيئاً ، إن من أشد أنواع الخسارة أن تكون دنياك عريضة عامرة ، وآخرتك خربة .

        إن من أشد أنواع الخسارة أن تأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ، وقد أكلت مال هذا ، وشتمت هذا ، وسفكت دم هذا ، وعيّرت هذا ، واستعليت على هذا ، فيأخذ هذا من حسناتك ، وهذا من حسناتك ، وهذا من حسناتك ، فإذا انقضت حسنات هذا الإنسان ، ولم تفِ بما عليه طرحت عليه سيئات الآخرين فيطرح في النار ! هذه خسارة .

2 – المؤمن لا يندم على شيء مِن الدنيا :

        المؤمن لا يندم على شيء فاته من الدنيا إطلاقاً ، لأن هدفه كبير ، هدفه أن يكون في رضوان الله ، لذلك تهون عليه الدنيا ، والدنيا هينة على أهل الإيمان ، عظيمة على أهل البطلان .

3 – العاقل يراجع معتقداته :

        لهذا مما يقتضيه العقل أن تراجع كل معتقداتك :

        ـ هل تعتقد شيئاً مخالفاً لما جاء في القرآن الكريم ؟ هل تعتقد أن أصل الإنسان قرد ، مثلاً ؟ وهذا مخالف لما جاء في القرآن الكريم .

        ـ هل تعتقد أن تثمير المال بفائدة ربوية ضرورة ؟

        ـ هل تعتقد أن طبيعة العصر تقتضي الانطلاق ؟ والاختلاط والحيوية كما يدّعون ؟ هل تعتقد فكرة أو مذهباً أو نموذجاً أو سلوكاً مخالفاً لما جاء في القرآن الكريم ؟ هذا هو الإيمان بالباطل .

        ـ هل تعتقد أن المال هو كل شيء ؟ هذا هو الباطل .

        ـ هل تعتقد أن الذكاء هو كل شيء ؟ هذا باطل .

        ـ هل تعتمد على الأسباب هذا شرك ؟

        إن القضية تحتاج إلى مراجعة تصورات الإنسان ، ومعتقداته ، وما يقتنع به وتصرفاته .

 

Text Box: من صفات الأحمق والجاهل استعجالُ العذاب :

 

        دائماً من صفات الأحمق أنه يتحدى ، يستعجل ، متى العذاب ؟ ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ! هكذا يقول الكفار دائماً !

        طبعاً عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ، يقول لك : دع الله يأخذني ، ويميتني ، لا أريد هذه الحياة ، ادخل الجنة ، وأغلق الباب خلفك ، هذا استعجال للعذاب .

     هناك آية أخرى ، يقول الله عز وجل :

( سورة النحل )

Text Box: استعمال القرآن الماضي لشيء مستقبلي وأمثلة لك :

 

المثال الأول : أَتَى أمْرُ اللهِ فَلاَ تسْتَعْجِلُوه

        انظر لهذه البلاغة في الآية ، أتى كيف يستعجلونه ؟ هذا من إعجاز القرآن أتى ، لو أنك تنتظر صديقاً يقول لك : أبوك استعجله ، اتصل به بالهاتف ، قل له : تأخرت علينا ، هل يعقل أن يقول لك ابنك : لقد جاء فلان يا أبت ، تقول له : استعجله ، واتصل به بالهاتف ؟ جاء ، وانتهى الأمر ، دخل البيت ! ما معنى هذه الآية ؟ كيف أتى أمر الله ؟ وكيف ينهانا الله على أن نستعجله ؟

        في الآية إعجاز ، أمر الله لا محالة واقع ، القضية قضية زمن فقط ، وعد الله لا محالة واقع ، وعيد الله لا محالة واقع ، وعد الله بنصر المؤمنين لا محالة واقع ، وعيد الله بخذلان الكافرين لا محالة واقع ، وعد الله بحياة طيبة للمؤمن لا محالة واقع .

        إنّ أمر الله أيْ قضاؤه وقدره ، وقضاء الله وقدره إما مكافأة للمؤمن ، أو عقاب للمجرم .

        إذاً : ] أَتَى أمْرُ اللهِ فَلاَ تسْتَعْجِلُوه [ قضية وقت ، مجيئه محقق ، فالقرآن يستخدم الفعل الماضي مكان الفعل المستقبل تحقيقاً لوقوعه ، كقوله تعالى :

( سورة المائدة )

المثال الثاني : أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ النَّاسِ

        هذا القول من الله تعالى لم يقع بعد ، هذا القول يقوله هذا النبي الكريم يوم القيامة ! ولكن حينما قال الله عز وجل :

        عبر عن ذلك العلماء فقالوا : إن القرآن يستخدم الفعل الماضي مكان الفعل المضارع ، أو الفعل الاستقبال تحقيقاً للوقوع .

( سورة النحل )

( سورة العنكبوت )

        القضية ليست على استعجال هؤلاء ، لكل إنسان أجل ، هذا الأجل فيه حكمة بالغة ، هذا الأجل حكمته أن يأخذ الإنسان فيه أبعاده .

 

( سورة الملك )

Text Box: الأبعاد الحقيقية للإنسان :

 

        إنّ الإنسان أحياناً لا يأخذ أبعاده الحقيقية ، ومطامِحه ، وأهدافه ، ورغباته ، وطاعته لله ، ومعصيته لله ، وورَعه ، وتفلّته ، وصبره ، وضجره ، وحلمه ، وغضبه ، وكرمه ، وبخله لعشر سنوات ، ولا يأخذ أبعاده إلا بفترة زمنية محدودة ، لهذا يقول الله عز وجل :

( سورة فاطر )

        عشتم عمراً كافياً ، أخذتم في هذا العمر أبعادكم ، فالقضية ليست على قول زيد أو عُبيد .

        ربنا عز وجل جعل لكل إنسان أجلاً محدداً ، مثلاً يقول الطالب لأستاذه : أسقِطني في صفي أستاذ ، الآن أسقطني ! لا ، ستسقط في الفحص ، معك مدة حتى شهر حزيران ، يقول الطالب : الآن أسقطني ، وضع لي علامة الصفر ! لا ، معك فترة ما ، فأولاً : يعطى الطالب فرصة لعله يدرس ، لعله يراجع نفسه ، لعله يعود عن هذا الاستعجال ، لعله يفكر ، لعله يتراجع .

        وثانياً : هناك نظام عام لا بد من أن يمضي عام دراسي ، يأخذ فيه الطالب كل أبعاده .

        إذاً :

        ربنا عز وجل قال :

(سورة الزمر)

Text Box: احذروا المحطات السبع الحتمية :

 

        اجتماعات ، أو إلى سهرات ، أو إلى زيارات ، أو ما شاكل ذلك ، نعود وننام ، ونستيقظ ، ونذهب ، ونعمل ، ونأكل ، وننام ، إلى متى هذا النمط الرتيب ؟ إلى ما لا نهاية ؟ كل يوم أفعل إلى ما شاء الله ؟ لا ، هل الخط البياني صاعد دائماً ؟ لا ، (( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا )) ، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هناك مفاجآت في الدنيا ، والمفاجآت لا بد منها ، (( هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا )) ، فجأة جاءك المال الوفير ، هذا المال جاء على غير علم ، فاختل التوازن ، رفضت حياة التقشف ، ورفضت حياة الاستقامة ، رفضت حياة طاعة الله عز وجل ، مال وفير لا بد من أن تفعل كذا ، وكذا ، وكذا ، لا بد من أن تذهب إلى هذه الجهة ، وأن تسافر ، لا بد من أن تقتني هذا الجهاز ، وهذا الجهاز ، لا بد من أن تلتقي مع زيد أو عبيد ، لا بد من أن تسكن غير هذا البيت ، (( أَوْ غِنًى مُطْغِيًا )) ، أن يحملك المال على معصية الله ، أن يدفعك المال إلى الدنيا ، أن يدفعك المال إلى أن تعلو على خلق الله ، أن يدفعك المال إلى المعاصي والآثام ، أن يدفعك المال إلى الفجور .

        عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا : هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوِ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوِ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ )) .

( سنن الترمذي )

     يستيقظ في صبيحة أحد الأيام فإذا ماله كله ذاهب ، وليس ذلك على الله بعزيز ، (( أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا )) ، يفسد حياة الإنسان ، (( أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا )) ، يجعله في أرذل العمر ، (( أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ، أَوِ الدَّجَّالَ ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوِ السَّاعَةَ ، فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ )) .

     لذلك قال :

     العوام دائماً يستعيذون بالله من ساعة الغفلة ، فقد يتوهم الإنسان أن الله راض عنه ، وقد يكون الله غير راضٍ عنه ، الحبل مرخى ، يمرح ، ويفرح ، ويذهب ، ويأتي ، ويعود ، ويتكلم ، ويتبجح ، ويتطاول ، ويتعجرف ، ويستعلي ، ويتحدث عن نفسه ، وعن ماله ، وعن مغامراته ، وعن رحلاته ، وعن إقامته ، وعن ، وعن ، وعن .. فجأة أصابه مرض عضال !

 

Text Box: بين حياة المؤمن وحياة الكافر :

 

     أما المؤمن فلا ينتظر إلا الخير من الله عز وجل  .

( سورة التوبة )

     ما كتب الله لنا من خير ، فهناك فرق كبير بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن ، فحياة المؤمن فيها استبشار وأمل .

( سورة القصص )

     حياة الكافر فيها مفاجآت ساحقة ، فيها مفاجآت مدمرة ، فيها مفاجآت متعبة .

أول استعجال لعذاب الدنيا .