English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت (29) : 16/16 ـ 18/01/1991 ـ الآيات [ 61 ـ 69 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس عشر والأخير من سورة العنكبوت ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

Text Box: التناقض الفكري عند الكفار :

       

        هذا السؤال أيها الإخوة لو سألت أي إنسان : من الذي خلق الكون ؟ لأجابك إجابة عفوية : الله سبحانه وتعالى ! كأن الله عز وجل من خلال هذه الآية يبين التناقض الفكري الذي يقع فيه الكفار ، هم من جهة يؤمنون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق السماوات والأرض ، ومعنى خَلَقَ السماوات والأرض أي أن الأحوال التي تكون عليها الأرض بيد الله .

    إذاً : الأمطار بيد الله ، إنبات النبات بيد الله ، الينابيع بيد الله ، تكثير الحيوانات الأهلية بيد الله ، أي الرزق بيد الله ، والإنسان في أكثر اهتماماته معني بوجوده ورزقه ، فإذا كان وجودك بيد الله ، ورزقك بيد الله ، فإلى أين تذهب ؟ كيف تنصرف عن الله إلى ما سواه ؟ هذا سؤال كبير جداً .

    إذا كان هناك واحد من أهل الدنيا يقر أن هناك إلهاً غير الله ، هنا نناقشه ، أما إذا كان كل إنسان يجيب إجابة عفوية على الفطرة أن الله هو الخالق ، وهو الرب وهو المسيّر ، خلق الكون وخلق الأرض ، ومن لوازم الخلق خلق الأمطار ، وأنبت النبات ، وجعل هذا الجو ، خلق الهواء ، وخلق الماء ، كل هذا الذي نحن نستعين به ، أو تقوم عليه حياتنا إنما هو بيد الله .

    فإذا آمن الإنسان أن الله هو الخالق ، وهو المربي ، وهو المسيّر ، وأن الإنسان قائم في وجوده على فعل الله عز وجل ، فإلى أين يذهب ؟ مَن يعبد ؟ إني والإنس والجن لفي نبأ عظيم ، أخلُق ويُعبَد غيري ، وأرزق ويُشكَر سواي ، وُجودك ورزقك بيد الله عز وجل ، إلى أين تذهب ؟ إلى أين تنصرف ؟ أيةَ جهة تعبد ؟ هل من جهة في الكون كله مؤهلة أن تعبدها إلا الله عز وجل ؟ ولئن سألتَ هؤلاء الكفار المعرضين المكذبين ، هؤلاء الذين ردوا دعوتك هؤلاء الذين سخروا من هذه الدعوة :

Text Box: عظمةُ القدرةِ : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ

 

الشمس والقمر :

        لو أن الشمس انطفأت فجأة لأصبحت الأرض قبراً جليدياً ! لأصبحت الحرارة على الأرض ثلاثمئة وخمسين درجة تحت الصفر ! انتهت الحياة .

    إذاً : ربنا عز وجل جعل هذه الشمس ضياءً لنا ، ودفئًا لنا ، وجعلها تنظيماً لحياتنا ، وجعلها تعقيماً لها ، لها وظائف صحية معقِمة ، وهي تضيء لنا ، وتدفئنا ، وتنظم حياتنا .

    طبعاً عن طريق الشمس ، ودورة الأرض حول الشمس يكون الليل والنهار ، نعلم عندئذٍ عدد السنين والحساب .

    الشمس مسخرة ، والقمر مسخر ، والكون كله مسخر لهذا الإنسان ! من باب أولى أن المسخَّر له أكرم من المُسَخَّرْ ، فأنت أيها الإنسان سُخِرت لك السماوات والأرض ، فأنت موجود في الدنيا لمهمة خطيرة ، أَعَرفْت هذه المهمة ؟ إن لم تعرفها فالندامة عظيمة !

 

Text Box: لا قيمة لإيمانٍ لا تؤكده أعمال صالحة :

 

    إذا آمنت بالله فما قيمة هذا الإيمان إن لم تؤكده الأعمال ؟ ما قيمة هذا الإيمان إن لم تترك هذا الشيء امتثالاً لأمر الله ؟ وإن لم تفعل هذا الشيء تنفيذاً لأمر الله ، وإن لم تصل هذا الإنسان رغبة بما عند الله ، تصل وتقطع ، وتغضب وترضى ، وتعطي وتمنع ، وتأتمر وتنتهي ، هذه من لوازم الإيمان بالله عز وجل ، فمن لم يكن له عمل يجسِّد إيمانه بالله عز وجل فما قيمة هذا الإيمان ؟ ماذا فعلت أنت ؟ إذا كانت الشمس ساطعة ، وقلت : إنها ساطعة ، ماذا أضفت ؟ لو أنك قلت : إنها ليست ساطعة ، لكن هي ساطعة ، وإذا قلت : هي ساطعة ، فهي ساطعة ، ماذا فعلت ؟ لم تفعل شيئاً إن لم تأخذ موقفاً ، هكذا قال الله عز وجل :

(سورة الأنفال)

 

Text Box: موقفُ الإنسانِ تجسيدٌ لإيمانه :

 

    الموقف الذي تأخذه يجسّد إيمانك ، وإلا فالإيمان غير كافٍ ، كل منا يظن أنه مؤمن ، ولكن المقياس الدقيق هو أن الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله فلا قيمة له ! الإيمان الذي لا يحملك على أن تأتمر بأمر الله ، وأن تنتهي عما نهى عنه الله ، الإيمان الذي لا يحملك على أن تعطي امتثالاً لأمر الله ، وعلى أن تمنع خوفاً مما عند الله من عقاب ، الإيمان الذي لا يحملك على أن تتقرب إلى الله ما قيمة هذا الإيمان ؟ العمر ثمين جداً ، نحن في وقت عمل ، في دار الحياة الدنيا هي دار عمل وانقطاع ، فهي دار عمل وسوف تنتهي ، والآخرة دار جزاء وخلود .

    إنّ كل ثانية من حياتنا غالية جداً ، وحتى لا يقع الإنسان في أوهام يظن أنه مؤمن ، وهو ليس كذلك ، نقول له : راجع نفسك ، راجع حساباتك ، حاسب نفسك حساباً عسيراً ، حتى يكون حسابك يوم القيامة يسيراً ، راجع أيامك يَوماً يوماً ، هذا اليوم ماذا فعلت ؟ ما الشيء الذي قربني إلى الله عز وجل ؟ هل تعلمت علماً زادني قرباً من الله ؟ هل عملت عملاً زادني قرباً منه ؟ لا يرقى الإنسان إلا بشيئين : بالعلم والعمل ، هل تعلمت شيئاً من كتاب الله ؟ هل تعلمت شيئاً من حديث رسول الله ؟ هل عرفت بعض الأحكام الفقهية الضرورية في تعاملك مع الناس ؟ هذا هو العلم .

    ماذا فعلت بهذا العلم ؟ هل علمت هذا العلم ؟ هل بينته للناس ، هل رعيت أرملة ، هل رعيت مسكيناً ؟ هل عطفت على يتيم ؟ هل بررت أمك وأباك ؟ هل أحسنت إلى جيرانك ؟

النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً ، ولا بورك لي في يوم لم أزدد فيه من الله قرباً )) .

[الجامع الصغير عن عائشة بسند فيه ضعف]

Text Box: وجوبُ محاسبة النفس :

 

    هذا الذي يجيبك عفواً ، الله الذي خلقنا ، هو يسأل سؤالاً كبيراً : ماذا فعلت من أجله ؟ ما الذي يجسد إيمانك به بوجوده ، وربوبيته وألوهيته ، وبأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ؟ ماذا فعلت ؟

 

    كلام طيب ، كلام مقبول ، ولكن العمل لا يؤكده ، الشيء الذي أتمناه على كل أخ كريم أن يعلم أن الله عز وجل ينظر إلى عمله ، وإلى قلبه ، أما شكله فلا ينظر إليه .

(( إن الله لا ينظر إلى صوركم ، وإنما إلى قلوبكم ، وأعمالكم )) .

[ مسلم عن أبي هريرة]

    فلذلك على الإنسان أن يبادر إلى طاعة الله عز وجل ، وألا يرضى بإيمان لا يحمله على طاعة الله ، بل يمتحن إيمانه ، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال :

(( من قال : لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ، قال : وما حقها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله )) .

[الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال ]

    من علامة المؤمن أنه يقلق ! كما قال بعض التابعين : " التقيت بأربعين صحابياً صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم واحد إلا ويظن أنه منافق " ! أي يحاسب نفسه حساباً عسيراً ، كيف عبادتي ؟ هل هي كما يرضي الله عز وجل ؟ كيف صلاتي ؟ كيف كسبي للمال ؟ سؤال دقيق ، هذا الذي يقول لك : لا تدقق ، هو جاهل .

(سورة الحجر)

هذا الحديث الذي أتلوه عليكم كثيراً :

(( يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة ، فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام ، فيقال : خذوه إلى النار ، وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حرام ، فيقال : خذوه إلى النار ، وفريق جمع المال من حرام ، وأنفقه في حلال ، فيقال : خذوه إلى النار ، أما الذي جمع المال من حلال ، وأنفقه في حلال ، يقال : هذا قفوه فاسألوه )) .

[ ورد في الأثر]

    فأن تقول : أنا مؤمن ، هكذا على الفطرة ، بشكل عفوي ، وليس في عملك ، وفي كسبك للمال ، وإنفاقك للمال ، ولا في تجارتك ، ولا صناعتك ، ولا وظيفتك ، ولا مهنتك ، ولا حرفتك ، ولا تعاملك مع أهلك وأولادك ، وجيرانك والمسلمين ما يؤكد هذا الإيمان ، فهذا ليس بالإيمان !

        عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

             (( جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا ؟ قَالَ : أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ  )) .

(مسند الإمام أحمد )

    المؤمن قلق ، يراجع نفسه ، له ساعة يخلو بها مع ربه ، له جلسة ، يحاسب نفسه ، فيه مخالفات ، و فيه معاصٍ ، كلمة قلتها ليست مناسبة ، مبلغ من المال فيه شبهة ، حساب معلق مع زيد ، وحق معلق مع عبيد ، هل عليّ أشياء لم أقم بها وهي من الواجبات الدينية ؟ هذا الحساب الدقيق من علامة المؤمن أنه يحاسب نفسه حساباً دقيقاً .؟

 

Text Box: لا لازدواجية المعايير :

    ربنا عز وجل يظهر لنا التناقض .

        الحقيقة أيها الإخوة الأكارم ، لو أن الإنسان سار في الطريق عارياً كما خلقه الله ، أليس في هذا العمل جنون واضح ؟ ألا يظهر الإنسان بأبشع صورة لا يتمناها ؟ لو أنه سار في الطريق عارياً ، هل تصدقون أن في الحياة العقلية والفكرية ما هو أبشع من أن تسير عارياً ! إنه التناقض ، إنه ازدواجية المقاييس ، أنت حينما ترى ابنك في محلك التجاري يُزمع أن يحمل شيئاً ، فتصيح به : لا تحمل هذا من أجل ظهرك ، أخاف عليك ، فإذا كان عندك عامل ، وحمل فوق طاقته ، تقول له : أنت شاب احمل ! هذا التناقض أبشع من أن تسير عارياً في الطريق ، تناقض فكري ، أن تقيس الناس بمقياس ، وأن تقيس نفسك بمقياس ، إذا أصابتك المصيبة تقول : هذه ترقية ، فإذا أصابت غيرك مصيبة تقول : هذا عقاب ، من أدراك أنه عقاب ؟ هذا تناقض .

    أن تعامل ابنتك بطريقة لا تعامل بها زوجة ابنك في البيت ، هنا العطف والتسامح ، والتساهل والشفقة ، وهناك الحساب الدقيق ، تناقض هذا أبشع من أن تسير عارياً في الطريق !

    لذلك التناقض الذي ظهر هنا :

    كلام طيب وجيّد ، إذاً لِمَ لا تطيع الله عز وجل لِمَ لا تأتمر بأمره ؟ لِمَ تطلق لشهواتك العنان ؟ لِمَ تكسب المال من هنا أو من هنا بلا حساب دقيق ؟ لِمَ لا تقوم بالعبادات كما أراد الله عز وجل ؟ هذا التناقض .

    لذلك أيها الإخوة ، ليحرص كل منا على أن لا يتناقض مع ذاته ، ليكن صادقاً مع نفسه ، إذا كان صادقاً مع نفسه أحبه الله ، لا تستخدم مقاييس متعددة ، استخدم مقياساً واحداً ، قس نفسك ، وقس الناس بميزان واحد ، والله الذي لا إله إلا هو إنّ ميزانًا واحد لو طبقه الناس لاختفت كل مشكلاتهم : عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ، وانتهى الأمر .

    إذا كنت وراء طاولة في دائرة حكومية هل ترضى إذا كنت تراجع في قضية موظفاً ، هل ترضى أن يهمل طلبك ؟ هل ترضى أن يسوّف طلبك ؟ هل ترضى أن يعقّد عليك الأمر ؟ هل ترضى أن يبتز مالك ؟ إذا كان هذا يؤلمك لا تفعل هذا مع الناس ، وإن كنت مريضاً هل ترضى من هذا الطبيب أن يكبر عليك الأمر ؟ أن يوهمك بخطورة مرضك ليبتز مالك ؟ إذا كنت طبيباً فلا تفعل هذا ، هل ترضى إذا أتيت إلى محام أن يوهمك أن دعواك رابحة ، وهي ليست كذلك ؟ ليأخذ جزءاً من مالك ! فإذا كنت محامياً فلا تفعل ذلك .

    قضية التناقض كما لو أن الإنسان سار عارياً ، كيف أنه محتقَر ، يقال له : مجنون ، وكذلك الذي يقيس الناس بمقياس ، ويقيس نفسه بمقياس ، يقيس أولاد الناس بمقياس ، ويقيس أولاده بمقياس ، هنا يعطي وهنا يمنع ، هنا يبالغ في الرفاه ، وهنا يقنّن ، لا تستخدم مقياسين اثنين حتى يحبك الله عز وجل ، هؤلاء المتناقضون قال تعالى عنهم : 

    أين أنتم ذاهبون ؟ إلى من تلتفتون ؟ إلى من ترجون ؟ من تخافون ؟ هذا الذي يخشى غير الله ، يرجو غير ، الله يعطي لغير الله ، يمنع لغير الله ، هذا متناقض مع نفسه .

 

Text Box: صورٌ مِن عظمة الله عزوجل :

 

 

1 – إنزال المطر من السماء :

    حينما تنحبس السماء ، ينحبس ماء السماء ، هل في الأرض كلها جهة مهما علت بإمكانها أن تصدر قراراً بإنزال المطر ؟ ألا ترى أن الناس جميعاً مفتقرون إلى الله عز وجل ؟ ما أرى واحداً في الأرض في سنوات القحط والجفاف إلا ويقول : يا رب أغثنا ، كبير وصغير ، وعالم وجاهل ، وقوي وضعيف ، يا رب أغثنا ، ربنا يعلمنا ، والنبي عليه الصلاة والسلام يؤدبنا ، من أدب النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول :

(( اللهم أرنا نعمك بكثرتها لا بزوالها )) .

[ ورد في الأثر ]

    ينبغي إذا كنت صحيح البنية ، موفور المال أن تسجد لله عز وجل شكراً ، لأنك إن لم تعرف هذه النعمة بوفرتها ، فلا بد من أن تعرفها بفقدها .

2 – إحياء الأرض بعد موتها :

من نزّل من السماء ماء فأحيا بها الأرض بعد موتها ؟ هذه الأرض الميتة القاحلة ، هذه الأشجار اليابسة ، هذه التلال الجرداء مفتقرة إلى ماء السماء ، من نزَّل من السماء ماءً فأحيا بها الأرض بعد موتها ؟ أرض ميتة .

(سورة الحج)

فنبت الكلأ .

مرة قال لي أحدهم : نزلت أمطار كنا في أشد الحاجة إليها ، قال : والله هذه الأمطار قيمتها عشرات الملايين ، بل قريبا من ألف مليون ! قيمة هذه المطار في الوقت المناسب ، لذلك فإن الإنسان يرى نعمة الله دائماً ، لا يرى منخفضاً جوياً متمركزاً فوق قبرص باتجاه الشرق الأوسط ، سرعته مئتان كيلو متر بالساعة ، يرى رحمة الله متجهة للشرق الأوسط ، لا يرى أن المنخفض عارض طبيعي ، يرى أن إنزال الأمطار بيد الله ، وأن حبسها بيد الله ، وأن الله إذا حبسها لا يعني ذلك نقصاً في القدرة ولا عجزاً ، ولكن تأديباً وعلاجاً .

على ماذا ؟ الآية هكذا :

 

Text Box: الحَمْدُ للَّهِ على كل شيء :

 

    وقف جائز بعدها ، قال بعض المفسرين : الحمد لله على أن الحق واضح كالشمس ، إذا كنت أنت مع الله معك الحجة والبينة ، وؤلاء المعرضون هؤلاء البعيدون هؤلاء المكذبون لا يستطيعون أن يكذبوا الحقائق الكبرى ، إنهم يصدّقونها ، ولا يستفيدون منها ، الحمد لله الذي عرفت الله ، وسرت على أمره ، الذي عرفت الله ، واهتديت بهداه ، الحمد لله هكذا .

أنت مع الحق ، أنت إذا فكرت في هذا الكون وتلوت هذا القرآن وفهمت هذا الكتاب المقدس ، وعرفت أن ما جاء به النبي من عند الله ، هل تعلم من أنت ؟ أنت مع الحق الذي لا يتكرر ، ولا يتعدد ، حق واحد أنت معه .

الناس رجلان : مؤمن وغير مؤمن ، فإذا كنت مع المؤمنين ، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، إذا كنت مع من عرفوا الحقيقة الأولى والأخيرة فـ :

    ولو عقلوا لعرفوا ، ولو عرفوا لحمدوا ، وما الإنسان إلا عقل يدرك ، وقلب يحب ، وأرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ، سنسميه كسبا كبيرا ، لا يعدله كسب في الدنيا ، أن تعرف الله عز وجل ، وأن تهتدي بهديه ، وأن تسير في طريق الجنة ، هذا هو الغنى ، هذا هو الفوز والنجاح والفلاح ، هذا هو الغنى كما قال سيدنا علي : << الغنى والفقر بعد العرض على الله >> ، كسب كبير .

(( ابن آدم ، اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتُّك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء )) .

[ ورد في الأثر ]

 

Text Box: كل شيء في الدنيا ينتهي بالموت :

 

    تقول لي : أنا فقير ، دخلي محدود ، بيتي صغير ، أو بالأجرة ، وظيفتي سيئة ، في بيتي مشكلات ، لو أن المشكلات كلها اجتمعت على إنسان ، وعرف الله ، واستقام على أمره فهو الرابح الأول ، ماذا قال سيدنا علي كرم الله وجهه ؟ قال : << يا بُني ، ما خيرٌ بعدَه النار بخير ، وما شرٌ بَعْدَه الجنة بشر ، وكل نعيم دون الجنة محقور ، وكل بلاء دون النار عافية >> .

    كل المشكلات تنتهي بالموت ، وما بعد الموت سعادة أبدية ، وكل ما في الدنيا من مباهج تنتهي بالموت ، وما بعد الموت شقاء أبدي ، لذلك كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله ، وكفاك سعادة أنك في طاعته ، وربنا عز وجل يقول :

(سورة القصص)

أهذا يوازي هذا ؟


    ما من شيء أعظم عند الله عز وجل ، وما من نعمة وهبها الله لك أعظم من هذا العقل ، به ترقى ، وبه تشقى ، به تكسب ، وبه تخسر ، فمن  أعمل عقله في معرفة الله وطاعته سعد به ، ومن استخدم عقله في جمع المال فقط ، أو في الإيقاع بين الناس ، أو في جمع الناس حوله لتأمين مصالحه من دون أن يتقي الله عز وجل فهو الخاسر الأكبر .

 

Text Box: فلسفة الحياة وحقيقتها : لهو ولعبٌ :

 

    يا أيها الإخوة الأكارم ، اسمعوا من الله عز وجل إلى توضيحٍ لحقيقة الدنيا : إذا قرأ الإنسان القرآن لماذا يسعد ؟ لأن في القرآن الكريم فلسفة الكون والحياة والإنسان ، هذه الآية من فلسفة الحياة وحقيقتها ، الله سبحانه وتعالى واهب الحياة ، خالق الكون يقول لك :

  كلمة ( هذه ) اسم إشارة ، ومن معانيها التحقير ، وما هذه الدنيا بمالها ونسائها ، ومراكزها ومتعها ، وشهواتها ومباهجها ، وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو .

 

ما هو اللهو ؟!

    ما هو اللهو ؟ الشيء الذي يشغلك عن شيء خطير ، الشيء الحقير الذي يشغلك عن شيء خطير ، هذا هو اللهو .

    إذا جلس طالبان يلعبان الورق ليلة الامتحان ماذا نسمي لعب الورق ؟ نسميه لهواً ، لأنهما أُلهِيا بشيء حقير عن شيء خطير .

    إذا دخل إنسان ليشتري منك بضاعة بمئة ألف ، وأنت انشغلت عنه بقراءة قصة سخيفة ، قلت : ليس لدي وقت ، فهذا لهو ، الشيء الحقير إذا شغلك عن شيء خطير فهو لهو ، الدنيا كلها بما فيها من مال ، ومن بيوت فخمة ، من مزارع ، من مركبات ، من نساء ، من أطعمة وأشربة ، من حفلات ، من نزهات ، من رحلات ، من سرور ظاهري ، من لذائذ ، من متع رخيصة ، من ملهيات ، من مسلسلات ، الدنيا كلها وصفها الله عز وجل بكلمة واحدة قال :

ما هو اللهو ؟!

    ما هو اللعب ؟ الشيء الذي لا جدوى منه ، لو فرضنا فريقان لعبا كرة القدم ، وانتصر هذا على ذاك ، ماذا فعل الأول ؟ وماذا فعل الثاني ؟ في الحقيقة كلها أشياء معنوية ، الشيء الذي لا طائل منه ، الشيء الذي لا جدوى منه ، الشيء الذي لا هدف له ، الشيء الذي ينقضي بانقضائه ، ويزول بزواله ، هذا اللعب ، ربنا سبحانه وتعالى وصف الحياة الدنيا بصفتين : إما أن تشغلك عن شيء خطير ، إما أن يكون الشيء حقيراً ، ويشغلك عن شيء طير ، وإما أن تعمل عمل لا فائدة منه ، حركة طائشة ، حركة بلا هدف .

 

Text Box: وإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ

 

    الحيوان مصدر الحياة ، حياة لا موت بعدها ، شباب لا هرم بعده ، لذة لا شقاء بعدها ، الحياة الخالصة من كل نغص ، من كل شائبة ، من كل شيء مقلق .

   

    في قوله تعالى : ] وَمَا هَذِهَ [ ، اسم الإشارة هذا يعني التحقير ، وليس ضمير فصل :

    الحيوان مصدر مبالغة للحياة ، حياة لا نغص فيها ، حياة لا هم فيها ، حياة لا حزن فيها ، حياة لا قلق فيها ، حياة لا انقطاع لها ، حياة لا خروج منها ، حياة لا مزعجاً فيها .

 

لو علموا ما عند الله من سعادة أبدية لأقبلوا عليها .

Text Box: مع تناقض آخر من تناقضات أهل الدنيا : الإخلاص في الشدة والشرك عند الفرَج :

 

الآن مع تناقض آخر من تناقضات أهل الدنيا :

 

الآية بين منطوقها ومفهومها :

 

    طبعاً الآية لها منطوق ولها مفهوم ، الإنسان في حالة السراء ، في الضيق ، في المرض ، في الفقر ، عدو خطير يهدده ، هم كبير يقلقه ، مصيبة كبيرة تنزل بساحته ، مرض لا ينيمه الليل مثلاً .

    إذا أزيح عنه هذا المرض ، أو زال عنه هذا الخوف ، أو زال عنه هذه المصيبة يعود إلى شِرْكه ، وإلى كفره ، وإلى عناده ، وإلى معاصيه ، وإلى شهواته ، هذا موقف مخزٍ في الإنسان ، أن يعرف الله في الشدة ، وأن ينساه في الرخاء ، أن يعرفه في إقبال الدنيا ، وينساه في إدبار الدنيا ، أن يعرفه في المرض ، وينساه في الصحة ، أن يعرفه في الخوف ، وينساه في الأمن ، أن يعرفه في الفقر ، وينساه في الغنى ، أن يعرفه أمام مصيبة تقع به ، وينساه إذا زالت هذه المصيبة ، هذه الآية لها منطوق ولها مفهوم ، ليس شرطاً أن تركب سفينة وأن يهتاج البحر بك ، وأن تصبح هذه السفينة كريشةٍ في مهب الريح ، وتقول عندها : يا رب ليس لنا إلا أنت ، لا ، يشبه ركوب السفينة مرض ، يشبه ركوب السفينة عدو يهددك ، يشبه ركوب السفينة شيء مقلق ، شبح مصيبة .

    فلذلك يجب على الإنسان أن يعرف الله في السراء والضراء ، وفي الصحة والمرض والغنى والفقر ، والقوة والضعف ، وفي كل أحواله وأطواره يجب أن يعرف الله .

Text Box: لغة التهديد : لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ

 

    هذه اللام لام الأمر ، فإذا أمرك الله بشيء يكرهه لك فإنما هو يهددك ، هكذا قال المفسرون ، فإذا أمرك الله بشيء يكرهه لك فإنما هو يهددك ، فاكفر بالله ، وسوف ترى ، وتمتع ، ماذا قال سيدنا إبراهيم ؟

(سورة البقرة )

        إذا رأيت إنساناً غارقاً في المعاصي والشهوات ، وهو في بحبوحة ، وهو في قوة ، ويملك زمام الأمور ، ويقول : أنا وأنا ، فهذا شيء ليس مفخرة له ، قال تعالى :

    بعضهم يقول : يا أخي ، أهل الغرب هؤلاء غارقون في المعاصي ، غارقون في الرذيلة ، غارقون في الزنى ، وفي شرب الخمر ، وهم أقوياء ، هم يفعلون ما يشاءون ، هكذا يظنون ، فأجبهم بقوله تعالى :

(سورة الأنعام)

 

    أي اكفروا ، أمر تهديد ، من هو الفائز ؟ من هو الرابح ؟ من هو السعيد ؟ من هو الناجي ؟ من هو المفلح ؟ من هو المتفوق ؟ فسوف يعلمون ، افعلوا ما شئتم وسوف تعلمون من هو الذي سيلقى عقاباً ، ومن هو الذي سيلقى جزاءً .

Text Box: نعمة الأمن في الحرم :

 

    هؤلاء كفار مكة ، ينعمون في بلد آمن من حولهم الناس يُتَخَطَّفون ، يُغار عليهم ، تسلب أموالهم يعتدى على نسائهم ، وهم في مكة آمنون مطمئنون .

(سورة قريش)

الذي وفّر لهم هذا البلد الآمن ، يكفرون به ، ويؤمنون بأصنام من صنع أيديهم ، نحتوها بأيديهم ، وينسبون لها كل خير ؟

Text Box: إسقاط على واقعنا :

 

    نحن ما علاقتنا بهذه الآية ؟ الذي منحك هذه الصحة ، الذي أعطاك هذه الزوجة ، هؤلاء الأولاد ، هذا البيت تسكنه هذه الحرفة تعمل بها ، هذه القدرات تكسب بها رزقك ، هذا الإله العظيم تكفر به ، وتعرض عن أمره ونهيه ، وتقبل على إنسان لا يملك لك من الله شيئاً ؟ لا ينفعك ، ولا يضرك ، القرآن له منطوق وله مفهوم ، له معنى متعلق بسبب نزوله ، وله معنى واسع جداً .

       

Text Box: إيَّاكم وكفر النعمة !!!

 

        مانح الحياة ، ومانح الوجود ، مانح الصحة ، ومانح هذه الأجهزة ، هذا السمع ، هذا البصر ، هذا الفكر ، هذا اللسان ، هذه الأطراف ، هذه الأصابع ، هذه الأوعية ، والشرايين ، و الأعصاب ، و العضلات ، و القدرات ، هذه الإمكانات ، هذا البيت ، هذه الزوجة ، هؤلاء الأولاد ، هذا الذي منحك كل هذه النعم تكفر به ؟ ولا تعبأ بأمره ونهيه ، وتدير ظهرك لكتابه ، وتقبل على إنسان ضعيف مثلك ، لا يملك لك نفعاً ولا ضراً .

      

Text Box: أشدُّ الناسِ ظلما الذي يفتري على الله كذبا :

 

 

        أشد الناس ظلماً لنفسه ، أشد الناس خسارة ، أشد الناس ندماً يوم القيامة، من افترى على الله كذباً ، يقول لك : الله لن يحاسبنا ، افترى على الله كذباً ، أو قال لك : لا تعرف ، لعلك تطيعه طوال حياتك فيضعك في جهنم ، أهكذا الله عز وجل ؟ لعلك تعصيه كل عمرك فيضعك في الجنة ، يقول لك : ليس هناك قاعدة ، وهذا الكتاب أليس قاعدة ؟ هذا افترى على الله كذباً ، أو افعل ما بدا لك ، يفهم الشفاعة التي هي ثابتة في الكتاب والسنّة ، يفهمها فهماً ساذجاً ، افعل ما شئت ، والنبي يشفع لك ، هذا افترى على الله كذباً ، أو أن الخمر ليست محرمة ، الله أمرنا أن نجتنبها فقط ، ولم يحرمها ، هذا الذي يفتري عقيدة زائفة ، يفتري حكماً باطلاً ، يفتري توجيهاً مغلوطاً ، هذا الذي يفهم القرآن فهماً خاصاً به بلا أصول ، بقراءة عصرية ، هذا الذي يفهم كتاب الله عز وجل فهماً خاصاً به ، من دون دليل ، من دون أصول :