English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت ( 29 ) : 2 /16 ـ 5/10/1990 ـ الآيات : [ 4 ـ 6 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة العنكبوت ، في الدرس الماضي بحسب توفيق الله عزَّ وجل كان شرح الآية الكريمة :

      

 

Text Box: هذه الآية أصلٌ في التكليف :
 

 

 

هذه الآية تُعَدُّ أيضاً من الآيات الدالة على التكليف ، تكليف الإنسان ، المخلوق الأول ، المخلوق المُكَرَّم ، والمخلوق المُكَلَّف ، هو المخلوق الأول لأن كل السماوات والأرض سُخِّرَتْ من أجله ..

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ .

 ( سورة البقرة : من آية " 29 " )

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ .

(سورة الجاثية : من آية " 13 " )

       والمخلوق المُكَرَّم :

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ .

 ( سورة الإسراء : من آية " 70 " )

       أنت مخلوقٌ أول ، ومخلوقٌ مكرم ، ومخلوقٌ مُكَلَّف .

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ﴾ .

 ( سورة الأحزاب : من آية " 72 " )

       أنت مكلفٌ بهذه النفس البشرية أن تُنْقِذَهَا ، وأن تعرفها بالله عزَّ وجل وأن ترقيها ، وأن تسعدها في معرفة الله عزَّ وجل وطاعته في الدنيا ، والقرب ، منه والسعادة في الآخرة ، والدليل :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10) ﴾ .

( سورة الشمس )

       إذا جاء في القرآن الكريم كلمة :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾

فهذا كلام خالق الكون ، خالق الكون يقول لك :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1) ﴾ .

( سورة المؤمنون )

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9) ﴾ .

( سورة الشمس )

       لأنك إذا زَكَّيْتَها ، وعرَّفتها بالله عزَ وجل فقد حققت أمانة التكليف ، وقد حققت المهمة التي من أجلها خلقت ، يفهم من هذه الآية أيضاً ::

      

أنك مُكَلَّف ، مكلفٌ بهذه النفس كي تُعَرِّفَهَا بالله عزَّ وجل .

 

Text Box: دعوة القرآن إلى التأمل في الكون وفي النفس :
 

 

 

لكن الله عزَّ وجل أعطاك مكوِّنات التكليف ، ومقوماته ، سخَّر لك الكون ، وجعله دالاً على أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، ففي الكون يمكن أن ترى أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى من خلال تأمُّلك في خلق السماوات والأرض .

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ .

 ( سورة يونس : من آية " 101 " )

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105) ﴾ .

( سورة يوسف )

       إذاً هناك دعوة  ..

﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25) ﴾ .

( سورة عبس )

﴿ فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6) ﴾ .

( سورة الطارق )

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1)وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا(2) ﴾ .

( سورة الشمس )      

Text Box: مقومات التكليف :
 

 

آياتٌ كثيرة جداً بَثَّها الله في الكون ، وأشار إليها في القرآن ، وجعل هذه الآيات دليلاً على عظمة الله عزَّ وجل ، فإذا فكر الإنسان في الكون توصَّل من جولته التأمُّلِيَّة إلى معرفة الله عزَّ وجل :

 

1 – الكون :

أعطاك الكون .

2 – العقل :

أعطاك العقل ، العقل كما يقرر العلماء هو ميزةٌ كبيرةٌ جداً منحها الله للإنسان ، فبالعقل تتعرف إلى الله عزَّ وجل ، ولكن العقل ميزان ، والفطرة ميزان ، وجعل الله الشرع ميزاناً على الميزان ، فما دام العقل يعمل وفق أوامر الله ونواهيه ، وكذلك إذا توصَّل العقل إلى النتائج التي قررتها الشريعة ، فهذا التفكير صحيحٌ ومنطقي ، أما إذا جَنَحَ العقل ، وابتعد عن الذي جاء به القرآن الكريم ، فهذا عقلٌ ضالٌ وعقلٌ مغرور ..

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19) ﴾ .

( سورة المدثر )

إذاً من مقوِّمات التكليف الكون ، من مقوِّمات التكليف العقل .

3 – الفطرة :

من مقوِّمات التكليف الفطرة ، منحك الله فطرةً عالية ، ترتاح إذا فعلت الخير ، وتشقى إذا فعلت الشر ، ترتاح إذا آمنت بالله ، وتشقى إذا كفرت به ، ترتاح إذا سرت على منهج الله وتشقى إذا حدت عنه ، أول مقوم الكون ، والعقل ، والفطرة .

4 – الاختيار :

وأعطاك حرية الكسب .

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ .

(سورة البقرة : من آية " 286 " )

       انبعاثك إلى العمل هذا باختيارك ، أما الفعل فهو فعلُ الله عزَّ وجل ، والعلماء يقولون : إن الأشياء لم يودِعِ الله فيها قوةً ذاتية ، ولكن الله عزَّ وجل جعل فعله عندها لا بها ، أي عند مشيئته ، لا بقوةٍ مودَعَةٍ في الأشياء .

إذاً : أعطاك الله حُرِّيَةَ الكسب ، وأودع الله فيك الشهوات لترقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، الكون ، والعقل ، والفطرة ، وحرية الكسب .

5 – الشهوة :

والشهوة إذا فعلت شيئاً ، الشهوة هدفها تثمين العمل ، إذا تركت شيئاً لله فهذا الشيء الذي تركته له قيمة عندك ، ولكنك آثرت رضاء الله على شهوة النفس ، لذلك :

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41) ﴾ .

( سورة النازعات )

       هذه مقومات التكليف ، فإذا استخدم الإنسان هذه المقومات ، وتعرف إلى الله عزَّ وجل معنى ذلك أنه لا بدَّ من ابتلاء ، لا بدَّ من حساب ، لا بدَّ من سؤال .

       قلت لكم في الدرس الماضي : إن جامعة عظيمة تُنشأ بقاعاتها ، بمدرجاتها ، بمكتبتها ، بحدائقها ، بملاعبها ، بمطاعمها ، بمساكن الطلاب فيها ، بمختبراتها ، أيعقل أن يترك الطلاب بلا امتحان ؟!

﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36) ﴾ .

( سورة القيامة )

       هكذا ، بلا سؤال ، فآيات كثيرة ..

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ .

 ( سورة المؤمنون : من آية " 115 " )

       لذلك هذه الآية تشير إشارةً دقيقةً إلى أن الإنسان مكلَّف ، والدليل أنه مبتلى ، والدليل أنه يمتحن ..

      

      أي أن هذا الطالب في الجامعة أيكتفي منه أن يقول : درست هذه المادة ، وأتقنتها ، وينجح ؟

جامعة كلفت مُنْشِئيها ألوف الملايين ، وقبلنا فيها الطلاب ، أيعقل أن يقبل من الطالب في الجامعة أن يقول : أنا درست هذه المادة ، وتمكَّنت منها ، فيعطى الشهادة ؟ أيقال له : أنت نجحت لأنك قلت: إنك درست هذه المادة ، شيء مضحك ، أتفعلها جامعة ؟ أن يقول الطالب بلسانه : لقد درست هذه المادة جيداً ، إذاً تعال ، وخذ مئة على مئة ، وانتهى الأمر ، لا ، بل لابدَّ من امتحان ، هذا معنى قول الله عزَّ وجل :

       

      من دون أن يمتحنوا ، من دون أن يُبْتَلوا ، من دون أن يتحقق من إيمانهم ، من دون أن يتحقق من صدقهم في إيمانهم ، من دون أن يتحقق من صبرهم ، من معرفتهم ، كل ضعفٍ في الإيمان يظهر في امتحانٍ معين ، فمن ادعى حب الله عزَّ وجل .

تعصي الإله وأنت تظهر حبه    هذا لعمري في المقال بديع

لو كـان حبك صادقاً لأطعـته     إن المحب لمن يحب يطيع

***

Text Box: كل دعوى لها ما ينقضها :
 

 

       فدعوى حُبِّ الله عزّ وجل تنقضها المعصية ، دعوى الشوق إلى لقاء الله عزَّ وجل ينقضها كراهية الموت ، دعوى أن هذا الإنسان لا تأخذه في الله لومة لائم ينقضها أن ينهار أمام ضغطٍ خفيف ، دعوى أن يصبر الإنسان على أمر الله ينقضه أن ينهار أمام إغراءٍ طفيف، فالذي ينهار أمام إغراء ، أو أمام ضغط ، أو تستحوذ عليه شهوته ، أو ينطلق إلى غاياته الدنيوية ضارباً عرض الطريق بأوامر الله عزَّ وجل ، هذا امتحن ورسب ، إذاً نحن في امتحان ، ما دام القلب ينبض فأنت في امتحان ، وكما قلت في الدرس الماضي : لك أن تقول ما شئت ، ولكن الله عزَّ وجل سوف يضعك في ظروفٍ دقيقةٍ بالغة التعقيد ، هذا الذي تدَّعيه لا بدَّ من أن يكشف على حقيقته ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر ..

وكلٌ يدَّعي وصلاً بليلى   وليلى لا تقرُّ لهـم بذاكا

***

Text Box: عدي بن حاتم في ضيافة النبي عليه الصلاة والسلام : دروس وعبر :
 

 

       شيء ثانٍ ، ذات مرةٍ سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام جاءه أحد ملوك الجزيرة ، اسمه عدي بن حاتم ، دخل عليه فقال عليه الصلاة والسلام : " من الرجل ؟ " قال : " عدي بن حاتم " ، قال : " فرحَّبَ بي ، وأخذني معه إلى البيت " ، وهذا من التكريم ، في الطريق استوقفته امرأةٌ ضعيفةٌ مسنة تكلِّمه في حاجتها فوقف معها طويلاً ، فقال عدي بن حاتم : " والله ما هذا بملك " ، فلما دخل البيت ، قال : قذف إلي بوسادةٍ من أدمٍ محشوةً ليفاً ، وقال : " اجلس عليها " ، قلت : " بل أنت " ، قال : " بل أنت " ، قال : " فجلست عليها ، وجلس هو على الأرض " ..

هذه قصة تعرفونها .. قال : " إيه يا عدي بن حاتم ، ألم تكن ركوسياً ؟ " ، قال : " بلى " ، قال : " أو لم تَسِرْ في قومك بالمرباع ؟ " ، قال : " بلى " ، قال : " فإن هذا لا يحل لك في دينك " ، قال : " فعلمت أنه نبيٌ مرسل يعلم ما نجهل " ، قال : " إيه يا عدي بن حاتم ، لعلَّه إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين أنك ترى ما ترى من حاجتهم .. " أي من فقر أصحابه ، إذاً الفقر ابتلاء ، أحياناً يكون المرء فقيراً ومستقيماً ، ويرى إنساناً غنياً ، منحرفاً يزداد انحرافاً ، ويزداد غنىً ، أما الفقير المستقيم فهو يزداد تواضعاً لله عزَّ وجل ، ويزداد استقامةً على أمره ، ويزداد فقراً ، هذه فتنة .      Text Box: لا بد من الامتحان ، وبعد الصبر الفرج :
 

 

لا تنسوا أن أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله في معركة الخندق ، ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا(11)وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا(12) ﴾ .

( سورة الأحزاب )

      المنافقون بعض مَنْ عاصر النبي عليه الصلاة والسلام ، ويقول أحد الأشخاص : أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجاته ‍‍!! إذاً :

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

        لكن ..

﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا(23) ﴾ .

( سورة الأحزاب )

       إذاً : أن تكون في ضائقةٍ من العيش ، وأنت مستقيمٌ على أمر الله ، وأن ترى إنساناً في بحبوحة ، وهو يصول ويجول ، ويطغى ، ويبغي ، فهذا امتحان ، هل أنت واثقٌ من عقيدتك ؟ هل أنت واثقٌ من أن الرزق بيد الله عزَّ وجل ، هل أنت واثقٌ من أن الأمر بيد الله ؟ هل أنت واثقٌ من أن الدنيا لا قيمة لها ؟ لا تعدل عند الله جناح بعوضة ؟ أم ماذا ؟ ادّعِ ما شئت فهذا امتحان ، أن تكون أنت في ضائقة على استقامتك ، والآخرون في بحبوحة على انحرافهم ، هذا أحد أنواع الامتحان .

       أحياناً يسأل المدرس طالباً سؤالاً ، يأتي الطالب بالجواب صحيحاً ، فيقول له المدرس : غلط ، ليمتحن مدى ثقته بنفسه ، فالطالب الضعيف يقول : غلط ، يقف ، ويتخلى عن صوابه مباشرةً ، أما الطالب المتمكن فيقول : لا ، هذا هو الصواب ، فأحياناً تمتحن فيما إذا كنت مؤمناً أو غير مؤمن ، وأحياناً تمتحن فيما إذا كنت واثقاً من عقيدتك ، ما الذي ينجيك يوم القيامة ؟ أن تكون على أمر الله عزَّ وجل ، ما أعلى مرتبةٍ ينالها الإنسان في الأرض ؟ أن يكون في رضوان الله ، ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ ﴾ .

إذا شعرت أن الله راضٍ عنك ، وأن الدنيا قد تفلَّتت من يديك فهذه السعادة ، سيدنا الصديق يوصف بأنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قَط ، فإذا أطاع الإنسان الله ورسوله يجب أن يشعر بالفوز الكبير  .

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71) ﴾ .

( سورة الأحزاب )

       قد تقرأ الآية ، وقد تفهمها ، ولكن لست في مستواها ، إن شعرت بالحرمان ، وأنت مطيعٌ لله ورسوله فأنت لست في مستوى الآية ، وإنْ لم تكن واثقاً من أن طاعة الله هي كل شيء ، لست واثقاً من أن الإيمان بالله هو كل شيء ، فهذه فتنة .

Text Box: عودة إلى عدي بن حاتم :
 

 

قال له : " لعله يا عدي بن حاتم إنما يمنعك في دخولٍ من هذا الدين ما ترى من حاجتهم ـ ترى أصحابي فقراء ، ضعفاء .ـ وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوِّهم " ، هذا امتحان آخر ، أنك إذا عرفت الله عزَّ وجل ، وسرت على أمره فالجميع يعادونك ، إذا كان الإنسان منحرفاً فلا يرضيه أن يستقيم قريبه ، يتمنى عليه أن يعود كما كان ، أن يكون على شاكلته ، فحينما يتجه الشاب إلى الله عزَّ وجل بالتوبة النصوح يرى معارضةً ممن حوله ، من أقرب الناس إليه ، حتى ممن في البيت ، هذا امتحان ، فحينما تأتيك المضايقة لأنك عرفت الله عزَّ وجل ، واستقمت على أمره ، وتثبتَّ ، فهذا ابتلاءٌ آخر .

      

       إنسان يؤمن بالله عزّ وجل ، ويستقيم على أمره ، يلقى معارضة شديدة ممن حوله ، فيتخلى عن اتجاِهِه ، يقول لك : راحة الحياة من دون دين ، هذا امتُحِن فرسب ، إذاً إيمانه ضعيف ، وإنسان آخر يتجه إلى الله ورسوله ، ويستقيم على أمره ، ولا تزيده المعارضة إلا تَمَسُّكَاً بالله وبرسوله ، امتُحِن فنجح .

من السهل جداً أن تقول : أنا مسلم ، أنا مؤمن ، أنا لن أعصي الله عزَّ وجل ، ثم لضغطٍ خفيف تتخلَّى عن طاعته ، ولإغراءٌ طفيف تتخلى عن طاعته ، إذاً أنت راسب ..

 

      

إذاً كما قال عليه الصلاة والسلام : إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم " ، فأنت يجب عليك أن تكون مع الحق لا مع الأكثرية ..

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا ﴾ .

 ( سورة يونس : من آية " 36 " )

       سيدنا علي يقول : " نحن نعرف الرجال بالحق ، ولا نعرف الحق بالرجال " ، الأصل هو الحق ، فلو أن أناساً كثيرين كانوا على غير الحق فكثرتهم لا تأبه لها أنت ، وإذا كانت القِلَّةُ على الحق فأنت مع الحق .

 

Text Box: الشعور بالغربة امتحان فتنبَّه يا عبد الله :
 

 

 

      وهناك امتحان آخر ، هو أن تشعر بالغربة في مجتمعك ، إذا عرفت الله عزَّ وجل ، إذا استقمت على أمره هذا الطريق في البيع والشراء حرام ، ولكنه شائعٌ بين التُجَّار تصبح كأنك غريب ، إذا أردت أن تغض بصرك عن محارم الله تشعر بالغُربة ، الكل ينظر ، وينظر بنَهَم ، وأنت تستحي أن تنظر إلى امرأةٍ أجنبيةٍ عنك ، تحس بالغربة ، إذا تحرَّجت عن أخذ مبلغٍ من طريق مشبوه فاتهمت بالغباء ، وأحسست بالغربة ، هذا امتحان أيضاً .

       أحياناً الامتحان لمعرفة مقدار المعلومات ، وأحياناً الامتحان لمعرفة ثقتك بهذه المعلومات ، تأتي بعض المضايقات ، قال له :  لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ترى ما من كثرة عدوهم ، وايم الله ليوشك أن تسمع بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف ، ولعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين أنك ترى أن المُلك والسلطان في غيرهم .. قد يكون الصحابة مستضعفين ضعافاً لا شأن لهم ، هناك قوى كبيرة جداً تعاديهم في مكة ، وفي أطراف الجزيرة ، هم ضعاف هاجروا ، وتركوا بلدهم إلى الحبشة وإلى المدينة ، أنت تحب القوة ، إذاً أنت لست مع الحق مع القوة ، إذاً انحزت إلى القوي المُبطل ، وتركت المُحِقَّ الضعيف ، فأنت لست مع الحق أنت ، بل مع القوة ، هذا امتحان ، فأن تقول كلمةً ، وتعدّ هذه الكلمة صحيحة بلا امتحان ، هذا مستحيل .

        أعيد إلى أذهانكم هذا المثال ، جامعة ضخمة جداً ، قال أحد الطلاب : إني درست هذه المادة دراسة جيدة ، فمستحيل أن يقبل هذا الكلام ، وأن توضع لك علامة مئة بالمئة ؛ إلا أن تقدِّم امتحاناً ، هذا الامتحان يثبت صواب كلامك أو خطأك ، قال له : " وايم الله ليوشكن أن تسمع بالحصون البابلية مفتحةً بالعرب " ، أن تسمع بهذه الحصون ، وقد فتحها العرب .

Text Box: كن مع الحق دائما وفي كل شيء :
 

 

لقد عاش عدي بن حاتم حتى رأى كل ذلك ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام عرَّفنا من هذه القصة ، وذاك التوجيه أن هناك امتحاناتٍ ، فإذا أردت أن تكون مع الحق قد يكون الحق ضعيفاً ، قد يكون أصحاب الحق فقراء ضعفاء ، قد يكون هناك عِدَاءٌ كبير لأهل الحق ، أنت مع من ؟ أنت مع الحق .

        والشيء بالشيء يذكر ، يروى أن أبا جعفر المنصور كان خليفةً عباسياً ، وكان عنده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ، وعنده قاضٍ من ألَدِّ أعداء أبي حنيفة ، فقال هذا القاضي لأبي حنيفة في حضرة المنصور: " يا أبا حنيفة ، إذا أمرني الخليفة بقتل امرئٍ أأقتله أم أَتَرَيَّث ، فلعله مظلوم ؟ سؤال مُحْرِج ، قال أبو حنيفة رضي الله عنه : " الخليفة على الحق أم على الباطل ؟ رد له الكرة ، قال : " هو على الحق " ، قال : " كُن مع الحق " ، فلما خَرَجَ قال : " أراد أن يُقَيِّدَنِي فربطته " .

       أردت من هذه القصة كُن مع الحق ، يا ترى أنت مع الحق أم مع القوي ؟ مع الحق أم مع الشهوة ، أحياناً تُملي عليك شهوتك أن تدافع عن فكرة الاختلاط مثلاً ، فأنت لست مع الحق ، أنت مع الشهوة ، قد تُملي عليك مصلحتك المادية أن تدافع عن طريقةٍ في التعامل في البيع والشراء فيها شبهة الربا ، أنت مع مصلحتك لا مع الحق ، فكلما ادَّعيْتَ أنك مع الحق يأتيك ظرفٌ مُعَقَّد ، فإذا بك تكشف على حقيقتك ، فلذلك ليتعامل الإنسان مع الله عزَّ وجل بصدقٍ وإخلاص .

Text Box: احذروا هذا الصنف : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ
 
 

 

       أحياناً ترى بلداً أجنبياً في غاية الرفاه ، في غاية الطمأنينة ، في غاية الأمن والوداعة ، كل شيءٍ فيه على ما يرام ، وهذا البلد يُشاقق الله ورسوله ، أي أن الدين قد أُلْغِي من حياتهم كُلِّياً ، الشهوات مستعرة ، الفتن يقظة ، هذا امتحان ، ضعاف الإيمان يزلزلون ، وتجدهم يقولون : انظر تجد الإنسان محترماً عندهم ، حاجات مؤمَنة ، كل شيء ميسور ، وهم يعصون الله كل يوم ، في طُرُقَاتهم ، وفي أنديتهم ، وفي مسابحهم ، فالمعاصي على قدمٍ وساق ، ومع ذلك هذا البلد قوي جداً ، وفي رفاه ، هذا امتحان ، هذا الامتحان معناه أنك لم تقرأ قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

( سورة الأنعام : من آية " 44 " )

       ليس بابا ، بل أبواب ، ليس شيئاً واحداً ، كل شيء ..

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44) ﴾ .

( سورة الأنعام : من آية " 44 " )

هذا كذلك امتحان ، فيجب أن تعتقد أن حياتك منذ سِنِّ التكليف وحتى نهاية الحياة سلسلةٌ متصلة من الامتحانات .

 

Text Box: الامتحان يشمل جميع النواحي الحياة :
 

 

كما قلت في الدرس الماضي : زواجك امتحان ، وعملك امتحان ، والمرض امتحان ، والصحة امتحان ، والفراغ امتحان ، والشُغل امتحان ، هناك شغل ينسيك طاعة الله عزَّ وجل ، امتحنت فرسبت ، وهناك فراغ يُنسيك الله عزَّ وجل امتحنت فرسبت ، والزوجة امتحان قد تطغى من أجلها ، وقد ترضيها بمعصية الله عزَّ وجل ، قبل الزواج ممتاز، بعد الزواج صار لديه ضعف ، قبل التجارة ممتاز ، لما كان لك دخل محدود كنت ورعاً جداً ، بعد مزاولة التجارة صرت تقول : لا نقدر عندنا أولاد هكذا السوق كله ، ماذا نفعل ؟ زلت قدمه ، التجارة امتحان ، الوظيفة امتحان ، والامتحان مستمر ، وحياتنا سلسلةٌ متصلة من الامتحانات .

      

        كلامك ادّعاءٌ سهل ، والوقائع تمتحنه ، وأنت مكلف ، وما دمت مكلفاً فلابد من امتحان ، أنت طالب في مدرسة لابدَّ من الامتحان ، والدليل الامتحان سُنَّة ، الابتلاء سنة ، الفتنة سنة ، من سنن الله عزَّ وجل ..

      

Text Box: فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا 
 

 

        أي ليتحقق علمه ، الله عزَّ وجل يَعْلَم ، ولكن حينما تفعل يتحقق علمه ويؤاخذك على عملك لا على علمه فيك ، وهذه من رحمة الله بنا ، أنه يؤاخذنا على أفعالنا . لا على علم الله بنا ، هو يعلم ؛ ولكن حينما تفعل يتحقق علمه ..

      

Text Box: أنواع الصدق :
 

 

 

قلت لكم في الدرس الماضي : إن الصدق نوعان ، مطابقة الأقوال للأفعال ، أو مطابقة الأفعال للأقوال :

 

1 – مطابقة الأقوال للأفعال :

الأول معروف ، فلان صادق فلان كذاب .

1 – مطابقة الأفعال للأقوال :

الثاني مهم جداً في الطريق إلى الله عزَّ وجل ، فقد تأتي الدعوى كبيرة جداً ، والعمل قليل ، نقول : فلان صِدْقُهُ قليل ، يدعي أنه محبٌ لله كلام كبير ، فإذا وضعته على المِحَك جاء حبه قليلاً ضعيفاً ، يدعي أنه ورع فإذا تحاكك بالدرهم والدينار بدا ورعه ضعيفاً قليلاً ، فهذا الصدق صدق الأفعال ، أن تأتي الأفعال مطابقةً للأقوال  ..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119) ﴾ .

( سورة التوبة )

       أيْ هؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه كما قال اله عزَّ وجل.

       الآية الثالثة :

      

ربنا عزَّ وجل قال :

      

Text Box: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا :
 

 

معنى حِسِبَ :

         معنى حسب أي ظَنَّ ، الذين يعملون السيئات ، يعني أشمل كلمةٌ تشير إلى من يعصي الله عزَّ وجل هم الذين يعملون السيئات ؛ سواء أكانوا مشركين ، غير مشركين ، موَحِّدين ، الذين يعملون السيئات ..

      

 

Text Box: معاني : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا :
 

 

المعنى الأول :

      ما معنى ذلك ؟ فإذا نسبت الفعل للإنسان ، تظن أن هذا الذي يفعل كذا وكذا هو يفعل هذا باختياره ، ويفعله بقوَّته ، خالق أفعاله ، وكأنه سَبَقَ الله عزَّ وجل ، وكأن الله لا علاقة له بهذا الفِعل ، هذا أحد أنواع الإشراك ، يجب أن تعلم علم اليقين أنه لا يقع شيءٌ في الكون إلا بقُدرة الله ، وبعلم الله ، فإذا نسبت الفعل إلى الإنسان ، إذا عَزَوْتَ الفعل إلى الإنسان تتوهم أن هذا الذي يفعل كذا وكذا و كذا ، هذا الإنسان خالق فعله ، كأنه سبق الله عزَّ وجل ، وكأن الله لا علاقة له به ، مع أن الله عزَّ وجل يقول :

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ .

 ( سورة الزخرف : من آية " 84 " )