English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت ( 29 ) : 4 /16 :ـ 19/10/1990 ـ الآيات [ 8 ـ 9 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

   الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الأكارم ، مع الدرس الرابع من سورة العنكبوت ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      

Text Box: إظهار الروابط بين الآيات الكريمة :

 

   من باب إظهار الروابط بين الآيات الكريمة ، لأن كلام الله عزَّ وجل كلامٌ مترابط ، قال تعالى :

﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ .

( سورة هود : من آية " 1 " )

       من معاني أُحكمت أنها ترابطت ، فحينما قال الله عزَّ وجل :

      

Text Box: وجه العلاقة بين الآية الأولى والآية الثامنة :
 

 

        إذاً هناك فِتَن ؛ فتنٌ كبيرة ، وفتنٌ صغيرة ، فتنٌ خطيرة ، وفتنٌ حقيرة ، ربنا عزَّ وجل يُبَيِّن أن هناك فتنة خلاصتها : إنسانٌ نشأ بين أبوين ، عطفا عليه ، حدبا عليه ، أكرماه ، كانا سبب وجوده ، ربياه تربيةً بشكلٍ آو بآخر ، فلما كبر هذا الغلام وأصبح يافعاً ، هناك احتمالٌ أن يأتيه أمرٌ من والديه خلافاً لما جاء به القرآن الكريم ، أو خلافاً لما أمر به الله عزَّ وجل ، ما موقف الابن من هذه المشكلة ؟ هذه فتنة ، فبما أن الأب هو سبب وجود الإنسان ، وبتربيته في الظاهر سبب بقائه ، وسبب وجوده من حيث الصورة ، أما الحقيقة هو الله عزَّ وجل ، وسبب بقائه من حيث الصورة .

أما الحقيقة فوجوده وبقاؤه بفضل الله عزَّ وجل ، ولكن ما من علاقةٍ في الحياة الدنيا أمتن من علاقة الأب بابنه والأم بولدها ، فلو أن هذا الأب المُربي والأم المربية كانا على غير الحق ، وأمرا هذا الابن بما لا يرضي الله عزَّ وجل ، بشيءٍ خلاف المنهج الإلهي ، هذه فتنة ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :

      

Text Box: وَوَصَيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا 
 

 

1 – معنى وَصّينا :

      وصينا بمعنى عَهِدْنَا ، ووصينا هنا بمعنى أمرنا .

2 – لماذا أمر الله الإنسان أن يحسن لوالديه ؟

ولماذا أمر الله الإنسان أن يحسن لوالديه ؟ لأن حُبَّ الأب لابنه ، وحب الأم لابنها طبعٌ ، لذلك لا تجد في القرآن الكريم ما يشير إلى أن يُؤمر الإنسان أن يحب ابنه ، أو أن تحب الأم ابنها ، لأن هذا طبع ، تحصيل حاصل ، ولكن الذي أمر الله به الإحسان إلى الوالدين لأنه تكليفٌ ، الإنسان قد يبني بيته ، قد يعيش مع أهله ، مع زوجته ، وقد يرى في الإحسان إلى والديه عبئاً ، ومشقةً ، وكلفةً ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى أمر الإنسان بالإحسان إلى والديه ، هذا تكليف .

       ومعنى تكليف أيْ أنَّ فيه كلفة ، ومعنى أن فيه كلفة ، أي أن فيه رقيّاً إلى الله عزَّ وجل ، كل شيء فيه كلفة فيه رُقيّ ، كل شيء متوافق مع الطبع لا ترقى به ، فإذا تناولت الطعام وأنت جائع ، تناولك الطعام لا ترقى به إلى الله عزَّ وجل ، لأنه توافق مع طبعك ، أما الشيء الذي ترقى به فهو الشيء الذي تُخالف فيه نفسك وهواك .

قد يرى الإنسان الشاب أن سعادته في زوجته ، وفي أولاده ، وقد يرى في حالاتٍ نادرة أن أباه وأمه ، وقد تقدمت بهما السِّن عبءٌ عليه ، لذلك جاءت توصية الله عزَّ وجل للإنسان أن يرعى أمه وأباه ، وأن يكون باراً بوالديه ، قال تعالى :

      

أي عهدنا ، وفي السياق أمرنا ، الإنسان أي إنسان ..

      

بالأم والأب .

لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ... )) .

[ النسائي]

       وفي حديثٍ آخر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ ، وَلَا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ )) .

[ أحمد ]

       لأن الأب في الظاهر سبب وجودك ، ورعايته لك حينما كنت صغيراً سبب استمرار وجودك ، ربي اغفر لي ولوالدي ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً " ، وجميع مبادئ العدل والإنسانية والرحمة تقتضي أن ترد هذا الجميل إلى أبويك .

      

Text Box: سبب نزول الآيات :
 

 

       روى الترمذي عند تفسير هذه الآية عَنْ سَعْدٍ قَالَ : << أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ ، فَذَكَرَ قِصَّةً ، وَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ : أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْبِرِّ ؟ وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا ، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ ، قَالَ : فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي ﴾ ، الْآيَةَ >> .

[ الترمذي ]

هذه قصةٌ وردت في أسباب نزول هذه الآية .. ثم أنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ، ولم تشرب ، حتى قال ابنها سعد : يا أمي ، لو أن لك مائة نفسٍ فخرجت واحدةً وَاحدةً ما كنت لأكفر بمحمد ، فكُلي إن شئتِ ، أو لا تأكلي .

       Text Box: لكل إنسان حدود :
 

 

الآية دقيقة جداً ، لكل إنسان حدود ، لكل جهةٍ حقوق وواجبات ، أما أن تختلط الأمور ، الأب والأم يُحْسَنُ إليهما ، ويرعى حقهما إلى ما لا نهاية ، أما أن يحملاك على معصية الله ، أما أن يحملاك على أن تكفر بالله فهذا شيءٌ مخالفٌ لأمر الله عزَّ وجل ، قال تعالى :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ﴾ .

( سورة الإسراء : من آية " 23 " )

       العبادة لله وحده ..

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ .

( سورة الإسراء : من آية " 23 " )

       العبادة لله عزَّ وجل ، والإحسان للوالدين ، أما أن تختلِطَ الأمور فتصبح العبادة للوالدين ، والإحسان لغير الوالدين فهذا شيءٌ ليس وارداً في أصل الدين ، إذاً قال تعالى :

 

      كلكم يعلم أَّن هناك إسلام ، أيْ أن تنصاع لأمر الله عزَّ وجل انصياعاً تاماً ، وأنّ هناك إيمان ، والإيمان أن تُصَدِّق وأن تُقْبِل وأن تتجه ، الإسلام طاعة ، انصياع إلى كل أوامر الله وترك ما نهى الله عنه ، هذه مرتبة الإسلام .

Text Box: مرتبة الإحسان والإيمان والإسلام :

      

مرتبة الإيمان أعلى من ذلك ، أن تقبل على الله عزَّ وجل وأن تتجه إليه ، لذلك :

﴿ قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ .

( سورة الحجرات : من آية " 14 " )

       مِن هذه الآية اتضح أن مرتبة الإيمان فوق مرتبة الإسلام ، ولكن فوق المرتبتين مرتبة الإحسان ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال عن الإحسان :

(( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )) .

(  صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ )

       أي أنك إذا كنت في حضورٍ مع الله ، من لوازم هذا الحضور الإحسان بمُطلق معانيه ، إلى الخلق ، إلى نفسك ، إلى من هو قريب ، إلى من هو بعيد ، فإذا أردت أن تضغط الدين كلَّه كله في كلمة واحدة إنه الإحسان ، أن تعبد الله كأنك تراه ، ولن تكون محسناً إلا إذا كنت في حالة حضورٍ مع الله عزَّ وجل .

       الإنسان أحياناً يرغِّب في الجزئيات والتفصيلات ، ولكنه أحياناً أخرى يرغب في الكلمات ذات المدلولات الكبيرة وذات الإيجاز القليل ، فالإحسان إذا كنت في حالة حضورٍ مع الله عزَّ وجل ، من لوازم هذا الحضور ، من علامات هذا الحضور أن تكون محسناً  الإحسان : (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )) .

 

Text Box: بيان علاقة هذه الآية بما قبلها : فتنة الإنسان بوالديه :
 

     

إذاً علاقة هذه الآية بالتي قبلها ، أنَّ أقرب الناس إلى الناس والداه ، نشأ بين أحضانهما ، نشأ في بَيْتِهِما ، نشأ في حبهما ، نشأ في رعايتهما ، إذاً هناك علاقات وشيجة جداً ، متينة جداً، علاقات مُتَمَيِّزَة ، علاقات من الدرجة الأولى ، بحكم الفطرة ، بما أن الإنسان فطر على حب أولاده ، وعلى العطف عليهم ، وبما أن هذا الطفل الصغير تلقى العطف والرحمة والحنان ، والشفقة والعناية والرعاية من أمه وأبيه ، إذاً كانت هناك علاقات متينة جداً ، هذه العلاقات إنما صممها الله عزَّ وجل كي يستطيع الأب أن يأخذ بيد ابنه إلى الله ، هذا الحُب طريق الهدى ، والحقيقة حينما تريد أن تهدي إنساناً لا تستطيع أن تصل إلى قلبه إلا بالإحسان ، لذلك فالإنسان الأول المؤهَّل ليهدي الإنسان الآخر هو الأب بالنسبة إلى الابن ، لأن الأب كله إحسان ، الأب كُتْلَةٌ من الإحسان والأم كذلك ، إذاً هذا التصميم الأُسَرِي الذي صممه الله عزَّ وجل .

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ .

(  سورة الروم : من آية 21  )

       وهؤلاء الأولاد الذين هم ثمار هذه العلاقة ، وثمار هذه المحبة ، وثمار هذه المودَّة ، إذا نشأ الأولاد في حجر آبائهم وأمَّهاتهم ، هناك ميزة وهناك مشكلة ، الميزة إذا كان هذا الأب مؤمناً فتِلك العلاقة المتينة جداً عاملٌ مساعدٌ على هِداية الابن ، الذي له ابن ، وبالغ في الإحسان إليه وإكرامه ، والعطف عليه ، ورعايته ، وتوجيهه ، هذا الأب يستطيع قبل أيّ إنسانٍ آخر أن يأخذ بيده إلى الله ورسوله ؛ لكن الأب الضال تنشأ من خلالِهِ مشكلة ، إذا كان الأب مُنْحَرِفاً ، أو الأب ضالاً أو بعيداً عن جوهر الدين ، أو لم يفهم الدين فهماً عميقاً ، هذه العلاقة المَتينة التي أرادها الله بين الأب وابنه ، هذه تغدو عُنْصُرَاً سلبياً في الدعوة إلى الله عزَّ وجل ، إذاً أول أنواع الفتن في حياة الإنسان أن يُفْتَنُ بوالديه ، ربنا عزَّ وجل قال :

      

      أي أيها الإنسان أنت مكلفٌ أن تحسن إلى أمك وأبيك ليس غير ، أما العبادة فلله عزَّ وجل ، وقد يفتن الإنسان إذا تلقَّى أمراً من أمه وأبيه بغير ما يرضي الله عزَّ وجل ، هذه أول فتنة ..

      

       من هذه الفِتَن أن يكون الإنسان ذا علاقةٍ متينةٍ مع والديه ، وقد يأمراه بغير ما يأمر به الله عزَّ وجل .

 

Text Box: معنى الإحسان للوالدين :
 

 

الشيء الثاني :

      

      معنى ( حسناً ) هذه الكلمة مصدر حَسُنَ ، يَحْسُنَ حُسْنَاً ، المقصود : ووصينا الإنسان بوالديه توصيةً حَسَنَةً ، فأنت أيها الإنسان موصى من قبل الخالق بالإحسان لوالديك ، وكلكم يعلم أن المحسن لوالديه له في الدنيا جزاءٌ ، وفي الآخرة جزاء ، له في الدنيا معاملةٌ طَيِّبَةٌ من لله عزَّ وجل ، وتوفيقٌ في أعماله ، وعوام الناس يعرفون هذه العلاقة ، وله في الآخرة عند الله مقامٌ خاص لبره لوالديه ، لِذا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ :

(( قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُجَاهِدُ ؟ قَالَ : لَكَ أَبَوَانِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ )) .

[ متفق عليه ]

       إذا بر الإنسان أمه وأباه هذا العمل ربما يكفي كي تلقى الله وهو عنك راضٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

(( إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ ، وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ ، قَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا )) .

[ النسائي ، أحمد ]

 

، القول الشائع : " الجنة تحت أقدام الأمهات " .

      

Text Box: الاستثناء من طاعة الوالدين :
 

 

   هنا المُشكلة ، ربنا عزَّ وجل بدأ بالوصية الحسنة ، تم ذكر المشكلة التي قد تقع ، قال سبحانه :

      

ماذا تعني ما ليس لك به علم ؟

      

Text Box: معنى : وَإِنْ جَاهَدَاكَ 
 

 

       أي وإن حملاك ، وإن دفعاك ، وإن أمراك ﴿ أَنْ تُشْرِكَ بِي ﴾ ، أن تعبد غيري ، أن تذعن لغيري ، أن تطيع غيري ، أن تعصيني .. ﴿ فَلاَ تُطِعْهُمَا ﴾ ..

      

        هذه الآية أصلٌ في أن التقليد مرفوضٌ في المعصية وفي الإيمان ، فالإيمان لا يقبل تقليداً ، لا يقبل إلا تحقيقاً ، ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ .

لو سُمِحَ لإنسان أن يقلِّد إنساناً لكان هذا التقليد عذراً للضال ، تقول : يا رب ، تابعت فلاناً فأضلني ، لذلك لا يقبل الإيمان إلا تحقيقاً عند أهل السنة والجماعة ، وهذه الآية تؤكِّد ذلك :

      

﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ .

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ﴾ .

( سورة محمد : من آية " 19 " )

       الآيات القرآنية التي تتحدَّث عن العقل ، وعن أن العقل دليلٌ إلى الله عزَّ وجل ، وعن أن الإنسان يجب أن يُعْمِلَ عقله في معرفة الله عزَّ وجل تقترب من ألف آية ، وفي الأثر :

" أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً " .

      

Text Box: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :
 

 

فإذا كان الأب والأم على جانبٍ من الإيمان والتقوى والصلاح لا توجد مشكلة إطلاقاً ، لأن أمر الأب والأم من أمر الله عزَّ وجل ، وطاعاتهما عندئذٍ واجبة ، ماذا قال سيدنا الصديق ؟ << أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >> .

ولكن المشكلة أن ينشأ الإنسان في وسط غير مؤمن ، في بيئة غير مؤمنة ، له أب غير مهتدٍ إلى الله عزَ وجل ، الأب له أمر ونهي ، هذه من الفتن الكبيرة التي قد يتعَرَّض لها الإنسان حينما ينشأ في هذه الحياة الدنيا ، يا أخي ؛ قال لي أبي ذلك ، أبي رباني ، هذا توجيهٌ من الله عزَّ وجل ، يقول الله عزَّ وجل :

      

      يا أمي لو أن لكِ مئة نفسٍ فخرجت واحدةً وَاحدةً ما كنت لأكفر بمحمد ، فكلي إن شئتِ أو لا تأكلي ، أما سيدنا سعد فقد كان باراً بأمه ، هنا البطولة ، أن تكون باراً ، وأن تكون محسناً ، وأن تكون راعياً ، وأن تكون كريماً ، أما في أمور العقيدة  أمور الدين ، فهذه لله وحده .

      

Text Box: احذروا معصية الله ، فإن الله يقول : إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
 

 

       هذه الكلمة دقيقة جداً ، أنت الآن أيها الإنسان تعيش مع أمك وأبيك ، تعيش إلى أمدٍ محدودٍ جداً ، ربما بعد حين تستقل عنهما في بيت ، أما إذا عصيتني وأطعت أمك وأباك ، فالبقاء في النهاية معي  .

      

العودة إلى الله عزَّ وجل ، لن يكون معك أحدٌ يُدافع عنك ، أو يحمل عنك التَبِعَة  .

      

من معنى : ﴿ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ نستفيد أنّ الإنسان مهما طال عمره فـ :

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26) ﴾ .

( سورة الغاشية)

       البطولة أن تنظر إلى هذا الرجوع إلى الله عزَّ وجل ، لهذا الحساب الدقيق ، لهذه الأبدية في الجنة أو في النار ، هنا البطولة ، لا أن ترعى حياةً مؤقتةً ، لا أن ترعى حياةً فانيةً سريعة الزوال ، وشيكة الانتقال :

      

Text Box: معنى : فَأُنَبِّئُكُمْ 
 

 

      معنى فأنبئكم ، أي أنا معكم كنت في الدنيا ؛ عليمٌ بحركاتكم وسكناتكم ، عليمٌ بكل مقتضيات حياتكم ، بكل أفعالكم ، بكل نياتكم ، إذاً ما دام الله عزَّ وجل معنا فهو عليمٌ بأفعالنا ، وما دامت الرجعة إليه ..

      

       فالأمر غداً جلياً واضحاً . إذاً عنده الحساب ، فالبطولة أن تحسب حساباً لهذه الرجعة ولهذا العلم الإلهي الذي يعلم كل حركاتنا وسكناتنا .

 

      

Text Box: مَن هُم الصالحون ؟

 

من هم الصالحون ؟ قال العلماء : هم الهداة ، لقول الله عزَّ وجل :

﴿ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101) ﴾ .

( سورة يوسف )

دعاء الأنبياء .

ودعاء نبيٍ كريم  :

﴿ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ(89) ﴾ .

( سورة الأنبياء )

       أي الصالحون بعطائنا ، الصالحون لإكرامنا ، الصالحون لهذه الجنة الأبدية السرمدية ، الصالحون لإكرامنا .

       إذاً الله سبحانه وتعالى حينما يقول :

      

        بدأ بالتوصية بالحسنى ، وثَنَّى بأنه من الفتن التي قد يتعرض إليها الإنسان أن يتلقَّى أمراً ممن كان سبب وجوده ، وممن كان سبب استمراره في وجوده ، برعايته ، وتربيته ، هذه العلاقة المُتميزة ، إما أن تكون في عالم الإيمان عاملاً سلبياً أو عاملاً إيجابياً ..

      

       هؤلاء الذين عرفوا الله عزَّ وجل ، واستقاموا على أمره هؤلاء دخلوا في الصالحين لعطائنا ، دخلوا في زُمرة المهتدين الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .

Text Box: وقفة موجزة عند مرتبة الإحسان :
 

 

وقفة قصيرة عند مرتبة الإحسان ، ما دام الله عزَّ وجل قال :

      

      الإحسان أيها الإخوة ، كما قال بعض العلماء : لُبُّ الإيمان ، الإيمان ؛ صلاة وصوم وحج وزكاة ، وأمر ونهي ، ومعاملات ، وعبادات ، وأخلاقيات ، يمكن أن تلخِّص الدين كله بالإحسان ، إذاً هو لُبُّ الإيمان وروح الإيمان ، وكمال الإيمان ، مَن حسْنتْ عبادته ، وساء عمله فقد ابتعد عن جوهر الدين ، من صام وصلَّى وزعم أنه مسلم ، ولم يكن محسناً إلى أقرب الناس إليه ، إلى والديه ، إلى أهله ، إلى أولاده ، إلى جيرانه ، إلى من معه ، إلى من هم فوقه ، إلى من هم دونه ليس مسلماً ، إذاً هو لُبُّ الإيمان ، ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ(60) ﴾ .

( سورة الرحمن )

       إنها آيةٌ جامعةٌ مانعة ، أي أنه سبق لك من الله إحسان ، وجودك إحسان ، أن يَمُدَّكَ بما تحتاج هو إحسان ، أن يرشدك إليه هو إحسان ، نعمة الإيجاد إحسان ، نعمة الإمداد إحسان ، نعمة الإرشاد إحسان ، إذاً أنت حَسَنة من الله عزَّ وجل ، أنت في مجملك إحسانٌ من الله :

﴿ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ(60) ﴾ .

( سورة الرحمن )

       يجب أن ترُدَّ الجميل ، لذلك لما ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ .

( سورة البقرة : من آية " 29 " )

       وفي آية ثانية قال سبحانه :

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ .

( سورة الجاثية : من آية " 13 " )

       الكون كله مسخرٌ لك أيها الإنسان ، تسخير تعريف وتسخير تكريم ، ردُّ الفعل الأول أن تعرفه ، وردّ الفعل الثاني أن تشكره ، لذلك قال ربنا عزَّ وجل :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾ .

( سورة النساء : من آية " 147 " )

       هذا درس موجز ، أساسيات الدين ..

﴿ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ ﴾ .

       وجودك إحسان ، إمدادك إحسان ، هدايتك إحسان ، زوجتك إحسان من الله لك ، أولادك ، أجهزتك ، أعضاؤك ، ما حولك ، الأرض بجبالها ، بوديانها ، بسهولها ، بهذا الطعام الذي أعده الله لك ، بهذه الأشياء التي حببها إليك ، كُلُّكَ إحسان من الله عزَّ وجل ..

﴿ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ(60) ﴾ .

( سورة الرحمن )

       كيف تكون محسناً ؟ (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، إذا كنت في حالة حضورٍ مع الله عزَّ وجل عندئذٍ تكون محسناً ، (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، وهذه المرتبة ، مرتبة الإحسان أعلى من مرتبة الإيمان ، إسلامٌ فإيمانٌ فإحسان ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

" هل جزاء من علم أنه لا إله إلا الله ، وعمل بما جاء به محمدٌ إلا الجنة ؟ " .

       ما هو الإيمان ؟ أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله ، وأن تتابع النبي في سيرته وفي سُنَّتِهِ ، العملية إيمان وعمل ، هذا هو الإحسان ، ﴿ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ ﴾ ، بأن تعرف الله ، وبأن تنفذ أمره ، ﴿ إِلاَّ الإِحْسَانُ