English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت ( 29 ) : 5/16 :ـ 2/11/1990 ـ الآيات [ 10 ـ 18 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

    Text Box: مقدمة تذكيرية :
 

 

     أيها الإخوة الأكارم ، مع الدرس الخامس من سورة العنكبوت ، تَذْكرون أن الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة قال :

      

     أن تكون في مدرسةٍ عالية فيها كل ما يحتاجه الطالب ، وقد أُنْفِقَ على بنائها مئات الألوف ، بل عدَّة ملايين ، وأن تُجَهَّزَ بالمختبرات ، وقاعات التدريس ، وقاعات المحاضرات ، والحدائق ، والمطاعم ، وأن تدخل هذه المدرسة ، وأن تكتفي منك إدارة هذه المدرسة أن تقول لها : إنني متفوِّقٌ في هذه المادَّة ، فيقبل هذا الكلام وتنجح ، هذا مستحيل ..

      

         إذاً هناك فِتَن ، والفتنة في أدق تعاريفها إظهار ما في النفس ، فقد يُفْتَن الإنسان فينجح ، وقد يُفْتن فيرسُب ، قد يفتن فيأتي الواقع مؤكِّداً لقوله، وقد يُفتن فيأتي الواقع مكذِّباً لقوله ، والله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يَقْبَلَ منك قولك : إنك مؤمن ، بل لابدَّ من أن يقنن الإنسان ، أي لابدَّ من أن يُمْتَحَن .

       Text Box: بعض موطن الفتنة : 
 

 

الفتنة الأولى : فتنة الوالدين ::

      ربنا عزَّ وجل في هذه السورة بيَّن لنا بعض المواطن التي يُفْتَنْ فيها الإنسان ، أول مَوْطِنٍ يُفْتَن من قِبَل أبويه ، فكما أن الله سبحانه وتعالى خلق هذه العاطفة الأصيلة بين الآباء والأبناء من أجل أن ينمو الأبناء ، وأن ينشئوا في حجر آبائهم  ، هذه العلاقة الأبويَّة قد توظَّفُ في غير مصلحة الإيمان ..

      

      هذه فتنة ، والله سبحانه وتعالى يُعْبَد ، والأبُ والأم يُحْسَنُ إليهما ، وفرقٌ كبير بين العبادة وبين الإحسان ، لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق .

الفتنة الثانية : فتنة الوالدين : دعوى الإيمان بالله :

       الفتنة الثانية ، يقول الله عزَّ وجل  :

      

      لو أن الله عزَّ وجل قال : " ومن الناس من يؤمن بالله " اختلف المعنى اختلافاً كلياً ، الله عزَّ وجل قال :

      

     ومعنى يقول أيْ يَدَّعي ، يدَّعي أنه مؤمن ، وأنا متأكِّد أنه ما من إنسانٍ في العالم الإسلامي يصلي الصلوات الخمس إلا ويدَّعي أنه مؤمن ، والقضيَّة ليست بالدَعوى ، لو أن القضيَّة بالدعوى فالأمر سهلٌ جداً ، فالله قال :

      

     هذه ( مِن ) تفيد التبعيض ، أيْ أنَّ بعض الناس يقول : أنا مؤمن ، يقول : أنا مؤمن ، تَبَجُّحاً ، يقول : أنا مؤمن ، تأكيداً لإيمانه ، يقول : أنا مؤمن ، افتخاراً ، يقول : أنا مؤمن ، هكذا ليتعالى على أقرانه ..

      

الله عزَّ وجل لا يمكن أن ينخدع ، ولا يمكن أن يَخْدَع .

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ .

( سورة النساء : من آية " 142 " )

       فهذا الذي ادَّعى أنه مؤمن ، وقال : إنه مؤمن ، وأكَّد أنه مؤمن ربنا عزَّ وجل يمتحنه ..

      

Text Box: معركة الحق والباطل قديمة وأبدية :
 

 

       كلُّكم يعلم أن هناك كفرا وإيمانا على مَرِّ الزمان ، وهناك معركةٌ قديمةٌ وأبديَّةٌ بين الكفر والإيمان ، أهل الحق مع الحق ، وأهل الباطل مع الباطل ، أهل الحق يعبدون الله عزَّ وجل ، وأهل الباطل يعبدون شهواتهم ، ومنذ القديم  يسعى أهل الحق لهداية أهل الباطل ، ويسعى أهل الباطل لإغواء أهل الحق ، هذه معركةٌ قديمةٌ قِدَمَ الإنسان ، منذ أن كان الإنسان على وجه الأرض فهذه المعركة قائمة .

        فإذا آمنت ، أو ادَّعيت الإيمان ، أو ذهبت إلى المسجد ، أو صليت الصلوات الخمس ، أو غضضت بصرك عن محارم الله ، أو ترفَّعت عن أكل المال الحرام ، أو فعلت شيئاً يثبت أنك مؤمن ، أو أردت أن تنحاز إلى أهل الإيمان ، أو أردت أن تكون مع المؤمنين في مشاعرهم، في طموحاتهم ، في آلامهم ، في آمالهم ، إذا أنس الناس منك أنك مع المؤمنين ، وأنك في صفِّ أهل الإيمان ، وأنك مع الحق هناك محاولاتٌ دائمةٌ ، وقديمةٌ ، ومستمرَّةٌ ، ومستقبليَّةٌ ، هناك محاولاتٌ لزحزحتك عن إيمانك ، لذلك كما أن الطالب المُقَصِّر يتمنَّى أن يكون جميع الطلاب مقصِّرين ليستأنس بهم ، كما أن الطالب المُهمل لواجباته يتمنّى أن تتسع هذه الدائرة كي تصبح ظاهرة اجتماعيَّة ، كي تصبح قانوناً ، فلذلك بعض الناس يُرغِمون المؤمنين على أن يعودوا إلى الكفر .

        بالمناسبة ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )) .

 

[ متفق عليه ]

Text Box: صورة لثبات الإيمان : سحرة فرعون :
 

 

       لو أن الدنيا بأكملها ، لو أن السماء أطبقت على الأرض ، لو أن كل من على الأرض كفر ، ولو أن كل من على الأرض هدَّد المؤمن فإنه لا يتزحزح عن إيمانه ، هذا هو الإيمان ، والدليل :

       حينما سخَّر فرعون السَّحَرَة ليكونوا دعماً له في علاقته ، أو في خصومته مع سيدنا موسى، فقد جاءوا بحبال وفَرَّغوها ، ووضعوا فيها الزئبق كما تروي بعض الكُتَّاب ، وضعوها على مكان ساخن ، لعلَّ الزئبق إذا تمدَّد تحرَّك ، وحرَّك معه الحبال ، أما سيدنا موسى فحينما فقد ألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين ، وهم سحرة عمالقة في السحر ، فكانوا أولَ منْ عرفَ أن هذا ليس بسحر ؛ بل هذه معجزة ، فقالوا :

﴿ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى(70) ﴾ .

( سورة طه )

       ماذا قال فرعون ؟ فرعون يمثِّل القوَّة ، وكما قال في موضعٍ آخر :

﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى(24) ﴾ .

( سورة النازعات )

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ .

( سورة القصص : من آية " 38 " )

﴿ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى(71) ﴾ . 

( سورة طه )

       ماذا قالوا ؟.

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72) ﴾ .

( سورة طه )

       أيْ كل ما تملك أن تزهق أرواحنا ، ونحن إذا أزهقت أرواحنا انقلبنا إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض ، هنا موطن قوَّة المؤمن ، والله عزَّ وجل وعده بحياةٍ طيِّبة ..

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61) ﴾ .

( سورة القصص )

 

 

Text Box: مِن سنن الله الجارية : 
 

 

 

1 – محاولات أهل الباطل إضلال المؤمنين :

      شيءٌ طبيعي أنَّك إذا آمنت ، إذا صلَّيت ، إذا غضضت بصرك عن محارم الله ، إذا تحرَّيت الحلال في كسبك ، إذا تحرَّيت الحلال في إنفاقك ، إذا أردت أن تكون مع المؤمنين شيءٌ طبيعيٌ جداً أن يأتي أهل الباطل ليُعيدوك إلى جادتهم ، أن يأتي أهل الباطل ليقنعوك بباطلهم ، هذه هي المعركة ، بين أهل الشهوات وأهل القُرُبات ، بين أهل العقل وأهل المصلحة ، فإذا حاول أهل الباطل أن يقنعوا هذا الذي يقول : آمنت ، بلسانه ولم يؤمن فعلاً ، وضغطوا عليه بطريقةٍ أو بأخرى ، سريعاً ما تنهار نفسه ، وينضمُّ إلى الكفَّار.

       لدينا مثل يقرِّب هذه الحقيقة : الإسمنت مادَّة معروفة ، إلا أنها لا تُعطي إنذاراً قبل أن تنهار ، هذه مشكلتها ، الإسمنت يتحمَّل قِوى ضغط عالية جداً ، لكنه لا يتحمَّل قِوى شدَّ إطلاقاً ، لذلك يُسَلَّح ، فلو فرضنا أن مهندساً أنشأ شُرْفَةً ، وهذه الشرفة بدا عليها بعض الخلل ، ماذا نفعل ؟ قال المتخصصون : لابدَّ من أن نحمِّلها بعض الأوزان ، فإن سقطت كان هو المطلوب ، وإن صمدت أكَّدت أنها سليمة البناء .

2 – ابتلاء المؤمن بالظروف العصيبة :

إذا ادَّعى الإنسان أنه مؤمن فربنا عزَّ وجل يضعه في ظرفٍ عصيب ، فإذا سقط في الامتحان فهذا تعريفٌ له وتعريفٌ للناس ، وحفزٌ له على أن يجدِّد إيمانه ، هذا امتحان مهم جداً، أنت لولا الامتحان تسترسل ، تنشئ لك قصوراً من الخيال ، لولا الامتحان لظننت أنك على شيء ، وأنت لست على شيء ، لولا هذا الامتحان لا تعرف حجم إيمانك ، الإنسان قد يبالغ بحجم إيمانه ، قد يظنُّ أنه مؤمنٌ كبير ، وهو في الحقيقة مؤمنٌ صغير ، فمن نعمة الله علينا ، من فضل الله علينا أنه يُحَجِّمنا دائماً ، كلَّما أشط بك الخيال ، وظننت أنك مؤمنٌ كبير يأتي الامتحان الصعب ، فإذا أنت مع شهوتك ، فإذا أنت مع مصلحتك ، فإذا أنت تخاف على مكتسباتك ، فإذا أنت تستجيب لهذا الضغط أو لهذا الإغراء ، فالمؤمن لا يستجيب لا لضغطٍ ضاغط ولا لإغراءٍ جاذب ، لا تؤثِّر فيه السياط اللاذعة ، ولا سبائك الذهب اللامعة ، لا هذه ولا تلك ، ولكنه مع الله عزَّ وجل ..

﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72) ﴾ .

( سورة طه )

        هناك من يَدَّعي الإيمان ، وما أكثرهم ، يأتي الامتحان ليفرز هؤلاء ، لهذا قال الله عزَّ وجل :

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ﴾ .

   ( سورة آل عمران : من آية " 179 " )

       مستحيل أن يدَّعي كل إنسان أنه مؤمن ، والأمر يبقى هكذا ، لذلك :

      

Text Box: وَمِنَ النَّاسِ مَن ْيَقُولُ آمَنَّا باللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ 
 

 

     أي فإذا أوذي من أجل إيمانه بالله ، له مركز ، هُدِّدَ في مركز الذي يشغله ، إن بقيت تصلي فلن تبقى في هذا المكان ، إذا فعلت كذا وكذا تُحْرَم من كذا وكذا ، إن قلت كذا تدفعْ كذا ، هناك من يقول له ذلك ، وهؤلاء الذين يقولون هذا الكلام مسخَّرون من قِبَل الله عزَّ وجل ليمتحن إيمانه ، فقد يأتون بقطعة إسمنت .. شاهدتها بعيني .. يأتون بها إلى المَخبر ، يمسكونها من أعلى ، ويضعون في أسفلها أوزاناً متدرِّجة في الصعود ، على أي وزن انقطعت هذه قوَّة تحمُّلها ، عند ذلك الوزن الذي انقطعت معه ، فيقولون : السنتيمتر المربَّع يتحمَّل مائتي كيلو من الضغط مثلاً ، أما على الشد فيتحمَّل أقلّ بكثير ، فأنت مؤمن ، ولك حجم ، تأتي الضغوط أو الإغراءات على أي وزن تفلت ؟ على أي وزن تعصي ؟ على أي مستوى تهديد تترك دينك ؟ على أي مستوى إغراء تقول : أخي أنا مضطر ، فماذا أفعل ؟ فلذلك هناك قِوى جذب ، وهناك قِوى ضغط .

الإنسان مُعَرَّض لضغوط ولإغراءات من قِبَلِ أهل الباطل ، إذا فعلت كذا وكذا نجعلك في هذا المكان ، نعطيك هذا المبلغ ، نرفعُ من قدرك ، وإن لم تفعل أمامك كذا وكذا ، هذه معركةٌ قديمة ومستمرَّة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، معركة أهل الإيمان مع أهل الكفر والبهتان ، فلذلك ربنا يحذِّرنا ..

      

Text Box: دعوى الإيمان لا تنفع :
 

 

       هو قال بلسانه ، القضيَّة سهلة ، أخي أشهدُ أنه لا إله إلا الله ، لو أنها تنتهي عند هذه الكلمات فالقضيَّة سهلة جداً ، ولكن هناك ضغوط ، هناك مُغْرِيَات ، قد ترى فتاةً جميلة فإذا أنت تنساق إلى الزواج منها على عِلاَّتها ، على تهتُّكها ، على تبذُّلها ، أين إيمانك ؟ انتهى الإيمان ، لذلك أهل الدنيا ينهارون عند نقطتين ؛ عند المال والنساء ، نقطتا ضعفٍ عند الإنسان الكافر المال والنساء ، سريعاً ما ينهار الإنسان ؛ أما المؤمن عنده صمودٌ في هاتين النُقطتين ، لذلك التعامل مع المؤمن صعب جداً ، صعب لأنه إنسان ذو مبدأ لا يُغَيِّر ولا يُبَدِّل، والدليل النبي عليه الصلاة والسلام وهو نبيٌّ مُرْسَل يأتيه الوحي ، وجاء بالمعجزات ، ومع ذلك لما جاء الضغط شديداً على من كان معه .

 

Text Box: أمثلة عن الامتحان في عهد الصحابة :
 

 

 

1 – امتحان غزوة الأحزاب :

ماذا قال أحدهم ؟ قال : " أيعدنا صاحبكم أن تُفْتَحَ علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته " ، جاء الضغط الخفيف فقال: صاحبكم ، ولم يقل رسول الله .

2 – امتحان ثعلبة :

       وثعلبة الذي آتاه الله الأموال الطائلة فأرسل النبي الكريم له إنساناً ليأخذ زكاة ماله قال : " قل لصاحبك ليس في الإسلام زكاة " ، الذي قال: أيعدنا صاحبكم ، هذا جاءه ضغطٌ فانكشف إيمانه ، والذي قال : " قل لصاحبك : ليس في الإسلام زكاة " ، جاءه إغراءٌ فانتقض إيمانه ، فالبطولة أن يموت الإنسان مؤمناً ، والآية الكريمة :

﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا(80) ﴾ .

( سورة الإسراء )

       الإنسان أحياناً في بدايات حياته يدخل مُدخل صدق ، ولكن وهو في درب الحياة يأتيه المال الوفير ، والمال يُطْغِي ، أو يأتيه الضغط الشديد وكاد الفقر أن يكون كفراً ، فالضغط الشديد والإغراء الشديد هما امتحانٌ قاسٍ لأهل الإيمان ، لذلك ماذا قال سيدنا علي ؟ قال :<< عَلِمَ ما كان ، وعلِمَ ما يكون ، وعَلِمَ ما سيكون ، وعلِم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون>> .

 

Text Box: دعوى الإيمان تحتاج إلى بيّنة :
 

 

أنت مستقيمٌ مادمت على هذا الدخل ، لو جاءك دخل يبلغ عشرة أضعافه فالله أعلم ونحن لا نعرف ما الذي يحصل ، كل إنسان له نقطة ضعف ينفك فيها ، فالإنسان إذا اهتم بإيمان حقيقي ، بنى إيماناً صحيحاً ، نعم إيمان ، كلمة إيمان ، ولا أبالغ كأن تقول : دكتوراه ، هذه كلمة ؟ سنوات طويلة ، ابتدائي ، وإعدادي ، وثانوي ، وليسانس ، ودبلوم عام ، ودبلوم خاص ، وماجستير، ومواد ، وأُطروحة ، ومناقشة ، ثم مواد ومناقشة ، حتَّى ينال هذا الإنسان لقب دكتور ، فإذا قال إنسان : أنا دكتور بلا دراسة فهذا مجنون ، كلمة إيمان ، متى آمنت ؟ متى جلست على ركبتيك حتَّى آمنت ؟ متى فكَّرت في خلق السماوات والأرض ؟ على يد من آمنت؟ أيّ المجالسٍ حضرت ؟ أيّ كتابٍ قرأت ؟ كيف تعاملت مع الله ؟ هل طَبَّقت العبادات ؟ هل قُمت بالواجبات ؟ هل أطعت الله ورسوله ؟ هل ضبطت شهواتك ؟ كيف آمنت ؟ هكذا آمنت ..

      

      أخي أنا مؤمن والحمد لله ، على ماذا ؟ أين عملك ؟ أين ورعك ؟ أين محبَّتك ؟ أين مؤاثرتك ؟ أين إخلاصك ؟ أين بذلك ؟ أين تضحيتك ؟ أين انضباطك ؟ مؤمن ..

      

Text Box: معنى الإيذاء :
 

 

أي جاءته مشكلةٌ بسبب إيمانه ، لأنه قال : أنا صائم فعل معه فلان كذا وكذا إيذاءً واستطالةً .

      

       أول ضغط أو إكراه أو وعيد قال : لا ، هذا شيء صعب لا يحتمل ، أي أنه وازن وجعل هذا الضغط الإنساني العابر المؤقَّت جعله كعذاب النار ، وهذا مِن أخسر الخاسرين ، ضغطٌ من بني البشر وضغطٌ عابر ومؤقَّت وقد لا يتحقَّق ، الله يمتحنك به ، يجب أن يكون شعارك دائماً كما قال سحرة فرعون :

﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72) ﴾ .

( سورة طه )

       طبعاً إنَّ الله عزَّ وجل لطيف يُحِبُّ أن تعرف نفسك ، من أنت ؟ ما مستوى إيمانك ؟ ..

      

Text Box: جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ
 

      فهذا الضغط ، هذا الوعد ، هذا الوعيد ، هذا الإكراه جعله مساوياً لعذاب النار ، وعذاب النار أبديّ ، الله عزَّ وجل قال  :

﴿ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا(13) ﴾ .

( سورة الأعلى )

       هذا عذاب النار ، شيء لا يُحتمل ، فلو وازنت بين عذاب الدنيا وبين عذاب النار ،  القضيَّة بسيطة جداً فلا مجال للمقارنة بينهما ..

      

Text Box: دعوى الإيمان عند المكاسب والمصالح :
 

 

 

هذا الذي يدَّعي الإيمان ، هذا الذي ينتمي للإيمان انتماء شكلي ، انتماء مصلحياً ..

      

      إنه يحبُّ الإيمان بأن يكون فيه مكاسب ، مغانم ، توفيقات ، عطاءات ، دائماً يَتْبَعُ العطاء ، إذا كان هناك شيء مريح ، مثلاً كأن يكون احتفال ، أو توزيع مكاسب ، أو وليمة ، أخي نحن منكم وفيكم يا أخي لمَ لمْ تدعونا ؟ إذا كان تكليف تراه يلحقه فلن ، فقد اختفى ، الإيمان عند مكاسب ، فعند المكاسب هو مؤمن ؛ وعند المتاعب تجد كل واحد يأخذ موقفاً ، لذلك :

      

فالله يكشف الإنسان كشفاً كاملاً ..

      

 

Text Box: هؤلاء من المنافقين فاحذروا أن طريقهم :
 

 

       ربنا عزَّ وجل وصف هؤلاء الذين يقولون : آمنا بالله فإذا أوذوا في الله جعلوا فتنة الناس كعذاب الله ، وإذا جاء النصر ، قالوا : إنا كنا معكم، هذه صفات المنافقين ، أي إذا أراد الإنسان الإيمان كمكاسب ورفضه كمغارم ، أراده مغانم ورفضه مغارم ، أراده تشريفاً ورفضه تكليفاً ، أراده قبضاً ورفضه دفعاً ، أراده شُكراً ورفضه صبراً ، قال العلماء : هذا في تقويم الله له منافق ..

       

ظاهره يتجلى بإيمان ، وباطنه حجودٌ وكفران .

      

Text Box: ادِّعاء الكفار تحمُّل مسؤولية المعصية وتبعاتها :
 

 

      بربِّكم هذه الكلمة ألا يقولها معظم الناس ؟ أخي ضعها في رقبتي ، مَن أنت ؟ من أنت حتَّى تقول : أنا أتحمَّل هذه المسؤوليَّة ؟ ..

      

       يحملك على المَعصية ، يحملك على كسب الحرام ، يحملك على تنمية المال تنمية ربويَّة ، يحملك على إطلاق البصر ، يحملك على حضور حفلات ماجنة ، يحملك ويقول لك : ضعها في رقبتي ، لم يعد هناك مكان في رقبتك لكثرة ما حملتها من أوزار ..

       

هم كاذبون ، كلامٌ لا يعني شيئاً ، كلام سمَّوْه خطابياً إنشائياً لا يعني شيئاً ..

      

 

Text Box: لا يحمل أحدٌ وزر أحدٍ : إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 
 

 

      كلمة : ﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ، الشيء هو أقل ما يمكن أن يوصف ، كل شيء ممكن اسمه شيء ،  و( مِن ) لبعض الشيء ..

      

        إنهم بهذا الكلام كاذبون ، هذا كلامٌ فيه كذبٌ كبير ، قد يقول لك أحدهم : أخي امشِ معي ، إلى أين أمشي معك ؟ إلى هنا ، إلى هذا المحل الفلاني ، تقول : لا يجوز ، فيقول : لا تدقِّق ضعها برقبتي ، هذا كلام أهل الدنيا ، كلام المنافقين ، كلام البعيدين عن الله عزَّ وجل ، كل إنسان محاسب بعمله وبقوله.

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

( سورة الأنعام : من آية " 94 " )

       فالإنسان غير المؤمن من غبائه ، ومن سوء طالعه ، ومن ضيق أفقه أن يصدِّق من يقول له : افعل هذا ، وضعه في رقبتي ، قال تعالى :

      

والأغرب من هذا :

      

Text Box: مَن دلّ على معصية تحمّل وزرها :
 

 

 

      تأكَّد أنك إذا دللت إنساناً على معصية وفعلها فالوزر نفسه تتحمَّله أنت من غير أن ينقص من أوزارهم شيء .

﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾.

( سورة النساء : من آية " 85 " )

       الكفيل حطَّاط ويُعزَّم ، إذا دللت إنساناً على معصية ، على كسب حرام ، على إرواء شهوة بغير ما يرضي الله عزَّ وجل ، على إنفاق مال في طريق غير مشروع ، على تنمية مال بطريق غير مشروع ، إذا دللت إنساناً على معصية فأنت تتحمَّل كامل الوزر من دون أن ينقُص من وزره شيء ، هذه الحقيقة خطيرة ، إذاً ما الذي سيحصل ؟ إنَّ هذا الذي دلَّه على معصية سيتحمَّل إثم معصيته هو وإثم كل مَن دلَّهم عليها..

      

       أحياناً يفعل الإنسان شيئاً ثم يموت ، وهذا الشيء قد يستمر ، ولو أن الله عزَّ وجل كشف له يوم القيامة أن مئة ألف فتاةٍ غَوَت بسبب هذا العمل الذي فعلته ، ومن بعده تركت الدنيا ، وكل هذه المعاصي في صحيفتك ، واللهِ الذي لا إله إلا هو عندها يَعُد الإنسان إلى مائة مليون قبل أن يقول كلمةً فيها إشارةً إلى معصية أو دلالة على معصية ..

      

Text Box: المفتري مسؤولٌ عن افترائه :
 

 

       أخي هكذا الدين ، الدين يسر ، هذا افتراء على الدين ، إذا قال واحد لك : الحديد غالٍ لا تضع الحديد في البناء ، أو ضع حديد بالمائة واحد، وأنت صدَّقت ، وحفرت الأساسات ، دفعت ثمن الإسمنت ، ثمن العمَّال ، وفي الطابق الثاني انهار البناء ، لماذا صدَّقته ؟ لِمَ لَمْ تسأل الخبراء ؟ فتسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .

﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14) ﴾ .

( سورة فاطر )

لم