English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت ( 29 ) : 6/16 :ـ 9/11/1990 ـ الآيات [ 16 ـ 21 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   

  

  الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

  أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس من سورة العنكبوت ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

       

Text Box: إبراهيم مع قومه :
 

 

قوله : ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ﴾ معطوفة على :

      

        ولقد أرسلنا نوحاً ، ولقد أرسلنا إبراهيم ..

 

      

Text Box: فحوى دعوة الأنبياء : أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
 

 

        الأنبياء جميعاً من دون استثناء فحوى دعوتهم : ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ .

الدين كله أن تؤمن بوجود الله ، وبتوحيده ، وأن تعبده ، جانب عقائدي ، وجانب سلوكي ، السلوك أن تعبده ، والعقيدة أن توحِّدَهُ ، أي أن تؤمن بوجوده وتوحده ، لذلك الآية الكريمة :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25) ﴾ .

( سورة الأنبياء )

       أي أنك إذا قلت لي : هل بإمكانك أن تضغط الدين كله في كلمتين ؟ قلت : نعم ، أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله ، وأن تعبده ، أمّا أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله ، فكل شيءٍ في الكون ينطق بهذه العقيدة .

وفي كل شيءٍ له آيةٌ    تدل علـى أنه واحـد

***

       وأمّا أن تعبده فالعبادة غاية الخضوع لله عزَّ وجل ، مع غاية الحًب ، خضوعٌ مع الحب ، لو أنه خضوعٌ فقط لا يسمى عبادة ، لو أنه حبٌ فقط لي تسمى عبادة ، الخضوع والحب أساسه المعرفة .

Text Box: العلم هو الطريق الوحيد إلى الله :
 

 

إذاً : العلم قبل كل شيء ، إذاً الطريق الوحيدة التي لا ثاني لها إلى الله هي العلم ، لذلك ربنا عزَّ وجل لم يعترف بأية قيمةٍ تواضعنا عليها ، الجمال ، والذكاء ، والقوة ، والغنى ، والمال فكل هذه لا قيمة لها ، أما العلم وحده في القرآن فهو قيمةٌ مُرَجِّحَة ..

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ .

( سورة الزمر : من آية " 9 " )

﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114) ﴾ .

( سورة طه )

Text Box: حب الوجود وسلامته وكماله واستمراره مطالب كل إنسان :
 

 

       إذاً : أيها الإخوة الأكارم ... من أجل أن ننجو وأن نسعد ، لأن الإنسان مفطورٌ على حب وجوده ، وعلى سلامة وجوده ، وعلى كمال وجوده ، وعلى استمرار وجوده ، من أجل أن نكون كما فطرنا لا بدَّ من أن نعبد الله ، ومن أجل أن نعبده لا بدَّ من أن نعرفه ، كيف نعرفه ؟ إنَّ ذاته لا يمكن أن نراه ولكن نرى آثاره ، نرى آياته ، آياته الدالة على وجوده ، آياته الدالة على وحدانيَّته ، آياته الدالة على أسمائه الحسنى ، آياته الدالة على صفاته الفُضلى ، آياته الدالة على أنبيائه ، آياته في كتابه، فإذا أُطْلِقَت كلمة (الآية) فإنما تعني الدليل على وجوده ، وعلى وحدانيته ، وعلى أسمائه الحسنى ، وعلى صفاته الفضلى ، وعلى نبوة أنبيائه ، وعلى رسالة رسله ، وعلى قضائه وقدره ، فالكون ينطق بوحدانيته ، في خلقه ، وأفعال الله عزَّ وجل لو تتبعتها لوجدت فيها أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى ، وكلامه لو قرأته وتدبرته لوجدت فيه الحق الصِرف ، إذاً :

      

        اعرفوه ، واعرفوا أمره ، وطبقوا أمره ، حتى تسعدوا في الدنيا وفي الآخرة ، ولو سألت ستة آلاف مليون إنسان .. فأهل الأرض الآن بالرقم التقريبي يعدون ستة آلاف مليون .. لو سألت هؤلاء الناس جميعاً من دون استثناء : ما هي المطالب الثابتة عندهم ؟ لأجابوا بلسانٍ القال ولسان الحال : السلامة والسعادة ، والسلامة والسعادة لا تتحققان إلا بمعرفة الله وطاعته ، لذلك منهج الله عزَّ وجل :

      

Text Box: عدم عبادة الله شقاء الإنسان :
 

 

        لكن أحياناً يأتيك أمر فإذا نفَّذته فقد نفذته ، وإن لم تنفذه لم يحدث شيء ، لو قيل لك : تعالَ اذهب معنا إلى هذه النُزهة ، فإن ذهبت كان بها ونعمت ، وإن لم تذهب فلا يحدث شيء ، أما عبادة الله عزَّ وجل إن عبدته فقد عبدته حقاً ، وإن لم تعبده شَقيت إلى الأبد ، فالقضية دقيقة ، لذلك ربنا عزَّ وجل قال :

      

       لأنكم إن لم تعبدوا الله فسوف تهلكونا ، وسوف تُعَذَّبون ، وسوف تَشْقَوْن ، وسوف يمضي الإنسان حياته الأبدية كلها في عذابٍ لا يحتمل .

إذاً : الموضوع ليس اختيارياً ، بمعنى الله إما أن تعبده ، وإما ألا تعبده ، لا ،  إما أن تعبده فتنجو ، وإن لم تعبده فتهلك ، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

      

Text Box: مفهوم التقوى الشامل :
 

 

      أي عبادته وتقواه ، معنى التقوى أي اتقِ عذابه بطاعته ، اتقِ سخطه برضوانه ، اتقِ الكفر بالإيمان ، اتقِ الشرك بالتوحيد ، اتقِ إتلاف المال بحسن كسبه ، اتقِ سَخَطَ الله عزَّ وجل بحسن إنفاق المال ، اتقِ العَطَبَ بهذه الحواس بأن تجعلها في طاعة الله عزَّ وجل ، العين التي تَغُضُّ عن محارم الله أغلب الظن أن الله يحفظها ، والأذن التي لا تسمع بها إلا الحق ، أغلب الظن أن الله يحفظها ، واليد التي لا تحرِّكها إلا في طاعة الله أغلب الظن أن الله يحفظها ، إذاً هذا معنى قول الله عزَّ وجل :

      

أي اتقوا غضبه برضوانه ، اتقوا عذابه بطاعته ، اتقوا عذاب الآخرة بمعرفته  .

      

Text Box: طاعة الله وتقواه خير لكم :
 

 

هذا كلام الخبير ، كلام الصانع ، كلام الخالق ..

      

     فيا أخي الكريم ، إذا توهَّمْتَ أن الخير في غير طاعة الله ، وفي غير عبادته ، فيجب أن تتهم نفسك بالضلال المبين ، إذا توهمت الخير في معصيته ، إذا توهمت الخير في المال فقط ، إذا توهمته في الجاه فقط ، إذا توهمته في اللذائذ فقط ، إذا توهمته فيما سوى الله ، فاحكم على نفسك بالضلال المبين ، لأن الله عزَّ وجل يقول :

      

هذا كلام الخالق ، هذا هو الخير يا عبادي ، ما سوى ذلك ليس خيراً إنما هو شرٌ مبين :

        

Text Box: كل إنسان يعصي الله مدموغ بالجهل :
 

 

      إذاً : كل إنسانٍ يعصي الله عزَّ وجل يمكن أن تَدْمَغَهُ بالجهل ، لو أنه يحمل أعلى شهادة ، لأن الله عزَّ وجل يقول ، وهذا كلام خالق الكون :

      

      فإن رأيتم طاعة الله ، وعبادته ، وتقواه ليست خيراً فأنتم لا تعلمون ، لذلك " كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، وكفى به جهلاً أن يعصيه ، المهم أن يكون مقياسك وفق هذه الآية ، أن ترى الفلاح والنجاح ، والفوز والتفوق ، والسعادة ، في طاعته ؛ وأن ترى الشقاء والحرمان ، والخزي والعذاب والقهر والتفاهة في معصيته ، قال ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105) ﴾ .

( سورة الكهف )

       لا قيمة لهم عند الله ، لا شأن لهم عند الله ، لهم صغارٌ عند الله هؤلاء الذين يعصونه ، لذلك : مَن أسعد الناس ؟ أسعد الناس ، من كان في طاعة الله ، كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله ، هذا أكبر نصر على عدوك إذا كنت أنت في طاعته وهو في معصيته ، لا تعاقب من عصى الله فيك بأشد من أن تطيع الله فيه هو عصى الله فيك ، وأنت أطع ربك فيه ..

      

     لا تكون عالماً إلا إذا عرفتَ الله ، لا تكونُ عالماً إلا إذا عبدته ، لا تكون ذا رؤيةٍ صحيحة إلا إذا سِرْتَ على منهجه ، فإذا اقتنى إنسان آلة ثمينة جداً ، قمة الذكاء تعني أن يتبع تعليمات الصانع لهذه الآلة ، وإلا يتلفها ، ويخسرها ، أو يأتي مردودها ضعيفاً :

   

Text Box: الشرك الجلي والشرك الخفي :
 

 

عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ بَكَى ، فَقِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ ، فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا ، وَلَا قَمَرًا ، وَلَا حَجَرًا ، وَلَا وَثَنًا ، وَلَكِنْ يُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ )) .

[ أحمد ]

هناك شركٌ جلي ، وهناك شركٌ خفي ، الشرك الجلي أن تقول : بُوذا إله مثلاً ، وأن تعبده من دون الله ، هذا شركٌ جلي ، أما الشرك الخفي أن تتوهَّم أن مصالحك عند زيد ، وأن عُبَيْداً بإمكانه أن يوقع فيك شراً ، وأن فلاناً بإمكانه أن يعطيك ، وأن عِلاَّناً بإمكانه أن يمنعك ، وأنه إذا رضي عنك فلان فأنت أسعد الناس ، وإذا غضب عليك فلان فأنت أشقى الناس ، هذا التصوُّر هو الشرك بعينه ، لأنه يتنافي مع لا إله إلا الله ، ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ﴾ .

( سورة محمد : من آية " 19 " )

       والعلم يحتاج إلى جُهد ، أكثر الناس يتوهَّمون أنهم بمجرد أن يقولوا : لا إله إلا الله ، انتهى الأمر ، وصار مسلماً .

مثلاً : لو أن إنساناً قال : مليون ليرة ، مئة مليون ليرة ، ألف مليون ليرة ، هل ملكها ؟ فرقٌ كبير بين أن تقول : ألف مليون ، وليس في جيبك ثمن رغيف خبز ، وبين أن تقول : ألف مليون ، وأنت تملك هذا المبلغ ؛ فرق كبير جداً ، فأن تقول : أشهد أن لا إله إلا الله فالقضية سهلة ، ينطق بها كل إنسان ، أما أن يكون لهذه الكلمة عندك رصيد ، هذا الرصيد هو الذي يحملك على طاعة الله ، وعلى أن ترضى بقضائه ، وعلى أن تحبه ، وعلى أن تتبع سبيله ، وعلى أن ترى يده هي اليد الكبرى في الكون ، ﴿ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، إذا كان لك رصيدٌ من هذه الكلمة ، رصيد كبير هذه تضفي عليك سعادةً وسكينةً ، وأمناً وطمأنينةً ، وتوازناً واعتدالاً ، وثقةً وإقبالاً ، وحكمةً وعزةً وكرامةً .

Text Box: مِن ثمار لا إله إلا الله :
 

 

1 – العزّة :

 من ثمار الإيمان بلا إله إلا الله العزة ، لأنك تعلم علم اليقين أن أمرك كله بيد الله ، وأن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً ، وأن هؤلاء الناس جميعاً لا يملكون لك شيئاً ولو اجتمعت كلمتهم ..

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ .

( سورة فاطر )

 إن خليفة عظيمًا كان يحج البيت ، التقى بتابعي جليل يُكنى أبا حازم ، قال له : سلني حاجتك ، قال : والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله ، فلما التقى به خارج المسجد ، قال : سلني حاجتك ، قال : والله ما سألتها من يملكها ، أفأسألها من لا يملكها ؟ فلما قال له : سلني حاجتك ، قال : أنقذني من النار ، قال : هذه ليست لي ، قال : إذاً ليس لي عندك حاجة ، فهناك غنى عند المؤمن .

قال أبو جعفر المنصور لأبي حنيفة : يا أبا حنيفة ، لو تغشيتنا .. تعال إلينا ، تفضل عندنا وزرنا ، نحن نحبك ، نأنسُ بك ، قال له : ولمَ أتغشَّاكم ، وليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه ؟ وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء ؟

قيل : " احتج إلى الرجل تكن أسيره ، استغنِ عنه تكن نظيره ، أحسن إليه تكن أميره " ، من ثمار الإيمان بلا إله إلا الله العزة ، فلا يوجد نفاق بعدها ، لأن هناك رؤية ، تدخل إلى دائرة مثلاً ، لك معاملة سفر ، يجب أن يوقعها المدير العام ، فهل تتوسل للآذن ؟ تبذل ماء وجهك أمام الآذن ؟ أمام موظف الاستعلامات ؟ أمام ضارب الآلة الكاتبة ؟ أمام الحاجب ؟ أمام مدير المكتبة مثلاً ؟ أنا يهمني المدير العام ، علاقتي كلها معه ، هذه الدائرة ثلاثة طوابق فيها مئتا موظف ، الذي يوقع الموافقة المدير العام ، ما لي حاجة لأن أبذل ماء وجهي لغيره ، هذه أشياء بسيطة جداً .

2 – راحة القلب وخلوه من الحقد :

لذلك إذا آمن بأنه لا إله إلا الله سعدت بالدنيا ، وارتاح قلبك ، ولن يكون في قلبك حقد أبداً ، أَنَّى لك الحِقد ؟ لأنه لا يقع شيءٌ بالكون إلا بعلم الله ، وبأمره ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ..

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾ .

( سورة هود )

فإذ آمنت بأنه لا إله إلا الله نجوت من الحقد .

3 – النجاة من الندم :

إذا آمنت بأنه لا إله إلا الله نجوت من النَدَم ، يقول لك : محروقٌ قلبي ضاع البيت من يدي ، لا ، فما كان لك ليس لغيرك ، وما كان لغيرك ليس لك .

(( لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) .

( سنن الترمذي : عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ  )

هذا الإيمان ، نجوت من الحقد ، نجوت من النَدَم .

4 – النجاة من الحسد :

نجوت من الحَسَد ، الله سبحانه وتعالى هو الحكيم ..

قل لمـن بات لي حاسـداً    أتدري على  من أسأت الأدب ؟

أسأت على اللـه في فعله    إذ لـم ترض لـي مـا وهب

***

       الحسود لا يرى حكمة الله عزَّ وجل ، لا يرى علم الله ، لا يرى عدالته ، فإذا آمنت بأنه لا إله إلا الله نجوتَ من الحسد ، نجوت من الحِقد ، نجوت من الندم .

5 – النجاة من التبعثر والشتات :

نجوت من التبَعْثُر ، اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفِكَ الوجوه كلها ، ومن جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها .

لك وجهة واحدة ، مُجَمَّع ، العدسة ضعها في أشعة الشمس ، وضع تحتها ورقةً في محرقها تحترق الورقة ، لماذا ؟ لأن هذه الأشعة كلها مجمعةٌ في نقطة واحدة ، تفعل شيئاً عظيماً ، أما إذا كانت هذه الأشعة مبعثرةً فلا تحرق شيئاً ، فالمؤمن مجتمعٌ ، وليس متفرقاً  .

(( مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا كُتِبَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ )) .

(من سنن ابن ماجة عن عثمان بن عفان )

       هذا التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، والموحد لا يرى مع الله أحداً ، نفسه ملتفتة ضارعة إلى الله عزَّ وجل :

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ .

( سورة الفتح : من آية " 10 " )

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾ .

( سورة هود )

Text Box: الإيمان قول واعتقاد وسلوك :
 

      

إذاً النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( من قال : لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة )) .

       ما أروع كلامه ، قال : (( بحقها )) ، لأنه من يقول : لا إله الله بغير حقها ألوفٌ مؤلَّفة ، ألوف الملايين ، ألف مليون مسلم الآن هل يقولونها بحقها ؟

(( من قال : لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ، قيل وما حقها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله )) .

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند ضعيف ]

       دائماً الإنسان الموفق في حياته والنبيه لا يعيش في الأوهام ، إيمانك له حجم ، هذا الحجم قد يكون كافياً أو غير كافٍ ، فإذا لم يحملك إيمانك على طاعة الله عزَّ وجل بقي فكرة ، معلومات ، ثقافة ، عواطف ، وظلَّ السلوك غير مستقيم ، لديك انحرافات ، ومخالفات ، ومعاصٍ ، إذا لم يحملك إيمانك على طاعة الله عزَّ وجل فإيمانك يحتاج إلى تجديد ، فيه خلل ، فيه نقص ، امتحنْ إيمانك ، دقق في معاملاتك ، في بيتك ، في علاقاتك الاجتماعية ، في بيعك في شرائك ، في عطائك وفي منعك ، في نُزهاتك ، وسفرك ، وحلك وترحالك ، هل هناك مخالفات ؟ إذا كان هناك مخالفات فحجم إيمانك غير كافٍ ، إلى أن يحملك على طاعة الله ، هذا هو الحد الأدنى ، هذا هو الحد الأدنى من الإيمان الذي يحملك على طاعة الله عزَّ وجل .

      

Text Box: الأوثان المادية والمعنوية :
 

 

1 – الأوثان المادية :

أي أصناما ، إما أنها أصنام مادية كهبل واللات ، ونسر ، ويعوق والعُزَّى .

 

2 – الأوثان المعنوية :

وإما أصنام معنوية .

﴿ أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ .

( سورة الفرقان : من آية " 43 " )

       الهوى قد يكون إلها ، قد تجد من يقول : أنا هوايتي كذا ، هوايتك كذا فهي إله من دون لله ، تُضَيِّعَ من أجلها الصلاة والعمل الصالح ، فإما أن تتخذ نفسك هواك وإلهك ، وإما أن تتخذ الآخرين آلهةً من دون أن تقول : أنتم آلهة ، هذا الشرك الخفي ، والشرك أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، وأدناه أن تحب على جور ، وأن تبغض على العدل .

       لك صديق عنده خلل في سلوكه ، عنده تقصير شديد ، تحبه حُبَّاً جماً ، محبتك لهذا الصديق الذي ليس مستقيماً محبةٌ مشبوهة ، فيها شرك خفي ، وإذا قدمت لك نصيحة ، وأخذتك العزة أن تقبلها ، فهذا أيضاً شرك خفي ، إذاً فالأوثان أنواع ، أوثان من أحجار ، وأوثان من لحم ودم ، وأوثان من شهوات ، هذا قول النبي الكريم :

عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ بَكَى ، فَقِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ ، فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا ، وَلَا قَمَرًا ، وَلَا حَجَرًا ، وَلَا وَثَنًا ، وَلَكِنْ يُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ )) .

[ أحمد ]

        فالشهوات إذا سيَّرتها في القنوات الشرعية النظيفة هذه ليست شركاً ، الإنسان تزوج ، هذه الشهوة سيرها أو صبَّها في القناة الشرعية ، كسب المال الحلال ، أما الشهوة الخفية التي عناها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث فهي التي تحملك على معصية الله ، أو تحجبك عن طاعته ، أو تبعدك عنه ، لذلك : لا حقيقة في الكون إلا الله ، أي شيءٍ قرَّبَكَ إليه فهو عمل صالح ، وأيّ شيءٍ أبعدك عنه فهو عمل سيِّئ .

      

      مِن حجر ، وهذه قبيلة ( ود ) صنعت إلهاً من تمر ، فلما جاعت أكلته ، فقالوا : أكلت ودٌ ربَّها ، قبيلةٌ أخرى نحتت إلهاً وعبدته من دون الله ، فجاء إنسان ليقف أمامه خاشعاً فرأى عليه بللاً ، فإذا هو بول ، فقال :

أربٌ يبول الثُعْلُبَانُ برأسه          لقد ضل من بالت عليه الثعالب

***

       

Text Box: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا 
 

 

       تتحدثون عن هذه الأصنام حديثاً كأنه شيء له فعل وله عمل ، ويمنح ويمنع ، يعطي ويغضب ويرضى ، اختلاق ، افتراء ، كلامٌ لا أصل له ، كلامٌ فارغ ليس له أصل ، أحياناً يتكلم الإنسان كلاماً ليس له معنى ، وليس له أصل ، لو قال لك واحد : أنا ذهبت مثلاً إلى أمريكا ، وعُدت في ساعة ، تقول له : أنت مجنون ، هذا كلام ليس له أصل ، هذا الكلام اختلاق ، لأن الواقع لا يؤكِّده .

       

       أيْ أنكم تحيطون هذه الأوثان بهالة من القُدْسِيَّة ، تفترون على الله الكذب ، توهمون الناس أنها مقدسة ، هكذا  .

      

Text Box: الرزق والتدبير بيد الله وحده :
 

 

إن أيّة جهةٍ في الأرض مهما قَوِيَت فهي بيد الله وقبضته :

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾ .

( سورة يونس : من آية " 24 " )

       إذْ يتوهَّم أحياناً بعضُ الكُبراء أن بإمكانهم أن يفعلوا شيئاً ..

﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ﴾ .

( سورة يونس : من آية " 24 " )

       هل في الأرض كلها جهةٌ مهما قويت ، مهما علا شأنها ، مهما ادعت فهل تستطع أن تُصدر قراراُ بإنزال المطر ؟ في إفريقيا ، بعض الأماكن بإفريقيا حبست عنها أمطار السماء سبع سنوات ، عندي صور لهذه المناطق ، الأبقار والأغنام مُلْقَاة جلدا فوق عظم ، واضطر أهلها أن يهاجروا من هذه البلاد ، ماذا نفعل لو أن الله عزَّ وجل حبس عنا الأمطار ؟

Text Box: المستحق للعبادة هو الخالق الرازق المالك لكل شيء :
 

 

هذه الأنهار كلها جافة الآن ، نرجو الله عزَّ وجل أن يغيثنا بسقيا رحمة ، فمن الذي يستحق العبادة ؟ الذي يملك أن ينزل الأمطار ، والذي يملك أن ينبت النبات ، نأكل طعاما وشراباً وخبزاً ، ولحماً وحليباً وجبنا ، وفواكه وخضراوات ، هذه من يخلقها ؟ يجب أن تعبد الذي خلقك ، والذي يرزقك ، والذي إليه المصير .

        الإمام الشافعي يرى عند قراءة الفاتحة أن تقرأ في الركعة الثانية مَلِكِ يوم ، وفي الركعة الأولى مَالِك يوم الدين ، فمَن هو المالك ؟ قالوا : المالك هو الذي يملك ولا يحكم ، والمَلِك هو الذي يحكم ولا يملك ، ولكن الله عزَّ وجل مالكٌ ومَلِك ، أيْ أنه يملك كل شيء ، ما معنى أن الله يملك ؟ أي يملك ويتصرَّف وإليه المصير ، قد تملك ولا تنتفع ، وقد تنتفع ولا تملك ، قد تسكن بيتاً ليس ملكاً لك ، ولكنك منتفعٌ به ، وقد تمتلك بيتاً ، ولست منتفعاً به ، وقد تمتلك بيتاً وتنتفع به ، ولكن مصيره ليس لك .

يجب أن تعبد الذي خلقك ، وأن تعبد الذي يملك لك الرزق ، هذا الهواء الله عزَّ وجل زود الغلاف الجوي بطبقة أوزون تمنع الأشعة القاتلة ، في بعض الأماكن صارت خلخلةٌ في هذه الطبقة ، لأسباب كثيرة .

قرأت مقالةً أن عدداً كبيراً جداً من الأشخاص أصيبوا بسرطان الجلد ، لخلخلة هذه المادة ، لو أن الله عزَّ وجل بقدرته أزال هذه المادة ، ماذا نفعل ؟ لو أنه حبس عنا الأمطار ، ماذا نفعل ؟ لو أن نِسَبَ الهواء تغيَّرت أصبح الهواء غير كافٍ ، لحدث للإنسان ضيق نَفَس ، لو أن هذا النبات لم ينبت ماذا نفعل ؟ نعبد من إذاً ؟ نعبد الذي خلقنا والذي أمدنا بالرزق ، بالهواء ، بالماء ، بالخبز ، بالطعام ، بالشراب ، إذاً :

      

Text Box: الترغيب في سؤال الله والترهيب من سؤال الناس من غير ضرورة :
 

 

لذلك فالإنسان يطلب من الله رزقاً  ..

(( من جلس إلى غنيٍ فتضعضع له ، ذهب ثلثا دينه )) .

 [ الترغيب والترهيب عن أبي الدرداء بسند ضعيف ]