English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت ( 29 ) : 7/16 :ـ 16/11/1990 ـ الآيات [ 19 ـ 23 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

  

   الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع من سورة العنكبوت ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى .

      

Text Box: أَوَ لَمْ يَرَوْا

 

حيثما وردت كلمة : ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْا ﴾ ، و : أَلَمْ تَرَوْا  ، فهي تفيد أنَّ الشيء الذي سيأتي بعدها آيةٌ ظاهرةٌ ، بيِّنةٌ ، دالَّةٌ على عظمة الله عزَّ وجل ..

﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ(6) ﴾ .

( سور ق )

        الآيات التي بثَّها الله في الكون آياتٌ ظاهرةٌ ، بيِّنَةٌ ، واضحةٌ ، كلُّها دالَّةٌ على عظمة الله عزَّ وجل .

وفي كل شيء له آيةٌ    يدلُّ عـلى أنه واحدُ

***

Text Box: أهداف بث الآيات في الكون :
 

      

ننتقل إلى معنى دقيق جداً ، هو أن كل شيءٍ بثَّه الله في الأرض من آيات له هدفان كبيران :

 

الهدف الأول :

        أن تتعرَّف إلى الله من خلاله ، وهذا الهدف يتصل بالآخرة .

الهدف الأول :

أن تنتفع به في الدنيا وأن تشكر الله عليه .

Text Box: موقف المؤمن من آيات الله :
 

 

إذاً : أنت دائماً مع خلق الله عزَّ وجل ، ويجب أن يكون لك موقفان .

الموقف الأول : موقف الإيمان :

 

الموقف الثاني : موقف الشكر :

موقف الشكر .

الإيمان والشُكر .

 

Text Box: خلق السموات والأرض له وظيفتان : تعريف وإكرام :
 

 

لأن كل شيءٍ خلقه الله عزَّ وجل له وظيفتان ، أداة للتعريف وأداة للإكرام ، الله عزَّ وجل عرَّفك بذاته من خلال هذا الكون ، وأكرمك بهذا الكون ، فكأن الكون قد سُخِّر لك مَرّتين ، سُخِّر لك تسخير تعريف ، وسُخِّر لك تسخير تكريم ، فأنت مطلوبٌ كي تؤمن به ، وأنت مستهدفٌ كي تَشْكُرَهُ ، مِن هنا قال الله عزَّ وجل :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147) ﴾ .

( سور النساء )

        أيْ أَنَّكم إذا آمنتم وشكرتم حقَّقتم الهدف الذي من أجله خُلِقْتم ، يجب أن تؤمن ويجب أن تشكر ، فلو أن إنساناً قدَّم لك جهازَ هاتفٍ من مستوى رفيع جداً ، وقال لك : هذا أنا صمَّمته ، وهو لك مني هديَّة ، فماذا يكون ردُّ فعلك ؟ إنَّك تتأمَّل هذا الجهاز ، ترى دقَّة هذا الجهاز ، ترى خدمات هذا الجهاز ، ترى شكل هذا الجهاز الأنيق ، ترى جُزْئِيَّاتِه الدقيقة ، ترى عمله المنتَظَم ، ترى حساسيَّته البالغة ، ترى بعض الأشياء الآليَّة فيه ، فأنت كلَّما تأمَّلت هذا الجهاز ازددت إكباراً ، واحتراماً ، وتبجيلاً لهذا الذي صنعه ، وما دام قد قُدِمَ لك هديَّةً من قِبَلِه فينشأ معك شعور آخر ، وهو شعور الشكر ، فأنت ما دمت تعرف الله عزَّ وجل وتشكره فأنت على الصراط الصحيح ، أنت في الموقع الصحيح ، أنت في الهدف الصحيح ، فعندما سأل سيدنا موسى ربَّه فقال :

" يا رب ، أيّ عبادك أحبُّ إليك حتى أحبَّه بحبِّك ؟ قال : يا موسى أحبُّ عبادي إليَّ تقي القلب، نقي اليدين ، لا يأتي إلى أحدٍ بسوء ، أَحِبَّني وأََحِبَّ من أحبَّني وحبَّبني إلى خلقي ، قال : يا رب إنك تعلم أني أحبُّك وأحبُّ من يحبُّك فكيف أحبِّبك إلى خلقك ؟ قال : ذكِّرهم بآلائي ونَعمائي وبلائي " .

       هذا الكلام يُستنبط منه أنه لابدَّ من أن يكون في قلب المؤمن شعور المحبَّة لله عزَّ وجل ، وشعور الخوف منه ، وشعور التعظيم له ، تعظيمٌ وخوفٌ ومحبَّة ، الآيات الكونيَّة من أجل أن تُعَظِّمَهُ ، والمصائب والبلايا من أجل أن تخافه ، والنِعَمُ الكثيرة من أجل أن تحبَّه ، إذاً تعظيمٌ وحبٌّ وخوف ، لذلك ربنا عزَّ وجل يقول :

      

كأن الله يدعوك إلى أن ترى ، هل رأيت ؟ فالحياة تستهلك كل الناس ، أنت مستهلك من قِبَلِ أهلك ، وأولادك ، وعملك ، وتجارتك ، وصناعتك ، ووظيفتك ، أم إنَّك لك وقفات مع الله عزَّ وجل ؟ ربنا قال :

      

    هل تأمَّلت مرَّةً ؟ هل فكَّرت مرَّةً ؟ هل دَقَّقت ؟ إذا شربت كأس الماء ما ردُّ الفعل عندك ؟ البحر ملحٌ أُجاج من جعله عذباً فُراتاً ؟ إذا تناولت رغيف الخبز ، هذا القمح مَن صمَّمه لك ؟ إذا تناولت الحليب واللبن ومشتقَّات الحليب ..

﴿ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ .

 ( سورة النحل : من آية " 5 " )

       ردّ الفعل ؟ لابدَّ مِن رَدَّيْ فعل ، الفعل هو خلق السماوات والأرض ولاً ، وتسخير هذا الكون لك ثانياً ، فردُّ الفعل العِرفان والشُكْرَان ، الإيمان والشكر ، لذلك لا تنجو من تأديب الله ولا من معالجته إلا إذا عرفته وشكرته ..

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147) ﴾ .

( سور النساء )

        هذه الآية يُسْتَنْبَط منها أنك إذا كنت في ضيق ، إذا كانت الأمور على غير ما تريد ، إذا ظهرت عقباتٌ في حياتك ، إذا كنت منقبض القلب ، إذا كانت الأمور مُعَسَّرة فارجع إلى هذه الآية .. ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾ .. معنى هذا أن هناك خللاً في الإيمان أو في الشكر ، ربنا عزَّ وجل يقول :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82) ﴾ .

( سور الأنعام )

       لو أنَّك آمنتَ وظلمتَ ، لو أنك آمنت ولم تشكر ، لو أنك شكرت ولم تؤمن ، فمن أجل أن تنجو من تأديب الله ، من عقوبة الله ، من معالجة الله ، من تربية الله ، من أجل أن تنجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة يجب أن تؤمن وأن تشكر ، يجب أن تعرف الله ، وأن تعرف نِعَمَهُ، يجب أن تعرف المُنْعِمَ والنِعمة ، هكذا .

 

Text Box: وجوب النظر والتأمل والتفكر في الكون :
 

       

إذاً حيثما قال الله لك :

       

يجب أن ترى ، يجب أن تجلس كي تتأمَّل ، يجب أن تستمع ، إما أن تأخذ العلم خالصاً ، وهذا لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع ، إما أن تطبخ هذا الطعام ، وإما أن تأكله جاهزاً ، إذا جئت إلى مجلس علم تناولت هذا الطعام الإلهي جاهزاً ، أجل إنه الغذاء الإلهي ، وإذا جلست كي تتأمَّل ربَّما هداك تأمُّلك إلى شيءٍ من هذه الحقائق .

إذاً إما أن تتلقَّى ، وإما أن تتأمَّل ، على كلٍ لابدَّ من نشاطٍ تَعَرُّفيّ ، ما دام الله عزَّ وجل قد خلق فيك القوَّة الإدراكيَّة والتي ميَّزك الله بها عن كل المخلوقات ، إذاً : لابدَّ من أن تبذل نشاطاً في معرفة الله عزَّ وجل وفي شكره ..

      

Text Box: دعوة إلهية إلى التفكر : أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه 
 
 

 

 

1 – التفكر في النفس المخلوقة :

        قد يقول قائل : أنا ما شاهدت كيف خُلِقْت ؟ لكن الله عزَّ وجل جعل نظام البَشَر على أساس التوالد ، فإذا كنت غائباً عن نشأتك هذه نشأة ابنك أمامك ، تعلم علم اليقين أن هذا الابن الذي أمامك ، الذي يلعب ، الذي يضحك ، الذي يتثاءب ، الذي يتكلَّم ، الذي يبتسم ، الذي يأكل ، له فم ، له لسان ، له لسان مزمار ، له مَريء ، له معدة ، له أمعاء ، له كبد ، له صفراء ، له بنكرياس ، أمعاء دقيقة ، أمعاء غليظة ، زُغابات ماصَّة ، أوردة ، شرايين ،قلب ، رئتان ، كبد ، له كليتان ، كظران ، رُغامى ، له قصبتان ، قلب ، دماغ ، مخ ، مخيخ ، له بصلة سيسائيَّة ، نخاع شوكي ، فقرات ظهريَّة ، له عظام بعضها ثابت وبعضها متحرِّك ، عضلات ، شعر ، أظافر، له قِوام ، وله نَفْس .

       هذا الذي أمامك يلعب في البيت ؛ كان كما تعلم حُويناً منويّاً لا يُرى بالعين ، ثلاثمائة مليون حوين في اللقاء الواحد ، تختار البويضة حويناً واحداً ، إذاً إذا قلت : أنا لا أعرف كيف خُلِقْت فهذا ابنك أمامك ، ما أحد يعرف أكثر منك ، أن هذا الابن الذي أمامك كان حويناً ، وكان بُويضةً ، ولُقِّحَت هذه البويضة ، وتكاثرت ونَمَتْ ، والتصقت بجدار الرحم ، وجاءها الغذاء إلى أن أصبحت كائناً كاملاً في تسعة أشهر ، ثم خرجت إلى الدنيا ، وبدأت تنمو ، إذاً :

       

 

2 – التفكر في البذرة المخلوقة :

     البذرة التي تزرعها لها غلاف ، ولها مخزون من النشويات ، ولها رشيم كائن حي ، أخرجوا من الأهرام قمحاً زُرِعْ فنبت ، معنى هذا أن الرُشيم بقي حيّاً ستَّة آلاف عام ، في حبة القمح رُشَيْم حي ، إذا جاءته الرطوبة ، وجاءه الغذاء ، وجاءه الضوء ينمو سويقاً وجذيراً ، هذا الرشيم يصبح شجرة ، يصبح نبتة ، يصبح شَجَراً له صفات لا يعلمها إلا الله ..

      

       دقق النظر في ظاهرة النبات هذه ، فهي وحدها ظاهرةٌ كافيةٌ كي تسجد لله ؛ سجود الطائعين ، سجود الخائفين ، سجود الموقنين ، فلك أن ترى عملية نمو النبات لنعلم كيف يُبدئ الله خلقه .

3 – التفكر في الحيوان المخلوق :

       لك أن ترى الحيوان كيف يُبدئ الله خلقه ، هذه البيضة التي أمامك تأكلها وتقول : أكلت اليوم بيضاً ، هذه البيضة لو بقيت تحت أمِّها لأصبحت حيواناً كاملاً فيه عضلات ، فيه رئتان ، فيه قلب ، فيه أوعية، فيه دم ، فيه شرايين ، فرخ ( صوص ) ، حيوان كامل ، إذاً مَن حوَّل هذا السائل الأصفر والأبيض إلى كائن يتحرَّك ، ويزقزق ، ويلوذ بأمِّه ، ويكبر وينمو ، تأكل منه لحماً ، وتأكل منه طعاماً لذيذاً ؟

       البيض أمامك ، والحليب أمامك ، وخلق الإنسان أمامك ، الله عزَّ وجل لم يبعدك عن وسائل الإيضاح ، بل جعلها متوافرةً أمامك ، بثَّها في كل مكان ، وربنا عزَّ وجل يقول :

﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) ﴾ .

( سور الذاريات )

       آياتٌ كثيرةٌ دالَّةٌ على عظمته .

إذاً :

      

Text Box: الحكمة من استعمال فعل الرؤية لمن لم ير :
 

 

سألني سائل فقال : كيف يقول الله عزَّ وجل :

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1) ﴾  .

( سور الفيل )

       قد يقول قائل : واللهِ أنا ما رأيت ماذا حصل ، ما كنت وقتها ، هذا خبر تاريخي ، ويقول الله عزَّ وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ .

الجواب : أن إخبار الله عزَّ وجل من اليقينِ بحيث يُشابه الرؤية ، أيْ إذا قال الله عزَّ وجل في كتابه : ﴿ أَلَمْ تَرَ ، يجب أن ترى ، أن هذا الخبر الذي ذكره الله لنا في القرآن الكريم ، لأن الله هو القائل ، إذاً كأنه وقع على مرأى منك ، كأنه وقع أمامك لشدَّة الصدق ، إذاً ما دام الله عزَّ وجل يقول :

      

إذاً يجب أن نرى ، لهذا فالنبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( أُمِرْتُ أن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً ، ونظري عبرةً )) .

[ مشكاة المصابيح للتبريزي عن أبي هريرة ]

      أما قوله تعالى :

      

Text Box: معنى : يُبْدِئُ 
 

 

         قال بعض علماء التفسير : " إما من الإبداء أو من الابتداء " وكلاهما صحيح ، واللهُ عزَّ وجل يُظهر لك قدرته وعظمته من معرفة خلقك ، فأنت لا تعرف ماذا في أحشائك ، فيها كبد ، وصفراء ، ومعدة ، وأمعاء ، وعضلات ، وطبقة شحميَّة ، وقصبة هوائية ، ومَريء له حلقات ، وحنجرة ، ولسان مزمار ، ولسان ، وغدد لُعاب ، وعضلات وجه .

في الإنسان أشياء مُعَقَّدة ، والله عزَّ وجل لحكمةٍ أرادها جعل من أنواع الغذاء اللحم ، وجعل هذا الحيوان الذي ذلَّله لنا نرى من خلال تشريحه الداخلي ، أن أعضاءه مشابهةٌ تماماً لأعضاء الإنسان ، فإذا أردت أن تشتري اللحم ترى الكبد والكليتين ، وترى القصبة والرئتين ، ترى القلب ، ترى العضلات ، ترى العمود الفقري ، ترى العظام ، ترى المفاصل ، هذا كلُّه تراه عند بائعي اللحم ، إذاً الله عزَّ وجل أعطاك دروساً ، فإذا كان الإنسان مكرَّماً عند الله عزَّ وجل بحيث لا يُفْتَح بطنه ليتعلَّم به وهو حي ، وهناك مخلوق سخَّرها الله لنا كي نأكلها ، وجعل أعضاءها مشابهةً تماماً لأعضاء الإنسان ، فتعرف على جزيئات أجسامنا من خلالها .  Text Box: من آيات الله في الإنسان : الكبد :
 

 

الكبد في بعض النظريات الحديثة له خمسة آلاف وظيفة ، أيْ أن له دوراً خطيراً جداً ، فإذا تَعَطَّلَ كبد الإنسان لا يستطيع أن يعيش أكثر مِن ثلاث ساعات ، مخبر مركزي ، الكبد بإمكانه أن يحوِّل المواد الشحميَّة الدهنيَّة إلى مواد سكريَّة ، وبإمكانه أن يحوِّل المواد السكريَّة إلى شحميَّة .

ليس عندنا في الحياة مستودع فيه خشب وفيه حديد ، فإذا لزمنا حديد أكثر من الخشب نحول الخشب إلى حديد ، هذا فوق طاقة البشر ، هذا ما يفعله الكبد .

       الكبد يفرز هرمون التجلُّط ، وهرمون التمييع ، ومن إفراز هذين الهرمونين بشكلٍ دقيقٍ يكون الدم بهذا القِوام المناسب ، قال العلماء : لو أفرز الكبد هرمون التجلُّط زيادة عن حدِّه الدقيق لأصبح الدم وَحَلاً في الأوعية ، ولو أفرز الكبد هرمون التميُّع زيادة عن حدِّه لسال دم الإنسان كلِّه من رُعاف واحد ، وانتهى الأمر .

أتحســب أنك جِرْمٌ صغير    وفيكَ انطوى العالَم الأكبرُ

***

        هذا معنى :

      

        خلقُ الإنسان بين يديك ، وخلقُ الحيوان بين يديك ، وخلقُ النبات بين يديك ، وإذا قرأت عن ظهور مجرَّاتٍ جديدة ، وعن اختفاء مجرَّات ، وعن اتساع بعض المجرَّات ، وعن انكماش بعض المجرَّات ، وعن الثقوب السوداء في الفضاء الخارجي ، فإذا أردت أن تَطَّلع تماماً هناك بدءٌ للخلق ثم إعادة في الفَلَك ..

       

Text Box: إثبات البعث : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ 
 

 

      هذا هو الدليل النقلي والعقلي على الدار الآخرة ، ما دام الله عزَّ وجل قد خلقنا مِن لا شيء ، مِن العَدَم فَلأنَ يعيد خَلقنا من باب أوْلى ، فلأن يعيد خلقنا شيءٌ عليه يسير ، لكن كلمة ..

      

       هذا تقريبٌ لنا ، كيف ؟ الإنسان بحسب حياته إذا كان الشيء موثَّقًا باكتتابه فهو أقوى ، يقول له : كتبتُ عَقْداً ؟ قد يكون هناك بيعٌ تمَّ شفهياً ، بعتُك واشتريتَ ، أما إذا كان هناك عقد يشعر الإنسان أن العقد أمتن ، وأقوى ، وأثبت ، فربنا عزَّ وجل كي نفهم نحن رحمته قال :

﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ .

 ( سورة الأنعام : من آية " 54 " )

       ربنا عزَّ وجل جاء بألفاظ الكتابة مع أن قوله كتابة ، لكن تقريباً لأذهاننا قال:

﴿ كَتَبَ ﴾  ، كذلك هنا تقريباً لأذهاننا قال :

      

         مع أن فعل الله عزَّ وجل : كن فيكون ، زُل فيزول ، لكن تقريباً لأذهاننا ، ونحن إذا صنعنا شيئاً ، وأردنا أن نعيد صنعته نشعر باليسر في المرَّة الثانية ، كلَّما تكرَّر العمل شعرنا باليُسْر ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

      

Text Box: منزلة الإيمان باليوم الآخر :
 

 

      لذلك الإيمان باليوم الآخر شيءٌ دقيقٌ جداً وخطيرٌ جداً ، ولو أن الإنسان آمن بالله فقط ولم يؤمن بالدار الآخرة فلن يستقيم على أمر الله ، أحد أسباب الاستقامة التامَّة على أمر الله أن تؤمن أن هناك حياةً أبديَّة وفيها حسابٌ دقيق ، أن تؤمن أن الله عزَّ وجل وزَّع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسيوزِّعها ثانيةً في الآخرة توزيعَ جزاء ، من هنا تنتقل اهتماماتُك ، تنتقل طاقاتك ، تنتقل أعمالك لتُرْضِيَ بها ربَّك كي تسعد بقربه في الدار الآخرة ..

      

Text Box: من الإعجاز العلمي في القرآن : قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ
 

 

       كلمة في الأرض أيضاً فيها إشارةٌ دقيقة ، يا ترى لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل : قل سيروا على الأرض ؟ لِمَ قال :

      

      مع أن الإنسان يسير على الأرض ؟ قال : هذه إشارة إلى أن الغلاف الهوائي جزء من الأرض ، ومربوطٌ بالأرض ، والدليل لو أن الغلاف الهوائي لا علاقة له بالأرض لنشأت تيَّارات من العواصف والأعاصير سُرعتها تزيد على ألف وستمئة كيلو في الساعة ، وكلُّكم يعلم أن الهواء إذا زادت سرعته عن مئة كيلو متر يصبِحُ مُدَمِّراً ، فأشدُّ أنواع الأعاصير عتواً التي تدمِّر كل شيء ولا تبقي شيئاً ، في بعض البلاد تأتي الأعاصير فتنسف المدينة بأكملها ، لا يبقى حجرٌ على حجر ، ولا شجرٌ ، ولا معملٌ ، ولا نباتٌ ولا شيء ، هذه الأعاصير العاتية سرعتها ثمانمئة كيلو متر ، لو أن الهواء مُسْتَقِلٌ عن الأرض .. والأرض تدور والهواء ثابت لنشأت أعاصير سرعتها ألف وستمئة كيلو في الساعة فدَمَّرت كل شيء ، لهذا يُعَدُّ الهواء متمِّماً للأرض ، جزءً من الأرض ، والهواء مرتبط بالأرض بفعل الجاذبيَّة ، إذاً :

      

ربنا عزَّ وجل قال :

       

Text Box: يا أيها الناس أدخِلوا اليومَ الآخرَ في حساباتكم :
 

 

     استنباطاً من هاتين الآيتين كلَّما تحرَّك المؤمن حركةً يتصوَّر أنه واقفٌ بين يدي الله عزَّ وجل في النشأةِ الآخرة ، في إعادة الخلق ، ويسأله الله عزَّ وجل : لماذا فعلتَ كذا ؟ لماذا أعطيت ؟ لماذا منعت ؟ لماذا سَخِرْتَ ؟ لماذا اغتبت ؟ لماذا جَرَّحت ؟ لماذا ظلمت ؟ لماذا أخذت ؟ لماذا اغتصبت ؟ إذا أَدخلْتَ اليوم الآخر في حساباتك اليوميَّة في كسب المال ، في إنفاق المال ، في صنعتك ، في وظيفتك ، في طِبِّك ، في هندستك ، في تدريسك ، في علاقتك بأهلك ، إذا أدخلت اليوم الآخر ، وهذا الموقف العصيب الذي نقفه ، ونحن بين يدي الله عزَّ وجل ، عندئذٍ تستقيم على أمر الله ، لذلك بعض الناس أو معظم الناس يتحرَّكون في دُنياهم ، ولا يُدخِلون اليوم الآخر في حساباتهم ، لا يُدخِلون مستقبلهم البعيد ، يقول لك : أنا حينما أكبَر أحتاج إلى دخل كبير ، أنا حينما أكبر أحتاج إلى عمل بعد الوظيفة ، فدائماً تفكيره مُنْصَرِف إلى مستقبله في الدنيا ، أما ما بعد الموت فهذا خارج الحساب ، أما إذا آمنت بالله عزَّ وجل ، وآمنت باليوم الآخر تجعلُ الآخرة كل همِّك ، ومنتهى علمك ، ومحطَّ آمالك ..

      

Text Box: إعمالُ الفكر عند كل حركة في الكون : 
 

 

       إذاً المؤمن الصادق كلَّما تحرَّك فهذا الفكر يعمل ، يفكِّر ، وإذا تأمَّل خلق الله ، إذا تأمَّل ما حوله ، مَن حوله ، الظواهر الطبيعيَّة ، هطول الأمطار ، هبوب الرياح ، الرعد ، البرق ، قوس قُزح مثلاً ، هذه الينابيع التي تنبع ، هذه البقرة التي سخَّرها الله لنا وهي معمل صامت ، هذه الأشجار : هذه لأخشابها ، وهذه بظلِّها ، وهذه بثمراتها ، وهذه بأوراقها ، وهذه بأزهارها ، وهذا النبات حدودي ، وهذا النبات دوائي ، وهذا النبات جمالي ، وهذا النبات غذائي، وهذا النبات للأثاث ، فإذا نظر الإنسان وتأمَّل ، فالإنسان العاقل لا يمرُّ هكذا على الأشياء ، إذا جلس ليأكل فهذه المائدة يفكِّر فيما فيها مادَّة مَادَّة ، صفيحة صفيحةً ، هذه مَن خلقها ؟ مَن صمَّمها ؟ مَن جعلها بهذا الترتيب ؟

هذه :

      

        الشجر في الخريف تجد أن أوراقه اصفرَّت ، وأصبح خَشَباً ، تظن أنه خشب يابس ، يأتي الربيع فتزهر هذه الأشجار ، ثمَّ تورق ، ثم إذا هي بهجةٌ للناظرين ، كل ذلك تم وجرى بفعل الله سبحانه وتعالى .

       فالحديث في هذه الآيات إذاً عن الدار الآخرة .

الآية الأولى :

      

والآية الثانية :

      

Text Box: من لوازم اليوم الآخر : العذاب والرحمة :
 

 

أخطر ما في اليوم الآخر أنّه ..

" فو الذي نفس محمَّدٍ بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار " .

       إما في جنَّةٍ يدوم نعيمُها ؛ أو في نارٍ لا ينفد عذابها ، ليس هناك حالة ثالثة ، الإنسان أحياناً في الدنيا يكون إما في سعادة ، أو في شقاء ، أو في حالة وسط بينهما ، دخله قد يغطي حاجاته الأساسيَّة ، أما الثانويَّة فلا يستطيع ، فهذا في الدنيا في حالةٌ ليس فيها تألُّق ، وليس فيها هموم ، أيْ حالة وسط ، لكنَّ الآخرة إما عذابٌ لا يحتمل ، وإما نعيمٌ لا يوصف ..

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُ

:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ )) .

[ متفق عليه ]

        لذلك يقولون : إِنّ المؤمن إذا نظر إلى مقامه في الجنَّة يقول : لم أرَ سوءاً قط ، إنه ينسى كل متاعب الحياة الدنيا ، كل الشدائد التي ساقها الله له ، كل المتاعب ، كل المصائب ، كل المِحَن ، كل البلايا ؛ وإذا نظر الكافر إلى مقامه في النار يقول : لم أرَ خيراً قط ، من هنا قال سيدنا علي لابنه الحسن : " يا بني ، ما خيرٌ بعده النار بخير ، وما شرٌ بعده الجنَّة بشر ، وكل نعيمٌ دون الجنَّة محقور ، وكل بلاءٍ دون النار عافية " ..

      

Text Box: الاختيار من موجبات الحساب والعذاب :
 

 

       لماذا يُعَذِّب مَن يشاء ؟ لأنك إنسان ، لأنك حملت الأمانة ، لأنك قلت : أنا أهلٌ لها يا رب ، الله عزَّ وجل يقول :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا

الله ما ألزمك بل عرض عليك عرض ..

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا(72) ﴾ .

 ( سورة الأحزاب : من آية " 72 " )

       حملها الإنسان ، قال : أنا أهلٌ لها ، أعطاك الله نفسك أمانة ، لأنك رضيت أن تقبل هذه الأمانة ، وأن تكون أميناً عليها ، وأن تُزَكِّي نفسك ، وأن تعرِّفها بربِّها ، سخَّر الله لك الكون إكراماً لك ، أعطاك العقل ، والعقل وحده هو الذي كرَّمك به ، قوَّة إدراكيَّة هائلة ، أعطاك القوة فيما يبدو ، القوة قوة الله عزَّ وجل ، أعطاك الكون ، أعطاك العقل، أعطاك القوة ، أعطاك الفِطرة ، أعطاك حرية الاختيار ، أعطاك الشهوات ، أعطاك الشريعة وهي الميزان الدقيق ، هذه كلُّها مقوِّمات الأمانة ، ولكنَّك أعرضتَ ؛ فالكون ما فكَّرت به ، والعقل ما استخدمته ، والقوة وظَّفتها في الباطل ، والاختيار ؛ فاخترت الشر واخترت الشهوة مثلاً، والفطرة طَمَسْتَها ، والشريعة كذَّبتها .

      قالوا : الدهر يومان ، يومٌ لك ويومٌ عليك ، والمصيبة أن الدلائل التي جعلها الله عزَّ وجل مذكِّرةً لك فَرَّغوها من مضمونها ، ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾ .