English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت ( 29 ) : 8/16 :ـ 23/11/1990 ـ الآيات [ 24 ـ 27 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن من سورة العنكبوت ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

      

Text Box: لا للمودة مع الضلال :
 

 

      هذه الآية الخطيرة ، أي إذا رأى هذا الإنسان أن حسن علاقته بالناس القائمة على الضلال أعظمَ عنده من حسن علاقته مع الله فهذا أمرٌ خطير ، فكلمة " الله أكبر " تفيدنا في هذه الآية ، أنك إذا رأيت أن علاقتك بالناس ، وأن حسن علاقتك بالناس ، وأن هذه المودة بينك وبين الناس ، أن تعيش معهم في سلام ، أن تنجو من ألسنتهم ، من معارضتهم ، من رفضهم ، من تقريعهم ، أن تحافظ على مودتك معهم ولو على حساب عقيدتك ، ولو على حساب دينك ، هذا النموذج البشري نموذج هالك ، الذي يُؤْثر حُسْن علاقته بالناس على حسن علاقته بالله ، الذي يُؤْثر الضلالة مع المودة ، على الهدى مع الجفوة .

      لو أنك اخترت منهج الحق ، لو أنك آمنت بالله عزَّ وجل ووقفت عند حدوده ، لا شك أن هؤلاء الضالّين سوف يبتعدون عنك ، يقطعون معك مودتهم ، أنت ممن ؟ هل دنياك أغلى عليك من آخرتك ؟ أم آخرتك أغلى عليك من دنياك ؟ هل حسن علاقتك مع الناس هو كل شيء ؟

      مثلاً على أضيق من ذلك : هناك من يرجو السلامة في بيته ، له زوجةٌ تعيش وفق هواها ، فلو أراد أن يقيدها أو أن يحملها على أمر الله عزَّ وجل لتبرمت ، ولخاصمت ، ولابتعدت ، ولنكَّدت حياته ، لذلك يُؤْثر رضاها على رضاء الله عزَّ وجل ، فهذه الآية أردت أن أعيد عليكم تفسيرها ، مع أني مررت عليها مروراً سريعاً في الدرس الماضي ، لشعوري أن هناك مرضاً اجتماعياً خطيراً ، هو حينما يضعف إيمان الإنسان ، وتقوى عنده علاقاته منع الناس ، قد يساير الناس في ضلالهم ، إما في اعتقادهم الضال ، أو في سلوكهم المنحرف ، كلام الناس مثلاً :

      يا أخي هكذا المجتمع ، نحن نعيش بين الناس ، لو أننا جاهرنا بالحق ، لو أننا وقفنا هذا الموقف ، لو أننا ما صافحنا النساء ، لو أننا وقفنا في البيع والشراء موقفاً شرعياً لأصبحنا أضحوكةً بين الناس ، ولتحدَّث الناس عنا ، لساروا بأخبارنا ، هذا النموذج الذي يُؤْثر حسن علاقته بالناس على حسن علاقته بالله ، الذي يؤثر سلامته على عقيدته ، الذي يؤثر دنياه على آخرته ، هذا النموذج عند الله مرفوض ، بل إنه في صف المنافقين ، بل إنه في صف الهالكين .

 

Text Box: علاقة الآية بواقعنا :
 

     

طبعاً قد يقول أحدكم : ما علاقة هذه الآية بواقعنا ؟ هذا قرآن أيها الإخوة ، ما ذكر الله هذه القصة في قرآنٍ يُتلى إلى يوم القيامة إلا لأنها تمثل نموذجاً متكرراً ، إذا ذكر الله في كتابه العزيز قصةً تُتلى إلى يوم القيامة إذاً هذه القصة ليس المعنيّ بها أنها وقعت وانتهت ، بل إنها نموذج متكرر ، إنها نموذج بشري ، متكرر ، إذاً نحن المعنيون .

      

والآية الكريمة في سورة الزمر :

﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ(64) ﴾ .

( سور الزمر )

      أي أيعقل أن نعبد غير الله ؟ لأن أمرنا كله بيد الله ، هو خالقنا ، هو مربِّينا ، هو مسيرنا، نحن له مِلكاً وتصرُّفاً ومصيراً ، إليه المصير ، إليه الرجوع ، إذاً لا يعقل أن نعبد غير الله  .

﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ(64)وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ .

( سور الزمر )

       ثم يقول الله عزَّ وجل :

﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66) ﴾ .

( سور الزمر )

       لك مهمةٌ واحدة أن تعبده وأن تشكره ، إذاً هذا الذي يؤثر سلامة علاقته بالناس فشأنه مرفوض ، وكذلك علاقته بآبائه وأجداده ..

﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ(22) ﴾ .

( سور الزخرف )

       سيدنا إبراهيم حينما قال :

﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72)أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ(73)قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(74)قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75)أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ(76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77) ﴾ .

( سور الشعراء )

       أيْ أن آثار البيئة ، آثار العلاقات الاجتماعية ، آثار المُحيط ، آثار القيَم السائدة ، آثار العادات والتقاليد ، آثار الإرث الذي ورثناه عن الآباء إذا كان على غير الحق ، هذا كله يجب أن يُعَطَّل ..

      

Text Box: عبادة الأوثان من غير غطاء شرعي وعقلي :
 

 

      أيْ أنتم اتخذتم هذه الأوثان ، ولا تملكون حُجَةً على عبادتها ، من دون غطاء عقلي ، من دون دليل قطعي ، لكن مسايرةً مع الناس ، أردتم السلامة ، أردتم هذه المودة بينكم وبين أهلكم ، أردتم هذه العلاقة الحسنة مع قومكم ، فأيَّ إنسان الآن بعد أن ظهر الحق ، وأنزل الله هذا القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام ، أيّ إنسان في عقيدته ، أو في مواقفه ، أو في حركاته ، أو في نشاطه ، يؤثر سلامته على حساب عقيدته ، يؤثر الضلالة على الهدى ، الضلال مع المودة على الهدى مع الجفوة ، إذا أردت أن تتخذ من هؤلاء الناس آلهةً فهذا هو الشرك بعينه .

      هذا شأن العامَّة وحالهم ، أما الخاصة فماذا قالوا ؟ المفكرون من عُبَّاد الأوثان قالوا : إنه لا يمكن لبشرٍ أن يحيط بالله تعالى ، ولا أن يقبل عليه ، إذاً نتخذ هؤلاء الأوثان زلفى إلى الله ، أي هم اخترعوا ديناً ، هم اخترعوا هذه الفكرة ، المُشكلة أنه يجب أن تعبد الله لا على رأيك ، ولا وفق هواك ، يجب أن تعبد الله كما يريد الله عزَّ وجل ، يجب أن تعبد الله وفق أمر الله عزَّ وجل ، فما كل إنسان أراد أن يعبد الله على هواه تُقبل هذه العبادة منه ، ودائماً وأبداً أقول لكم كما قال أحد العلماء الأفاضل : إن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً ؛ خالصاً ما ابتغي به وجه الله عزَّ وجل ، وصواباً ما وافق أمر الله عزَّ وجل .

      Text Box: التقليد ليس حُجة فاعبد الله وفق ما أمر به :
 

 

لو انتقلنا من عامة الناس الذين يحافظون على علاقاتهم مع من حولهم ، مع مجتمعهم ، مع بيئتهم ، مع أهليهم ، مع تقاليدهم وعاداتهم ، مع تراثهم إن صَحَّ التعبير ، مع اعتزازهم بآبائهم ، اعتزازهم بطقوس آبائهم ، فالإنسان أحياناً يولد من أب مشرك فرضاً ، أو يعتقد بدين أرضي ،  كالدين البوذي مثلاً ، هو يعتز بقومه وبأمته ، وبهذه التقاليد التي ورثها عن آبائه وأجداده ، ويرفض الحق ، هذا النموذج غير مقبولٍ عند الله عزَّ وجل ، إذاً هؤلاء العامة .

      أما الخاصة فأرادوا أن يعبدوا الله وفق هواهم ، فنقول : هذا كلام مرفوض ، يجب أن تعبد الله كما يريد اللهُ ، يجب أن تعبد الله وفق شرع الله ، يجب أن تعبد الله كما أمرك الله ، إذاً أنت لا يغتفر لك سوء عملك أن تقول : نيَّتي طيبة ، أنا أنوي نية طيبة أردت أن أعبد الله عن طريق هذا الوثن ليقربني إليه زلفى ، لا ، فالله عزَّ وجل جعل شرعةً ومنهاجَاً ، المنهاج الطريق الموصل إلى هذا الشرع العظيم ، إذاً يجب أن تتقصَّى في أن تعبد الله كما يريد الله عزَّ وجل .

أيضاً أقوال الخاصة : إننا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى هذا كلامٌ أيضاً مرفوض .

      

Text Box: مودة الحياة الدنيا زائلة بزوال سببها :

 

      لذلك قالوا : مودة الحياة الدنيا تزول بزوال الدنيا ، أما المودة التي بينك وبين إخوتك المؤمنين هذه مودة الدار الآخرة ، وشتانَ بين المودتين ، مودة الدنيا تنتهي بزوال الدنيا ، أساسها مصالح ، أساسها أُنْسٌ شيطاني ، قد يستأنس العاصي بالعصاة ، وشارب الخمر بشاربي الخمر ، والمرابي بالمرابين ، مودة الدنيا أساسها الأنس الشيطاني ، وتنتهي هذه المودة بانتهاء الدنيا .

      Text Box: معنى الآية : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ 
 

 

ولكن أيها الإخوة ... لندقق في هذه الآية .. حينما قال الله عزَّ وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾ .

 ( سورة التغابن : من آية " 14 " )

       قد يقرأ الإنسان هذه الآية فيشعر بحرج ، زوجتي التي عشت معها عمراً طويلاً ، أقرب الناس إلي ، ابني فلذة كبدي كيف يقرر القرآن الكريم أنه عدوٌ لي ، العلماء قالوا : في الآية نقطتان :

المعنى الأول :

الأولى أن من للتبعيض ، ليس كل الزوجات ، وليس كل الأولاد عدوٌ للإنسان ، لكن بعض الزوجات وبعض الأولاد .

المعنى الثاني :

أن تكون العداوة حقيقيةً ، هذا أندر من النادر ، ولكن العداوة التي أرادها الله في هذه الآية عداوة مآل .

       ما الفرق بين عداوة الحال وبين عداوة المآل ؟ عداوة المآل إن هذه الزوجة التي تحبها حباً جماً ، والتي تحرص على إرضائها ، وترغب في مودَّتها ، وتحرص على أن تكون مسرورة ، ضاحكة ، قد تكسِبُ مالاً حراماً من أجلها ، من أجل إرضائها ، قد تحملك على ما لا تستطيع ، قد تبحث عن مالٍ حرام كي ترضيها ، كي ترضي غرورها ، كي تتباهى أمام زميلاتها ، أمام صديقاتها ، أمام جيرانها ، أمام أخواتها ، أمام مَن هُم في سنها ، حينما ينكشف الغطاء يوم القيامة ترى أن هذه المودَّة التي أردتها مع زوجتك كانت طريقاً إلى النار ، هذه المودة التي آثرت بها مودة الله عزَّ وجل ، آثرتها على مودة الله ، كانت طريقاً إلى الهلاك ، عندئذٍ تنشأ عداوةٌ ما بعدها عداوة ، كيف يقول ابنٌ يوم القيامة : يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، كيف ؟

       إذا أطلق الأب لابنه العنان ، أعطاه المال الوفير يفعل به ما يشاء ، وسافر هذا الابن ، وفعل ما فعل ، وارتكب الفواحش ، وعاد مسروراً ، وقد شعر أن أباه يُحِبّه حباً جماً ، عاد عاصياً ، عاد منحرفاً ، عاد منغمساً في وحول الشهوات بمال أبيه ، حينما يرى الابن أن أباه بدعمه وبماله وتوجيهه أوصله إلى النار ، يقول : يا رب ، لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، إذاً هذه العداوة التي ذكرها الله عزَّ وجل في القرآن الكريم ليست عداوة حال في الأعم الأغلب ، عداوات الأهل نادرة ، سنة الله عزَّ وجل أن يحب الأب ابنه ، وأن يحب الابن أباه ، وان يحب الزوج زوجته .

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ .

 ( سورة الروم : من آية " 22 " )

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾ .

 ( سورة فصلت : من آية " 37 " )

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ .

 ( سورة الروم : من آية " 21 " )

       إذاً هذه المودة التي جعلها الله بين الزوجين مودةٌ دائمة وثابتة في فطرة الإنسان ، ولكن إذا استجبت لطلبات الزوجة ، وكسبت المال الحرام ، وحملتك طلباتها على أن تعصي الله عزَّ وجل ، عندما ينكشف الغطاء يوم القيامة تنكشف لك حقيقةٌ خطيرة ، أن هذه الزوجة التي كانت أقرب الناس إليك ، وهذا الابن الذي كان فلذة كبدك انقلب إلى عدو ، لأنه كان السبب في هلاكك ، إذاً هذه الآية :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾ .

 ( سورة التغابن : من آية " 14 " )

       عداوة المآل في الأعم الأغلب لا عداوة الحال ، عداوة المآل أن يحملك حُبُّك لزوجتك على أن تعصي الله ، أن يحملك حبك لابنك على أن تعصي الله ، أن يحمل حب الابن أباه على أن يعصي الله ، من أجل أن تبقى المودة مع الأب يسير الابن في طريق الضلال إرضاءً لأبيه ، فإذا هذه المودة التي أرادها في الدنيا ، وانتهت بانتهاء الدنيا ، تصبح أساس العداوة يوم القيامة ، لذلك قال تعالى :

﴿ الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

 (سورة الزخرف : من آية " 67 " )

       هذه العلاقات الحميمة ، هذه الصداقات المتينة ، هذه العلائق الوشيجة بين الناس ، يسهرون سهرةً إلى أنصاف الليل ، إلى منتصف الليل، الضحك ، والسرور ، والحبور ، والمُزاح ، يقول لك : والله لا أشبع من صديقي .

﴿ الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ(67) ﴾ .

 ( سورة الزخرف )

       لذلك فالمؤمن  يُبْدِلُهُ الله عزَّ وجل علاقةً طيبةً دائمةً حتى الآخرة مع المؤمنين ، والدليل ربنا سبحانه وتعالى يصف المؤمنين بأنهم على سررٍ متقابلين ، أما أهل الدنيا فتنقلب مودتهم عداوة شديدةً يوم القيامة ، هذا الكلام كله مأخوذٌ من قوله تعالى :

      

Text Box: فطرة التدين عند الإنسان :
 

 

عندنا شيء آخر ، أن الإنسان فطرته فطرة تَدَيُّن ، لأن الله عزَّ وجل يقول :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ .

 ( سورة الروم : من آية " 30 " )

       أن تقيم وجهك للدين حنيفاً ، كما أقول لكم دائماً : العبادة طاعةً طوعية ، لو أنها طاعةً قسرية ليست عبادة ، طاعةٌ طوعية أساسها معرفةٌ يقينية تفضي إلى سعادةٍ أبدية ، بل إنها طاعةٌ طوعيةٌ ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية ، والدليل :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ .

 ( سورة الروم : من آية " 30 " )

       أن تقيم وجهك للدين حنيفاً هذه هي الفطرة ، هذه جِبِلَّتُكَ ، هذه طبيعتك ، هكذا فطرتَ ، لذلك في النفس فراغٌ لا يملؤه إلا الإيمان ، في النفس حاجةٌ لا يغطيها إلا معرفة الواحد الديَّان ، في النفس قلقٌ لا يسكّنه إلا طاعة الرحمن ، في النفس آمالٌ لا تدرك إلا بمعرفة الله عزَّ وجل ، هذه الفطرة .

       Text Box: المعبود الحق له منهج حق :
 

 

لكن هؤلاء الذين يعبدون الشمس والقمر ، ويعبدون البقر في بعض بلاد الدنيا ، ويعبدون أصناماً وآلهةً من صنع أيديهم ، هؤلاء لماذا يفعلون هذا ؟ قال بعض المحللين : هؤلاء حينما عبدوا الشمس أو القمر أو النجوم ، أو عبدوا البقر أو ما سواها ، حققوا ، أو أشبعوا في نفوسهم فطرة التديُّن ، ولكن الشمس والقمر ليس لها منهج تسير عليه أيها الإنسان ، فهو يسير مع شهواته ، يحقق كل شهواته الأرضية ، ويحقق ما فطر عليه من حب التديُّن ، لذلك سهل جداً أن تعبد صنماً ، الصنم ليس له أمر ونهي ، ليس له منهج ، أما الله فله منهج .

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ .

 ( سورة النور : من آية " 30 " )

       الله عزَّ وجل حرم الربا .

﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ .

 ( سورة البقرة : من آية " 275 " )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ .

 ( سورة الحجرات : من آية " 11 " )

         الحقيقة أنه لا بد أن تعبد الله خالق الكون ، هذا يلزمه اتباع المنهج ، يلزمه افعل ولا تفعل ، يلزمه الأمر والنهي ، يلزمه منظومة قِيَمٍ يجب أن تسير عليها .

إذاً : إذا اتجه الإنسان لعبادة صنمٍ أو حجرٍ أو شمسٍ أو قمرٍ أو نجومٍ أو حيوانٍ ، إنما يفعل هذا ليتحرر من القيود ، من أوامر الدين ونواهيه ، أما إذا عبدت الله عزَّ وجل خالق الكون ، الله عزَّ وجل أمره ونهيُّهُ يوصلانك إلى سعادةٍ أبدية ، فيها مالا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

      

      إذاً أيها الأخ الكريم ابحث عن مودَّات الدار الآخرة ، كوِّن لك صداقات مع المؤمنين ، فهذه هي المودة التي تنعقد بينك وبينهم ، هذه مودةٌ خالدة ، مودةٌ تستمر بعد الموت ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعضٍ غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم )) .

[ الترغيب والترهيب عن أنس بسند فيه مقال ]

       إذاً : عليك أن تعرض عن مودة أهل الدنيا ، فمودة الآخرة هي التي تبقى ، أما مودة الدنيا فلا تبقى ، وكلُّكم يعلم أن الإنسان إذا شُيِّعَ إلى قبره هناك من يتبعه إلى حافة القبر ، هم أهله وأقرباؤه وأصدقاؤه ، أما ماله غير المنقول فيبقى في مكانه ؛ بيته ، مكتبه ، مركبته ، فالبطولة ، أو المعول عليه ما يدخل معك في القبر ، شيئان : مالُك يبقى في مكانه ، وأهلُك يَصِلون معك إلى شفير القبر ، أما المُعَوَّلُ عليه فهو ما يدخل معك في القبر ألا وهو عملك .

      

       الآن ربنا عزَّ وجل أراد أن ينقلنا إلى الدار الآخرة ليرينا مصير هذه المودة ، العلاقات الطيِّبة ، العلاقات الحميمة ، من أجل أن تبقى مع قومك رفضت الهدى ، من أجل ألاّ يقال عنك إنك خرجت عَمّا عليه أهلُك وأقرباؤك رفضت الهدى ، هذه العلاقات الطيبة انظر إلى مصيرها..

       

Text Box: لا نسب يوم القيامة ولا خُلّة :
 
       

العوام يقولون أحياناً في إنسان : " لعن الله الساعة التي تعرفت فيها عليه " ، من الممكن أنَّ إنساناً ينشئ علاقة مع إنسان آخر ، ويدلك على طريق فيه كسب مال سريع ، لكن بطريق غير صحيح ، ثم يلقى القبض على هذا الإنسان ، ويودع في السجن ، ففي أثناء الكسب والإنفاق والصَرْف تنشأ علاقة حميمة مع هذا الإنسان ، ولكن بعد أن يلقى في السجن يلعن الساعة التي تعرَّف فيها عليه .

إذاً :

      

        والحديث الشريف الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث سألت السيدة عائشة النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال عليه الصلاة والسلام :

(( تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟! فَقَالَ : الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ )) .

( صحيح البخاري )

       معنى غرلاً أي بغير خِتان .

       وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَا يُبْكِيكِ ؟ قَالَتْ : ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا ، عِنْدَ الْمِيزَانِ ، حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ ، وَعِنْدَ الْكِتَابِ ، حِينَ يُقَالُ : ﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾ ، حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ ، أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ ، إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ )) .

( من سنن أبي داود عن عائشة  )

       وفيما سوى هذه المواقف قد يعرف بعضنا بعضاً ، فإذا وقعت عين الأم على ابنها تقول له : " يا بني ، جعلت لك بطني وعاءً ، وحجري وطاءً ، وصدري سقاءً ، فهل من حسنةٍ يعود عليّ خيرُها اليوم ؟.

       النبي عليه الصلاة والسلام بكى في هذا الموقف العصيب فقال :

يقول هذا الابن لأمه : ليتني أفعل هذا يا أماه ، ليتني أستطيع أن أفعل ذلك يا أماه ، إنني أشكو مما أنت منه تشكين " .

       فهذه العلاقات ، علاقات الدنيا ، علاقات القرابات ، علاقات المودَّات ، الشركاء في الدنيا ، الجيران ، الأصحاب ، الأخِلاَّء ، هذه العلاقات كلها تتلاشى ، ويأتي الإنسانُ ربَّه فرداً..

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

 ( سورة الأنعام : من آية " 94 " )

      

Text Box: معنى اللعن :
 

 

        معنى يلعن ، اللعن الإبعاد ، فالإنسان أحياناً يرى شخصاً بوضع لا يُحتمل ، ذا رائحة كريهة ، ومنظر قبيح ، وتطاول في الكلام ، وبذاءة في اللسان ، ثيابُهُ قذرة ، تفوح منه رائحةٌ كريهة ، فأنت تبتعد عنه ابتعاداً لا حدود له ، فيوم القيامة أهل النار يَنْفُرُ بعضهم من بعض ، يبتعد بعضهم عن بعض ، يلعن بعضهم بعضاً ، لأن الإنسان يلبس ثوب عمله ، اللؤم ، الدناءة، الخيانة ، القذارة ، الخيانة الزوجية ، شُرب الخمر ، الاستئثار ، الأنانية ، أن يعيش على أنقاض الآخرين ، أن يبني غناه على فقر الآخرين ، أن يبني مجده على أنقاض الآخرين ، أن يبني أمنه على خوف الآخرين ، أن يبني حياته على موت الآخرين ، هذه المواقف اللئيمة ، مواقف الخِسَّة والدناءة والقذارة ، هذه المواقف أثواب يرتديها الناس يوم القيامة ، فكل واحد مشمئز منه ، هو يدعو للقرف ، وهو يُقَرِّفُ أيضاً كما يقولون ..

      

Text Box: معنى الكفر في قوله : يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ 
 

 

      معنى يكفر ، أي أن هذا الكلام الذي كان يقوله في الدنيا أصبح يوم القيامة لا أساس له ، كلام فارغ ، كلام لا معنى له ، كلام باطل ، هذه معنى : يكفر بعضكم ببعض ، فكل الدعاوى التي كانت تقال في الدنيا أصبحت الآن باطلة ، لماذا ؟ لأنه كُشِفَ الغطاء ، هذه الدعاوى تهاوت ، هذه النظريات تداعت ، هذه الأفكار تلاشت ، هذه العقائد تهافتت ، هذا الطَرح إن صح التعبير تهاوى ، هذه الفكرة وهذا التصور كله غلط ، لا أساس له من الصحة ، لا أصل له .

إذاً :

      

       الآن هذا الذي ادّعى دعوة باطلة ، واعتقد اعتقادا باطلاً ، واعتقد عقيدة زائغة ، وتوهم أن الدنيا كل شيء ، هذا الاعتقاد الباطل يصحبُه سلوك منحرف ، سلوك باطل ، السلوك أساس العدوان ، والانحراف ، والتجاوز ، والخسة والدناءة ، والقذارة واللؤم والخيانة .

إذاً :

      

إذاً كما قال الله عزَّ وجل :

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) ﴾ .

( سورة طه )

       لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، بالمقابل من اتبع سبيل الشيطان يضلُّ عقله ، وتشقى نفسه ، فيكفر بمعتقداته ، ويبتعد عن شخصه لقذارته ..

      

Text Box: سؤال وجواب :
 

 

       الحقيقة أنّ لدينا سؤال دقيقاً : القصة عن سيدنا إبراهيم ، وهم قد ألْقوْا سيدنا إبراهيم في النار ، وقال الله عزَّ وجل في موضعٍ آخر حكاية عنه :

﴿ حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ ﴾ .

لكن الله كان معه ، فخذلت آلهتهم ، ونصره الله ، وقال الله عزَّ وجل :

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69) ﴾ .

( سورة الأنبياء )

       إذاً أما أنتم أيها الكفار اليوم فإنكم في النار ، وما لكم من ناصرين ، لكن هذا الكلام قيل يوم القيامة .

 

السؤال :

ماذا قيل في الدنيا ؟

الجواب :

في الدنيا قيل :

      

فما الفرق بين هذه الكلمة وهذه الكلمة ؟ كلاهما كلامٌ يقال ، الأولى قيلت في الدنيا والثانية قيلت في النار ، في الدنيا :

أي من غير الله  .

      

         معنى ذلك أن الله وليُّكم ونصيركم في الدنيا إن عدتم إليه ، فالإنسان في الدنيا ما له من دون الله من وليٍ ولا نصير ، معنى ذلك أن الله وليٌ له ، ونصيرٌ له إذا رجع إليه ، وتاب إليه ، والأمل مفتوح ، أما بعد الموت فلا توبة ، إذ لم يعد هناك حاجة لأَنْ يقول الله لهم  :

      

      في الدنيا كان لها معنى ، في الدنيا أيها الإنسان إذا اعتززت بمخلوقٍ آخر ما لك من دون الله من ولي ولا نصير ، الولي هو الذي يرعاك ، والنصير هو الذي ينصرك عند الشدة ، واللهُ عزَّ وجل وليٌ ونصير ، في الدنيا لمن استقام على أمره ولمن تاب ، أما في الآخرة  :

      

      كيف ألقيتم إبراهيم في النار من أجل أن تنصروا آلهتكم ؟ لكن الله نصره ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ أما يوم القيامة فربنا عزَّ وجل وعدهم النار :

      

لا يوجد جهة من الجهات تحول بينهم وبين النار ، أو أن تدفع عنهم النار .

      

Text Box: قصة وعبرة :