English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة العنكبوت ( 29 ) : 9/16 :ـ 30/11/1990 ـ الآيات [ 27 ـ 35 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      

أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس التاسع من سورة العنكبوت، وصلنا في الدرس الماضي إلى قصَّة سيدنا لوطٍ عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام ، ولكن نريد أن نقف وقفةً يسيرة عند آخر آيةٍ في قصَّة سيدنا إبراهيم ، حينما قال الله عزَّ وجل :

      

يستفاد من قوله تعالى :

      

Text Box: مكافأة الله للمؤمنين يوم القيامة : وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنيَا
 

 

      أن المؤمن إذا آمن بالله عزَّ وجل ، واستقام على أمره ، وعمل صالحاً لابدَّ من أن يكافئه في الدنيا أيضاً ، أما أن يكون المؤمن في الدنيا كغير المؤمن ، أن يُعَامل المؤمن كالكافر ، المستقيم كالمنحرف ، المحسن كالمسيء فهذا مستحيل ، مستحيل أن تكون مؤمناً ويتخلَّى الله عنك ، مستحيل أن تكون حياتك ، وعلاقاتك ، ومهنتك ، وزواجك ، وبيتك  ، أن تكون كغيرك من الناس ، لابدَّ من أن تُبْتلى ، ولكنه في نهاية المطاف لابدَّ من أن تُكْرَم ، لابدَّ من أن تنال كرامة الله عزَّ وجل إذا كنت وَفْقَ ما أراد ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ .

( سورة الجاثية : من آية " 21 " )

        شيءٌ مستحيل .

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(36) ﴾ .

( سورة القلم )

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ(18) ﴾ .

( سورة السجدة )

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61) ﴾ .

( سورة القصص )

        لذلك :

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139) ﴾ .

( سورة آل عمران )

       كأن الله سبحانه وتعالى يحبُّ من المؤمن أن ترتفع معنوياته ، يحب من المؤمن أن يكون واثقاً بعطاء الله عزَّ وجل ، يحب من المؤمن أن يشعر أن له عند الله منزلة ، أن له عند الله مكانة ، أما هذا الذي يرى نفسه كغيره من غير المؤمنين ، من العصاة ، من الضائعين ، من الشاردين ، وأنه ينتظر بلاء الله عزَّ وجل ، لابدَّ من أن تُمْتَحَن ، لابدَّ من أن تُبْتَلَى ، ولكن لابدَّ من أن تستقر أحوالك على الإكرام الإلهي ، لأن الله سبحانه وتعالى هذا وعدهُ ، هكذا وَعَد الله المؤمنين ، قال تعالى :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ .

( سورة النحل : من آية " 97 " )

        والذي يُثلِجَ الصدر كما يقولون أن المؤمنين ارتباطهم بدينهم أكبر بكثير من مستوى قناعتهم ، لأنهم حينما آمنوا بالله ، وحينما اصطلحوا مع الله ، وحينما تابوا توبةً نصوحاً ، وحينما عملوا الصالحات بدَّل الله حياتهم ، جعلها حياةً طيِّبة كما وعدهم ، جعل نفوسهم طيِّبة ، حياتهم طيِّبة ، جعل قلوبهم مطمئنَّة ، جعلهم يشعرون بأنهم عند الله من المقرَّبين .

إذاً تعليقاً على قوله تعالى :

      

      قياساً على تلك القصَّة ؛ المؤمن إذا آمن بالله ، واصطلح معه ، واستقام على أمره لابدَّ من أن ينتظر الخير ..

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ .

       من خير .

﴿ هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51) ﴾ .

( سورة التوبة )

Text Box: بين الأجر والأجرة والأجر والجزاء :
 

       

الآن ننتقل إلى قصَّةٍ ثانية ، وهي قصَّة سيدنا لوطٍ عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام  ، لا تنسوا أن كلمة الأجر تختلف عن الأُجرة ، الأجرة في الدنيا ، أما الأجر فيشمل الدنيا والآخرة ، ولا تنسوا أن كلمة الأجر تفترق عن الجزاء ، فالأجر للخير ، والجزاء للخير والشر ، الأجر شيء ، والأجرة شيءٌ آخر ، الأجرة في الدنيا ، أما الأجر ففي الدنيا والآخرة ، والأجر غالباً هو العطاء الإلهي الذي يكون تعويضاً عن عبادة الإنسان لله عزَّ وجل العبادة الحقيقيَّة ، وأما الجزاء فالجزاء يشمل العقاب والإكرام ، أما الأجر فيختلف عن الجزاء في أنه للإكرام فقط .

 

Text Box: قصة نبي الله لوطٍ عليه السلام :
 

 

      

أي وأرسلنا لوطاً ..

      

Text Box: ما هي الفاحشة ؟
 

 

      ما الفاحشة ؟ الفاحشة العمل القبيح أو القول القبيح ، أي عِظَمُ القبح في القول والعمل هذه فاحشة ، والحياة الدنيا طافحةٌ بالفواحش ، الخيانة الزوجيَّة فاحشة ، الزنا فاحشة ، تضييع العقل في شُرب الخمر فاحشة ، فعِظَم القبح ، القبح الشديد في الأقوال والأفعال تسمَّى فواحش ، سيدنا لوط قال لقومه :

 

      

Text Box: قوم لوط أول من أتى هذه الفاحشة : مَا سَبَقَكُم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ 
 

 

     ففي إشارة إلى أن هذه الفاحشة إنما فعلها قوم لوط أول الناس ، لم يُسْبَقُ إليها ، وبعض المفسِّرين قال : إنها شاعت في قوم لوط شيوعاً لم يكن من قبل ، إما أنها شاعت شيوعاً لم يكن من قبل ، أو إنها كانت أول ما وقعت من قوم لوط ..

       

Text Box: الحسَن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع والعقل تبعٌ لذلك :
 

 

      الفاحشة العمل القبيح ، العمل القبيح الذي قَبَّحَهُ الشرع ، وقبَّحه العقل ، و الشرع دائماً متوافقٌ مع العقلِ ، العقل مقياسٌ أودعه الله فينا ، والشرع ميزانٌ أنزله الله على أنبيائه ، فالذي قبَّحه الشرع يقبِّحه العقل ، والذي قبَّحه العقل يقبِّحه الشرع ؛ ولكن إذا قبَّح الشرع شيئاً ، والعقل لم يقبِّحه فالعقل قد ضَل ، الأصل هو الشرع ، إذا قبَّح الشرع شيئاً فالعقل إذا قبَّحه كان سليماً ، وإذا لم يقبِّحه كان مُنحرفاً ، فالأصل هو الشرع ، أي أن القبيح ما قبَّحه الشرع ، والحسن ما حسَّنه الشرع ، فربنا عزَّ وجل مع أنه أعطانا ميزان العقل ، إلا أن هذا الميزان ضُبِطَ على ميزان الشرع ، وكل إنسان مؤمن عليه أن يضبط تصوُّراته ، مفهوماته ، موازينه ، مقاييس الفوز عنده على ميزان الشرع ، وإلا ما الضلال المبين ؟ أن يكون لك مقياس غير مقاس الشرع ، أن يُحَسِّن عقلك شيئاً قبَّحه الشرع ، وأن يقبِّح عقلك شيئاً حسَّنه الشرع هذا هو الضلال ، مِن هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( اللهمَّ أرنا الحقَّ حقَّاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه )) .

[ ورد في الأثر ]

Text Box: خطورة إعمال العقل وترك النقل :
 

      

الدليل الآخر ، أن هناك أشياء كثيرة لو عُرِضَت على العقل البشري قبل سنواتٍ عدَّة لَكَذَّبها ، الآن العقل يصدِّقها ، إذاً هو قاصر ، ما كان يكذِّبه في الأمس يصدِّقه اليوم ، إذاً هو مقياسٌ ، ولكنَّه يُستعمل في الحدود التي وضِعَ لها ، وفي حدود المعطيات التي بين يديه ، فلذلك الأصل هو الشرع .

كما نقول دائماً : الدين نقلٌ ، والعقل لفهم النقل ، وإذا تعارض النقل مع العقلِ ، واستحال التأويل فالنقل هو الأصل ، ولابدَّ من أن يكتشف العقل بعد حين صواب النقل ، لأن النقل عن الله عزَّ وجل ، والله سبحانه وتعالى قرآنه وكلامه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وإذا وجدت النقل ، ولم تفهم حكمته فعليك أن تأخذ به بكلتا يديك ، لأن العقل فيما بعد سيكتشف حكمته .

       والبشرية الآن تعاني ما تعاني لأنها أخذت بعقلها فقط ، من هم الغربيون ؟ أُنَاسٌ حكَّموا العقل في كل شيء ، إلى أن فسدت حياتهم ، حقَّقوا إنجازاتٍ حضاريَّة كما يقولون في الآلات ، والأجهزة ، وغزوا الفضاء ؛ ولكن في علاقاتهم الاجتماعيَّة ، وعلاقاتهم الأسرية لأنهم حكَّموا العقل ، وألقوا بالشرع في عرض الطريق وراء ظهورهم ، فجاءت حياتهم جحيماً لا يطاق .

       إنَّ ربع مليون مصابون بمرض الإيدز ، وقد ذكَّرني أخٌ كريم أن هذا الرقم هو الذي أُبْلِغَ عنه فقط ، أما الحالات التي لم يُبَلَّغ عنها فحالاتٌ كثيرةٌ جداً ، وإنَّ عشرة ملايين إنسان يحملون هذا المرض ، وهذا مرض مخيف مدمِّر ، مِن أين جاء هذا المرض ؟ من انحراف الإنسان عن منهج الله عزَّ وجل ، إذاً منهج الله هو الأصل ، فإذا تعارض العقل مع النقل  فالنقل هو الأصل ، والعقل بعد حين يفهم حكمة النقل .

       لذلك ينبغي للمؤمن أن يستسلم لله عزَّ وجل إذا رأى الكون ، وما فيه من آياتٍ باهرات ، ورأى الشرع ، وما فيه من إعجاز ، ورأى القرآن وما فيه من إعجاز ، ورأى أفعال النبي عليه الصلاة والسلام الدالَّة على نبوَّته يجب أن يستسلم ، حينما تصل بعقلِك إلى الله عزَّ وجل ، وبعقلك إلى إعجاز هذا الكتاب ، فإذا جاءك في هذا الكتاب شيءٌ ، ولم تَتَّضح لك حكمته يجب أن تستسلم له ، لأنك بعد أن آمنت بالله بعقلك وبرسوله بعقلك وبكتابه بعقلك ، لابدَّ من أن تستسلم ، وأن تنتظر أن الله عزَّ وجل يكشف لك بعد حينٍ عن حكمة هذا الأمر  .

        دائماً يجب أن يتَّضح لديكم أن حجم المؤمن ، وأن عبوديَّة المؤمن ، وأن مستوى المؤمن ليس في البحث عن الحكمة ، وتعليق تنفيذ الأمر على معرفة الحكمة ، بل أن يُسَلِّم لما جاءه عن الله ورسوله .

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ .

( سورة الأحزاب : من آية " 36 " )

Text Box: الأمر التشريعي والأمر التكويني :
 

      

ولا سيما أنه عندنا أمران : هناك أمر الله التشريعي ، وأمر الله التكويني ، فإذا قال الله لك :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ .

( سورة النور : من آية "30 " )

       هذا أمر تشريعي ، وأما أن تقول : هذا الشيء لا يُطبَّق في هذا الزمان ، وأنا طاهرٌ عفيف لا أتأثَّر بالنظر ، فهذا كلامٌ فارغ ، معنى ذلك أنك تأتي بحكمٍ آخر ، وإذا قضى الله شيئاً ؛ كأن جعل هذا الإنسان عقيماً ، أو جعل له ذريَّةً من البنات فقط هذا أمرٌ تكويني ، يجب أيضاً أن تستسلم ..

      

Text Box: الفطرة السلمية في حب نكاح المرأة :
 

 

هنا نواجه نقطة دقيقة جداً ، أن ربنا عزَّ وجل فطرنا فطرةً معيَّنة ، قال تعالى :

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ ﴾ .

( سورة آل عمران : من آية " 14 " )

فكل رجلٍ أَوْدَعَ الله فيه حبَّ المرأة .. شيءٌ جميل .. لكن الله عزَّ وجل جعل لهذه الشهوة قناةً نظيفةً طاهرً نقيَّةً ، إنها قناة الزواج ، ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها طريقاً نظيفاً للسير فيه .

لنأخذ على ذلك موضوع النساء : بعد أن أودع الله في الإنسان حبَّ النساء سمح له بالزواج ، فالزواج قناةٌ نظيفةٌ مشروعةٌ طاهرةٌ نقيَّةٌ بنَّاءَةٌ ، وإذا زنا الإنسان خرج عن أمر الله عزَّ وجل ، خرج عن شرعه ، خرج عن منهجه ، خرج عن تعليمات الصانع ، فيدفع الثمن باهظاً ، ولكن فعْلَ قوم لوط شيءٌ آخر ، فحتَّى لو زنا الإنسان فهذا الزنا فاحشة ، وله مضاعفات ، فيه اختلاط أنساب ، وخيانات ، ومشكلات كثيرة جداً ، لهذا حرَّمه الله عزَّ وجل ، بل إن الله عزَّ وجل أبلغ من أن يُحَرِّمه فقال :

﴿ وَلا يَزْنُونَ ﴾ .

( سورة الفرقان : من آية " 68 " )

       نفى عن المؤمنين أنهم يزنون ، والنفي أبلغ من النهي عند علماء الأصول .. ﴿ وَلا يَزْنُونَ ..

وهناك نهيٌّ عن الزنا ، وعن مقدِّمات الزنا ، وعن الاختلاط ، وعن كل ما أدَّى إلى الزنا ، لقوله تعالى :

﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا(32) ﴾ .

( سورة الإسراء )

       Text Box: مراحل الإنسان في التعامل مع الغير : الإدراك والانفعال والسلوك :
 

 

وهذه نقطة مهمَّة جداً أتمنَّى عليكم أن تكون واضحة عندكم مفادها : أنّ الإنسان في تعامله مع من حوله ، مع المحيط الذي يحيط به في ثلاث مراحل ؛ الإدراك ، والانفعال ، والسلوك .

مثلاً : لو أن إنساناً رأى في بستان حيَّة ، بحكم معلوماته ومفهوماته التي درسها في المدارس ، أو ملاحظاته في بعض المتاحف الزراعيَّة ، أو قراءاته ، أو تجاربه السابقة ، أو القصص يدرك أن هذه أفعى ، حصل إدراك ، إذا كان الإدراك صحيحاً لابدَّ من انفعال ، ما الانفعال ؟ أن يضطرب ، وإذا كان الانفعال صحيحاً لابدَّ من سلوك ، إما أن يهرب منها ، وإما أن يقتُلها .

       جئت بهذا المثل لأنه ما من علاقةٍ مع المحيط الخارجي إلا وينتظمها هذا القانون ، إدراكٌ ، فانفعالٌ ، فسلوك ، فيمكن أن ترى وردةً جميلة ، تدرك أنها جميلة ، وتنفعل بجمالها ، وتقول : سبحان الله ! ما أجملها ، إلى هنا لست مؤاخذاً على شيء ، لو نظرت إلى وردة ، إلى شجرة ، إلى بيت ، إلى حديقة ، إلى بحر ، إلى شيء جميل أودع الله فيه شيئاً من جماله ، إنَّك إن أدركت ، وإن انفعلت فلا شيء عليك ، إلا في موضوع المرأة ، الوردة لو قطفتها تُحاسَب ، لو أخذتها من غير حقٍ تُحاسب ، لكن موضوع المرأة موضوعٌ آخر ؛ محرَّمٌ أن تنظر ، ومحرَّمٌ أن تنفعل ، ومحرَّمٌ أن تخطو ، لأن الله عزَّ وجل هكذا أمرنا ، فقال :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ .

( سورة النور : من آية "30 " )

Text Box: الحكمة مِن تقديم غض البصر على حفظ الفرج :
 

      

ويبدو أن تقديم غضِّ البصر على حفظ الفرج تقديمٌ دقيقٌ جداً ، بمعنى أن الإنسان لا يستطيع حفظ الفرج ما لم يغضَّ البصر ، فأن يأتي غضّ البصر قبل حفظ الفرج معنى ذلك أن غض البصر طريقٌ إلى حفظ الفرج ، إنَّك في الوردة إن نظرت إليها ، وأدركت جمالَها ، وانفعلت بهذا الجمال ، ولم تقطفها ولم تعتدِ عليها لا يحدث شيءٌ إطلاقاً ، ولست آثماً في شيء ، إلا أنك في موضوع المرأة ، النظر يؤدي إلى الانفعال ، والانفعال يؤدي إلى السلوك ، هذه معصيةٌ فيها قوَّة جذب ، وكل معصيةٍ فيها قوة جذبٍ حُرِّمَ عليك مُقَدِّماتها ..

﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا(32) ﴾ .

( سورة الإسراء )

        يؤكِّد هذا قول الله عزَّ وجل :

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ﴾ .

( سورة البقرة : من آية " 187 " )

Text Box: الزنا خروج عن منهج الله واللواط خروج عن الفطرة :
 

       

لابدَّ من أن تدع هامش أمانٍ بينك وبين المُحَرَّمات المتعلِّقة بالنساء ، ولكن هذا الإنسان الذي أودع الله فيه حبَّ النساء ، واقترف جريمة الزنا .. فالزنا جريمة .. ماذا فعل هذا الإنسان ؟ إنه خرج عن منهج الله ، لكنَّه لم يخرج عن فطرته ، الفطرة أن الله أودع في الإنسان حبَّ النساء ، خرج عن منهج الله ، خرج عن تنظيم الله عزَّ وجل ، عن أمره ونهيه ، ولكنَّه حينما اقترف هذه الجريمة لم يخرج عن فطرته ، أما جريمة اللواط ففيها خروجٌ عن الفطرة الإنسانيَّة التي فطر الله الناس عليها ، لأسباب كثيرة ..

      

الله عزَّ وجل قال :

﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ .

( سورة البقرة : من آية " 223 " )

       معنى الحرث مكان الزراعة ، إنك تزرع هذا الماء فينبت ذلك الغلام ، الذي يسميه بعض الأدباء : ثمرة القلب .. ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ ..

إذاً العلاقة في موضع الحرث ، ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ .

       أنَّى بمعنى كيف ، بمعنى أين ، بمعنى متى ، علماء الأصول استفادوا من كلمة : ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ أنه يجب أن يكون هذا الإتيان في موضع الحرث لا في موضعٍ آخر ، إذاً كلمة أنَّى بمعنى أين مرفوضة في هذه الآية لأدلَّةٍ كثيرة ، هؤلاء قوم لوط ..

      

      موضعٌ قَذِر ، وطريقٌ يؤدي إلى دمار النوع البشري ، وتعطيلٌ للمرأة ، ماذا قالت بنت الحارث لابنتها حينما زُفَّت إلى زوجها ؟ قالت : " يا بنيَّتي ، إنَّ الوصيَّة لو تُرِكَت لفضل أدبٍ تُرِكت لذلك منكِ ، ولكنَّها تذكرةٌ للغافل ومعونَةٌ للعاقل ، ولو أن المرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها ، أو لشدَّة حاجتهما إليها لكنتِ أغنى الناس عنه .. دقِّقوا في قول هذه المرأة .. ولكن النساء للرجال خُلِقْن ولهُنَّ خُلِقَ الرجال " .

       إنه تصميم إلهي ، صانع صمَّم هذا الكائن ليكون زوجةً ، أودع فيها رجاحة العاطفة ، أودع فيها رقَّة الإحساس ، أودع فيها طبيعة الانقياد ، أودع فيها صفاتٍ نفسيَّةً كثيرة تؤهِّلها أن تكون زوجةً صالحة ، وأودع في جسمها أجهزةً تؤهِّلها لأن تنجب الأولاد ، ويبقى النسل مستمرَّاً ، وتحافظ البشريَّة على نوعها ، وأودع فيها أنماطاً سلوكيَّة ، وقدرات عقليَّة ، وخصائص نفسيَّة تؤهِّلها لأن تكون في أداء مهمَّتها ، أو أن تؤدي مهمَّتها على أكمل وجه ، وصمَّم الرجل ببناءٍ عقليٍ ، وبناءٍ نفسيٍ ، وبناءٍ اجتماعيٍ ، وبناءٍ عَضَلِيٍ ماديٍ يؤهله ليحقِّق مهمَّته في الحياة على أكمل وجه .

       هذه هي الفطرة ، الزنا محرَّم ، ولكن الذي يستقل بالرجال من دون النساء انحرف لا عن مبادئ الشريعة ؛ بل انحرف عن مبادئ الفطرة أيضاً ، سلك سبيلاً شاذاً ، وهذا المرض العضال الذي يهدِّد البشريَّة من أقصاها إلى أقصاها ، ما من ناقوس خطرٍ يُدقُّ الآن بأشدَّ إيقاعاً على النفس من ناقوس خطر هذا المرض العضال الذي تعاني منه البلاد المُتَحَلِّلة ، البلاد التي لا منهج لها ، البلاد التي لا تؤمن بمنهج الله عزَّ وجل .

إذاً :

      

 

Text Box: تفسيرات الآية :
 

 

    لهذه الآية تفسيران :

التفسير الأول :

أن هؤلاء القوم الشاذين حينما يأتون الرجال يقطعون النسل ، هذه المرأة التي كرَّمها الله عزَّ وجل ، والتي صمَّمها تصميماً تُكَمِّلُ به الرجل ، ويؤلِّف معها أسرةً طيّبةً ، تنجب الأولاد الأطهار ، هذا التصميم الإلهي عُطِّل ..

      

قطعتم سبيل الزواج ، قطعتم سبيل الله عزَّ وجل .

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ .

( سورة الروم : من آية " 21 " )

قُطِعَ هذا السبيل ، قُطع النسل ، قُطِعَت هذه العلاقة الطيِّبة ، ولا أكتمكم أن هناك حقائق اجتماعيَّة في بلاد الغرب يندى لهنا الجبين ، وقد لا تُصدَّق لهولها ، الآن تجري عقود زواج في الكنائس في بلاد أمريكا وأوروبا زواج بين الشبَّان أنفسهم ، فهناك انحرافاتٌ لا يتصوَّرها  العقل ، انحرافٌ لا عن منهج الله فحسب ؛ بل انحرافٌ عن أصل الفطرة ..

      

التفسير الثاني :

هناك تفسير آخر لهذه الآية ، وهو أن قوم لوط كان إذا مرَّ بهم شبَّانٌ أخذوهم عنوةً وفعلوا بهم الفاحشة ، وعذَّبوهم ، هذا المعنى الآخر ، وهو المعنى التاريخي .

      

Text Box: جرائم قوم لوط :
 

 

      الجريمة الأولى : هذا الانحراف السلوكي ، والجريمة الثانية أن تُرْغِمَ إنساناً على أن تفعل به الفاحشة ، هذه جريمة ثانية ، والجريمة الثالثة أنكم تأتون هذه الجريمة المنكرة في ناديكم أمام بعضكم بعضاً ، جرائم متراكبة ، جريمة الشذوذ الأخلاقي ، وجريمة الإكراه عليه ، وجريمة إتيانه أمام الملأ ، إذاً هذا الذي يأتي هذه الجرائم الثلاث واقعٌ بشكلٍ مخيف وبواقع مدمّر .

       قرأت البارحة أن مليون طفل في أمريكا يُعْتَدَى عليهم من قِبَل آبائهم ، هناك دراسة علميَّة ، وتقارير أصوليَّة من قِبَلِ آبائهم ، إذاً هذه جريمة رابعة أو خامسة .

      

Text Box: موقف نبي الله لوط من عَمَل قومه : التنبيه والتحذير :
 

 

     يبدو أن سيدنا لوط عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام نبَّههم ، وحذَّرهم ، و أوعدهم ، وخوَّفهم ، وأنذرهم ، يبدو أنه خوَّفهم بعذاب الله  .

      

Text Box: جواب قوم لوط لنبيهم : تحدّي عذاب الله :
 

 

       وهذا شأن العصاة ، كلَّما حذَّرته من عقاب الله ، وكلَّما حذَّرته من عذاب الله ، تقول له : يا أخي ربنا كبير ، عنده أمراض مخيفة ، عنده فقر شديد ، عنده عذاب مهين ، وعذاب أليم ، وعذاب مديد ، وعذابُهُ كبير ، وعذابُهُ عظيم ، أنت كُلُّكَ بيده ، لو أن الكلية تعطَّلت ، وتوقَّفت لأصبحت الحياة جحيماً ، لو أن هذا الجهاز تعطَّل لأصبح الموت قريباً ، لو ، ولو ، كلَّما ذكَّرته بعذاب الله استهزأ وقال : ائتنا بعذاب الله .

       سمعت مرَّة أنّ إنساناً يعمل في حقل ألغام استهزأ بالله ، وقال : إن كان موجوداً فليثبتْ وجوده ، داس على لُغْمٍ من دون أن ينتبه ، فانفجر في وجهه ، وفقد بصره ، قلت : سبحان الله ! فالله سبحانه وتعالى أعطاه فرصة ليتوب ، فكلَّما خوَّفتَ هؤلاء ، وأنذرتهم ، وحَذَّرتهم ، وبيَّنت لهم قالوا :

      

لذلك يوم القيامة يقول ربنا عزَّ وجل لهؤلاء الكفَّار المنحرفين :

﴿ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾ .

( سورة فاطر: من آية " 37 " )

Text Box: ما هو النذير ؟
 

       

1 – القرآن :

يقول الإمام القرطبي في تفسيره : النذير هو القرآن ، بيانٌ إلهي ، تحذيرٌ ربَّاني ، تفصيل ، مشاهد يوم القيامة ..

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه(26)يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه(29) ﴾ .

( سورة الحاقَّة )

       فالقرآن نذير ..

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا(27) ﴾ .

( سورة الفرقان )

﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلا الْمُصَلِّينَ(22) ﴾ .

( سورة المعارج )

       آياتٌ كثيرة في " جزء عَمَّ " فيها إنذار وتحذير ، فالقرآن نذير ، والنبي عليه الصلاة والسلام نذير .