English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة السجدة ( 32 ) : 2 /6  ـ 23/8/1991 ـ الآيات : [ 4 ـ 5 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

Text Box: تذكير :
 

 

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة السجدة ، في الدرس الماضي أيها الإخوة تمَّ شرح قوله تعالى :

( سورة السجدة )

هذا الكتاب ليس مفترى ، بل هو من عند الله ، من هو الله ؟

(سورة السجدة : آية " 4 " )

Text Box: شرف الرسالة مِن شرف المرسِل :
 

 

       شرفُ الرسالة من شرف المُرسل .. ، لذلك " لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت " .

فهذا الكتاب لا ريب فيه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كتابٌ حكيم ، كتابٌ حق ، نور ، هدى ، بيان ، لكن أخطر من هذا كلِّه ، هو مِِن عند مَن ؟ من عند خالق السماوات والأرض ، كلما عظم المرسِل عظمت الرسالة ، كلما شرف المرسِل شَرُفت الرسالة .

خطاب الله خالق السماوات والأرض ، أراد الله عزَّ وجل أن تأخذ الكتاب بقوة ، كي تعظمه ، كي تبادر إلى تصديقه ، كي تبادر إلى تطبيق أحكامه ، كي تسعى إلى نيل ثماره ، أن تعرف من الذي أرسله ، الله عزَّ وجل قال :

( سورة السجدة )

من هو رب العالمين ؟

( سورة السجدة : آية " 3 " )

من هو ربك يا محمد ؟ ومن هو ربُّ العالمين ؟

(سورة السجدة : آية 4 )

 

Text Box: الكون المعجِز مِن خَلق الله رب العالمين :
 

 

     حتى هذه اللحظة لا يعرف أحدٌ حدودَ الكون ، لا يزال الكون مجهولاً ، بعض العلماء قال : " لم تبتل بعدُ أقدامُنا ببحر المعرفة " ، لا زلنا على شاطئ المعرفة ، فإذا كنا على شاطئ معرفة الكون فكيف بخالق الكون ؟

       مجرة حديثة اكتشفت بعيدة عنا بعشرين ألف مليون سنة ضوئية .. والضوء يقطع في الثانية الواحدة ما يزيد على ثلاثمائة ألف كيلو متر ، كَم في الدقيقة ؟ وفي الساعة ؟ وفي اليوم ؟ وفي السنة ؟ فما عرفنا بعدُ حدود الكون ، ولا زلنا أطفالاً نحبو ، ولم تبتل بعد أقدامنا ببحر المعرفة " ، كما قال الإمام الشافعي : " كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي " .

فهل تعرف أيها الأخ الكريم من الذي أنزل هذا الكتاب ؟ إنه ربُّ العالمين ، ومن رب العالمين ؟ إنه خالق السماوات والأرض ..

( سورة السجدة : آية " 4 " )

ففي المنطق هل يمكن لجهةٍ أن تعبدَها غير خالق الكون ؟              

( سورة البقرة : آية " 21 " )

Text Box: المستحق للعبادة وحده هو خالق الكون وحده :
 

 

        لعِظَم حقِّه عليكم ، ولأنه الخبير ، ولأنه العليم ، ولأنه الرحيم ، ولأنه القدير ، ولأنه اللطيف ، ولأن إليه المصير ، فالله عزَّ وجل يريد أن يبين أن الله وحده يجب أن تعبده ، لأنه هو الخالق ، وهذا كتابه ، خلق الكون ، ونَوَّره بهذا الكتاب ، إنه نورٌ مبين ، خلق الكون ، وجعل هذا الكتاب حجةً علينا أو لنا ، حجةً علينا إن قصَّرنا قي تطبيقه ، وحجةً لنا إن طبَّقناه ..

( سورة السجدة : آية " 4 " )

Text Box: معنى : سِتَّةِ أَيَّامٍ 
 

 

        لا شك أن اليوم المذكور في هذه الآية ليس اليوم الذي نعرفه ، لأن اليوم الذي نعرفه هو ناشئٌ من دورة الأرض حول نفسها ، دورة الأرض حول نفسها تُشَكِّل يوماً طبعاً مع وجود الشمس ، قبل أن تُخلَق السماوات والأرض لم يكن هناك يومٌ بالمعنى الذي نعرفه ، إذاً : لا شك أن هذه الأيام الستة ليست كأيامنا التي نحن فيها ، لا كما قال اليهود : خلق الله عزَّ وجل الكون يوم الأحد والاثنين ، والثلاثاء والأربعاء ، والخميس والجمعة ، واستراح يوم السبت ، ليس من شأن خالق الكون أن يصيبه التعب ، وأن يستريح ، وليس من شأن هذا الخلق أن يكون بأيامٍ لم تُخلَق بعد ، إلا أنَّ بعض العلماء قالوا : " إنَّ هذه السماوات والأرض خُلِقَت في حِقَبٍ ممتدة ، حقبٍ طويلة " ، فلو درست علم الجيولوجية لقالوا لك : إن الأرض مرت في نشأتها بمرحلةٍ غازيةٍ ، مرحلة ملتهبة ، مرحلة متجمدة ، عصور مطيرة ، عصور نوع من أنواع معيَّنة ، فلعل هذه الأيام الستة هي مراحل طويلة تم خلالها خلق السماوات والأرض ، وكأن الله عزَّ وجل هيَّأ للإنسان هذه الأرض ، وجعل تهيئتها من خلال مجموعةٍ من الأيام التي هي في المعنى الدقيق حِقَبٌ طويلةٌ ، تم فيها خلق السماوات والأرض ، وكل ما تقرؤونه في تاريخ الأرض ، وعلوم الأرض ، وعلوم الجُيولوجية إنما هو تفسيرٌ وتوضيحٌ وبيانٌ لمضمون هذه الآية الكريمة ، وقد قال العلماء عن القرآن : " إن فيه أصولاً للعلوم الكونية " ، أصولاً وليس فروعاً ..

Text Box: مذاهب العلماء في الآيات المتعلقة بذات الله :
 

 

كلُّكم يعلَم أنَّ في القرآن الكريم آياتٌ متعلقةٌ بذات الله ، مثلاً :   

( سورة الفجر : آية " 22 " )

      أين كان ؟ وأين وصل ؟ وهل ربنا يمشي ؟ وهل له مكان يحويه ؟ ليس بجسمٍ ، ولا صورةٍ ، ولا مُتَبَعِّضٍ ، ولا متجزِّئ ، ولا متلونٍ ، وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك .. " علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، لا يُسأل عنه بمتى ؟ لأنه خالق الزمان ، ولا بأين هو ، لأنه خالق المكان " ، كيف :

كيف :

( سورة الفتح : آية " 10 " )

       كيف : (( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا )) ؟

[ مسلم وأحمد]

هذه الآيات المتعلِّقة بذات الله عزَّ وجل ذهب فيها العلماء أربعةَ مذاهب ، مذهبان من مُعْتقد أهل السنة والجماعة ، ومذهبان باطلان .

المذهب الأول : التفويض :

فالمذهب الأول هو التفويض ، الآيات المتعلقة بذات الله نُفَوِّض تفسيرها إلى الله ، وهذا أسلم مذهب ، لأن المحدود لا يمكن أن يحيط باللامحدود ، ولأن الحادث لا يمكن أن يحيط بالقديم ، ولأن المخلوق لا يمكن أن يحيط بالخالق ، وأنت في أعلى درجات العلم ، وأنت في تألُّقك العلمي قل عن هذه الآيات : لا أدري ، وأنت عند الناس عالم ، وأنت حينئذٍ عند الناس في أعلى درجات العلم ، لا يضُرُّك أن تقول : لا أعلم ، في آياتٍ متعلقةٍ بذات الله عزَّ وجل ، لأن الله عزَّ وجل لا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به العقول ، وكلُّ ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك ، هذا مذهبٌ أول ، مذهب التفويض ، نفوض أمر الاستواء إلى الله عزَّ وجل .

سُئل الإمام مالك عن الاستواء فقال : " الاستواء معلوم ـ في هذه الآية ـ والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة " ، وهذا في كل الآيات المتعلقة بذات الله ..

( سورة النساء )

كيف يسمع ؟ وكيف يبصر ؟ وكيف :

وكيف :

وكيف :

( سورة الطور : آية " 48 " )

هذه الآيات المتعلقة بذات الله ، المذهب الأول أن نفوض .

المذهب الثاني : التأويل :

      والمذهب الثاني أن ونُؤِّول ، التأويل بما يليق بكمال الله ، بما يليق بذات الله ، بما يليق بمقام الأُلوهية والربوبية :

     أي جاء أمر الله عزَّ وجل ، هذه القرية الفاسقة ، الفاجرة ، المنحرفة ، يأتيها أمر الله ، أيْ أن يأتيها عقابه ، يأتيها زلزال ، يأتيها بركان ، تأتيها مشكلات ، تأتيها أوبئة ، تأتيها أمراض ، فإذا قلنا : جاء أمر ربِّك ، بمعنى جاء أمره ، و جاء ربك ، بمعنى جاء أمره ، وإذا قلنا :

اليد رمز القوة ، قوة الله فوقهم ، وإذا قلنا :

( سورة الحج )

سميع : أي يعلم المَقولات كلها ، وإذا قلنا : بصير : يعلم المتحرِّكات ، وإذا قلنا : عليم : يعلم ما في النفوس ، وإذا قلنا :

أي بعنايتنا ، المذهب الثاني مذهب التأويل بما يليق بكمال الله عزَّ وجل .              

المذهب الثالث والرابع : التعطيل والتجسيم :

وأما مذهب التعطيل ومذهب التجسيم فهما مذهبان باطلان ، أن تُجَسِّم الذات الإلهية بأنه يأتي ، وأن له يداً ، وأن له عيناً ، وأن له سمعاً ، هذا مذهبٌ باطل ، لأنه قام على التجسيم ، فكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك .

مرة أحد الخطباء نزل درجةً وقال : إن ربَّكم ينزل إلى السماء الدنيا كما أنزل أنا ، هذا تجسيم ، هذا كفر ، إذاً : مذهب التجسيم باطل ، ومذهب التعطيل باطل ، أن تعطل هذه الآيات ، آيات من كتاب الله ، فلذلك هناك آياتٌ تُدركها بلا تفسير ، فلا تحتاج إلا إلى تفسير الزمخشري ، ولا إلى تفسير الطبري ، ولا إلى تفسير القرطبي ، ولا إلى تفسير ابن كثير ، ولا إلى مفسِّر حديث ، ولا إلى قديم .

مثلاً :

( سورة التحريم : آية " 8 " )

Text Box: سبل فهم الآيات :
 

 

1 ـ فهم الآيات فهما عربيا سهلا :

     هذه آيات محكمة واضحة ، أساساً تقام عليك الحجة بهذه الآيات ، لست محتاجاً إلى أحد ، لست مضطراً إلى أن تكون تبعاً إلى أحد في فهم هذه الآيات ، إن الله يحب الصادقين .

( سورة البقرة )

( سورة الأعراف )

( سورة آل عمران )

( سورة آل عمران )

( سورة الأعراف )

       فالآيات المحكمة واضحة ، ومن فضل الله علينا أن كل الآيات التكليفية محكمة ، كل الآيات التكليفية التي فيها افعل ، ولا تفعل آيات محكمة ، هذه آيات نفهمها بالبداهة ، كل ذي فكرٍ سليم ، كل ذي إدراكٍ صحيح ، كل ذي فطرةٍ نقيَّة يقرأ هذه الآية فيفهمها ، هذه آياتٌ واضحةٌ بينةٌ لا خلاف فيها .

 

2 ـ تفسير الآيات بالنقل :

       هناك آيات من نوع آخر ، بالنقل نعرفها ، فإذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ صحيحٌ ، يفسِّر آيةٌ كريمة فهذه الآية وإن بدت لنا غامضة لكن النقل الصحيح يُلقي عليها ضوءاً .. شيء جميل .

3 ـ تفسير الآيات بالعقل :

وهناك آياتٌ نفهمها بالعقل ، فإذا قال الله عزَّ وجل :

( سورة الإسراء : آية " 23 " )

     يا ترى منطوق الآية ألا تقول لهما : أف ؟ إذاً : ما الذي أراده الله من هذه الآية ؟ إذا كان قول أفٍ قد نهيت عنه لأن فيه إيذاءً للأم أو للأب ، إذاً أي نوعٍ من أنواع الإيذاء منهيٌ عنه بالعقل ، هناك آياتٌ نفهمها بالنقل ، وهناك آياتٌ نفهمها بالعقل .

4 ـ طريق تفويض تفسير الآيات :

وهناك آيات كهذه الآية لا نفهمها لا بالنقل ولا بالعقل ، ولكن إما أن نفوض أمرها إلى الله عزَّ وجل ، وهي آياتٌ قليلةٌ جداً ، لا تزيد على عدد أصابع اليد ، فنفوِّض تفسيرها إلى الله عزَّ وجل ، ونحن في أعلى درجات العلم ، هذا حجمك وأنت عبد ، ألم تسمع قوله تعالى :

( سورة الإسراء )

فإذا تَنَطَّعْتَ لفهم كل آيةٍ فكأنك تنقض قوله تعالى :

       ولو نظرت إلى السلف الصالح حينما كان أحدهم متواضعاً في نقل العلم ، وفي تعليم العلم ، لرأيت العجب العجاب ..

Text Box: تورع السلف الصالح عن الإجابة بغير علم :
 

 

جاء وفدٌ من المغرب إلى الإمام مالك إمام دار الهجرة ، والمقولة التي تعرفونها جميعاً : " لا يُفْتى ومالكٌ في المدينة " ، جاء هذا الوفد بثلاثين سؤالاً ، طرحت عليه الأسئلة ، أجاب عن سبعة عشر سؤالاً ، وقال عن الباقي : لا أدري ، قالوا : يا إمام ، أنت إمام دار الهجرة ، قصدناك من أطراف الدنيا ، بقينا أربعة أشهر نسير إليك ، ثم تقول : لا أدري ، فقال بكل بساطة : قولوا لهم : الإمام مالك قال جواباً لها : لا يدري .. نصف العلم لا أدري ، هذا التنطُّع لمعرفة كل شيء ، كل شيء تعرفه ، إذاً فأنت جاهل ، الذي قال : إنه يعرف كل شيء فهو لا يعرف شيئاً .

      والقصة التي تعرفونها .. كان شابٌ يدرِّس في بعض مساجد بغداد ، وقد فتح الله عليه ، والتف الناس حوله ، طبعاً هذا ملأ قلوب الأصوليين من الدعاة غيرةً وحسداً ، فأراد بعض علماء بلده أن يُسَفِّهَهُ ، وأن يُصَغِّرَهُ أمام تلاميذه ، فحضر درسه ، فلما انتهى الدرس قال : يا غُلام ، هذا الذي قُلته ما سمعناه ، قال : يا سيدي ، أو علمت العلم كله ؟ قال: لا ، قال : إذاً هذا من الذي لا تعرفه .. هذا الذي قلته ، وهو من الذي لا تعرفه أنت .

      كلما رأى الإنسان عظمة الله عزَّ وجل ، وكلما كَبُرَ الله في نظره كلما صغر في عين نفسه ، والكبر من علامات الجُهَّال .

        أروي هذه القصة مئات المرَّات ، لأنها تشفي غليلي ، دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت أحد أصحابه الذين استشهدوا ، رفع عنه الرداء ، وقبَّله ، وبكى ، فسمع النبي صوتاً من وراء الحجاب ، فإذا امرأةٌ تقول : هنيئاً لك أبا السائب ، لقد أكرمك الله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام غضب ، فأجابها ، طبعاً هو يجيبها ، لماذا ؟ لأنه نبيٌ مُشَرِّع ، فلو سكت لكان كلامها صحيحاً ، إنه مُشَرِّع ، ولا يصح أن يسكت على خطأ ، لو أنك كنت في مجلس ، وتكلمت امرأةٌ من وراء الستار كلاماً غير صحيح ، وسكت ، فلا شيء عليك ، لست مكلَّفاً ، أنت لست مشرعاً ، لكن النبي وحده لو سكت في هذا الموطن لعُدَّ كلامها صحيحاً ، قال : ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟! قولي : أرجو الله أن يكرمه .. كلمة ( أرجو ) فيها أدب مع الله ، أما كلمة : ( لقد أكرمك الله ) فيها تألٍّ على الله ، فيها تطاول على مقام العبودية ، قولي : أرجو الله أن يكرمه ، وأنا نبيٌ مرسل ، لا أدري ما يفعل بي .

إذا علمت المستقبل على وجه اليقين ، فلست عبداً لله عزَّ وجل ، خرجت من مقام العبودية إلى مقام الأُلوهية ، إذاً قولي : أرجو الله أن يكرمه ، ونحن نقول : أرجو الله أن يكرمنا ، أما على وجه اليقين ، أنا من أهل الجنة ، وفلان من أهل النار ، فلان كافر ، من أعطاك هذه الصلاحية كي تكون وصياً على الناس ؟ هذا ليس من شأن العبد ، هذا من شأن الرَّب ، أنت كن في حدود الأدب ، ورحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده ، إذاً :

القول الأول في معنى ستة أيام : أيام من أيامنا :

           بعضهم قال : ستة أيامٍ من أيامنا .. هذا القول ينقضه طبيعة اليوم ، طبيعة اليوم ناشئةٌ عن دورة الأرض حول نفسها مع وجود الشمس ، هذا تم بعد خلق السماوات والأرض ، بعد المرحلة الغازية ، والمرحلة الدخانية ، والمرحلة الملتهبة ، وانفصال الكواكب عن بعضها ، وبرود الكواكب ، إذاً أن نفهم أن خلق السماوات والأرض تم في أيامٍ ستة كأيامنا ، هذا فهمٌ مرفوض .

القول الثاني في معنى ستة أيام : أيام من أيامنا :

       أما أن نفهم أن خلق السماوات والأرض تم في مراحل فهذا مما تُؤكِّده العلوم ، علوم الأرض ، وعلوم الجيولوجية .. كيف ؟

المرحلة المطيرة ، ثم مرحلة النباتات العملاقة ، ومرحلة الحيوانات العملاقة ، ومرحلة الالتهاب .. إلخ ، هذا شيء يعرفه المختصون ..

          إذا أردنا أن نفوِّض نقول : الله وحده يعلم تفسير هذه الآية ، وإذا أردنا أن نُؤوِّل بما يليق بكمال الله عزَّ وجل ، وما يليق بمقام الإلهية والربوبية ، نقول كما قال بعض المفسرين : خَلَق الكون ، ثم بُثَّ فيه الحياة ، خلق الكون ، ودبَّر الكون ، فهناك مرحلة الخلق ومرحلة التدبير، مرحلة الخلق ومرحلة بث الحياة ، مرحلة الخلق ومرحلة التسيير ..

Text Box: ثُمَّ اسِتَوَى عَلَى العَرْشِ
 

 

ورد في بعض التفاسير ، أن الاستواء على العرش بعد أن خلق الله السماوات والأرض ، وليس هذا ترتيباً زمنياً ، لأنه يستحيل على الله عزَّ وجل أن ينتقل وفق الزمن من مرحلة إلى مرحلة ..

( سورة يس )

مرحلة انتقال من مرحلة إلى أخرى هذا لا يليق بالله عزَّ وجل ، ولكن يوجد خلق ، ويوجد تسيير، قال :

( سورة طه )

يؤكِّد هذا المعنى أن أكثر الآيات التي وردت فيها كلمة :

( سورة السجدة )

جاء بعدها : يُدَبِّر الأمر من السماء إلى الأرض ، آيات التدبير تأتي بعد آيات الاستواء ..

( سورة السجدة : آية " 4 " )

 

Text Box: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ شَفِيع
 

 

       أي إذا توهَّمتم أن زيداً أو عبيداً ، أن فلاناً أو علاناً وليٌ لكم من دون الله ، وشفيعٌ لكم من دون الله ، فهذا وهمٌ باطل ، إذا اكتشفتموه بعد فوات الأوان تعضّون أصابعكم ندماً ، أي أنك إذا توجَّهت عنايتك إلى إنسان ، وظننت أن بيده شيئاً يملكه ، يعطيك أو يمنعك ، يؤذيك أو ينفعك ، إذا توهَّمت هذا التوهُّم فهذا هو الضلال البعيد ..

( سورة السجدة : آية " 4 " )

النبي عليه الصلاة والسلام قال حديثاً جامعاً مانعاً موجزاً مقتضباً ، قال :

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجوَن إلا ربه )) .

[ مسند الفردوس ]

أي أية جهةٍ في الأرض لا تستطيع أن تفعل شيئاً ..

( سورة هود )

( سورة الأنعام )

( سورة فاطر )

( سورة الزمر )

( سورة الأعراف : آية " 54 " )

( سورة الكهف )

لو ذهبت تدعو..

( سورة الشعراء )

      فأكبر باب من أبواب العذاب النفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر .

 

Text Box: إياكم والشرك الخفي :
 

 

إيَّاك أن تظن أنك لا تقول : فلان إله ، كما يقول البوذيون " بوذا إله ، لا .. هذا انتهى ، هذا الشرك الجَلِي انتهى وقته .. (( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي )) .

[ابن ماجه]

الخفي شيء ، والجلي شيءٌ آخر ، إذا ذهبت إلى بلاد شرقي آسيا لرأيت الآلهة المتعددة ، ميكادو إله في اليابان ، بوذا إله في الصين مثلاً ، هذه آلهة ، هذا شرك جلي ، النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن فُتِحَت مكة ، وبعد أن كُسِرت الأصنام ، قال عليه الصلاة والسلام : (( إن الشيطان يَئس أن يعبد في أرضكم )) .

[ الترمذي]

       ليس في العالم الإسلامي مَن يقول : فلان إله ، هذا انتهى وقته ، لن يعود ، لن ترجع عقارب الزمن إلى الوراء ، ولكن الخطر كامنٌ في الشرك الخفي ، إذا توجَّهت إلى زيد ، وظننت أن زيداً ينفعك أو يضرُّك ، إذا ظننت أن غضبه كبير فأرضيته ، وعصيت الله فهذا أكبر أنواع الشرك .

Text Box: اعلم يا عبد الله أنه ...
 

 

لمجرَّد أن تعصي خالق الكون ، وترضي مخلوقاً فهذا هو الشرك ، هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله عزَّ وجل ، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً ، لا رافع ، ولا خافض ، ولا قابض ، ولا باسط ، ولا معزَّ ، ولا مذلَّ ، ولا معطٍ ، ولا مانع ، ولا رازق إلا الله ، وكلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تُقَرِّب أجلاً ..

( سورة الأحزاب : آية " 39 " )

Text Box: من صفات الدعاة : خشية الله وحده :