English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة السجدة ( 32 ) : 4/6  ـ 6/9/1991 ـ الآيات : [ 8 ـ 14 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الأكارم ، مع الدرس الرابع من سورة السجدة ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

( سورة السجدة )

Text Box: الصنعة تدلُّ على الصانع :

 

     مِن الثابت أيها الإخوة أن الصنعة تدلُّ على الصانع ، وأن النظام يدل على المنظِّم ، وأن الكون يدل على المكوِّن ، وأن الخلق يدل على الخالق ، فإذا أردت أن تعرف الله عزَّ وجل فدونك الكون ، فانظر إلى الكون ..

( سورة السجدة : آية " 7 " )

        أي أن يخلق الكون صدفةً فهذا من سابع المستحيلات ، وهذا تنفيه كل الأدلَّة العقلية ، إذاً : هذا الكون له مكوِّن ، فإذا تأمَّل الإنسان تأملاً دقيقاً ، وقال : هذا الكون خلقه إلهٌ عظيم ، لماذا خلقه ؟ وماذا يريد مني ؟ وماذا بعد الموت ؟ وإذا كان الإنسان يملك فكرةً صحيحةً عن حقيقة الكون ، وعن حقيقة الحياة ، وعن حقيقة الإنسان ، إذا عرف إجابات هذه الأسئلة الثلاثة عندئذٍ يكون قد بدأ السير على طريق الإيمان .

فالآية الكريمة في سورة الملك :

( سورة الملك : آية " 3 " )

Text Box: الَّذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ 
 

 

      ففي الخلق إحكام دقيق ، وأيُّ شيءٍ خلقه الله كاملٌ في الخلق ، كاملٌ في الصفات ، قال ربنا عزَّ وجل :

( سورة السجدة : آية " 7 " )

       أي أن مخلوقاته جميعاً ؛ النباتات ، الحيوانات ، الإنسان ، الجمادات ، كل شيءٍ أودع الله فيه الخواص التي يؤدِّي بها مهمته أداءً كاملاً ، الإنسان أحياناً بحاجة إلى معدن يتمدد عندما يبرُد ، وهذه الخاصة في الرصاص على عكس القانون العام ، إذاً خلق الله الرصاص ، فهذا المعدن يحتاجه الإنسان وهو في أَمَسِّ الحاجة إليه ، ومن خصائصه التمدد عند التَبَرُّد ، والإنسان بحاجة إلى معدن خفيف ، إلى معدن متين ، إلى معدن قاسٍ ، فكل أنواع المعادن أعطاها الله خصائص ، لو درس الإنسان خصائص المعادن لشعر أن الله سبحانه وتعالى إنما خلقها على هذه الصفة تكريماً وتسخيراً له .

Text Box: مِن تفصيلات هذه الآية :
 

 

 

والحقيقة أن تفصيل هذه الآية يحتاج إلى وقتٍ طويل :

 

1 – العين :

فالعين مثلاً تندرج تحت قوله تعالى :

      فالعين لها جسم بلوري ، وهذا الجسم البلوري من شأنه أنه مرن، ومعنى أنه مرن أي إذا جاء الخيال بعد الشبكية أو قبل الشبكية ، ضغطت عليه عضلاتٌ هُدْبية حتى تجعل الخيال على الشبكية ، هذه العملية عملية المطابقة من أعقد العمليات في العين ، من يجريها ؟ الله سبحانه وتعالى تصوَّر عدسة ضع أمامها شمعة ، وأمسك لوحةً من الورق المقوَّى ، وحرِّك هذه اللوحة إلى أن يرتسم عليها ظِلُّ ، أو شكل الشمعة ، هذه المسافة بين العدسة والورق المقوَّى هي المحرق ، مسافة المحرق ، لو أن هذه الشمعة حركتها قليلاً لتلاشى خيالها على الورق المقوى ، إذاً ماذا نفعل حتى نعيد هذا الخيال ؟ لا بدَّ من تحريك الورق المقوى أو تحريك الشمعة ، وهذا في العين يستحيل أن تحرك الشبكية أماماً أو خلفاً ، ما الذي يجب أن يكون ؟ هذا الشيء المعجز أن الجسم البلوري ( العدسة ) في العين مرنة ، يزداد احتدابها أو يقلّ حتى ينطبع على الشبكية خيال الأجسام المرئية ، هذه العملية لو كلفنا إنساناً يحمل دكتوراه في الضوء لما استطاع أن يقوم بها لشدة تعقيدها ، ولكن كل إنسان قد يتابع كرةً تطير بين أيدي اللاعبين ، هذه الكرة تقع دائماً على شبكية العين ، هذه العين وحدها ما أُلِّف عنها من كتب يفوق حدَّ الخيال ، بدءاً من قرنيتها الشفافة إلى قُزحيتها ذات الفعل المنعكس ، فهذه القزحية تتسع إذا قل الضوء ، وتضيق فتحتها إذا كثر الضوء ، اتساع الحدقة وضيق الحدقة عملٌ لا إرادي ، حتى إن من علامات الحياة إذا شكَّ الطبيب في موت إنسان يسلط على عينه ضوءاً شديداً ، فإذا ضاقت الحدقة فهناك حياةٌ في الإنسان ، لوجود ردود فعل ، وإذا لم تضق الحدقة فهذه علامةٌ من علامات الموت ، إذاً القرنية الشفافة التي تتغذى بالحلول ، إلى القُزحية ذات الفعل المنعكس ، إلى الجسم البلوري المرن الذي يزداد احتدابه ، ويقل احتدابه من دون أن تدري ، من أجل أن ينطبع الخيال على الشبكية ، إلى السائل الزجاجي ذي قرينة الانكسار الخاصة ، إلى الشبكية ذات العشر طبقات ، وفيها مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط ، إلى عصبٍ بصري يخرج منه تسعمئة ألف عصب ، لكل عصب غِمْدٌ يُغَلِّفه ، هذه العين التي خلقها الله و :

 

2 – الأُذن واللسان :

فكِّر في الأذن ، فكِّر في اللسان ، كُلُّ حرفٍ قد تسهم فيه سبع عشرة عضلة ، هذه الحروف التي ننطق بها يسهم في تكوينها عضلاتٌ كثيرة ، فحينما تلقي كلمة ، أو تلقي الخطبة كل حرفٍ يحتاج إلى عددٍ كبير من العضلات انبساطاً وانقباضاً ، في تشكيله :

3 – العظام :

هذه العظام التي خلقت فيها خلايا تنمو ، فإذا بلغت النمو المطلوب توقفت عن النمو وهجعت ، فإذا كُسِر العظم بعد ثلاثين عاماً مثلاً تستيقظ هذه الخلايا ، وتُعيد بناء العظام من جديد :

      أنت أمامك جسمك ، فإذا أردت ألا تبتعد ، وأردت أن تكون واقعياً ، إذا أردت أن ترى آيات الله عزَّ وجل بين يديك ماثلةً صارخةً واضحةً ففكِّر في جسمك ، فكر في رأسك ، هذه الحواس ، هذه العضلات ، هذه الأعصاب ، هذه الأوعية ، هذه الشرايين ، هذه الأعضاء ، هذه الأنسجة ، يوجد نسيج لحمي معين ، ونسيج عضلي ، ونسيج عصبي ، كلُّه يتلقَّى الغذاء من القلب ، هذه عناوين موضوعات .

       فحركة اليد ، ما طبيعة الحركة ؟ كيف تتقلَّصا لعضلة ؟ كيف تأتمر ؟ من يأمرها ؟  من ينفِّذ هذا الأمر ؟ كيف يتلقَّى الإنسان أو الدماغ المعلومات من المحيط عن طريق الحواس ؟ فكل شيء له نظام خاص به . كيف يتوازن الإنسان على قدمين لطيفتين ؟ لمَ لا يقع ؟ لمَ إذا مات وقع ؟..

( سورة السجدة )

الله عزَّ وجل خلق سيدنا آدم من طين ..

( سورة السجدة )

Text Box: أقوال العلماء في معنى : السُلاَلَة 
 

 

        ماذا تعني كلمة ( سُلالة ) .

 

المعنى الأول :

بعضهم قال السلالة تعني الخلاصة .

 

المعنى الثاني :

وبعضهم قال السلالة : الخواص ، أي جعل نسل الإنسان من ماءٍ ، هذا الماء الذي يفرزه الإنسان ، يتمُّ تصنيعه في ثمانية عشر يوماً ، وتُعَطَّل فاعليَّته إلى أن ينطلق من مكانه ، إذا انطلق من مكانه تحرَّك عن طريق ذيلٍ وعنقٍ ورأسٍ مدبب ، وفي مقدمة الرأس مادةٌ نبيلةٌ شفَّافةٌ تخترق جدار البويضة ، فهذا الماء المهين الذي يُصَنَّع في ثمانية عشر يوماً ، والذي لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل تعطل فاعليته إلى حين انطلاقه من عقاله ، هذا الحيوان إذا مضى عليه ساعة أو ساعتان يموت ، فمن جعله ينطلق من عقاله ؟ ومن أعطاه الفاعلية حينما ينطلق ؟ لو أنه وهو مخزنٌ في الخصيتين أعطي الفاعلية لمات في مستودعاته ، إذاً حينما ينطلق تُعطى فاعليته ، فإذا عاش ساعتين أو أكثر فقَد فاعليته ومات ، إذا وصل إلى البويضة حوينٌ قويٌ ، ولَقَّح البويضة تشكَّل الإنسان من هذه البويضة الملقحة ، إذاً ربنا عزَّ وجل يقول :

( سورة السجدة )

خلاصة من ماءٍ مهين ..

( سورة الإنسان )

      نطفة أمشاج ، أي أن هذه النطفة عليها معلومات ، خمسة آلاف مليون معلومة ، وهذه البويضة عليها معلومات خمسة آلاف مليون معلومة ، وقد جعل الله البويضة كبيرةً لتكون هدفاً للحوين ، ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل ، جعل البويضات التي يُطلقها مبيض المرأة محدودةً ، أي أن هذه البويضات تنتهي في سن اليأس ، لو أن البويضات شأنها كشأن الحوينات تنطلق إلى آخر العمر لكان وقع الحمل في سن الثمانين ، وفي السبعين ، وفي التسعين ، وفي الخامسة والتسعين ، لكن حكمة الله عزَّ وجل جعلت عدد البيوض في المرأة محدوداً ، فإذا انتهى عدد البيوض التي أودعها الله في مبيض المرأة جاء سن اليأس ، وتوقَّف الحمل ، بينما الحوين الذي يُفْرِزه الرجل يستمر في الخروج حتى نهاية الحياة ، هذه حكمةٌ بالغة من حكم الله سبحانه وتعالى ، إذاً بَدْءُ خلق الإنسان من طين ، وأما نسل بني آدم :

Text Box: معنى : مَاءٍ مَهِينٍ :

 

       ومعنى ماءٍ مهين كما قال بعض المفسرين : هو الماء الضعيف ، معنى ضعيف ، أيْ أنَّ أيَّ عَرَضٍ يصيبه يجعل هذا الحوين ميتاً ، فهو يحتاج إلى وسط معين ، يحتاج إلى سيولة معيَّنة ، إلى غذاء معين ، فحينما يخرج هذا الماء من مكانه ، وينتقل عبر القنوات يصل إلى نقطة ، أو إلى مكان ، أو إلى منعطف هو منعطف البروستاتة ، هذه الغدة التي تفرز مادة مطهرة ، ومادة معطِّرة ، ومادة مغذية تسبح فيها الحوينات ، هذا صنع من ؟ البروستاتة تُغلق مجرى البول حينما يخرج ماء الحياة ، وتغلق مجرى ماء الحياة حينما يخرج البول ، إذا خرج البول ليسير في الطريق الذي خُصِص له تفرز البروستاتة مادة قلوية تتعادل مع المادة الحامضية ، فإذا خرج ماء الحياة .. الطريق فيه بول .. تفرز البروستاتة مادة مطهرة ، وبعدها مادة معطِّرة ، وبعدها مادة مغذية ، وهذه الغدة تعمل ثمانين عاما أو أكثر من دون كللٍ أو ملل ، فإذا كان هناك إفراطٌ أو تفريطٌ تتضخم وتلتهب ، هذا صنع من ؟

لو أردت أن تقف عند خصائص الإنسان لوجدت العجب العجاب.

( سورة السجدة )

       ماءٌ ضعيف ، أو ماءٌ مُمْتَهن فالإنسان يستحيي من هذا الماء إذا ظهر على ثوبه ، وكُلُّنا من هذا الماء ، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل أن الإنسان يخرج من عورةٍ ، ويدخل في عورةٍ ، ثم يخرج من عورة ، ويشكَّل من ماءٍ مهين ، فعلامَ الكبر ؟ لذلك جاء في بعض الأحاديث الشريفة :

(( ويلٌ لعبدٍ سها ، ولها ، ونسي المبتدا والمنتهى ، ويلٌ لعبدٍ طغى ، وبغى ، ونسي الخلاَّق الأعلى )) .

الرب الكريم .

( سورة السجدة : آية " 9 " )

Text Box: تسوية الله للإنسان :
 

 

 

       التسوية دقيقة جداً ، التسوية أوضحتها بمثل : أن الإنسان لو أراد أن يضع مركبته في مرآب ( كراج ) بالتعبير الشائع .. يجب أن يكون حجمه مسوًّى مع حجم المركبة ، أكبر بقليل ، أعلى بقليل ، أطول بقليل ، فلو لم تكن هناك تناسبات بين حجم هذه الغرفة وحجم المركبة لما كان هذا المكان صالحاً لمبيت هذه السيارة ، إذاً ليس مسوًّى ، التسوية هي التناسب ، فالإنسان جعل الله له يدين ، اليد من حيث طولها ، ومن حيث مفاصلها ، ومن حيث رسغها ، ومن حيث الأصابع ، وطول الأصابع ، ومن حيث الكف ، باطن الكف وظاهر الكف ، هذه التجاعيد ، وهذه الأطوال المختلفة ، وهذه السُلاميات ، وهذا المكان الذي لا شعر فيه ، وهذه الخطوط على رؤوس الأنامل ، هذه كلها تسوية ، وهذه المفاصل ذات الاتجاه الداخلي .

      والرِجل لها تركيبٌ آخر ، عظام الفخذ ، وعُنق الفخذ ، وعلاقتها بالحوض ، والركبة ، وطبيعة الركبة ، ومِشط الرجل ، هذه التسوية ، أي نظامٌ بديع يتوافق مع أحدث أو مع أدق النظريات الميكانيكية :

     بعد أن صار هذا الجنين كائناً بشرياً له رأسٌ ، وله عينان ، وله سمع ، وله فم ، وله لسان ، وجهاز هضم ، وجهاز دوران ، وجهاز أعصاب ، وجهاز إفراز ، وجهاز تعرُّق ، وعضلات وعظام :

Text Box: ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِه
 

 

 

إذا دبَّت فيه الحياة ، وتحرَّك ، ونبض قلبه :

( سورة السجدة )

Text Box: الحكمة مِن خلق الحواس في الإنسان :
 
       

طبعاً السمع والأبصار والأفئدة كما قال بعض المفسرين : إنما هي حواس أودعها الله في الإنسان ليتعرَّف بها إلى خالق الأكوان ، فبالعين ترى الكون ، وبالأذن تستمع إلى الحق ، وبالفؤاد الذي إذا جاء مع السمع والبصر يعدُّ الفِكر الذي أودعه الله في الإنسان ، فهذه العين وهذه الأذن ، وهذا الفكر مناط التكليف :

      بالعين ترى آيات الله الدَّالة على عظمته ، وبالأذن تستمع إلى كلام الله عزَّ وجل ، وإلى سنَّة نبيه ، بالعين والفكر تعقل ، وبالأذن تسمع ، وأنت أمام آياتٍ تحتاج إلى تفكُّر ، وبين نقلٍ يحتاج إلى تدَبُّر ، النقل عن طريق الأذن يحتاج إلى تدبر ، والكون عن طريق العين يحتاج إلى تفكُّر ، فمن خلال الكون تتعرف إلى الله عزَّ وجل ، ومن خلال الأذن تتعرف إلى أمره ونهيه فتعبده ، إذاً مجيء السمع والبصر والفؤاد هذه ثلاثة ؛ حاستان وجهازٌ مُعَقَّدٌ جداً ، وهو الفكر ، هذه الحواس مناط التكليف ، بالعين والفكر تتأمل في آيات الله التي بثَّها في الكون فتعقل ، وبالأذن تتدبَّر أوامره ونواهيه فتعبده ، فلا بدَّ من اجتماع الفكر والعين والسمع :

Text Box: لكن تأمَّلْ : قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ 
 

 

        أي لو نظرت قليلاً ، لو استمعت قليلاً ، هذا الأعرابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام قال : يا رسول الله عِظْني ، ولا تطل ، فتلا عليه قوله تعالى :

( سورة الزلزلة )

      قال : كُفيت ، فقال عليه الصلاة والسلام : فَقُهَ الرجل .

القضية أبسط مما تتصورون ، القضية آيةٌ واحدٌ تكفي ، حديثٌ واحدٌ يكفي ، في القرآن والسنة آياتٌ لا تزيد على أصابع اليد تكفيك طَوال الحياة ، وأحاديث أيضاً لا تزيد على أصابع اليد تكفيك طوال الحياة .

 

أي إذا سمعت قليلاً يكفيك ، إذا تأمَّلت قليلاً يكفيك ، إذا تفكَّرت قليلاً يكفيك .

         إذاً هذا الكون سخَّره الله لك تسخير تعريف ، وتسخير تكريم ؛ فماذا ينبغي أن تفعل ؟ ينبغي أن تؤمن ، وينبغي أن تشكر ، ولن تشكر قبل أن تؤمن ، إذا آمنت شكرت ، فإذا آمنت ، وشكرت فقد حققت المُراد الإلهي ، لأن الله عزَّ وجل يقول :

( سورة النساء : آية " 147 " )

       أي إذا آمنت ، وشكرت فقد حققت المُراد ، فإن لم تشكر فمعناها لم تؤمن ، لا تشكر إلا إذا آمنت ، إذا آمنت فعلاً شكرت ومن لوازم الإيمان الشكر ، والآن مقولة الكفار :

( سورة السجدة : آية " 10 " )

Text Box: مقولة باطلة في إنكار البعث : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ 
 

 

أي إذا متنا ، ودُفِنا تحت الأرض ، وأصبحنا تراباً ، واختلط جسمنا البالي بتراب الأرض :

      معنى ضللنا أي دُفِنا ، غُيِّبنا في باطنها ، وكذلك معنى ضللنا ، أي اختلط تراب جسمنا بتراب الأرض ، وكلا المعنيين صحيح :

( سورة السجدة : آية " 10 " )

        أيْ أيعقل بعد أن تفنى أجسامنا ، وتصبح تراباً مختلطاً بتراب الأرض أنخلق ثانيةً من جديد لنحاسب ؟

( سورة السجدة )

      أيْ أن يخلق الإنسان مرةً ثانية ليحاسب على أعماله كلها ؛ خيرها وشرها ، جَيِّدها وسيئها ، صالحها وطالحها ، هذا شيءٌ يكفرون به ، مع أن الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحق ، ومن الأدلة على اليوم الآخر أن الإنسان في الحياة قد يكونُ قوياً ، وقد يطغى في قوته ، وقد يكون ضعيفاً فيظلم في ضعفه ، وقد يكون غنياً ، وقد يكون فقيراً ، وقد يكون صحيحاً ، وقد يكون مريضاً ، ويأتي الموت عند هذه الأوضاع غير المتكافئة ، ألا ينبغي أن تكون هناك حياةٌ أخرى تسوَّى فيها الحسابات ، يؤخذ من القوي للضعيف ، ألا ينبغي أن يقيم الله عزَّ وجل حياةً أبديةً يجازي فيها المحسن على إحسانه ، والمسيء على إساءته ؟ لذلك كما يقولون : " وزعت الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء " .

Text Box: الكفر نوعان : جليٌّ وخفيٌّ :
 

 

        لذلك فالكفر أيها الإخوة نوعان ، كفر جلي وكفر خفي :

 

الكفر الخفي :

فإن لم تجد في عمل الإنسان اليومي ما يؤكِّد إيمانه باليوم الآخر فهو كافرٌ باليوم الآخر كُفراً خفياً ، أضرب على هذا مثلاً : لو أنَّك زرت طبيباً ، وعالجك علاجاً جيداً ، وكتب لك وصفة ، قد تصافح الطبيب ، وقد تشكره على عنايته بك ، ولكن لمجرَّد أنك لا تشتري هذا الدواء فلست إذاً واثقاً من علم هذا الطبيب ، فعدم شراء الدواء تكذيبٌ لعلمه ، ولو أثنيت على علمه ، فالتكذيب نوعان تكذيبٌ جلي ، وتكذيبٌ خفي مبطن ، فإذا قلت : أنا مؤمن بالجنة والنار ، أنا مؤمنٌ باليوم الآخر ، ولم تعمل لليوم الآخر ، ولم نجد في حركتك اليومية ما يدل على خوفك من النار ، ولا طمعك في الجنة ، فنقول : إنك تكذِّب باليوم الآخر تكذيباً عملياً ، لا تكذيباً قولياً ، فلذلك :

لمجرد أن تعمل للدنيا وحدها ، لمجرد أن تأكل مالاً حراماً ليس لك ، لمجرَّد أن تتحرك بلا ضابط وبلا منهج وبلا قيم ، لمجرَّد أنك لا تأتمر بما أمر الله ، ولا تنتهي عما نهى الله ، لمجرد أنك تعصي الله ، ولا تنوي أن تتوب من هذه المعصية ، لمجرد أنك مقيمٌ على معصية الله فهذا يؤكِّد عدم إيمانك باليوم الآخر ، ولو آمنت باليوم الآخر حق الإيمان لاختلفت كل علاقاتك اليومية ، لاختلفت كل حياتك ، لظهر هذا واضحاً في سلوكك ، لذلك الذي يؤمن بالآخرة يقول لك : هذه حرام لا أفعلها ، والله إني أخاف الله رب العالمين ، هذه معاذ الله أن أفعلها ، هذه لا تجوز ، إذاً بحياتك ورع ، وبحياتك خوف ، هذه لا أفعلها ، وهذه لا أقبلها ، وهذه لا تُرضي الله ، وهذه أعاقب عليها يا أخي ، أما الذي يفعل ما يشتهي ، ويتحرَّك كما يحلو له من دون قيدٍ ولا شرطٍ ، ولا منهجٍ ولا ضابطٍ ، هذا يجب أن يؤكِّدَ لنفسه أنه ليس مؤمناً باليوم الآخر :

       حتى لا يغش الإنسان نفسه ، هناك نوع من الناس يشكلون نموذجاً مشاعاً الآن :

وهذا النموذج إنسان مسلم بالانتماء ، يحب أن يسمع كلام الحق ، يحب أن يحضر مجالس علم ، عنده عواطف إسلامية ، إذا سمع نشيداً يتأثَّر ، لكن تجد أفكاره في واد وأعماله في واد ، هذا النموذج لا يُجدي ، ولا تقوم عليه أمةٌ قوية ، لا يقوم المجتمع الإسلامي الصحيح إلا على أفراد متمسكين بمبادئ الإسلام ، لذلك :

الكفر الجلي :

         وإما أن يكون الكفر جلياً ، فيقول الإنسان : أنا لست قانعاً باليوم الآخر ، وهذا كفرٌ به جلي ، وإما أن تعلن بلسانك أنك مؤمنٌ باليوم الآخر ، وليس في العمل ما يؤَكِّد ذلك ، وهذا كفرٌ خفي ، فالتكذيب جليٌ وخفي:

( سورة السجدة )

كل مخلوقٍ يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .

الليل مهـما طال فلابدَّ    مـن طـلوع الـفجر

                       والعمر مهما طال فلا      بدَّ من نزول القــبر

***

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته       يوماً على  آلةٍ حدباء محمولُ

فإذا حملت إلى القـبور جنازةً        فاعلم بأنك بعـدهـا محمول

***

( سورة السجدة : آية " 11 " )

        ما منا واحدٌ أيها الإخوة إلا وهو يصدِّق بأن الموت حق ، لكن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يستعدُّ لهذا اليوم ، بينما غير المؤمن يفاجئه ذلك اليوم ، يأتيه على غير موعد ، ويأتيه على غير استعداد ، لذلك يُصْعَقُ الكافر حينما يأتيه ملك الموت ، عندئذٍ يقول :

( سورة الفجر )

عندئذٍ يقول :

( سورة المؤمنون )

عندئذٍ يندم بعد فوات الأوان :

( سورة السجدة )

ترجعون لتحاسبوا على أعمالكم كُلِّها ، خيرها وشرها ، جليلها وحقيرها ، صالحها وطالحها ، هذا معنى قوله تعالى :

( سورة الزلزلة )

العمل مهما بدا لك صغيراً فستحاسب عليه .

Text Box: مشاهد من يوم القيامة : صورة من ذل المجرمين :
 

 

الآن ربنا عزّ وجل ينقُلنا إلى مشهدٍ من مشاهد يوم القيامة :

( سورة السجدة : آية " 12 " )

     لو شاهدت يا محمد هؤلاء المكذِّبين ، هؤلاء المُعاندين ، هؤلاء المستكبرين ، هؤلاء المكذبين ، لو شاهدتهم يوم القيامة ، وهم ناكسو رؤوسهم ؛ خجلاً ، وخزياً ، وشعوراً بالعار ..

إن العار ليلزمُ المرءَ يوم القيامة حتى يقول : يا ربِ لئن تُرسل بي إلى النار أهون عليّ مما ألقى ، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب " .

       فهذا الذي يقول لك : أنا لا أصدق ، أيعقل أن يكون الإنسان تراباً ، ثم يُخلَق من جديد ؟!! يا أخي من الذي مات ورجع وقال : هناك دار آخرة ؟ هذه كلمات الجُهَّال ، كلمات العوام ، كلمات المُعاندين ، كلمات الماديّين ، هذه الكلمات التي يتبجحون بها في حياتهم ، وفي أوج قوتهم ، وصحتهم ، وجبروتهم ، لو رأيت هؤلاء وهم ناكسو رؤوسهم عند ربهم .

في الدنيا تقريباً هناك بعض العصابات ، هذه العصابات ، وهي قبل أن يلقى القبض عليها تجد أن لها مظاهر القوة ، ورئيس العصابة يهدِّد أتباعه ، فإذا أُلقي القبض عليهم جميعاً ، وأودعوا في السجن ، وجاء من يصوِّرهم لتحقيقٍ صحفي تراهم ناكسي رؤوسهم وأبصارهم في الأرض لشعور الخزي والعار ، وهذه صورة نراها كل يوم ، أحياناً حينما يُصَور مجرم في الجريدة ترى رأسه منخفضاً ، وبصره ناكساً ، لماذا ؟ لأنه تلَبَّس بالخزي والعار ، فالمعنى هكذا : ولو ترى يا محمد إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ..

Text Box: البطولة أن تعرف الحق قبل فوات الأوان :
 

 

       عرفنا الحقيقة ، قلت لكم سابقاً : قضية الإيمان ليست قضية أن تؤمن أو ألا تؤمن ، هذه قضيةٌ مرفوضة ، قضية متى تؤمن ؟ لأنَّك لابدَّ من أن تؤمن ، لابدَّ من أن تؤمن ولكن بعد فوات الأوان ، فالبطل هو الذي يؤمن قبل فوات الأوان ، قضية الإيمان لا تُطْرَح على الشكل التالي : نؤمن أو لا نؤمن ، لا . بل متى نؤمن ؟ لأنه لابدَّ من أن تؤمن ، لأن فرعون الذي قال :

(سورة النازعات )

حينما أدركه الغرقُ آمن ، وكلُّ إنسانٍ مكابرٍ ، معاندٍ ، مكذّبٍ لابدَّ من أن يؤمن عندما يلقى الله عزّ وجل ..