English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة السجدة ( 32 ) : 6 /6  ـ 20/9/1991 ـ الآيات : [23 ـ 30 ] ـ الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

Text Box: التكذيب سُنّة جارية في الكفار مع أنبيائهم :
 

 

أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السادس والأخير من سورة السجدة ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

( سورة السجدة )

        هذه الآية أيُّها الإخوة فيها تسليةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، أيْ أنْ يا محمد إن كنت قد كُذِّبت ، وإن كنت قد جَهِدت في نشر هذه الدعوة فشأنك شأن الأنبياء السابقين .

( سورة السجدة : آية " 23 " )

المرية هي الشك .

( سورة السجدة : آية " 23 " )

 

 

Text Box: معنى : فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ :
 

 

        هذه الهاء على من تعود ؟ أغلب العلماء على أنها تعود على لقاء ما جاء في الكتاب من وعدٍ ووعيد ، أي يا محمد إيَّاك أن تقنط ، إيَّاك أن تيأس ، شأنك شأن الأنبياء السابقين دعوا إلى الله فكُذِّبوا ، وفي النهاية جاء نصر الله ، كانوا هم الأَعْلَون :

( سورة المجادلة )

      وهذه الآية المؤمنون في كل زمانٍ ومكان أحوج ما يكونون إليها ، فلو رأيت أنَّك في السلم الأخير ، وأن أهل الفسق والفجور في الدرجات العليا من السلم الاجتماعي ، يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن العاقبة للمتقين ، يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن العِزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين .

      شأنك شأن أي نبيٍ سابق دعا إلى الله ، كذَّبه قومه ، استهزءوا به ، كفروا به ، ائتمروا على قتله ، كادوا له ، ودارت الأيام وكانت النهاية له ، والعاقبة لدينه ، والغلبة لأتباعه .

      أي لا بدَّ من أن تلقى وعدَ الله بالنصر ، إيَّاك أن تشُكَّ أيها النبي ، فالإنسان في ساعات الشدة ، في ساعات الضغط ، في ساعات جولة الباطل ، قد يضعف ، وقد ينكمش :

( سورة آل عمران )

          الضعف قد يكون نفسياً ، حينما ترى أنك ضعيف ، وأن أهل الباطل أقوياء ، حينما ترى أنك فقير ، وأن أهل الباطل أغنياء ، حين ترى أنك لا حول لك ولا قوة ، وأن أهل الباطل بيدهم الحول والقوة فيما يبدو ، لا تنكمش ، لا تتطامن ، لا تشعر أنك رخيصٌ على الله عزَّ وجل .

( سورة آل عمران )

(سورة الأنفال )

( سورة الأنفال )

( سورة التوبة )

 

Text Box: المؤمن تجري عليه سنة الله في الأنبياء بالابتلاء والنصر :
 

 

       إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيِّد الخلق قد اكفهر حاله ، ربنا عزَّ وجل في ساعات الشدة ، في ساعات التكذيب ، في ساعات الاستهزاء ، في ساعات الإحباط ، وبعد أن ماتت زوجته خديجة ، فقد السند الداخلي ، ومات عمُّه أبو طالب ففقد السند الخارجي ، واشتد إيذاء قريش حتى سُمِّي العام العاشر للبعثة عام الحزن ، مَسَحَ الله عنه هذا الحزن في الإسراء والمعراج ، عرف مقامه ، عرف أنَّه سيد الأنبياء ، فقياساً على هذه القصة ، قياساً على هذا القانون ، وهذه السنة إذا عورِضت ، إذا كُذِّبت ، إذا ضاقت بك الدنيا ، إذا اشتد الخصوم ، إذا سفَّهوا دعوتك ، لا تيأس ، لا تقنط ، لا تضعف ، لا تذِل ، لا تستخذي ، لا تخنع :

( سورة محمد )

        هذه آيات كما قال عنها المفسرون فيها تسليةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، أي إنك لست وحدك أيها النبي ، هذا شأن كل نبي ، كلهم كذَّبوا ، كلهم أوذوا ، كلهم اتهموا بالسحر ، اتهموا بأنهم مجانين ، وقالوا : ساحرٌ مجنون ، فمن أنت إذا ناقشت إنساناً ، إذا دعوت إلى الله ، فجاء من سفَّهك ، وقال : لك مطامح ، أنت لك مآرب ، أنت لك مرتزق ـ فلا مانع ـ اتهم النبي الكريم بأنه ساحر ، بأنه كاهن ، بأنه شاعر ، بأنه مجنون ، فالمؤمن له ميزة ، معنويَّاته مرتفعة ، قد يكون متعباً ، قد يكون مُعَارَضاً ، قد يكون مكذباً ، لكن معنوياته مرتفعة ، هذا معنى :

( سورة آل عمران )

 

Text Box: الخط البياني لدعوة النبي في الطائف :
 

 

         أذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام إن كان لدعوته خطٌ بياني ، هذا الخط هَبَطَ إلى أدنى درجة بعد أن عاد من الطائف ، ففقد زوجته ، فقد عمه ، كذَّبته قبيلته ، ذهب إلى الطائف مع سيدنا زيد مشياً على قدمين ، في الطائف استهزءوا به ، وكذبوه ، واتهموه بالسحر وبالكذب ، وقال له أحدهم : لو أنك رسولٌ كما تدعي لمزَّقت أثواب الكعبة ، وحين عاد إلى مكة كان دمه مهدوراً ، ولولا أنه دخل مكة في حماية المُطْعِم بن عدي لقُتِل النبي عليه الصلاة والسلام ، في هذه اللحظة الحرجة ، في هذه النهاية الصُغرى للخط البياني ، في هذا الهبوط الشديد قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن الله ناصر نبيه )) .

[ السيرة النبوية ]

هذه ثقته ، فأنت كونك مؤمنًا لو أن الناس كلهم فسقوا ، لو أنهم فجروا ، لو أنهم فهموا الدين فهماً بسيطاً جداً وساذجاً ، فهموا الدين صلاة وصياماً فقط ، يأكلون المال الحرام ، يختلطون مع النساء المُحَرَّمات ، يفعلون ما يشتهون ولا يبالون ، فإذا كانوا كذلك أنت لا تيأس ، ولا تقنط ، ولا تستخذي ، ولا تشعر أنك هينٌ على الله عزَّ وجل ، الله عزَّ وجل لحكمةٍ أرادها فهناك أوقات يجول الحق جولته ، وهناك أوقات يجول الباطل جولته ، الباطل فيه جولة ، وللحق جولات كثيرة .

Text Box: معنى المرية :
 

        في مِريةٍ : أي في شكٍ ..

بعضهم قال : في لقاء الله عزَّ وجل .

بعضهم قال : من لقاء ما وَعَدَ الله في كتابه .

بعضهم قال : من لقاء النبي عليه الصلاة والسلام لموسى عليه السلام في رحلة الإسراء والمعراج .

( سورة السجدة )

الآن :

( سورة السجدة : آية " 24 " )

 

Text Box: الإمامة مطلب كبير في الإسلام :
 

 

       أي أن أعلى مرتبة ينالها الإنسان في الحياة الدنيا أن يسمح الله له أن يكون إماماً للناس  ، وإنّ الذي يعينك إماماً هو الله عزَّ وجل ، بدليل قوله تعالى :

( سورة النور : آية " 36 " )

Text Box: من شروط الإمامة : 
 

 

لن يسمح الله لك أن تنطق بلسان الحق ، ولا أن تدعو إلى الله إلا بشروط ، من هذه الشروط :

( سورة البقرة : آية " 124 " )

 

1 ـ تطبيق الداعي ما يقوله للناس :

       أي لن تستطيع أن تقول كلمة حقٍ ، ولا أن تُحْدِثَ أثراً في نفسٍ إلا إذا كنت مطبقاً لما تقول ، الآية الكريمة :

( سورة الشورى )

الآية الثانية :

( سورة الزخرف )

       تهدي إلى صراط مستقيم ، وأنت في الوقت نفسه على صراطٍ مستقيم ، فما رأى أصحاب النبي شيئاً قاله النبي ، ولم يفعله ، وما رأوا شياً نهى عنه وفعله ، ما الذي رفع النبي إلى أعلى عليين ؟  ليس في حياته ازدواجٌ أبداً ، ليس في حياته مسافة بين القول والعمل ، ما في قلبه على لسانه ، وما في لسانه في قلبه .

(( تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ )) .

[ ابن ماجه عن العرباض بن سارية ]

فلذلك أن تكون للناس إماماً هذه مرتبةٌ عاليةٌ جداً ، هذه صنعة الأنبياء ، لقول الله عزَّ وجل :

( سورة طه )

ولكن دون هذه المرتبة تتحَطَّمُ أعناق الطامحين .

( سورة البقرة : آية " 124 " )

        متى جعلتُك إماماً ؟ بعد أن نفَّذت الأمر والنهي ، وقول الجنيد رحمه الله تعالى حينما سُئِلَ من ولي الله ؟ قيل له : " أهذا الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال : لا .. قالوا : أهذا الذي يطير في الهواء ؟ قال : لا ، ثم قال : الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام " ، والآية الدقيقة جداً :

( سورة الحجرات : آية " 13 " )

أيّ شيءٍ آخر لا يدلُّ على أن الله يحبك ، لو كنت متمتعاً بصحةٍ جيدة كالحصان قوة ، لو ملكت أكبر رصيد في العالم ، لو كنت أقوى إنسان في العلم ، الله عزَّ وجل أعطى القوة لمن لا يحب ولمن يحب ، وأعطى المال لمن لا يحب ولمن يحب ، ما دام قد أعطى القوة لمن لا يحب ، ولمن يحب وأعطى المال لمن يحب ولمن لا يحب ، إذاً لا يمكن أن تكون القوة ولا المال ، ولا الجمال ولا الذكاء مقياساً لرضاء الله عنك ، المقياس الدقيق الذي ورد في كتاب الله :

إذاً لن يَسْمَحَ الله لك أن تكون إماماً إلا إذا كنت عند الأمر والنهي:

 

2 ـ الصبر :

المقياس الثاني ورد في هذه الآية :

( سورة السجدة )

       بعد أن تصْبِر ؛ يا رب أصبر على ماذا ؟ تصبر عن الشهوات التي نهى الله عنها ، وتصبر على الطاعات التي أمر الله بها ، وتصبر على فعل الله التكويني ، فلو جعلك عقيماً فهذا قضاء الله وقدره ، ومرحباً بقضاء الله وقدره ، جعل لك دخلاً محدوداً ، جعلك بشكلٍ أو بآخر ، جعلك تولَد من أبٍ معيَّن وأمٍ معينة ، هذا قضاء الله ، فيجب أن تصبر عن الشهوات ، وعلى الطاعات ، وعلى قضاء الله وقدره ، لذلك أن ترضى عن الله علامة إيمانك ، أن ترضى عن الله عزَّ وجل علامة معرفتك بالله عزَّ وجل ، لذلك لما كان الإمام الشافعي حول الكعبة وسمع أحد الطائفين يقول : يا رب ، هل أنت راضٍ عني ، فقال له : وهل أنت راضٍ عنه حتى يرضى عنك ؟ فقال : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا محمد بن إدريس الشافعي ، قال : كيف أرضى عنه ، وأنا أتمنى رضاه ؟ قال : إذا كان سرورك بالنِقمة كسرورك بالنِعمة فقد رضيت عن الله .

إذاً المقياس الثاني :

أول مقياس :

 

3 ـ عدم طلب الأجر من الناس في الدعوة :

المقياس الثالث :

( سورة يس )

      لا أجراً مادياً ، ولا معنوياً ، ولا تحقيقاً لمصالح ، الإنسان الذي يتنزَّه عن أن يكون الدين وسيلةً إلى الدنيا ، هذا مهتدٍ ..

( سورة آل عمران : آية " 18 " )

من علامة أهل الحق أنهم يشهدون للناس أن الله قائمٌ بالقسط ..

( سورة الأحزاب : آية " 39 " )

        هذه كُلُّها علامات أهل الصدق ، هذه كلها علامات أهل الحق ، هذه كلُّها دلالاتٌ وضعها الله بين أيدينا في كتابه لنعرف الحق من الباطل ، والمحق من المُبْطل ، والمؤمن من المنافق ، والصادق من الكاذب ، والمخلص من الخائن وهكذا ..

( سورة السجدة )

       أن تهدي الناس هذا الهُدى ليس على مزاجك ، وليس وفق رغبتك ، ولا حسب رأيك ، يجب أن تَهْدي الناس بأمر الله عزَّ وجل وفق الأمر والنهي ، لذلك أحد كبار العلماء قال : إن عمل الإنسان لا يُقْبَلُ إلا بشرطين ؛ إلا إذا كان خالصاً وكان صواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، فلو كان خالصاً ولم يكن موافقاً للسنة لا يقبل ، ولو كان موافقاً للسنة ، ولم يكن خالصاً لا يُقبل ، إذاً لا بدَّ من أن يجتمع شرطان كلٌ منها شرطٌ لازمٌ عندئذٍ يتأكد القبول ، إذاً :

      أئمةً جمع إمام ، والإمام يجب أن يكون أمام أتباعه ، كلمة إمام وأَمام من أصل واحد ، الإمام يجب أن يكون في الأمام ، أي أمامهم في تطبيق الأمر ، وأمامهم في ترك النهي ، وأمامهم في التقيُّد بالحدود ، وأمامهم في فعل الخيرات ، وأمامهم في الأمر بالمعروف ، يجب أن يكون الإمام أمام أتباعه ، وهذا معنى الإمام ، وجمع إمام أئمة .

      كما قال سيدنا الصديق : إنما أنا مُتَّبع ، لا يوجد إنسان بعد النبي عليه الصلاة والسلام بإمكانه أن يقول : اتبعوني .. من أنت ؟ أمَّا أن يقول : اتبعوا رسول الله ، وأنا أنقل لكم ما قاله النبي فهذا هو الصواب ، كما يقول أيضاً ، أنا أنقل لكم ما جاء في الكتاب والسنة ، أنا أَشِفُّ لكم عن حقيقة النبي ، فلذلك هذا معنى قول الله عزَّ وجل :

..

      إنما أنا متبع ، ولست بمبتدع ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ، ولِّيت عليكم ، ولست بخيركم .. هذه خطبةٌ ألقاها سيدنا الصديق حينما تولى الخلافة ، وهي في الحق منهج ، لكل داعيةٍ إلى الله عزَّ وجل ، وقلت لكم قبل قليل :

(سورة السجدة : آية " 24 " )

       أي صبروا عن الشهوات المُحَرَّمة ، وصبروا على الطاعات التي كُلِّفَ بها الناس ، وصبروا على فعل الله التكويني ، فالله عزَّ وجل وزَّع الحظوظ ، وزَّع الذكاء بين الناس متفاوتاً ، وزَّع المال بتفاوتٍ كبير ، وزَّع القوة بتفاوتٍ أكبر ، هناك أقوياء وهناك ضعفاء ، هناك أغنياء وهناك فقراء ، هناك أصِحَّاء ، وهناك مرضى ، هناك أذكياء وهناك أغبياء ، هناك من منحهم  الله جمال الصورة ، وهناك من سلبهم الله هذا الجمال ، فيهم دميم ، وفيهم جميل ، وذكي وغبي ، وقوي وضعيف ، صحيح ومريض ، غني وفقير ، عالم وجاهل ، فهذه الحظوظ ، وزعها الله سبحانه وتعالى في الدنيا .. دققوا .. توزيع ابتلاء ، أي أن كل واحد منا له مادَّة امتحانٍ مع الله ، إن كان فقيراً مادة امتحانه مع الله الفقر ، هل يرضى ، هل يصبر هل يتجمل ، هل يتعفف ، والغني مادة امتحانه مع الله الغِنى ؛ هل يستخدم هذا المال في سبيل الله ، في سبيل إعانة الضعفاء والبائسين ، والقول الذي قلته لكم سابقاً : يقف عبدان يوم القيامة فيقول الله لأحدهما : عبدي ، أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ، يقول العبد : يا رب ، لم أنفق منه شيئاً على أحدٍ مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، فيقول الله عزَّ وجل : ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، والعبد الآخر يقول : يا رب لقد أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي بأنَّك خيرٌ حافظاً ، وأنت أرحم الراحمين ، فيقول الله عزَّ وجل أنا الحافظ لأولادك من بعدك ، إذاً:

      صبروا على الطاعات ، وعن الشهوات ، وعلى أمر الله التكويني ، رأوا أن حظوظهم من الله ، من قِبَلِ خالقٍ حكيمٍ عادلٍ رحيم، فرضوا بها ، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( توقُّع المصيبة مصيبةُ أكبر منها )) .

أنت من خوف الفقر في فقر ، من خوف المرض في مرض ، أما نعمة الأمن فهي للمؤمن وحده ، لقول الله عزَّ وجل :

( سورة الأنعام )

       فكلمة صبروا ، معناها الأول واضح على الطاعات ، ومعناها الثاني عن الشهوات ، والثالث على نصيبك من الله عزَّ وجل ، جاءك أولاد غير مريحين ، أنت اعتنيت ، وبذلت جهداً ، وربِّيت ، ولكن ليسوا في المستوى المطلوب ، هذا قضاء الله وقدره ، لك زوجةٌ ليست مريحة لك ، تتعبك أحياناً ، هذه مادة امتحانك مع الله ، اجعل حظوظك التي نلتها من الله ، أو التي لم تنلها مادة امتحانك ، إن أعطاك الله مالاً فمادة امتحانك مع الله المال ، وإن حرمك المال حرمانك المال مادة امتحانك مع الله ..

المؤمن كما قال الإمام عليٌ كرَّم الله وجهه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " .

الحقيقة أن هؤلاء الأئمة ـ جمع إمام ـ ما كان لهم أن يهدوا الناس إلا بأمر الله عزَّ وجل ، بأمره التكويني ، وبأمره التشريعي ، أي سمح الله له أن يكون إماماً .

شيءٌ آخر ، هدى الناس وَفْقَ الكتاب والسنة ، أمر الله أن يكون إماماُ حينما هدى الناس وفق الكتاب والسنة .

( سورة السجدة )

4 ـ اليقين :

       الحقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام سلك مع أصحابه منهجاً تربوياً رائعاً ، في مرحلةً مكيةٍ عرَّفهم بالله عزَّ وجل ، ورسَّخ عقيدتهم بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، وفي مرحلةٍ مدنية جاء التشريع ، فنحن إذا عكسنا الآية أو بدأنا بالثانية لا نحقِقُ الهدف ، لا بدَّ من أن نعرف الله عزَّ وجل ، لا بدَّ من أن نعرف الله حتى نطَبِّق أمره ، لا بدَّ من أن نعرف المُشَرِّع حتى نطبق شَرْعه ، لا بدَّ من أن نعرف الآمر حتى نُطَبِّقُ أمره ، إذاً :

( سورة السجدة )

       أي أيقنوا بحقائق أساسية ، أيقنوا بوجود الله ، وأيقنوا بوحدانيَّته ، وأيقنوا بكماله ، أيقنوا أن الله موجود ، قديمٌ لا أوَّل له ، وأبديٌ سرمديٌ لا آخر له ، هو الأول بلا بداية ، والآخر بلا نهاية ، آمنوا بوحدانيته ، واحدٌ في خلقه ، واحدٌ في ربوبيته ، واحدٌ في تسييره ، واحدٌ في ذاته ، واحدٌ في أسمائه ، واحدٌ في أفعاله ، واحدٌ في صفاته ، وآمنوا بكماله ولله الأسماءُ الحسنى فادعوه بها ، هذا اليقين ؛ موجود وواحد وكامل .

أما أنت أيها الأخ الكريم فلن تستقيم على أمر الله .. أقول لك هذا الكلام الدقيق .. لن تستقيم على أمر الله إلا إذا أيقنت بأنه موجود ، وبأنه يعلم ، وبأنَّه سيُحاسب ، وبأن هناك حياةً أبديةً سرمدية ، إما في جنةٍ يدوم نعيمها ، أو في نارٍ لا ينفد عذابها ، والدليل قول الله عزَّ وجل :

( سورة الطلاق )

       أي إذا علمت بأن الله يعلم ، وأنه يقدر عليك لابدَّ من أن تستقيم على أمره ، بل إن الإنسان العادي إذا أيّقن أنَّ إنساناً مثلَّه لكنَّه أقوى منه يطوله علمه ، وتطوله قدرته يأتمر بأمره ـ إليك نظام السير فرضاً ـ فلو كنت في مكان ، وخالفت الإشارة لضبطت متلبساً بالمخالفة ، ولو ضبطت متلبساً بالمخالفة لا بدَّ من أن تنال العقاب ، لا يمكن إذاً أن تخالف أبداً ، إذاً الحقائق الأساسية ؛ الله موجود ، الله كامل ، الله واحد ، الأسماء التي إذا أيقنت بها استقمت على أمره ، وهي أن الله عزَّ وجل يعلم ويقدر، يعلم ما تفعل ، ويقدر على أن يحاسبك ، موجودٌ ، ويعلم ما تفعل ، وسيحاسبك على ما تفعل وسوف تدومُ الحياة الآخرة إلى الأبد ..

( سورة السجدة )

فالذي يطمح أن يسمح له الله أن يكون ناطقاً بلسان الله عزَّ وجل ، والذي يطمح أن يكون داعيةً إلى الله عزَّ وجل ، الذي يطمح أن يكون من السابقين ، النبي الكريم يقول :

((  علو الهمة من الإيمان  )) .

[ ورد في الأثر ]

      الذي يطمح أن يُجْري الله على يده الهُدى ، الذي يطمح أن ينطق الله لسانه بالحق ، الذي يطمح أن يكون أماماً لا خلفاً ، إماماً لا مؤْتَمَّاً ، هذا هو الطريق ، طاعة الله أولاً والصبر على أمره التكويني وأمره التشريعي ، الأمر التكويني واحد عطاءً أو منعاً ، والأمر التشريعي اثنان أمراً أو نهياً ، فإذا أيقنت بوجوده ، أيقنت بكماله ، أيقنت بوحدانيته ونفَّذت أمره وصبرت على قضائه ، استحققت أن تكون إماماً ، أو داعيةً، أو مرشداً ، أو موجِّهاً ، أما أن يسمح الله لك أن تنطق بالحق دون أن تكون في مستواه فهذا بعيدٌ عنك بُعْدَ الأرض عن السماء .

Text Box: الفصل في خلافات الناس يوم القيامة :
 

 

     الآن .. هؤلاء الذين يدعون إلى الله لو اختلفوا ، لو وقعوا في خلافٍ فيما بينهم .. أنت على حق ، لا ، بل أنا على حق ، لا أنت مبطل ، لا أنا محق ، أنت انحرفت ، لا أنا لم أنحرف .. هذه الخلافات التي قد تَنشِب بين أئمة الدين ، أو بين المسلمين وغير المسلمين ، أو بين أهل الأديان ، وبين أهل الكفر والطغيان ـ أوسع خلافاً ـ ممكن أن نُقَسِّم أهل الأرض إلى من يؤمن بخالقٍ ومن لا يؤمن بخالق ، الذين آمنوا بالله اختلفوا فيما بينهم :

( سورة البقرة )

فقد يختلف ..

( سورة السجدة : آية " 25 " )

      هو قراره النهائي ، يعني وهو يعلم ، يعلم من هو على حق ، يعلم من هو على باطل ، يعلم الكاذب ، يعلم الصادق ، يعلم الدجَّال ، يعلم المخلص ، يعلم المُسْتَبْصِر ، يعلم الأعمى ، يعلم الوصولي ، يعلم المرتزق بالدين ، يعلم المُبالغ ، وكل الحركات والسكنات في علمه ، إذاً الله عزّ وجل هو الوحيدُ الذي لا أحد غيره ، الذي يحكم يوم القيامةِ على كل إنسان، يقول له : أنت كنت على باطل .

لذلك القرآن الكريم يقدر أنه ليس في الآخرة مُناقشات ، ولا تَبَجُّح ، ولا مُرافعات ، ولا ادعاءات ..

( سورة يس : آية " 65 " )

       ففي الدنيا مناظرة جرت بين عالم مسلم وعالم آخر من دين آخر ، والمناقشة كان لها صدى كبير ، بعد حين الطرف الآخر وقع متلبساً في جريمة زنا ، فقال له : علامة صدقي أن هذا الكتاب شفا نفسي..  بعد أن وقع في هذه الجريمة أين الشفاء الذي يدَّعيه ؟! فالله عزّ وجل لا بدّ من أن يكشف الإنسان .

أقول لكم هذه الفكرة الخطيرة : بإمكانك أن تخدع الناس إلى أمدٍ قصير ، وبإمكانك أن تخدع بعض الناس إلى أمدٍ طويل ، أما أن يسمح الله لك أن تخدع الناس دائماً ، أو أن تخدع بعض الأشخاص دائماً هذا مستحيل ، لا بدّ من أن يُكشَفَ الإنسان على حقيقته ، والله سبحانه وتعالى يتولَّى كشف الإنسان على حقيقته ، والدليل :

( سورة آل عمران : آية " 179 " )

        يخلق ظروفاً صعبة ، فهذا الذي يدَّعي أنه مؤمن ينكشف ، هذا الذي يدَّعي أنه وَرِع ينكشف ، هذا الذي يدَّعي أن محبٌ لله عزَّ وجل ينكشف ، عن طريق الإغراءات والضغوط ، الضغط يكشف والإغراء يكشف .

       مثل بسيط : كما تعلمون أن الإسمنت يتحمل قِوى الضغط بشكل كبير ، أي أن السنتيمتر المكعب إذا وضع وفق مواصفات دقيقة فإنه يتحمل خمسمئة كيلو ، أي إذا صُب الإسمنت بنسبة رطوبة محدودة جداً خمسة وخمسين بالمئة ، ومن وزنه ماء بشكل جاف يتحمل هذا السنتيمتر المكعب خمسمائة كيلو ، لكن الإسمنت ، ويا للأسف لا يتحمل قِوى الشد ، لذلك يُسلَّح بالحديد ، ففي معامل الإسمنت قد يأتي مثلاً إسمنت ، ولكن كيف يُفْحَص ؟ تصب منه مكعبات ، ويعلَّق من أعلى ومن أسفل بكفة ميزان ، توضع في هذه الكفة أثقال ، فعلى أي رقم ينكسر أو ينقطع فهذه مقاومته .

      فإذا أردنا أن نعمِّم هذه الطريقة على المؤمنين ، فإن كل مؤمن على وزن ما ينقطع ، كل مؤمن على ضغط مُعَيَّن من الشهوات أو ضغوط أخرى أو إغراء تجده ترك الاستقامة ، الله عزّ وجل في معركة الأحزاب قال :

( سورة الأحزاب )

وفي المعركة نفسها رجالٌ قالوا :

( سورة الأحزاب )

       الإنسان في الأعماق إذا اشتد عليه الضغط كشف عن حقيقة نفسه ، قال أحد الأشخاص المحسوبين على أهب الإيمان : " أيعدنا صاحبكم .. لم يقل رسول الله ، فليس محمد صلى الله عليه وسلم عند هذا القائل رسولاً ، انتهى كرسول في نظره .. وقال : " أيعدنا صاحبكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟ " ، وأُناسٌ قالوا : " وصدق الله ورسوله " .

( سورة الأحزاب  )

إذاً الإنسان يُمتَحَن ، والآية الكريمة :