English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس : 05/237: بتاريخ : 25/12/1992 : لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

الموضوع    : تفسير القرآن ليوم الجمعة : سورة ص : الآيات (30-40) .

تفريغ        : عبد الرحمن التكريتي .

تنقيح أولي   : المهندس غسان السراقبي .

مراجعة الشريط مع النص : الآنسة رفيا النشار .

تدقيق لغوي : ياسين رزق .

                  

بسم الله الرحمن الرحيم

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الأخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع من سورة ص ومع الآية الثلاثين ، ربنا سبحانه وتعالى بعد أن حدثنا عن قصة سيدنا داود ، وقد بينت لكم في الدرس الماضي أن هذا النبي الكريم ترك الأَولى في أدق التعبيرات ، الله سبحانه وتعالى جعله خليفة في الأرض ، وكان في خلوته في أوج إقباله ، في قمة استمتاعه ، في قمة صفائه ، امتحنه الله عز وجل بقضية تتعلق بأهل الأرض ، فاستمع إلى أحد الطرفين ولم يستمع إلى الطرف الآخر وألقى حكمه ليعود إلى محرابه ومصلاه ، هذا الموقف فيه ترك للأَولى ، لأن النبي الكريم داود عليه الصلاة والسلام خليفة الله في الأرض ومهمته الأُولى أن يحكم بين الناس بالعدل .

          في هذا الأسبوع قلت : هذه القصة كيف نستفيد منها في   حياتنا ؟ هذه القصة كيف نطبقها تطبيقاً عملياً ؟ استعرضت بعض الصور المنتزعة من حياتنا ، بعض القصص التي سمعتها أو التي عاينتها ، فوجدت أن المؤمنين بالذات أحياناً الخطاب يوجه إلى عامة الناس ، أحياناً : يا أيها الناس اعبدوا ربكم ، أحياناً يا أيها الذين أمنوا لا يسخر قوم من قوم .

          هناك توجيهات خاصة بالمؤمنين ، فالمؤمنون إذا قرءوا هذه القصة ما تطبيقاتها العملية في حياتهم اليومية ؟

          لو أن أماً استيقظت قبل الفجر بساعة وصلت قيام الليل ، ثم أذن الفجر فصلت صلاة الفجر ، ثم جلست لتقرأ القرآن ، هل هناك عمل أعظم من هذا العمل ؟ لاشك أنه عمل جليل ، لقول الله عز وجل :

        أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79)

 (سورة الإسراء)

          هذه المرأة في الساعة السادسة تعبت فآوت إلى فراشها وأيقظت أولادها وتركتهم وشأنهم ، الغرفة باردة ، ليس لهم طعام الفطور ، لم تهتم بهندامهم ولا بلباسهم ، وبدأت تعطي التوجيهات وهي مستلقية على سريرها ، يا ترى هذه المرأة إذا قرأت قصة هذا النبي الكريم ماذا عليها أن تفعل ؟ إن الله جعلها أمًّا ، وجعل هؤلاء الصغار أولادها ، فلأن تعتني بأولادها فتوقظهم وتطعمهم وتدفئ لهم الغرفة وأن تصلي الفجر في وقته وأن تتلو القرآن ، أما أن تصلي قيام الليل في وقت مبكر وأن تصلي الفجر وأن تأوي إلى فراشها وأن تهمل مهمتها الأَولى في الحياة فقد تركت الأَولى ، وتركت ما أعده الله لها من رعاية وخدمة لأولادها ونسيت مهمتها الأُولى ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة .

          أحياناً أستمع إلى قصة أُم ربَّت أولادها خير تربية ، وضَحَّت من أجلهم ، قال لي أحدهم إن زوجتي لا تخرج من البيت أحياناً إلا مرة وهي تعنى بأولادها ، هذا هو التطبيق العملي لهذه السورة .

          أنت ما مهمتك ؟ أنت طبيب ، أنت مهندس ، إن لم تكن واقفاً ساعة إنجاز السطح لعل أحدهم يأخذ الحديد ، لعل أحدهم لا يضع الإسمنت الكافي في غيبتك فإذا هذا البناء ينهار ويقضي على خمسة عشر إنساناً ، فإذا قلت أنا كنت أتلو القرآن ، أنا مشغول بقراءة القرآن ، أنا مشغول بأحاديث النبي العدنان ، نقول له لا أنت مهندس يجب أن تكون على رأس عملك في الوقت المناسب وفي المكان المناسب ، لأن الله أوكلك بهذا الأمر واستخلفك في هذا العمل .

          طبيبة مولدة ، أضرب لكم بعض الأمثلة ، اتصلت بها المرأة التي على وشك الولادة ، أعلمت أنها قاب قوسين ، صلت قبل العصر أربعاً وصلت العصر ودعت الدعاء ، وجاءت إلى المستشفى فإ         ذا بهذه المرأة قد ولدت ، طالبتهم بالأجر .

          أضرب هذه الأمثلة لينتبه المؤمنون إلى أنه لا شيء يعلو على أداء مهمتهم التي أوكلها الله إليهم في الحياة ، فأصحاب المهن جميعاً لو أهملوا مهنهم ، لو أهملوا إتقان عملهم ، لو أهملوا أشياء أودت بحياة أناس طيبين وادَّعوا أنهم يحبون الله ورسوله وهم في صلاتهم خاشعون ، وهم يذكرون ، وهم يفعلون هذا كله لا يعفيهم من مسئوليتهم تجاه الله عز وجل .

          أضرب لكم هذه الأمثلة لأنها كلها واقعية ، امرأة خرجت من بيتها لشيء يرضي الله تركت أولادها في البيت ، وقد انطفأت الكهرباء أشعلت لهم الشمع ، هذه الشمعة ذابت حتى أحرقت جلال المائدة فاحترق البيت ومات الصغار ، هذه أمٌّ مُوَكَّلة بأولادها ، هذا مهندس موكَّل بإنجاز هذا البناء فإن أهمله يقع البناء ويحاسَب عند الله لأنه متسبب بالقتل ، وهذا طبيب أوكله الله بهؤلاء المرضى فعليه أن يرعاهم الرعاية الكافية ولا يعفيه من المسؤولية لا هو ولا غيره قوله : أنا أحفظ القرآن ، أنا أقرأ هذا البحث الفلاني ، القاضي الذي له مجالس علم يحضرها لكنه لا يقرأ الأضابير قراءة متأنية ، يسرع في حكمه هذا محاسب عند الله ولو أنه يحضر مجالس العلم ، ولو أنه يقرأ كتب الدين ، ولو أنه يحفظ القرآن ، أنت قاضٍ ينبغي أن تقوم بمهمتك خير قيام ، يجب أن تقرأ المذكرات مُذكرة مذكرة ، يجب أن تحللها ، ينبغي أن تقرأ القوانين قبل أن تُصدر حكماً ، لأن عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً .

          الكلام ليس موجهاً إلى عامة الناس ، الكلام موجه إلى الأخوة المؤمنين ، يعني أنت ما مهمتك في الحياة ؟ ما وظيفتك ؟ بماذا أقامك الله ؟ أنت أب ؟ أنت أم ؟ أنت معلم ؟ أنت طبيب؟ أنت صيدلي ؟ لا ينبغي لصيدلي أن يعطي الدواء دون تعليمات ، يقول ازدحام شديد ما فرغت لكتاب التعليمات ، أحد إخواننا الكرام صيدلي غاب عن صيدليته وضع إنساناً مكانه، هذا الإنسان أخطأ في إعطاء الدواء ، هذا الدواء كاد أن يودي بحياة المريض ، دواء لا يجوز استعماله داخلياً ، يخرش الجهاز الهضمي ، استعماله خارجي والوصفة داخلي ، هو دواء آخر.

          أضرب لكم هذه الأمثلة لأن إنساناً يقول أنا مع الله ، أنا أحفظ القرآن ، أنا أحضر مجالس العلم ، أنا أتابع هذا الموضوع الديني ، أنا أحب اللهَ وهو يُهمِل عملَه ، لأن الله جَعَلَه في الأرض خليفةً ، يعني في هذا الموضوع هو خليفة ، الطبيب أمينٌ على صحة الناس ، والمحامي أمينٌ على قضايا الناس ، والصيدليُّ أمين على إيصال الدواء إلى أصحابه بشكل دقيق .

          فهذه قصة سيدنا داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام مفادها أن المؤمن يتقن عمله ، وكأن الله عز وجل لا يقبل نوافله قبل إتقان عمله ، كأن الله عز وجل لا يقبل منه نوافل العبادات قبل أن يؤدي ما عليه من واجبات ، إذا فهم المسلمون دينهم هذا الفهم ، إذا عقل المسلمون دينهم هذا العقل كانوا في حياة أخرى غير هذه الحياة .

          ترى القوانين التي وضعها الله عز جل ، يا أيها الأخوة الأكارم لو أن إنساناً ملحداً طبقها لقطف ثمارها ، الإتقان سرّ نجاح الإنسان ، لو أن إنساناً لا يعرف الله وأتقن عمله لأقبل الناس عليه ولاغتنى ، وهذا أليق بالمؤمن من باب أولى .

          فإذا كان لهذه القصة مغزًى ، إذا كان لهذه القصة حقيقة تستفاد منها وهي أن الإنسان يجب أن يتقن عمله ، وإذا أتقنا أعمالنا ارتقينا ، ارتقى المسلمون وأصبحوا سادة وللشعوب قادة ، أما إذا أهملوا أعمالهم فإن عباداتِهم ليست مقبولة ، النبي عليه الصلاة والسلام رأى شاباً يصلي في النهار ، قال : من يطعمك يا بني ، قال : أخي ، قال : أخوك أعبد   منك .

          هذا المجتمع يجب أن يقوم على أسس سليمة ، هذا المجتمع يجب أن يقوم على الإتقان ، كل إنسان يجب أن يتقن ما أقامه الله به ، إذا أتقنا وانتظمت حياتنا صّحت عبادتنا ، وصحّ إقبالنا ، وصحّت وجهتنا ، أما أن نهمل ، أحياناً يقع خطأ كبير يودي بحياة مريض ، أحياناً المحامي لا يقرأ مذكرة خصمه لضيق الوقت فيكتب مذكرة ضعيفة ، هذه المذكرة الضعيفة تسبب في أن يصدر القاضي حكماً ليس لمصلحة موكله ، وفي هذا الحكم ظلم وجَور ، والقاضي لا يدري لضعف مذكرة المحامي ، والمحامي لا يدري لأنه لم يقرأ مذكرة خصمه قراءة جيدة .

          يا أيها الأخوة الأكارم ... ربنا عز وجل لأنه يعلم أن مجتمع المؤمنين ربما يصابون بمثل هذه الأمراض فجعل هذه القصص تشريعاً لهم ، أذكركم بالدرس السابق وهو أن الله عز وجل حينما قال :

         يعني معلم دين اختصم إليه طفلان صغيران في الصف   الأول ، ضاقت نفسه بهذه المهنة فطردهما معاً ، أتدري أيها المعلم أن هذا الطفل الصغير الذي ظن فيك العدل وجاء يشكو إليك صديقه أنت حينما طردته وأعرضت عنه ولَّدْتَ فيه عقدة قد ترافقه طوال حياته ؟ لا تدري .

          أنا سمعت عن رجل من كبار الفلاسفة الفرنسيين ، بل يرأس حزباً علمانياً في فرنسا وهو معروف عند الناس جميعاً ، سبب إسلامه قبل أربعين عاماً أنه كان أسيراً وجاء أمر بقتل الأسرى ، وكلف جندي مغربي بقتله ، قال المغربي أنا لا أقتل أسيراً لأن ديني يمنعني من ذلك ولم يقتله ، كلمة سمعها هذا الفيلسوف المفكر قبل أربعين عاماً انتهت بإسلامه ، أنت لا تدري بكلمة لا تلقي لها بالاً ترقى بها عند الله درجات علية ، وأنت لا تدري بكلمة من سخط الله لا تلقي لها بالاً يهوي بها الإنسان في جهنم سبعين خريفاً .

          فإذا أردت للمجتمع الإسلامي أن ينهض .. إذا أردت لهذا المجتمع أن يستعيد مجده التاريخي .. أن يكون عزيزاً .. أن يكون حراً .. أن يكون قوياً ينبغي أن تُبنى الحياة بناءً صحيحياً ، أن تبنى الحياة على أساس إتقان الأعمال ، هذا الذي أراده الله عز وجل من قصة سيدنا داود حينما قال :

           وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أن الهوى إذا عزي إلى نبي كريم فإنما هو الهوى المقدس وهو حب الله عز وجل ، الميل إليه ، الشوق إلى مناجاته ، حتى هذا إذا منعك عن القيام بواجبك وعن أن تنفذ مهمتك وعن أن تتقن عملك هذا الهوى العلوي .. الهوى المقدس يغدو حجاباً بينك وبين الله والدليل :

         هذه الآية تذكرني بآية مفيد أن نسمع تفسيرها الآن ، ربنا عز وجل خاطب المؤمنين فقال :

وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا

      (سورة المائدة 8)

          أنتم أيها المؤمنون تبغضون من ؟ لا شك أن المؤمن يبغض الكافر ، يبغض الفاسق ، يبغض الفاجر ، يبغض المرابي ، يبغض الزاني ، يبغض شارب الخمر .

          أيها المؤمنون ... إذا حملكم إيمانكم إلى بغض هؤلاء ، وبغض هؤلاء حملكم إلى أن تأكلوا أموالهم بالباطل توهماً منكم أن الله يرضى عنكم أنتم واهمون ، إنني لا أرضى عنكم إلا إذا أحسنتم إلى هؤلاء ، لأن إحسانكم إليهم يقربهم مني ومنكم .

اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى

          يجب أن نفهم الإسلام فهماً عميقاً ، يجب أن نفهم هذا الدين فهماً صحيحاً ، يجب أن تبع سنة النبي جملة وتفصيلاً ، الذي يؤخر الدين .. الذي يجعل الناس يخرجون من دين الله أفواجاً بدل أن يدخلوا هو أن المسلمين ظنوا أن دينهم عبادات وتركوا المعاملات ، ظنوا أن دينهم صلاة وصيام وحج وزكاة ونسوا أن دينهم إتقان في أعمالهم ، صدق في أقوالهم ، إخلاص في نواياهم ، هذا هو الدين .

و يقول الله عز وجل :   

 

         

هذه الآيات تم شرحها في الدرس الماضي ، لكن تدبُّر الآيات هذا الذي أريده منكم في هذا الدرس ، تدبر الآيات أن تبحث في تطبيقاتها العملية ، يعني هذه القصة لِمَ جعلها الله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة ؟ أيريد الله عز وجل أن نعرف أن هناك نبياً اسمه داود ؟ وماذا يفيدنا ذلك ؟ وأن هذا النبي امتحنه الله عز وجل ، وأن رجلين أو ملكين تسورا عليه المحراب واختصما إليه ، واستمع إلى الأول وأصدر حكمه المبرَم ولم يستمع إلى الثاني ، ثم اختفيا فجأة فظن أن قد فتناه فاستغفر وخر راكعاً وأناب ، أيريد الله عز وجل أن يعرفني بهذا القصة وما شأني بها ؟ وماذا أستفيد منها ؟ وماذا يعنين أن هذا النبي فعل كذا وكذا ؟

          لكن الله عز وجل حينما جعل هذه القصة قرآناً يتلى إلى يوم القيامة أراد من المؤمنين أن يدَّبروا هذه القصة ، والتدبر أن يكشفوا مغزاها ، أن يكشفوا خلفياتها ، أن يكشفوا مقصد الله منها ، أراد الله عز وجل أن نستنبط التطبيقات العملية منها ، فلذلك القصة الأولى قصة سيدنا داود من أجل ألا تشغلنا عباداتنا عن أداء واجباتنا ، ولا سيما (بالحرف) التي تتعلق بها سلامة الإنسان ، (بالحرف) التي يمكن أن يكون الإهمال مودياً بحياة الإنسان .

  الآن قصة تابعة للقصة الأولى ولكنها في موضوع معاكس ، قال تعالى :

       قد نقف عند كلمة وهبنا ، الله سبحانه وتعالى حينما يهب إنساناً طفلاً ، غلاماً ، ولداً ، بنتاً ، انتبه إلى العبارة وهبنا هذه هبة الله عز وجل ، هذه هدية الله عز وجل ، وكلما ارتقى الإيمان يؤمن الرجل أن بناته هدية من الله عز وجل ، لا يتبرم بامرأته إن أنجبت له البنات إنها هبة الله عز وجل ، وبقدر معرفتك بالله عز وجل تقدس هذه الهبة التي وهبك الله إياها ، كان النبي  عليه الصلاة والسلام يضم ابنته فاطمة عندما كانت صغيرة إلى صدره الشريف يقبلها ويشمها ويقول ريحانة أضمها وعلى الله رزقها ، المؤمن هكذا يستقبل الفتاة المولودة بهذه الطريقة ، بهذا الترحيب .

          أعرف رجلاً عنده سبع بنات ، كلما اقترب موعد الولادة كلف كل بنت أن تحضر هدية ثمينة لأمهم ليستقبلوا بها المولودة الرابعة ، ثم الخامسة ، ثم السادسة ، ثم السابعة ، هدية الله عز وجل .

       يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49)أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)

 (سورة الشورى)

         

        شيء آخر ، إذا وهب الله عز وجل الإنسان غلامًا نجيبًا أخلاقيًّا متفوقًا في دراسته ، من أدبه مع الله عز وجل أن يعزوَ هذا إلى الله ، لا يقل أنا ربيته واعتنيت به ، لولا أنا لم يصبح رجلاً ، هذا كلام الجهل لأن الله عز وجل قادر أن ينجب النجيب من غير النجيب ، قادر أن ينجب من النجيب المعتوه ، فالإنسان إذا جاءه ولد صالح لا يدّعي أنه بذكائه وحنكته وتربيته جعله صالحاً ، ليَعْزُ الفضل إلى صاحب الفضل وهو الله عز وجل ، هذه هبة .

    هو نِعْمَ العبد ، وكلمة نعم العبد من صيغ المدح ، تقول نِعْم العبد فلان وبئس العبد فلان ، هذه صيغة مدح في اللغة العربية ، فالله سبحانه وتعالى يثني عليه ، بماذا أثنى عليه ؟ قال :

          أوّاب على وزن فعّال ، صيغة مبالغة اسم الفاعل ، يعني كثير الأوبة إلى الله ، الإنسان أحياناً يقول بالشهر أصلّي صلاة مُتْقنة ، من سنتين بكيت مرة ، وهناك إنسان يبكي بالأسبوع مرات عديدة ، وإنسان يبكي باليوم مرات عديدة ، فكلما كثرت إنابتك إلى الله علا مقامك عند الله ، وكلما كثر خشوعك في صلاتك ارتقت مرتبة هذه العبادة ،  فهذا النبي الكريم سليمان الحكيم :

     هنا المشكلة من نوع آخر ، قال :

         الصافنات جمع صافنة وهي الخيل إذا وقفت اعتمدت في وقفتها على رجل واحدة وتركت الأخرى سائبة ، هذه وقفة تقفها الخيل أحياناً ، والذين يحبون الخيل ولهم مراس ولهم خبرات ، منظر الخيل وهي تقف هذه الوقفة تثني رجلها اليسرى وتعتمد على يدها اليمنى ، فهذه الوقفة سميت في القرآن الصافنات ، فعرضنا عليه بالعشي أي قبل الغروب .

        الجياد من الجودة في الركض واقتحام الأهوال ، هذا النبي الكريم شغله العمل الصالح وخدمة الخلق وتدريب الخيل استعداداً للجهاد في سبيل الله ونشر الحق ، أعمال جليلة ، ما من عمل أعظم عند الله من أن تنشر دين الله ، ما من عمل أعظم عند الله من أن تهدي الخلائق إلى دين الله ، ما من عمل أعظم عند الله من أن تهيأ الأسباب لنشر الحق في الخافقين ، فهذا النبي الكريم كان يمرن الجياد لتستعد لمواجهة الحروب القادمة ، فيبدو أن انهماكه في تدريب الجياد وانهماكه في تضميرها ، وانهماكه في هذا العمل الجليل عمل تهيئة أسباب الجهاد ، هذا العمل جعله كما قال بعض المفسرين جعل صلاة العصر تفوته حتى توارت بالحجاب ، ما التي توارت بالحجاب ؟ الشمس ، شبهت الشمس بامرأة ثم توارت عن الأنظار لأنها تحجبت ، وهذه صورة بلاغية في القرآن الكريم .

      أحيانًا الإنسان يقول البحر أكل الشمس ، كيف أكلها ؟ شبه البحر بإنسان والشمس قرص فأكلها عند الغياب ، هذه صورة .

          فهذا النبي الكريم شغله العمل الصالح عن عبادة ربه ، والده شغلته عبادته عن العمل الصالح ، هذا شغله العمل الصالح عن عبادة ربه حتى توارت بالحجاب .

         يعني هذا واقع أحياناً تلتقي بأخ كريم ، والناجحون في حياتهم وفي دعوتهم يقعون في هذا المطب ، من عمل إلى عمل ، من لقاء إلى لقاء ، من كلمة إلى كلمة ، من خطبة إلى خطبة ، من جمع أموال لأيتام لفقراء من الصباح وحتى المساء تضعف عبادته ، يضعف ذكره، يضعف إقباله على الله عز وجل ، تصبح أعماله الصالحة الجليلة على حساب عباداته المفيدة ، هذا الإنسان يصح أن يقرأ هذه القصة ، قصة سيدنا سليمان الحكيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .

         

        بعضهم فسرّ الخير بأنه الخيل ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة .

          يعني إما أنه أحب الخيل لا لذاتها وإنما لأنها مطية المجاهدين ، أو انشغل في تدريبها وتضميرها تهيئة لقتال الكفار والمشركين ، على كل انشغل بالعمل الصالح الجليل عن عبادة ربه الجليل .

          أراد أن يكفر عن ذنبه ، كلكم يعلم أن في أكثر التفاسير روايات إسرائيلية ما أنزل الله بها من سلطان ، من هذه الروايات أن هذا النبي الكريم حينما شعر أنه انشغل بهذا العمل الجليل عن صلاة العصر فقال :

          قطع أرجلها ورقابها انتقاماً منها لأنها شغلته عن صلاته ، قرأت أقوالاً عديدة لكبار المفسرين ينكرون هذه الروايات ، ويقولون لا أصل لها ، وإنها من كذب الروايات الإسرائيلية، وأنه لا ينبغي أن تتسرب تلك الروايات التي رواها بنو إسرائيل عن أنبيائهم إلى كتب التفاسير ، لأن نبياً عظيماً لا يعقل أن ينتقم من حيوان أعجم لا ذنب له لتقصير وقع به ، ولأن نبياً عظيماً لا يمكن أن يتلف المال ، هذه الخيل مال وفي ذبحها تقطيع أرجلها ورؤوسها هذا إتلاف للمال ، وإتلاف المال حرام في الإسلام وفي كل الأديان .

          فهذه القصص إن سمعتموها أو قرأتموها هذه قصص ليست مقبولة ، ولا أصل لها إلا من كتب بني إسرائيل ، لكن مفسرين عديدين أمثال الزمخشري وأمثال غيرهم قالوا : إن هذا النبي الكريم حينما رأى نفسه قد ضيع صلاة العصر من أجل هذا العمل الجليل لقد أتعبها وشغلته عن طاعة الله ، فقال :

       يعني مسح لها أعناقها من شدة التعب ، ومسح لها سوقها تكريماً لها ومواساة لها ، وقد سمعت من أكثر من خبير بالخيل أن الخيل إذا ركضت ومسح لها صاحبها سوقها وأرجلها هذا إكرام لها ومواساة لها ، هذا ما قاله كبار المفسرين حول هذه القصة .

   يعني أجهدها فواساها ، أجهدها فمسح عرقها .

       كما أن الله سبحانه وتعالى يعلم أن في نفس هذا النبي رغبة في العبادة يرجحها على خدمة الخلق ، فأرسل له الملكين أو الرجلين ليمتحن بهما ، كذلك هذا النبي يعلم الله عز وجل وهو العليم الحكيم أن في نفس هذا النبي الكريم رغبة في العمل الصالح تزيد في أداء عباداته لذلك فتن بهذه الطريقة ، أما كلمة :

      هذه الآية حيرت المفسرين ، لاشك أنه في القرآن الكريم آيات قليلة من المناسب أن نكل تفسيرها إلى الله ، هذا لا يمنع أن نقول الله أعلم بمراده من هذه الآيات ، أما ما ترويه بعض الكتب من أن هذا النبي الكريم ضيع خاتم الملك وجاء شيطان فأخذ هذا الخاتم وتمثل شخصيته وضاعت منه الخلافة والملك مدة طويلة هذه قصة ساقطة لا تقف على قدمين ، وليست مقبولة إطلاقاً .

          إلا أن بعضهم قال حينما شعر أنه قصّر في حق نفسه مع الله ، إن صحّ أن الكرسي علم كان الجسد الذي ألقي على كرسيه يعني حجاباً بينه وبين الله عز وجل .

          هذه هي الفتنة ، فإذا أردنا أن نوسع هذا المعنى هي سهلة جداً ، الإنسان حينما يخطئ يشعر أنه محجوب ، حينما يخطئ يشعر أن الطريق إلى الله غير سالك ، حينما يخطئ يقف إلى الصلاة فلا يشعر أن له على الله إقبال بل يشعر بالخجل ، والخطأ نسبيّ ، هذه كلمة دقيقة جداً ، يعني الإنسان العادي إذا صلى وغض بصره وحرر دخله وأحسن إنفاق ماله يشعر أنه في الأوج ، لكن كلما ارتقت مرتبته ازدادت حساسيته وازداد حسابه .

        هناك مثل حينما يقرأ طالب في الصف الرابع نصاً أدبياً ويخطئ عشرة أخطاء ، قد نعد قراءته جيدة ، نص غير مشكول وهو في الصف الرابع ، فلا نوقفه إلا عند الخلطة الكبيرة إذا رفع المفعول به نقول له قف هذه غلط ، أما الحركات الداخلية ضبط عين الفعل هذه الأخطاء لا نعدها عليه لأنه في مستوى متدني ، أما إذا كان في الصف السابع أو الثامن نحاسبه على بعض حركات الكلمات الداخلية ، فإذا أصبح في صف متقدم في المرحلة الثانوية نحاسبه على كل الأخطاء ، أما إذا كان طالب أدب عربي في الجامعة نحاسبه على ضعف العبارة ، نقول هذه الكلمة ليست مناسبة الأَوْلى أن تقول كذا ، وهذا الحرف لا يأتي بعد هذه الكلمة ، كلمة أعجب بي لا من ، كلمة دعا إلى لا دعا لي ، فكلما ارتقى مستوى الطالب اتسعت الدائرة التي يحاسب بها .

          فإذا نظرنا إلى مقام النبوة يمكن أن تكون سيئات المقربين حسنات الأبرار ، يعني عمل يرتكبه نبي فيعاتب عليه ويرتكبه مؤمن فيثاب عليه ، الأمر دقيق جداً ، الآن الكلام دقيق لأنه متعلق بنبيين كريمين ، فإخلاصٌ ما بعده إخلاصٌ ، إنابة ما بعدها إنابة ، حب ما بعده حب ، شوق ما بعده شوق ، بذل وتضحية إلى أقصى درجة ، لكن حينما رجّح داود عليه السلام كفة العبادة على كفة العمل الصالح ترك الأَوْلى فعاتبه الله عز وجل ، وحينما رجحت كفة العمل الصالح عند النبي سليمان عليه السلام على كفة العبادة ترك الأولى فعاتبه الله عز وجل .

          هاتان القصتان جعلهما الله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة ، من أجل أن يتخذ المؤمنون هاتين القصتين نبراساً لهم في حياتهم ، فلا ينشغلوا بالعمل الصالح عن عبادة ربهم ، وقد ذكرت لكم في درس سابق أن أروع كلمة سمعتها في هذا المجال من أصحاب النبي عليهم رضوان الله قول سيدنا عمر ، لما جاءه رسول أذربيجان ليلاً في منتصف الليل ، وكره هذا الرسول أن يطرق باب الأمير في هذه الساعة المتأخرة من الليل ، ذهب إلى المسجد فرأى رجلاً يصلي ويناجي ربه ويقول : ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزِّيها ، ما رأى شكله ، فقال له : مَن أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا عمر ، قال : يا سبحان الله ، يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ، فقال عمر رضي الله عنه : إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي .

          يعني رعيتك لها عندك حق ، ونفسك لها عندك حق ، وهذا ما عني بقول النبي عليه الصلاة والسلام : إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار ، وإن لله عملاً با لنهار لا يقبله بالليل .

          لليل أعماله وللنهار أعماله ، للصلاة طعمها وللعمل الصالح طعمه ، فإذا اكتفيت بالصلاة ولم تعمل صالحاً أتيت يوم القيامة مفلساً ، وإن اكتفيت بالعمل الصالح ولم تتقن صلاتك جَّف قلبك وانعكس هذا على عملك ، يعني تماماً كشحن هذا البطارية ، إن شحنتها بالعبادة أعطتك قوة بالأداء ، فإن لم تشحن ضعفت قوتها ، يصح هذا المثل جيداً ، أنت بطارية ، العبادة تشحنها والحركة النشيطة تظهرها ، فإن قصرت في شحنها ضعفت حركتها ، وإن أجهدتها في الحركة دمرتها ، لا بدّ من شحنها ومن تدريبها ، لو أنها لا تعمل تتخرب ، لا بدّ من أن تشحن ولا بدّ من أن تعمل ، فالعمل يصونها والشحن يقويها .

          هاتان القصتان متكاملتان ، يجب أن نتوازن بين العبادة والعمل بشكل أو بآخر ، في الإسلام نواحٍ علمية ، وهناك نواحٍ انفعالية ، وهناك نواحٍ سلوكية .

          النواحي العلمية ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه ، أنت كمؤمن لا بدّ من أن تكون عالماً ، عقيدتك ، إيمانك بالله بوجوده بوحدانيته بكماله ، الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، الإيمان بالأنبياء والرسل والكتب ، هذا كله لا بدّ منه ، هذا الجانب الاعتقادي العلمي الفكري ، لكن عندنا جانب آخر الجانب الانفعالي ، لا بدّ من أن يكون لك قلب يتأثر ، ينبض بالحب ، ينبض بالشوق لله عز وجل ، لا بدّ من سلامة قلبك ، ولا بدّ من كمال قلبك ، لا بدّ من حال ترقى به ، لا بدّ من شعور تأنس به ، ولا بدّ من عمل صالح ترقى به عند الله عز وجل لقول الله عز وجل :

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا

 (سورة الأنعام 132)

          إذا هناك ثلاث خطوط يجب أن تتحرك عليها جميعاً ، خط الإيمان والعقيدة والفكر والحقائق والعلم ، وخط الأحوال الطيبة والرقي النفسي ، وخط العمل الصالح ، التوازن هو المطلوب .

            حينما آثر العمل الصالح على عبادته شعر بالحجاب ، الحجاب أشعره أنه قد فتن ، وأنت أيها الأخ الكريم بالمناسبة حينما تشعر أنه بينك وبين الله حجاب ابحث عن شيء فعلته لا يرضي الله ، هذا الشيء قد يحجبك عن الله وأنت لا تدري ، قال :

  المؤمن كثير الإنابة إلى الله عز وجل ، قال :

         

اليوم في الخطبة ذكرت لكم أن ربنا عز وجل ضرب للناس مثلاً :

            وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ

 (سورة الكهف 54)

           عندنا نبيٌّ أبوه كافر ، هناك نبي ابنه كافر ، وهناك نبي امرأته كافرة ، وهناك كافر زوجته صدِّيقة ، فرعون ، وهذا أيضاً من كل مثل ، هناك نبي ملِك هذا درس بليغ ، ما هذا الدرس البليغ ؟ الدرس البليغ أنه ليس في الأرض كلها علم إلا ويمكن أن يوظف في الحق ، حتى لو كنت ملِكاً يمكن أن تكون في أعلى درجات الإيمان ، وفي القرآن قصص أخرى .

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا(83)إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84)فَأَتْبَعَ سَبَبًا(85)

 (سورة الكهف)

          فالمغزى الآخر لهذه القصة أنه لا يمنع إنساناً أن يكون ملكاً من أن يكون في أعلى درجات الإيمان والقرب من الله عز وجل ، والشيء الآخر أن هذا النبي العظيم حينما سأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده هو قولاً واحداً فوق أن يطلب الملك لذاته ، لا يطلب الملك لذاته إلا من أحب الدنيا ، لكن هذا النبي طلب الملك ليكون له قوة في نشر الحق ، وهناك مستويات عليا في الإيمان قد تطلب المال لا حباً في المال ولا من أجل المال ، من أجل أن يكون هذا المال عوناً للناس على نشر دينهم .

          قد تطلب قوة تنصف بها المظلومين ، بهذه الطريقة يحمل قول النبي الكريم :

         

الريح مسخرة لهذا النبي الكريم ، بإمكانه أن ينتقل عبرها لمسافات بعيدة جداً في وقت قصير جداً .

     سيدنا سليمان عُلِّم منطق الطير ، وسخر الله له الريح ، وهذا الذي تسمعونه عن بساط الريح لهذا النبي الكريم يمكن أن يركب متن الريح وينتقل بها إلى مسافات شاسعة .

          تروي الكتب قصة رمزية أن هذا النبي كان عنده رجل ودخل ملك الموت ، فصار ملك الموت يُحدُّ الطرف بهذا الرجل ، هذا الرجل خاف ، قال يا سليمان الحكيم : من هذا الذي ينظر إليّ ، قال : ملك الموت ، فاستعاذ به أن ينقله إلى طرف الدنيا الأخر عن طريق الريح، فنقله إلى طرف الدنيا الأخر ، وبعد أيام جاءه ملك الموت وقبض روحه هناك ، فلما قال سليمان لملك الموت لماذا فعلت هذا ؟ قال : كنت أنظر إليه وأستغرب أنا مأمور بقبض روحه هناك فما الذي جعله عندك ، الإنسان لا بدّ من أن يلقَى أجله مهما احتال عليه .

          وسخر الله له شيئاً آخر :

      كلكم يعلم أن الشياطين أوتوا قدرات فائقة ، الشيطان أقدر من الإنسان على قطع المسافات الشاسعة .

    شياطين مقيدون ، وشياطين يتحركون .

   فالله إذا أعطى أدهش ، وفوق كل هذا العطاء حرية في التصرف .

     أنت أحياناً تمنح إنسانًا ميزات تقول له : لكن انتبه هذا استخدامه عن طريقي ، هذا يحتاج إلى موافقة مني ، وتحريك هذا الشيء يريد أمر مسبق بيومين ، هذا ليس عطاء ، قال :

     يضاف إلى هذا المعنى أنه لولا أن هذا النبي كان في المستوى اللائق ، ومن الحكمة ، ومن العلم ، ومن الرحمة بحيث أنه لو أطلقت يده لما فعل إلا الحق ، أنت أحياناً يكون عندك ابن بمستوى رفيع جداً من الفهم والكياسة والذكاء والأدب والورع والخوف من الله لا تحاسبه، تقول له يا بني أنا سأسافر افعل ما تشاء ، هذا المحل استلمه بع واشترِ واصرف كما تشاء وادفع لمن تشاء ، كلمة افعل ولا تفعل على مشيئتك هذه شهادة من الله على أن هذا النبي أوتي من الرحمة والعلم والعدل والحكمة لو أطلقت يده ما فعل إلا الحق ، هذا معنى هذه الآية :

        كان قريباً من الله عز وجل ، معنى ذلك أن القربى من الله عز وجل هو كل شيء ، القرب يحتاج إلى انضباط وعمل صالح ، والانضباط والعمل الصالح يحتاجان إلى معرفة بالله، تعرف الله فتستقيم على أمره تحسن إلى خلقه تقترب منه تشعر بالسعادة .

       وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى قصة أخرى من قصص القرآن الكريم وهي قصة سيدنا أيوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi