English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

 الدرس 1 /5 : بتاريخ : 26/7/1996 لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

الموضوع : سورة الممتحنة ( 60)  الآية " 1-3"

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الأول من سورة الممتحنة .

بسم الله الرحمن الرحيم

      

       يا أيها الإخوة الأكارم ... تندرج هذه السورة تحت ما يُسَمَّى بالتربية النفسية الاجتماعية للمؤمنين ، فالله سبحانه وتعالى بعد أن آمن المؤمنون به يربِّيهم التربية النفسية والاجتماعية ، بادئ ذي بدء في صحيح البخاري قصَّة هذه الآية ، أو أسباب نزول هذه الآية :

       إن صحابيّاً جليلاً اسمه حاطب بن بلتعة ، كان عليه الصلاة والسلام حينما نقضت قريشٌ عهدها مع النبي صلى الله عليه وسلَّم .. عهد صلح الحديبية .. أزمع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أن يتوجَّه إلى مكَّة ليفتحها ، وقد جاءت الأحداث التي تقع في عهد النبي مقصودةً لذاتها، الأحداث التي وقعت في عهد النبي لم تقع صدفةً ، إنما قدَّرها الله تقديراً حكيماً ، فحينما يكون الحَدَث ، وتقع المشكلة ، ويأتي التنزيل ليعلِّم أصحابه الكرام الطريق القويم فإن هذا تعليمٌ لا يُمْحى إنه راسخ ، أيُّ شيءٍ تلقيه على الناس جذافاً بلا مشكلة ، بلا تجربة ، بلا قضية ، قد يُنسى ، أما حينما تلقي حقيقةً عقب مشكلةٍ ، أو معاناةٍ ، أو تجربةٍ هذا هو التعليم العملي ، فالله سبحانه وتعالى جعل من الأحداث التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلَّم أحداثاً مقصودةً لذاتها كي تكون متَّكئاً للتشريع ، والتعليم ، والتأديب ، فالنبي عليه الصلاة والسلام عقِب أن نقضت قريشٌ عهدها في صلح الحديبية أزمع النبي الكريم أن يتوجَّه إلى مكَّة فاتحاً ، وقد أَسَرَّ بعزمه هذا إلى بعض أصحابه المُقَرَّبين ومنهم حاطب بن بلتعة ، أسرَّ إليه أنه سيفتح مكَّة ، الذي حدث وقد يصعب تفسيره أن هذا الصحابي الذي كان موضع سِرِّ النبي أرسل كتاباً مع امرأةٍ مشركةٍ إلى زعماء قريش يخبرهم فيه بعزم النبي على فتح بلدهم ، هذا الذي حدث ، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام كان مُسْتَجاب الدعوة ، وكان من دعائه .. اللهمَّ عمِّي عنهم أخبارنا .. لذلك جاء الوحي النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأخبره أن صاحبك فلان .. حاطب بن بلتعة .. قد أرسل كتاباً مع امرأةٍ مشركةٍ يُخْبِرُ فيها قريشاً أنه سيغزوهم ، فما كان من النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أُخْبِرَ من الوحي هذا الخبر أن طلب إلى عليٍّ كرَّم الله وجهه وصاحبٍ آخر أن يذهبا إلى موضعٍ بين مكَّة والمدينة اسمه الروضة ، وأن يأخذا كتاباً من امرأةٍ مشركةٍ ويعودا به إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، توجَّه الإمام عليٌّ كرَّم الله وجهه وصاحبه الزبير .. فيما أذكر .. إلى موضع الرَوْضة ولقيا امرأةً تركب ناقةً ، أوقفاها وأنزلاها عن ناقتها وطلبا منها الكتاب ، فأنكرت ، قالا : لتلقين الكتاب أو لنفعل كذا وكذا ، فلمَّا رأت أنهما جادَّان في طلب الكتاب ألقت إليهما الكتاب ، حملا الكتاب وأوصلاه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فُتِحَ الكتاب فإذا به : " من حاطب بن بلتعة إلى قريش ، إنَّ مُحَمَّداً سيغزوكم فخذوا حذركم " .

       أيها الإخوة ... هذه القصَّة فيها معاني كثيرة ، بادئ ذي بدء هذه في عرف المجتمعات الإنسانية كلِّها خيانةٌ عُظمى ، هذه عقوبتها الإعدام في أي مجتمع ، قديماً وحديثاً ، إنها نقل أخبارٍ خطيرةٍ إلى العدو .

       سيدنا عمر عملاق الإسلام ما كان منه إلا أن قال للنبي عليه الصلاة والسلام : " يا رسول الله دعني أضرب عُنُق هذا المنافق " . إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق استدعى حاطباُ وقال : " يا حاطِبُ ما حملك على ما فعلت ؟ " لما فعلت ما فعلت؟ فقال حاطِبُ : " والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت ، ولكنني لست لصيقاً في قريش ، ليس لي قرابةٌ في قريش يحمي الله بها أهلي ومالي ، كما هو الحال عند أصحابك الكرام .. أصحابه لهم أهلٌ في قريش هؤلاء يحمون .. كما قال حاطب بالضبط توحيداً : الله جلَّ جلاله يحمي بها ماله وأهله ، قال : أنا لصيقٌ في قريش فأردت بهذا الكتاب أن تكون لي يدٌ عندهم أحمي بها أهلي ومالي ، والله ما كفرت ولا ارتددت فاغفر لي ذلك يا رسول الله  " .

      الذي وقع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : " إنَّي صَدَّقته فَصَدِّقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً " .

      أما كتَّب السيرة قالوا : " إن عمر وهو الشديد حينما نظر إلى هذا العمل رآه خيانةً عُظمى يقتضي أن نقتل صاحبه " . أما النبي عليه الصلاة والسلام الرحمة المُهداة والنعمة المُزْجاة رأى غير ذلك ، رأى صحابياً شَهِدَ بدراً ، فما أراد أن يهدر عمله ، ولا أن يُضَيّعه عليه ، ورأى هذا العمل من زاويةٍ أخرى ، رأى هذا العمل ضعفاً طارئً أصاب حاطب ، فبدل أن يسحقه أنهضه ، بدل أن ينتقم منه عفا عنه ، قال : "إني صدَّقته فصدِّقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً " ، نهى أصحابه على أن يطاردوه بفعلته ، منعهم أن يطاردوه ، ألجمهم جميعاً .

       أيها الإخوة الكرام ... هذه هي القصَّة ، ماذا يُستفَاد منها ؟ يُستفاد منها أن هذه الآية التي قرأتُها لكم في مطلع الدرس متعلِّقةٌ بهذه القصَّة ، لعلَّ خير سببٍ لنزول هذه القصَّة كما ورد في البخاري قصَّة حاطب بن بلتعة ، إلا أن القاعدة الأصولية في فهم القرآن : أن العبرة لا بخصوص السبب بل بعموم اللفظ ، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يبيّن للمؤمنين أن يكونوا ربَّانيين أولاً ، إنسانيِّين ثانياً ، معنى ربَّانيين ألا يستلهموا توجيهاتهم ، ألا يتحرَّكوا إلا وفق ما يمليه عليهم دينهم ، ومعتقدهم ، وتعليمات خالقهم ومربّيهم ، هذه معنى ربَّانيين ، أي أن المؤمن لا يستطيع أن يتحرَّك أية حركة إلا وفق منهج الله ، إنه ربَّاني .

       الشيء الثاني : أن يكونوا إنسانيّين بمعنى أن الناس جميعاً أبيضهم وأسودهم وأحمرهم وأصفرهم ، غنيّهم وفقيرهم ، عربيّهم وأعجمهم كلُّهم عند الله سواسية ، هناك عاملٌ واحدٌ يميِّز بينهم وهو الإيمان ، لذلك كأن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ألغى كل العصبيَّات ؛ العصبيّة إلى الأهل ، العصبيّة إلى العشيرة ، العصبيّة إلى القبيلة ، إلى الأرض ، إلى المكان ، إلى الزمان ، كل أنواع العصبيّة أُهْدِرَت في هذه الآية .. "الناس رجلان برٌّ تقي كريمٌ على الله؛ وفاجرٌ شقي هيّنٌ على الله " .. المؤمن من خلال هذه القصَّة يجب أن يكون ربَّانياً لا يتحرَّك إلا وفق أمر الله عزَّ وجل ونهيه ، وأن يكون إنسانياً يبني كل علاقاته بين البشر لا على أساس عصبيّةٍ ، ولا قرابةٍ ، ولا مصلحةٍ ، ولا لونٍ ، ولا عرقٍ، ولا جنسٍ ، ولا طائفةٍ، ولا مِلّةٍ ، لا يبني علاقاته إلا وفق مبدأ الإيمان ، فالناس على اختلاف مللهم ونحَلِهم وانتماءاتهم، وأجناسهم وأعراقهم وألوانهم ، وثقافاتهم ، وأصلهم ، وخلفيّتهم إنما هم رجلان ، رجلٌ عرف الله وعرف منهجه فانضبط بمنهجه ، وأحسن إلى خلقه فاشتقَّ من الله الكمال فسعِد بقربه في الدنيا والآخرة ، ورجلٌ لم يعرف الله ، لم يعرف منهجه ، تفلَّت حكماً من منهجه ، أساء إلى خلقه ، شقي في الدنيا والآخرة ، إن لم نُقِمْ هذه المقياس لن يرضى الله عنَّا..

" أنا جدُّ كل تقي ولو كان عبداً حبشي " ..

" سلمان منَّا آل البيت" ..

" نعم العبد صُهَيْب لو لم يخف الله لم يعصيه " ..

     سيدنا الصديق وضع يده تحت إبط بلالٍ رضي الله عنه وقال : هذا أخي حقَّاً. حينما قال أحدهم لصحابيٍّ ملوّن : يا ابن السوداء ، قال عليه الصلاة والسلام :

" إنك امرؤٌ فيك جاهلية " .

     فأول نقطة في هذه السورة أن المؤمن ربَّانيٌّ إنساني ، ربّاَني لا يتحرَّك إلا وفق منهج الله والأمر والنهي ، لا توجد عنده حركة من عنده، من شهوته أو رغبته ، أو غريزته أو مصلحته ، أو انتماءاته أو عصبيّته ، أو انحيازه هو الذي يُملي عليه حركته ، لا يتحرَّك إلا وفق الأمر والنهي .

     أما أنه إنساني ، الناس عنده رجلان ، مؤمنٌ عرف الله يمحضه الود والتقدير ولو كان بعيداً قرابةً ، وإنسانٌ آخر ما عرف الله لا يمكن أن يقيم معه مودَّةً على حسابِ دينه ..

 

(سورة الممتحنة : آية " 8 " )

      أما أن يقيم مودَّة على حساب دينه فإن هذا لا يكون أبداً ، يقيم مودَّة لعلَّه يتقرَّب إلى الله ، يستجلبه بها ، أما أن يقيم مودَّةً على حساب دينه هذا لا يفعله إطلاقاً ..

( سورة الممتحنة : آية " 1 " )

      أليس في هذا الخِطاب تحبُّباً إلى المؤمنين ؟ يا من عرفتموني ، يا من آمنتم بي ينبغي أن تفعلوا كذا وكذا ، لأن الله كما تعلمون يُخاطِب عامَّة الناس بأصول الدين ، بينما يخاطب المؤمنين بفروع الدين ، وهذه السورة فيها تربيةٌ اجتماعيةٌ ونفسيّةٌ للمؤمنين ، أنتم بعد أن آمنتم لا ينبغي لكم أن تقيموا علاقاتٍ حميمةً مع غير المؤمنين ، وهذا الدرس لنا ، إنني قلت في بادئ الدرس : العبرة لا بخصوص السبب بل بعموم اللفظ ، وإن كانت هذه الآيات نزلت في سيدنا حاطِب إلا أن الله سبحانه وتعالى أرادها قانوناً .

      فأنت الآن بعد أن آمنت بالله كيف تُقيم علاقاتك مع الناس ؟ ينبغي أن تقيم علاقاتك مع الناس وفق مبدأ الإيمان ، يمكن أن تقيم علاقة عملٍ مع إنسانٍ كافر ، أما أن تقيم علاقة مودَّةٍ، علاقةً حميمةً مع إنسانٍ لا يعتقد بما تعتقد ، يكفر بما تؤمن ، يحتقر ما تقدِّس ، هذا لا يكون ..

 

( سورة المائدة : آية " 51 " )

     

        قد تقول : إنه أخٌ لي ، إنه والدي ، إنه صديقي ، إنه جاري ، كما قلت قبل قليل : المؤمن يبني كل علاقاته على مبدأين ، هو ربَّاني يتحرَّك وفق توجيهات الله ورسوله ، إنسانيّ الناس كلُّهم عنده سواء ، يتمايّزون بالإيمان فقط ، لذلك القيم التي يقدِّسها الناس ، قيمة الغنى مقدَّسة عند الناس ، الذكاء ، القوّة ، فلان يده طولى ، هذه القيم أهدرها القرآن الكريم ، ما اعتمدها أبداً ، ما اعتمدها في كل كتابه ، ما اعتمد إلا قيمتين: قيمة الإيمان ، وقيمة العمل ، قال :

( سورة المجادلة )

       وقال :

 

( سورة الأنعام : آية " 132 " )

      العلم والعمل وحْدَهُما هما اللذان يرفعان الإنسان بين بني البشر ..

     

     دققوا في هذا الكلام الرقيق ، أي هذا الذي تمحضه ودَّك هو عدّواً لك يا عبدي ، وهو في الوقت نفسه عدّوٌ لي ، فكيف تتخذ عدّوك الحقيقي وعدو الله تتخذه صديقاً ؟! كيف تمحضه ودَّك ؟!

      نحن جميعاً بعد ألف وخمسمائة عام في أمسِّ الحاجة إلى هذه الآية، أنت مؤمن ينبغي أن تحبَّ المؤمنين ، ينبغي أن تواليهم ، ينبغي أن تمحضهم ودَّك ، ومحبَّتك ، ونصيحتك ، وإكرامك ، أما أن تضع كل خبراتك في خدمة أهل الكفر ، أي أنَّ هذا الذي يذهب إلى بلدٍ غربي ويتجنَّس ويعطي علمه لأعداء المسلمين ألا يفعل هذا ؟ هذا قرآن ، جُعِل قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة لأنه قانون لأي إنسان يوالي أهل الكفر ، يحبُّهم ، يعظِّمهم ، يُقْدِرُهُمْ ، يمحضهم علمه ، يمحضهم نصيحته ، يمحضهم إخلاصه ، ويدير ظهره للمسلمين ولا يعبأ بهم ، هذا ممن تنطبق عليه هذه الآية :

     

       طبعاً ذكرت لكم قبل ذلك أن علاقات العمل لا غُبار عليها ، كل إنسان أحياناً يشتري من إنسان غير مسلم ، وغير مؤمن ، علاقات العمل مستثناة ، أما علاقات الولاء ، علاقات الحُب ، العلاقات الحميمة إذا كانت بين المؤمنين وغير المؤمنين جَرَّت على المؤمن وبالاً كبيراً ، فمن لوازم الإيمان الحمية الاجتماعية ، وبصراحةٍ بالغة الإنسان إذا عرف الله واصطلح معه وتاب إليه وسلك طريق الإيمان لابدَّ له من أن يغيّر كل أصدقائه المتفلّتين ، إذا بقي على صداقاتهم وعلى لقاءاته معهم ، وعلى سهراتهم إلى الفجر لا يمكن أن يبقى على حاله ، يجرُّوه ، لابدَّ من أن تبحث عن أصدقاء جدد ، ليس معنى هذا أن الذين كانوا أصدقاءك من قبل أن تُهملهم ، عليك أن تقيم علاقاتٍ معهم بالقدر الذي تطمع في هدايتهم فقط ، لو أنك أثَّرت فيهم كن معهم ، فأنا أقول لكم : الأصدقاء السابقين ، أصدقاء الجَهْل ، أصدقاء ما قبل الإيمان ، أصدقاء الجاهلية هؤلاء يحكمهم هذا القانون : قانون شَدِّ الحبل ، إذا كان بإمكانك أن تشدَّهم إليك فاجلس معهم ، لأن الله يسأل العبد عن صحبة ساعة ، أما إذا شدُّوك إليهم فابتعد عنهم ، هذا المقياس ، إن جلست معهم وتمكَّنت أن تأخذ بيدهم إلى الله فاجلس معهم ، لان الله سيسألك عنهم : أين الوفاء معهم ؟ أما إذا جلست معهم ورأيت أنهم سيسحبونك إليهم عندئذٍ ابتعد عنهم ، ولابدَّ من أن تبحث عن إخوةٍ جُدد من المؤمنين ..

" المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةٌ متوادّون ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعضٍ غششةٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم " .

     

        ألا تشعرون أن في هذا الخطاب رقَّةً ما بعدها رقَّة ؟ أي يا عبدي يا من آمنت بي ألم تؤمن بي ؟ كيف تُبيح لنفسك أن تقيم علاقةً حميمةً مع عدوِّك وعدوِّي في وقتٍ واحد ؟ وفي المناسبة حينما يأتي قوله تعالى :

     

       أي أنت لا تستطيع أن تعادي إلا من كان عدواً لله وعدوّك في وقتٍ واحد ، أما أن تعادي ولياً لله فأنت في خندقٍ آخر ، في خندقٍ معادٍ للدين ..

 

( سورة الممتحنة : آية " 1 " )

      قال بعض المفسِّرين : " تلقون إليهم أخبار المسلمين ، أماكن ضعفهم ، حالاتهم " . فالمؤمن الغيّور على أمَّته لا يُظهر لغير المؤمنين إلا الوجه المشرق ، إذا في أغلاط هذه ينبغي أن يسترها لأن في هذا إضعافاً للمؤمنين ..

     

        كأن الله يعجب ، هذا الذي هو عدوٌ لك حقيقةً ، وعدوي في وقتٍ واحد تلقي إليه بالأخبار الخطيرة تودداً إليه ؟ الباء باء السببية ..

     

  أخبار المسلمين بسبب التودد إليهم ؟ هذا المعنى الدقيق ..

     

      لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما تراه ، لا تصاحب إنسان لا يعبأ بدينك ، لا يعبأ بمقدّساتك ، يسخر من الدين ، يطعن بالمؤمنين ويسئ الظن بهم ، هذا إن صحبته ضاقت نفسك واسوّد العالم في نظرك ، وشعرت أنك ضائعٌ عنده ، دققوا في هذا القول :  لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له ، إن صاحبت مؤمناً خرجت من عنده وأنت سعيد كأن الملائكة قد حفَّت هذا المجلس ، شعرت كأن الله سبحانه وتعالى يرضى عن هذا المجلس ، أما إذا دخلت على غنيٍّ فاسق ، " من دخل على الأغنياء ..  طبعاً غير المؤمنين .. خرج من عندهم وهو على الله ساخط " . لأن حديثهم كلَّه في الدنيا ، وفي المال ، وفي القيم المادية ، وقد يستصغرونك إن كان مالك قليلاً ، أما إذا دخلت على المؤمنين يستعظمون إيمانك ، يقِّدرون فيك طاعتك لله، علمك الغزير ، فإذا أردت أن تسعد لا تصاحب إلا مؤمناً ، ولا يأكل طعامك إلا تقي ، وهذا حديث رسول الله :

" لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي " .

      وبربكم ألا تعلمون علم اليقين أنكم إذا سهرتم مع أناسٍ متفلّتين ، ضائعين ، شاردين شعرتم بضيقٍ لا يوصف ؟ أنت في وادٍ وهم في واد، ما تقدّسه لا يقدّسونه ، ما تعظّمه لا يعظّمونه ، ما تخافه لا يخافونه ، ما تحتقره يفعلونه ، ما تشمئز منه يبجِّلونه ، الكلام الذي إن سمعته اصطبغ وجهك باللون الأحمر يلقونه جذافاً بلا حياء ولا خجل ، إن أرادوا أن يتفكَّهوا في المجلس تفكَّهوا بالغيبة ، إن أرادوا أن يمزحوا مزحوا بالجنس ، إن أرادوا أن يلغموا الكلمات حمَّلوها معاني يستحي منها الإنسان ، لا تجلس مع هؤلاء لأنك أرقى منهم ، أنت أقدس وأرقى من أن تجلس مع هؤلاء ..

     

       هذه الآية نحن في أمسِّ الحاجة إليها ، فمؤمن يصاحب أهل الدنيا غير المؤمنين ، غير المستقيمين ، غي المصلين ، المتفلّتين ، المجاهرين بمعصيتهم ، يصحبهم بعلاقاتٍ حميمة لابدَّ من أن يؤثِّروا فيه وأن يجرَّوه إلى طريقهم وانحرافهم ، هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء ، الولاية فيها حُب ، فيها إكبار ، فيها تعظيم ، أحياناً يكون الواحد في عمله له شخص يحترمه لذكائه لكنه لا دين له ، فهذه العلاقات الجاهلية التي قبل الإسلام ينبغي أن تُقَيّم تقيماً جديداً .

     المؤمن الصادق إخواننا الكرام بعد أن اصطلح مع الله هناك جرد لكل علاقاته ، ولكل أصدقائه ، عملية مسح دقيقة جداً تجري ، هذا الإنسان أَصِلُهُ دون أن أقيم معه علاقةً حميمة ، هذا الإنسان أقطعه لأنه يهاجم القِيَم الدينية ، هذا الإنسان أزوره في الشهر مرَّةً واحدةً ، يجب أن تقيم علاقاتٍ جديدة في ضوء إيمانك لأنك ربَّانيٌّ إنساني ، ربَّاني لا تتحرَّك إلا وفق أمر الله ونهيه ، إنساني الناس كلهم عندك سواسية ، لا فرق بينهم إلا بالتقوى ..

( سورة الحجرات )

      مثلاً .. ذكرت هذا كثيراً عندما جاء عمير بن وهب ليقتل النبي عليه الصلاة والسلام ، سقى سيفه سُمَّاً ، وركب ناقته وتوجَّه إلى المدينة، هو مغطَّى بأنه جاء يطلب فداء أخيه أو ابنه من الأسر ، عندما وصل إلى المدينة رآه عمر ، فلا يوجد ترحيب ؛ أهلاً وسهلاً ، أين أنت ؟ اشتقنا إليك ، الآن تجد الناس مجاملات غير معقولة ، عداوات غير معقولة (+) مجاملات غير معقوله ، هذا الوجه المزدوج ، قال : " هذا عدو الله جاء يريد شرَّاً " ، قيّده بحمَّالة سيفه وساقه إلى النبي ، دخل على النبي فقال النبي : يا عمر أطلقه ، فأطلقه ، ابتعد عنه ، فابتعد عنه، يا عيمر أدنو مني ، فدنى منه ، ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال : جئت أفدي ابني ، قال له: وهذه السيف التي على عاتقك ؟ قال : قاتلها الله من سيوف ، وهل نفعتنا يوم بدر ؟ قال : ألم تقل لصفوان : لولا ديون ركبتني لا أطيق سدادها ، ولولا أطفالٌ صغار أخشى عليهم العنت لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه ؟ فوقف على قدميه وقال : أشهد أنك رسول الله ، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله وأنت رسوله . وأسلم .

      موطن الشاهد أن عمر يقول : " دخل عميرٌ على رسول الله والخنزير أحبُّ إلي منه ، وخرج من عنده وهو أحب إلي من بعض أولادي " . الإسلام لا توجد فيه عداوة ، المسلم يكره عمل الكافر فقط ، عمله ، لو أنه عاد إلى الله لعاد إلى قلبه ، هذا الإسلام ، هذه عداوة مؤقَّتة ، ما دام مُقيم على المعصية ، ما دام يعادي الدين ، يحتقر الدين يجب أن أريه قسوةً ..

( سورة التوبة )

     

الأخبار الخطيرة عن المسلمين بسبب التودد إليهم ؟!..

 

( سورة الممتحنة : آية " 1 " )

      فهذا كفرهم ، فما عملهم ؟ ..

     

       ألم يخرجوكم من مكَّة ؟ ألم يعذِّبوكم ؟ ألم ينكِّلوا بكم ؟ ألم يأتمروا على قتلكم ؟ ألم يأتمروا على قتل نبيّكم ؟ عجيب تمحض ودَّك لهذا الإنسان ، تعطيه معلومات خطيرة عن أمَّتك من أجل أن تحمي مالك وأولادك ، أيُعْقَلُ هذا ؟ خطاب فيه رقَّة بالغة ، ما ذنبكم ؟ لماذا أخرجوكم؟ هل اقترفتم جريمةً ؟ هل اغتصبتم أموالهم ؟ لا .. لسببٍ لا يصدَّق ، لأنكم آمنتم بالله فقط ..

( سورة البروج )

       هنا :

      

بسبب ..

    

     هل هذا هو ذنب ، فلماذا أخرج قريشٌ النبي وأصحابه من مكَّة ؟ لماذا عذَّبوا عمَّار بن ياسر ؟ هل ارتكب جريمة ؟ سرق ؟ لا .. لأنه آمن بالله وحده ، لماذا عذَّبوا بلالاً ؟ وضعوا عليه الصخر وهو يقول : "أحدٌ أحد " ، ماذا فعل ؟ إنه آمن بالله فقط ، وهذا إلى يوم القيامة ، أحياناً لا ذنب لك إلا لأنك آمنت بالله فقط ، ذنبك الوحيد أنك آمنت بالله ربَّاً ، وبمحمّدٍ نبيّاً ، وبهذا الإسلام منهجاً ، هذا الذنب ..

     

      أي في خطر ، خطر يصيب المؤمن أن يضلَّ سواء السبيل ؟! من الممكن أن تكون ذاهباً إلى حلب فأكبر خطر في هذا الذهاب أن تتجه إلى مكان آخر ، هدفك حلب مثلاً ، القبض من حلب ، العلاقة في حلب ، خرجت عن خط حلب إلى خطٍّ صحراوي وسرت فيه مئات الكيلو مترات في ضلال بعيد ، أو ضلالٍ مبين ، هذا أكبر عقاب أن تضل عن هدفك ..

     

أي أنه خرج عن السير الصحيح ، خرج عن الطريق المفضي إلى سعادتك في الدنيا والآخرة، لو أن هذه الحادثة وقعت ولن تقع مرَّةً ثانية لما ذكرها الله في القرآن الكريم ، بل ما ذكر هذه الآيات ذات الطابع العام المنطلقة من حادثٍ خاص إلا لأن هذا يمكن أن يقع في كل زمانٍ ومكان ، يجب أن تحدِّد انتماءك ، أنا مسلم ، أنا مؤمن أُقَدِّم عملاً متقناً للناس ، أما وقت فراغي فلا أمضيه إلا مع من هم على شاكلتي ، أقدِّم عملاً متقناً للناس من أجل أن أكسب رزقي ، أما وقت فراغي هذا لا أُضَيِّعُهُ إلا مع من هم على شاكلتي ، لذلك جلوسك مع المؤمنين مسعدٌ لك ولهم ، أن تنصح المؤمنين هذا يسعدك ويسعدهم ، أما أن تنضمَّ إلى أعداء المؤمنين ، أما أن تستمرئ الحديث معهم ، الجلوس معهم فإن هذا يشقيك وإيَّاهم .

       لكن ذكرت لكم في بادئ الدرس : علاقاتك مع غير المؤمنين من هم من أصدقاء الجاهلية يحكمها قانون شدِّ الحبل ، إن كنت تستطيع أن تشدَّهم إليك صاحبهم ، أما إن شَدُّوك إليهم فابتعد عنهم ، هذه القاعدة ..

" من هوي الكفرة حُشِر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً " .

       فأنت لك ولاء ، أنت مع من ؟ أنت مؤمن ينبغي أن تكون مع المؤمنين ، يوجد أناس يقول لك : إنه مرن ، أي إنه منافق ، بعض الصفات التي لا تليق تُعْزَى الى بعض المؤمنين ، كقولهم : " أرضهم ما دمت في أرضهم " .. " دارهم ما دمت في دارهم " .. إنه يرضي جميع الناس ، ومن استطاع أن يرضي الناس جميعاً فهو منافق ، أنت لك هويَّة وهويّتك مؤمن ، لا يمكن أن تجلس على مائدة يُشرَب فيها الخمر ، سكوتك عن هذا الأمر احتقارٌ لمبدئك ، لا يمكن أن تصاحب رجلاً يتَّهم دينك بأنه دينٌ خرافي ، دينٌ ضبابي ، دينٌ غيبي ، هذا العصر عصر علم ، الدين انتهى ، إنسان يعتقد هذا الاعتقاد وتمحضه ودَّك ؟ وتحترمه؟ وتقدِّم له آيات الاحترام ؟ هذا دليل ضعف إيمانك ، أنت مؤمن ، ففي الوقت الذي تقف كالطود شامخاً أمام أعداء الدين أنت ألين بالمؤمنين من أنفسهم .

      سيدنا عمر عندما تولَّى الخلافة بعضهم تخوَّفوا من ولايته لأنه كان شديداً ، فقال رضي الله عنه: إنكم قد تخوفتم من شدَّتي ، كنت مع رسول الله سيفه وخادمه وجلواذه ، كنت سيفه المسلول فكان يغمدني إذا شاء ، توفي عني وهو عني راضي والحمد لله على هذا كثيراً ، ثم كنت خادم أبي بكرٍ وجلواذه وسيفه المسلول فكان يغمدني إذا شاء ، توفي عني وهو عني راضي وأنا به أسعد ، ثم آلت الأمور إلي ، قال : اعلموا أن هذه الشدَّة قد أُضْعِفَت وإنما تكون على أهل البغي والعدوان ، أما أهل العفاف والإيمان فأنا ألينُ لهم من أنفسهم " .

      والله عزَّ وجل وصف المؤمنين فقال :

 

( سورة المائدة : آية " 54 " )

      فكأن الله أراد من هذه السورة أن يربِّي المؤمنين ، أي عليكم أن تعلنوا ولاءكم للمؤمنين ، أن تقيموا العلاقات الحميمة مع المؤمنين لا مع الكافرين ، أما عندما ينفتح الإنسان انفتاح عشوائي ، ويفتح قلبه لكل إنسان من دون تمحيص فإنه قد يقع في شرِّ عمله ..

 

( سورة الممتحنة : آية " 2 " )

      ثقِفَه أي لقيه ..

     

أي يكنّون لكم العداوة والبغضاء ، لن يرضوا عنكم حتى تتبعوا ملّتهم ..

 

( سورة البقرة : آية " 120 " )

      لن يرضى عنك الطرف الآخر إلا إذا اتبعت ملَّتهم ، وينبغي أنت بالمقابل أن لا ترض عنهم إلا إذا اتبعوك ، لن يرضوا عنك إلا إذا اتبعتهم ، ولن ترضى عنهم إلا إذا اتبعوك ..

     

      شيئين ، الشيء الأول أنهم ينطون على عِداءٍ لكم شديد ، الشيء الثاني أنهم يتحرَّكون لإيذائكم ، ليتهم قبلوا أن يعادوكم بقلوبهم ، إضافةً إلى العِداء المستحكم في قلوبهم تحرَّكوا لإيذائكم ، يوجد عِداء قلبي وتوجد حركة عدوانية ، قال :

      

      كلام دقيق جداً ، إن لم يستطيعوا أن ينالوكم بالأذى سلقوكم بألسنةٍ حِداد بلا سبب ، بلا منهج ، بلا دليل ، بلا برهان ، موقف عدائي وقح ، موقف عدائي أرعن ، موقف عدائي بلا دليل ، بلا مبرّر ،  وهذه معاناة المؤمنين في كل زمانٍ ومكان ، هذه معاناة ، القرآن الكريم يصف حالة نموذجية متكرّرة ؛ مؤمن وغير مؤمن ، المؤمن صادق وهذا يكذب ، المؤمن منصف ، هذا لا يُنصِف ، المؤمن ينفتح ، هذا لا ينفتح .. مغلق.. المؤمن يريد الخير،  هذا يريد الشر ، المؤمن مسالم ، هذا معتدي ، لذلك من السذاجة وضيق الأفق أن تضع ثقتك في غير محلَّها ، أن تضع ثقتك بغير مؤمن ثم تفاجأ بعد حين أنه خانك ، وأنه طعن بك ، وأنه تَنَكَّرَ لك ، وأنه قلب لك ظهر المِجَنْ ، وأنه لم يكن في المستوى المطلوب ، شيء طبيعي جداً، ماذا تنتظر من إنسان لا يعرف الله ؟ الإنسان حينما لم يكن شاكراً لمن خلقه أيشكر عباده ؟ إنسان لا خير فيه لأمِّه وأبيه أيكون لك فيه خير ؟ مستحيل ، وأيضاً من السذاجة وضيق الأفق والبساطة أن تمحض ودَّك لإنسانٍ يعاديك ، ويتمنَّى لك السوء ، ويتحرَّك للإيقاع ، فإن لم يستطع سلقك بلسانٍ حاد بحقٍ وبغير حق ، بشيءٍ وقع وشيء لم يقع ، بشيء معقول وبشيء غير معقول ، هذا هو وضع غير المؤمن ..

     

ينطون على عداوةٍ كبيرة ..

    

معتدين ، فإن لم يستطيعوا ..

     

لا ترتاح نفوسهم إلا إذا كنتم على شاكلتهم ، إلا إذا كفرتم بما جاءكم ، إلا إذا داهنتموهم ..

( سورة القلم )

      ثم ربنا عزَّ وجل يبين لهؤلاء المؤمنين وهو يربيهم ..

 

(سورة الممتحنة : آية " 3 " )

      الآن ربنا سبحانه وتعالى يبيِّن للمؤمنين أن هؤلاء الذين ألقيتم إليهم بالمعلومات الخطيرة بسبب التودد إليهم هم أرحامكم ، هم أولادكم ، هم إخوانكم ، هؤلاء لن ينفعوكم يوم القيامة .. السيدة عائشة تسأل النبي عليه الصلاة والسلام : " أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ قال : نعم يا أم المؤمنين إلا في ثلاثة مواضع : عند الصراط ، وإذا الصُحِفُ نُشِرت ، وفي موطن ثالث .. لا أذكره الآن .. وفي ما سوى ذلك قد تقع عين الأم على ابنها فتقول له : يا ولدي جعلت لك صدري سقاءً ، وبطني وعاءً ، وحجري وطاءً فهل من حسنةٍ يعود عليَّ خيرها اليوم ؟ يقول هذا الابن الذي وقعت عليه عين أمِّه : ليتني أستطيع ذلك يا أماه إنما أشكو مما أنتِ منه تشكين " .

      لا أم ، ولا أب ، ولا أخ ، ولا صديق ، ولا زوجة ، لذلك :

( سورة المؤمنين )

      قدِّم كل الخدمات لمن تعرف ولأهلك الأقربين ، أما أن يحملوك على معصية الله إنهم لن ينفعوك ، لن ينفعوك أبداً .. " يا بني لا آكل الطعام حتى تكفر بمحمد " ، أم سيدنا سعد بن أبي وقَّاص هكذا قالت له، قال لها : " يا أمي لو أن لك مائة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدة ما كفرت بمحمد ، فكُلي إن شئتِ أو لا تأكلي " .. هذه قضايا غير خاضعةٍ للمناقشة ، قدِّم لها كل شيء إلا أن تحملك على معصية ، لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ..

     

       الآن أُناسٌ كثيرون يأكلون المال الحرام إرضاءً لزوجاتهم وأولادهم، سألوا شاب بعد أن مات والده وخَلَّفَ له أموالاً طائلة ، إلى أين أنت ذهاب ؟ قال بعبارةٍ سوقيةٍ : " أنا ذاهبٌ لأشرب الخمر على روح والدي " ، إن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول : " يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلَّ وحرُم فأنفقته في حِلِّه وفي غير حلِّه ، فالهناء لكم والتبعة علي" .

      هذه آية دقيقة ..

     

من هنا قال الله عزَّ وجل :

 

( سورة التغابن : آية " 14 " )

 

     

       أنت تتخذ حجَّة ، الآن الناس يغش في بيعه وشرائه ليكسب مالاً وفيراً ليرضي بها زوجته ، أما الصحابية الجليلة كانت تقول لزوجها : "يا فلان اتقي الله فينا ، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام " . لا يحملنَّك إرضاء زوجتك ، ولا أمك ، ولا أبيك ، ولا إخوتك ، ولا أولادك على معصية الله ، لأنهم إن فعلت هذا لن ينفعوك أبداً ، يُحاسب وحدك..

 

( سورة الممتحنة : آية " 4 " )

      ما دمتم هكذا فأنتم أعداؤنا إلى أن تؤمنوا بالله وحده ..

     

سيدنا إبراهيم أيضاً وقف هذا الموقف من قومه ..

( سورة الشعراء )

     هذا الكلام لا يعني أن تبدأ أنت بالعداء ، لا أبداً ، أما إذا دُفعت إلى معصية يجب أن تقول: لا بملء فمك ، وليكن ما يكن ، ما دام لا يوجد عدوان..

( سورة الممتحنة )

      هذا شيء أساسي ، أما حينما يُعْتَدَى عليك ، يُعتدى على دينك قل: لا بملئ فمك ولا تخشى في الله لومة لائم ، ولا تعبأ بكل ما سيكون لأن الله معك ، سيدنا إبراهيم وقف موقفاً إيمانياً من أبيه