English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 3 /5 : بتاريخ : 9/8/1996 لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

الموضوع : سورة الممتحنة ( 60)  الآية " 6-9"

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثالث من سورة الممتحنة ، ومع الآية السادسة وهي قوله تعالى :

      

أيها الإخوة ... هذه الآية تأكيدٌ لآيةٍ سابقة ..

( سورة الممتحنة )

       هذه الآيات ، أو هذه الآية الطويلة التي أكَّدتها الآية التي بين أيدينا اليوم ..

      

في إبراهيم عليه السلام والذين معه أسوةٌ حسنة ، أي قدوةٌ حسنة..

      

        بيّنت لكم أيها الإخوة أن في حياة المؤمن شيئين أساسيَّين من لوازم الإيمان وهما : الولاء والبراء ، فما لم يوال المؤمن المؤمنين ، ما لم ينضم المؤمن إلى المؤمنين ، ما لم يتعاون المؤمن مع المؤمنين ، ما  لم يحب المؤمن المؤمنين فلا ولاء له ، وما لم يتبرَّأ من الكافرين ، ما لم يبتعد عنهم ، ما لم ينسلخ منهم ، ما لم يُنْكِر عملهم فليس مؤمناً ، لا تكون مؤمناً إلا بالولاء والبراء ، أن توالي أولياء الله ، وأن تبتعد عن أعداء الله .

      لا أقول لك أن تكون هجومياً ولكن ابتعد عنهم ، لماذا ؟ لأن الماء الصافي العذب الزلال، والماء الملوّث إذا اختلطا من المتضرر ؟ الماء الصافي لأنه يتلوّث ، أما الماء الملوّث هو في الأصل ملوّث ، يستفيد ، تخفُّ حدَّة تلوّثه ، أما الخطورة على الماء الصافي ، فالمؤمن ما لم يكن نقياً ، بعيداً عن الشبهات ، بعيداً عن مزالق الشهوات ، ما لم يكن بعيداً عن مواطن المعصية ، لا ينجو ، لذلك لا مؤاثرة في الخير والخير كلُّه في المؤاثرة ، أن تؤثر إنساناً لئلا يغضب لئلا يحزن على طاعة الله إنك لست مؤمناً ، لا تؤثر أحداً في طاعة ، أما حينما تكون مطيعاً لله لك أن تؤثر الناس جميعاً بدنياك ، إنَّك إن ضَحّيت بدنياك من أجل الآخرين فأنت تداريهم ، والمداراة من أخلاق رسول الله ، قال عليه الصلاة والسلام :

" بُعِثت لمداراة الناس " .

      أما أن تبذل دينك من أجل الآخرين فأنت تداهنهم والنبي عليه الصلاة والسلام لا يُداهن ..

( سورة الممتحنة )

       لا تداهن لكن داري ، رأس الحكمة مداراة الناس ، " بُعِثت لمداراة الناس " . فالولاء والبراء ، أي ممكن أن تنضوي في أي عمل ، وأن تكون علاقتك مع أصحاب العمل علاقةً محدودة بالعمل ، أما العلاقات الحميمة ، الزيارات المختلطة ، الرحلات الطويلة ، الشراكة الاندماجية مع أهل الدنيا إنهم يلوِّثونك ، فلذلك الولاء والبراء لا بدَّ من أن توالي ولا بدَّ من أن تتبرَّأ ، الولاء أن تعطي لله ، وأن تمنع لله ، وأن تصل لله ، وأن تقطع لله ، وأن تغضب لله ، وأن ترضى لله ، وأن تعفو لله ، وأن تنتصر لله ، هذا هو الولاء ، والبراء أية جهةٍ متفلِّتةٍ ، غير منضبطةٍ ، عاصيةٍ ينبغي أن تبتعد عنها لأنها تؤذيك من دون أن تؤذيها ، هي لا تتأذّى ، هكذا هو ، أما هي تؤذيك ، إذا أخرجتك عن طاعتك حجبتك عن ربك ، أنت كل قيمتك باتصالك بالله ، كل ثمار الدين لا تقطفها إلا بالاتصال بالله ، فإذا واليت أهل الدنيا وحملوك على معصيةٍ ، أو على تقصيرٍ ، أو على شبهةٍ ، أو على مزلقٍ إنهم حجبوك عن الله ، حملوك على معصيةٍ فحجبوك عن الله ، حينما تُحجَب عن الله فقدت كل ثمار الدين ، هم في الأصل محجوبون ، هم في الأصل منقطعون ، لم يتأثَّروا إطلاقاً لكنهم جرَّوك إلى ما هم عليه ، لذلك لابدَّ من البراء ولابدَّ من الولاء ، لا يكمل إيمان عبدٍ حتى يحبّ لله ، وحتى يبغض لله ، وحتى يعطي لله ، وحتى يمنع لله ، فلذلك سيدنا إبراهيم موقفه سليم ..

( سورة الشعراء )

       إخواننا الكرام ... أكثر المتفلتين ، أكثر الساهين ، أكثر الغافلين ولاؤهم مرتبطٌ بمصالحهم ، وبراؤهم مرتبطٌ بمصالحهم ، يوالون أهل الكفر إن كانت هناك مصلحةٌ بينهم وبينهم ، ويتبرءون من أهل الإيمان إن لم يكن منهم شيءٌ يعود عليهم بالخير ، فلذلك أحد خصائص المؤمن أن يوالي وأن يتبرَّأ ، أن يوالي المؤمنين وأن يتبرَّأ من الكافرين ، الآية اليوم هي :

     

       الحقيقة الأسوة الحسنة هي الدليل القطعي على واقعية هذا الدين ، لأن الدين أفكار ، أما حينما ترى نبياً إنساناً مثلك ، بشراُ مثلك ، في أعلى مستوى أخلاقي هو حجَّةٌ علينا لأن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، إلا أن الناس اليوم ماذا يقولون ؟ لمجرَّد أن تطلب منهم أن يقيموا شرع الله يقول لك : يا أخي أنا لست نبياً ، من قال لك إنك نبيّ ؟ ولا واحد بالمليار ، ولا ذرَّة غبار على نعل أحد الأنبياء ، من قال لك إنك نبيّ ؟ ولكن حينما نقول : لابدَّ من أن نعطي حقنةً لمريض ، إنَّ أعلا طبيبٍ في الأرض يجب أن يعقِّمها ، وإن أدنى ممرضاً في الأرض يجب أن يعقِّمها ، توجد أشياء ثابتة ..

( سورة هود : آية " 112 " )

       فأمور الاستقامة ليس لها علاقة بالنبوّة أو غير النبوّة ، إن أطلقت البصر سلكت في طريق الزنا ، لأن كل خطوةٍ تقود إلى أختها ، أخي أنا لست نبياً ، من قال لك إنك نبي ؟ إنك مأمورٌ أن تفعل ما يفعله الأنبياء ، الأنبياء قدوة لنا ..

( سورة الأحزاب : آية " 21 " )

       فالنبي أيها الإخوة الكرام ... أقلُّ مهمَّةٍ جاء بها التبليغ ، لكن أكبر مهمَّةٍ جاء بها الأسوة، أنت أمام قُرآن متحرِّك ، الكون قرآنٌ صامت ، القرآن كون ناطق ، أما النبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ متحرِّك ، فيجب أن نقتدي برسول الله ، يجب أن نعرف سيرته ، يجب أن نعرف سنَّته لأن الله ما قضي أن ندَّعي حبَّه إلا بالدليل ، والدليل اتباعه ، نبينا عليه الصلاة والسلام قدوةٌ لنا وأسوة ، وإبراهيم عليه السلام قدوةٌ لنا وأسوة ..

      

الخطاب لنا ..

      

أجمل تعقيب هذا التعقيب ..

      

لكل الناس ؟ لا ..

      

        فلمن كان يرجو الدنيا من أسوته ؟ فلان الفلاني ، ذو حجم المال الفلاني ، تجد أهل الدنيا إذا دخلوا على رؤساء الدنيا ، أي كبار التجَّار ، كبار الصناعيين تجده انتهى ، ذاب تعظيماً لهم ، لأن هدفه الدنيا فإن رأى إنسان في الدنيا متفوّق يكون هو قدوته ، يشرب الخمر ليست مشكلة، لا يصلّي ، إنه يريد أن يكون مثلهم ، أنت لا تتخذ أسوةً من بني البشر إلا في نطاق طموحاتك ، إنسان طموحاته تجارية من أسوته الحسنة ؟ التاجر الفلاني ، إنسان طموحاته صناعية من أسوته الحسنة ؟ الصناعي الفلان ، إنسان طموحاته علميَّة من أسوته ؟ الدكتور الفلاني ، إنه يحمل بورد ، يحمل أعلا شهادة في العالم وله ثمانين مؤلَّف ، له شهرة واسعة ، فأنت قل لي من أسوتك أقل لك من أنت ، أنت تسعى لتقليد من ؟ من هو الذي أمامك دائماً ؟ أنت لك شخصية هي أنت ، لك شخصيةٌ تكونها ، وشخصيةٌ تكره أن تكونها ، وشخصيةٌ تتمنّى أن تكونها، الشخصية التي تتمنَّى أن تكونها من هي ؟ إذا كانت هذه الشخصية من أهل الدنيا فأنت من أهل الدنيا ، إن كانت من أهل الفن الرخيص فأنت من أهل الفن الرخيص ، إن كانت هذه الشخصية لاعب كرة فأنت في هذا الحقل ، الله عزَّ وجل قال عن النبي الكريم :

( سورة النجم )

       أنت في أي أُفُقْ ؟ الأنبياء لهم أفق ، المؤمنون لهم أفق ، أولياء الله لهم أفق .. " إن الله يحبُّ معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيَّها " .. قل لي من قدوتك أقل لك من أنت ، قل لي من أسوتك أقل لك من أنت ، قد تجد إنسان يركب سيارة فارهة ثمنها أربعة وعشرين مليون ، تجده ذاب ، ليتني مثله ، هكذا قال أهل الدنيا فعندما خرج قارون بزينته ..

( سورة القصص )

       الآن يقولون : هنيئاً له ، إنه فوق الريح ، يده طائلة ، يلعب بالمال لعب ، إنه لو طحن المال وأكله لا ينتهي ، يتكلَّم وهو ذائب ذوبان ، هذا من قدوته ؟ أهل الدنيا ..

      

       إلى أين أنتم ذاهبون ؟ صدِّقوني أيها الإخوة لا تكون مؤمناً إلا إذا كان الله ورسوله أحبَّ إليك مما سواهما ، لا تكون مؤمناً إلا إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم دائماً في مخيّلتك ، كيف كان يعامل زوجاته ؟ كيف كان يعامل أولاده ؟ كيف كان يعامل إخوانَه ؟ كيف كان يعامل جيرانه ؟ كيف كان في بيته ؟ كيف كان مع أصحابه ؟ كيف كان يتنظَّف ؟ كيف كان ينام ؟ كان يضع يده تحت خدِّه الأيمن ويستلقي ، كيف كان يدعو ؟ كلَّما كنت مؤمناً جعلت النبي قدوةً لك ، لذلك الآية دقيقة جداً ، الأولى والثانية والثالثة ، آية النبي :

( سورة الأحزاب : آية " 21 " )

       إن كنت ترجو الدنيا وزينتها لك قدوةٌ غير النبي عليه الصلاة والسلام ، إن كنت ترجو مناصب الدنيا ورِفعتَها لك قدوةٌ غير النبي عليه الصلاة والسلام ، إن كنت ترجو ملاّذَ الدنيا وشهواتها لك قدوةٌ غير قدوة النبي عليه الصلاة والسلام ، تريد صحن .. ستلايت .. على الفور ، أما إذا كان الله ورسوله أحبَّ إليك ممن سواهما ، وكان النبي الكريم والصحابة الكرام، وأولياء الله العاملون هم قدوتك فهنيئاً لك ، لذلك الله عزَّ وجل يقرر ويقول :

      

      أي .. مثلاً .. دخلت إلى البيت فوجدت فيه مشكلة ، عندما دخل النبي عليه الصلاة والسلام ورأى زوجته عائشة رضي الله عنها أصابها ما يُصيب النساء من الغيرة ، فأمسكت طبقاً أرسلته السيدة صفية وكسرته، فقال عليه الصلاة والسلام : " غضِبَت أمكم غضِبَت أمكم "، لم يفعل شيء ، هذه المشكلة امتصها ، هكذا ، الآن أكثر الأزواج بعد أن يتزوّج ينظر عن ما هي العيوب التي في زوجته فيلقيها على مسامعها من أجل أن يهدم الحبَّ بينهما ، ما هي العيوب في أقربائها يلقيها على مسامعها ، النبي لم يفعل هذا ، قالت له السيدة عائشة مرَّةً : كيف حبَّك لي ؟ قال : " كعقدة الحبل " . عقدة متينة ، فكانت تقول له من حينٍ لآخر: كيف العقدة ؟ فيقول : " على حالها " . أنت بإمكانك تقيم بيتك على أساس من الحب والوئام والود وأنت الرابح الأول ، وبإمكانك بحمق وبسفه وبعدم حكمة أن تجعل بيتك جحيماً ، هذا يقال وهذا يقال ، فيمكنك  الانتقاد لأتفه الأسباب ، ويمكنك أن تتجاهل بعض الأخطاء فتعلو عند الله، فالقضية قضية قدوة .

      يجب أن تقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، النبي لم يتميز عن أصحابه أبداً ، وإذا لم تتميز على من حولك فأنت سيِّدُهُم ، وأنت أحبُّ الناس إليهم ، فالعبرة أن المشكلة .. نحن في عيد المولد .. نحن في شهر الولد فيجب أن نعرف سيرة النبي ، ويجب أن نستنبط منها الموعظ والحكم ، ويجب أن نجعله قدوةٌ لنا وأسوة في كل شؤون حياته لأنه الإنسان الكامل الذي حقَّق الكمال البشري كلَّه ، يوجد إنسان واحد حقَّق الكمال البشري كلَّه وهو رسول الله ، وما خلق الله بني البشر في الأصل إلا أن يكونوا على شاكلة النبي ، وليكون النبي قدوةٌ لهم ..

      

       فأنت لا يمكن أن تتخذ النبي وصحابته الكِرام قدوةٌ لك إلا إذا كنت ترجو الله واليوم الآخر ، لا يمكن أن تتخذ النبي أسوةً حسنةً وقدوةً لك إلا بشرط أن ترجو الله واليوم الآخر ، لذلك هناك علاقة اسمها علاقة ترابطيّة ، إن كنت ترجو الله واليوم الآخر فأنت حُكْمَاً تقتدي برسول الله، وإن كنت تقتدي برسول الله دائماً فأنت حُكْمَاً ترجو الله واليوم الآخر ، أنا أطمئنك، كل واحد منَّا يتَّبع النبي في أقواله وأفعاله ، وفي حركاته وسكناته ، وفي إقامته وسفره ، وفي سروره وحزنه ، كل واحد منَّا يفعل ما يفعله النبي فهو حُكْمَاً وقطعاً ممن يرجو الله واليوم الآخر ، وإذا كنت ترجو الله واليوم الآخر فأنت قطعاً تتخذ النبي أسوةٌ لك ، هذا شيء أساسي .

      أنا قلت أن هناك شيئان أساسيان وهما : البراء والولاء ، والقدوة الآن ، توجد موضوعات كُبرى في الدين ، هذه ركائز الإيمان ، فلان مؤمن ، فأنت إذا قلت : فلان مهندس  هل هو لا يعلم ما المثلَّث ؟ لا يعلم ما الخط المستقيم ؟ لا يعلم تحمُّل الإسمنت ؟ مستحيل لأن هذه بديهيات الهندسة ، إذا قلت : إنسان يحمل لسانس في اللغة العربية هل لا يعلم ما حركة الفاعل ؟ إنه يكون كذَّاب ، حركة الفاعل لا تعرفها ؟ إنسان يحمل لسانس في الرياضيات لا يعرف الضرب والجمع والتقسيم والطرح ؟ هذا مستحيل ، هذه بديهيات ، بديهيات المؤمن الولاء والبراء، بديهيات المؤمن الأسوة الحسنة ، من أسوتك ؟ من قدوتك ؟ تقلِّد من ؟ تتجه أنظارك إلى من ؟ تعظِّم من ؟ تذوب أمام من ؟ المؤمن الصادق إذا قرأ شيئاً عن رسول الله أو عن صحابته الكِرام تذوب نفسه إعظاماً لهؤلاء الرجال ، أما أهل الدنيا تذوب أنفسهم على لاعب الكرة الفلاني ، الممثل الفلاني ، المغنّي الفلاني ، ذائبون في حبِّهم ، قل لي بمن تقتدي أقل لك من أنت ، هذه الآية الأولى ..

( سورة الممتحنة : آية " 6 " )

       يتولَّى عن أن يكون النبي قدوةٌ له ، يتولَّى أن يدير ظهره لهذه السنَّة ، ولهذه السيرة ، ولهذا الإنسان العظيم ..

      

   إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله غنيٌّ عنكم ..

" لو أنَّ أولَكم وآخِرَكم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص في ملكي شيئاً " .

      

        يتولَّى عن أي شيء ؟ يتولَّى عن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلَّم قدوةً له ، الآية هنا يتولَّى عن أن يكون إبراهيم عليه السلام ومن معه قدوةٌ له في الولاء والبراء ، إذاً يوالي الكفَّار ويبتعد عن المؤمنين ، إنه تولَّى عن أن يكون هذا النبي العظيم قدوةً له ، خيراً إن شاء الله ؟ ..

      

         غنيٌّ عنك وعن ولائك وعن برائك ، وغنيٌّ عن طاعتك ، وغنيٌّ عن عملك ، ومع أنه غنيٌّ عنك لا يُعاملك إلا معاملةً تحمده عليها ، هذا معنى غنيٌّ حميد ، إذا واحد غني عن الآخر قد يسئ إليه ، غنيٌّ عنك ولا يعاملك إلا معاملةً تحمده عليها ، ليس هو غنيٌّ منتقم ، إنه غنيٌّ حميد ، هو مستغن عنك ، أحياناً الإنسان يخدمك لأن له علاقة معك ، له مصلحة معك، أما واحد يخدمك وليس له مصلحة معك أبداً هذه موضوع كبير كثير ، إنسان يقدِّم لك كل شيء وهو غنيٌّ عنك فإن هذه بطولة ، أكثر الناس بالحاسَّة السادسة مصلحته مع فلان ، تجد في تصرفاته معه احترام ، وفي إكرام ، ومداراة ، ومودَّة ، أما متى تكون المودَّة في أعلى مستوياتها ، المودَّة والإكرام ؟ إذا كنت غنياً عنه ، غنياً عنه وتقدِّم له كل شيء ، هذه أخلاق الله عزَّ وجل ..

      

غنيٌّ لكن لا يعاملنا وهو غنيٌّ عنَّا إلا معاملةً نحمده عليها .

       أيها الإخوة ... مرَّة ثانية وقد ذكرت هذا في الدرس الماضي أنَّ عداوة المؤمن عداوةٌ طارئة لا عداوةٌ أصيلة ، المؤمن الصادق إنساني وربَّاني ، ربَّاني يستمد كل توجيهاته من الله، لا يوجد عنده مصدر آخر آمر ، لا توجد تقاليد ولا عادات ، ولا لباقة ، ولا أدبيّات ، ولا اجتماعيات فهذه كلَّها كلمات ما أنزل الله بها من سلطان ، إنه يتحرَّك وفق توجيهات الله ، لذلك في بعض الأحاديث :

" إن لم تستح فاصنع ما شئت " .

       هذا الحديث يُفهَم فهم وله فهمٌ آخر ، من بعض معاني هذا الحديث أي إذا كنت لا تستح من الله في هذا العمل افعله ولا تعبأ بأحد ، مثلاً لو إنسان له زوجة لا تُنجِب أو زوجة مريضة، وهو يستحي أن يتزوّج بأخرى ، وهذا الشيء من حقَّه إلا أنه بدأ يمنةً ويسرى ، صار له علاقات ، وصار له عشيقات أما اجتماعياً له زوجة واحدة ، لا .. تزوج امرأةً ثانية وفق منهج الله وكن مستقيماً .

       شيءٌ آخر : أي شيء إذا كان الله راضياً عنه افعله ولا تعبأ بأحد، إذا لم تستحي من الله في هذا العمل إذا كان وفق منهج الله افعله ولا تعبأ بأحد ، أما أن نعصي الله سرَّاً من أجل الحفاظ على مكانتنا أمام الناس فإن هذا شركٌ كبير ، فلذلك ليس في حياة المؤمن عداوةٌ دائمة، عداوات المؤمن طارئة ، المؤمن لا يكره أحداً ، إن كرِه الكافر كرِه عمله فقط ، فلا يوجد عنده حقد ، فالحقد من صفات المقطوعين عن الله، الأحقاد الدفينة من صفات غير المؤمنين ، الأحقاد الثابتة من صفات المتفلِّتين ، أما المؤمن لا يحقد ، أما النبي عليه الصلاة والسلام يبكي لشقاء الكافرين :

" لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ".

      أي إذا أحد الأشخاص وَجَّه لك كلمةً قاسية ، أو دفعك بصدرك ، وأُتيح لك أن تنال منه ، إنك قد تفعل فيه الأفاعيل ، أما أن يذهب النبي إلى الطائف وأن يُكذَّب وأن يُسْخَر منه ، وأن يُضرَب ثم يأتي جبريل ليقول له : لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ، فيقول : " لا يا أخي اللهمَّ اهدي قومي فإنهم لا يعلمون ، لعلَّ الله يُخرِج من أصلابهم من يوحِّده"، أنت عندك إمكانية أن تحبَّ الكافر ؟ أن تحبَّه لأنه إنسان ، وأن تكره عمله لأنه كافر ، هذا حال المؤمن ، لا يوجد عنده حقد ..

( سورة الشورى )

       إذا غلب على ظنِّك أن عفوك عنه يقرِّبه من الله ، يعفو ويصفح ولا يحاسِب ، لأن الحقد غير موجود ، وهذا من أخصِّ خصائص المؤمنين .. فمثلاً .. إنسان يرتكب كل المعاصي جِهاراً ، رأيته في المسجد تائباً ، إن لم تشعر إنه أقرب الناس إليك وأنك تتمنَّى أن تقدِّم له روحك فأنت لست مؤمناً ، قبل يوم كان شارب خمر ، منحرف الأخلاق، مغتصب أموال ليست له ، فلمَّا رأيته تائباً منيباً إن لم تشعر أنه أقرب الناس إليك ، إن لم تتمنّ أن تعطيه كل شيء فأنت لست مؤمناً ، هكذا المؤمن ، لهذا قال الله عزَّ وجل :

( سورة الممتحنة : آية " 7 " )

       عِكْرِمَةُ بن أبي جهل من ألدِّ أعداء رسول الله ، ناصبه العِداء عشرين عاماً ، ولمَّا دخل النبي مكَّة أَهْدَرَ دمه ولو تعلَّق بأستار الكعبة ، ثم إنه جاء تائباً مُسْلِمَاً ، فصار أقرب الناس إلى النبي ، وفي بعض المعارك نزل عن فرسه ودخل بين صفوف الكفَّار ، فقال له سيدنا خالد : " إرْأَف بنا يا عكرمة ، فقال له : دَعْك عنّي يا خالد لك مواقف مع رسول الله أنا أكفِّر عن ذنوبي السابقة " .

      إنسان عنده من الحقد ما لا سبيل إلى وصفه ويقول : " آه لولا أطفالٌ صغار أخشى عليهم العَنَتْ ، لولا ديون ركبتني لا أُطيق سدادها لذهبت وقتلت محمَّداً وأرحتكم منه " ، هذا نفسه حينما أسلم قال عنه عمر: " دخل عمير والخنزير أحبَّ إليَّ منه وخرج من عنده وهو أحبُّ إليَّ من بعض أولادي " ، هذا هو المؤمن إنه لا يحقد أبداً ، يتألَّم من عمل الكافر ، يتألَّم من الكذب ، يتألَّم من أكل المال بغير حق ، يتألَّم من الكبر ، أما حينما تؤمن انتهى الأمر ..

      

      بناءً على هذه الآية لا تيأس من هداية أحد ، والله أيها الإخوة أُنَاسٌ كثيرون في عُمرِ هذه الدعوة .. هذه الدعوة عمرها عشرون عاماً.. أناسٌ كثيرون أكثر من عشرين أو ثلاثين إنسان يقول بعضهم لي : أستاذ ليس هناك معصيةٌ تعرفها إلا ارتكبتها ؛ شرب خمر ، على زنا ، على قِمار ، على ارتياد نوادي ليلية ، على إنكار ، ثم لمَّا تاب إلى الله توبةً نصوحَ صار كالملائكة ، لا تيأس ، لا تيأس من هداية أحد ، المؤمن نفسه طويل ، وحينما ترى إنساناً متفلِّتاً بعيداً تائهاً شارداً قد عاد إلى صفِّ المؤمنين وانضوى تحت لوائهم ، وأحبَّهم وتاب إلى الله ، يدخل على قلبك من السرور ما لا سبيل إلى وصفه ، لا تيأس ، عندي عشرات بل بضع عشرات من الحالات إنسان :

( سورة الزمر : آية " 53 " )

       إنسان مسرِف على نفسه في المعصية ، الصُلْحَة بلمحة .. " لا الله أفرح بتوبة عبده من الضالّ الواجد والعقيم الوالد والظمآن الوارد".. فأجمل شيء قاله النبي في هذا الموضوع ، إنه قدَّم صورة أن إنسان يركب ناقته يقطع بها الصحارى ، عليها زاده وشرابه ، أراد أن يستريح قليلاً فجلس تحت ظلّ نخلةٍ ليستريح ، فاستيقظ فلم ير الناقة ، وهو في قلب الصحراء، أيقن بالهلاك ، جلس يبكي ثم يبكي ثم يبكي إلى أن أدركه النُعاس فنام فأفاق فرأى الناقة ، من شدَّة فرحه اختلَّ توازنه فقال : " يا رب أنا ربُّك وأنت عبدي " ، الشاهد يقول عليه الصلاة والسلام : " لا الله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته ". هذا وصف النبي .

" إذا قال العبد : يا ربِّ وهو راكع ، قال : لبيك يا عبدي ، إذا قال العبد: يا ربِّ وهو ساجد ، قال : لبيك يا عبدي ، أما إذا قال العبد : يا رب وهو عاصٍ ، قال الله له : لبيك ، ثم لبيك ، ثم لبيك " . أي :

" إذا تقرَّبت من الله شبراً تقرَّب الله منك ذِرَاعاً ، وإذا تقرَّبت إليه ذراعاً تقرَّب الله إليك بَاعَاً، وإذا أتيته تمشي أتاك هرولةً " .

        هذا وصف النبي وهو حديثٌ صحيح ، أي أن الله ينتظر منك بادرة ، ينتظرك ..

" يا داود لو يعلم المعرضون انتظاري لهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطَّعت أوصالهم من حبّي ، ولماتوا شوقاً إليّ ، يا داود هذه إرادتي بالمعرضين فكيف إرادتي بالمقبلين ؟! " . أنت مطلوب ، مطلوبٌ لرحمة الله ، الله ينتظرك ..

إلى متى أنت باللذات مشغولُ    وأنت عن كل ما قدَّمت مسؤولُ

    إلى متى ؟!!   

*  *  *

فوا خجلي منه إذا هو قال لي: ..    ......أيا عبدنا ما قرأت كتابنا ؟

أما تستحي منَّا ويكفيك ما جرى ؟    أما تختشي من عُتْبِنا يوم جمعنا؟

وجدناك مضطراً فقلنا لك : أدعنا    ... نجبك فهل أنت حقاً دعوتنا ؟

دعوناك للخيرات أعرضت نائياً      فهل تلقى ما يحسن لمثلك مثلنا ؟

أيا عبدنا ما قرأت كتابنا ؟

*  *  *

إلى متى أنت باللذات مشغولُ    وأنت عن كل ما قدَّمت مسؤولُ

تعصي الإله وأنت تُظهِر حبَّه    ...ذاك لعمري في المقال شنيعُ

لو كان حبُّك صادقا لأطعته..    ... إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ يطيع

*  *  *

       فهذه الآية الكريمة :

( سورة الحديد : آية " 16 " )

       إلى متى ؟! لما لا تتوبوا توبةً نصوحاً ؟ لما لا تصطلحوا مع الله عزَّ وجل ؟ .

      

       كلمة والله قدير ، الإنسان مُهَيَّأ للهدى ، مصصمَّم ليهتدي إلى الله، فطرته تدعوه إلى الهدى ، عقله يدعوه إلى الهدى ، واقعه يدعوه إلى الهدى ، النقل الصحيح يدعوه إلى الهدى ، أحياناً تنشأ مشكلة تضطرَّه إلى الهدى ، فأنت لا تيأس مهما رأيت عداوةً وانحرافاً ، وبعداً وتفلُّتاً ، واستخفافاً ، واستهزاءً كن حليماً ، كاد الحليم أن يكونَ نبيَّاً ، الحلم سيد الأخلاق .

       يوجد شيءٌ آخر دقيق جداً ..

( سورة الممتحنة )

       فلو إنسان غير ملتزم ؛ لا يصلِّي ، لا يغضُّ بصره ، لا يتحرَّى الحلال في دخله ، لكنه لا يعادي المؤمنين ، لا يُسَفِّههم ، لا ينتقص منهم، لا يطعن فيهم بل إنه يقول : والله أنتم أحسن منّي لكن أنا لا أقدر أن أمشي مثلكم ، له موقف ود ، موقف إكبار ، موقف مسالم .. الحد الأدنى .. لا يفكِّر أن ينتقص من المؤمنين ولا أن يطعن بهم ، ولا أن يعاديهم قال : هذا لابدَّ من أن تُحسِن إليه ، من أن تصله .

      توجد نقطة دقيقة جداً : مجموعة ممن يعملون في فنٍّ رخيص في بلد عربي تابوا إلى الله واستقاموا على أمره وصلح أمرهم ، زميل لهم طرق بابهم فاستقبلوه ، عاش معهم فرأى من إخلاصهم ، من استقامتهم ، من طهرهم ، الإنسان التائب إنسان آخر ، الحقيقة عندما يتوب الإنسان توبة نصوحة بالتعبير الدارج .. قلبَ مائة وثمانين درجة .. كان له ميول، كان له اهتمامات ، كان له أصحاب ، صار إنسان آخر ، فإذا أنت لك صديق قديم ، أنت الله هداك وتاب عليك ، وقرَّبك وأكرمك ، وفتَّح لك قلبك ، ونوَّر لك عقلك ، وتجلَّى على قلبك وأسعدك ووفَّقك ، وزارك صديق قديم متفلِّت ، إذا لم تستقبله ، وأكرمته ، وأطلعته على حالك الجديد كيف تغريه بالهدى ؟ واحد لا يعاديك قال :

      

       لا قاتلك ، ولا هاجمك ، ولا انتقدك ، ولا سَفَّهك ، ولا حقد عليك بل بالعكس قال لك : أنت أحسن منّي ، أنا مقصِّر ، أنا ليس لدي إمكانية لأكون مثلك ، الله يتوب عليَّ ، طبعاً هذا الإنسان غير ملتزم ، هذا يجب أن تصله ، أن تكرمه ، أن تعينه على الشيطان ، أن تكون عوناً له على الشيطان لا أن تكون عَوْنَاً للشيطان عليه ، إذا جافيته وابتعدت عنه ، خاصمته ، وهاجمته ، انتقدته ، وبَّخته ، صغَّرته أمام الناس قلبته إلى عدو ، هذا غلط ، أما إذا كان يعاديك هذا موضوع ثاني ، أما هذا لا يعاديك ..

      

       أحياناً يكون في البيت أخوان ، أخ ملتزم وأخ متفلّت ، ولكنه متفلّت ولسانه مضبوط ، فإذا بالملتزم يقول لأخيه : أنت فاسق ، أنت كافر ، أنت كذا ، إنك زدته كفراً وفسوقاً وعصياناً ، إنه محترمك ولك هيبة عنده ، أنت تغاضى عن بعض أغلاطه ، أحسن إليه ، اجلس معه وآنسه ، بيّن له ، اخدمه أحياناً فتملك قلبه ، لن يُفتَح العقل قبل القلب ، إن فتحت قلبه بإحسانك أصغى إليك ، فتح عقله لبيانك ، فالدعوة تحتاج إلى حكمة بالغة ، إنسان مؤنس، عفو ، لطيف ، حكيم ، لا يرفض الناس ، لا يستعلي عليهم ، ليس فوقهم ، لا يملي إملاءً بل إنه يحاور حواراً ، الحوار فيه كرامة ، الإملاء فيه استعلاء  وفيه موقف متغطرس، كثير من المؤمنين وأنا أعرف هذا كثيراً عندما تاب رأى نفسه فوق الناس ، وبدأ يعمل نفسه وصي على الناس ، يوزِّع ألقاب ، هذا فاسق ، وهذا إلى جهنَّم آخرته ، من أنت ؟ أنت عليك أن تكون أخاً كريماً لكل الناس ، الآية دقيقة جداً ، المسلمون لا يطبِّقونها ، المسلمون أحياناً يعادون أناساً مؤمنين مثلهم لا لشيء إلا لأنهم من جماعاتٍ أخرى، فكم هم متخلِّفون ؟ لا لشيء إلا لأنهم من جماعاتٍ أخرى ، وكأن الإسلام جماعاتٍ جماعات ..

      

أن تكونوا لهم بررة ، أن تحسنوا إليهم وتقسطوا إليهم ، أن تكونوا منصفين معهم ..

      

       إنسان يخطِّط لإطفاء نور الله ، يخطِّط للإفساد بين المؤمنين ، يخطِّط لتفلت المؤمنين من دينهم ، يخطِّط لإضعاف المسلمين ، هذا لا ينبغي أن تعطيه ولاءك ، الآن أكثر شبابنا يذهب إلى البلاد الغربية كل علمه وثقافته وذكاؤه واختصاصه يضعه على طبقٍ من ذهب ليقدِّمه لأعداء الأمَّة ، أين ولاؤك للدين ؟ فتغريه بعض الأمور ، تغريه حياة راقية بمفهوم العصر ، يقول لك : بيت رخيص ، مركبة رخيصة ، بلاد خضراء ، كل شيء موجود ، علاقات واضحة جداً ، يضع كل خبرته ، وكل علمه ، وكل إمكاناته لخدمة أعداء المسلمين ، هؤلاء الذين يقاتلوكم ويخرجوكم من دياركم ينبغي أن لا تواليهم ، وأن لا تكون في خدمتهم .

       من الملاحظ أننا في الولاء والبراء لم نخرج عنهما من أول آية وهي قوله تعالى :

      

      فالمؤمن إذا كان راقي في معاملاته ، برقيه ، وذكاؤه ، وحكمته ، وطيب نفسه ، وكرمه يجلب هؤلاء الحياديين ، يوجد في المجتمع ثلاثة أصناف : مجتمع مؤمن ، ومجتمع كافر ، وتوجد فئة حيادية لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء إنهم مع شهواتهم ، لكن لا يوجد عنده موقف معادي للمؤمنين ، ولا يوجد عنده موقف معادي للكافرين ، فحكمة المؤمن وذكاؤه وإنصافه وإحسانه تجعل هذا الحيادي ينضم للمؤمنين ، وأحياناً حمق الإنسان المقصِّر وعدم دقَّته في كلامه يجعل هذا الإنسان ينضم لهؤلاء .

      فيوجد شخص حيادي ، كل حكمتك يجب أن تكون من أجل أن تضمَّه إليك ، أما إذا قيّمته تقيّم سيئ وقسوت عليه في القول ونبذته انضمَّ للآخرين ، للطرف الآخر ، يوجد طرف لا يغيّر ، هناك طرفٌ الكفر مترسِّخ فيه ، هذا لا يغيّر ، ويوجد مؤمن ، نحن جهودنا كلِّها مع الطرف الحيادي ، هذا الذي هو لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء ، هذا إذا كنت أنت حكيماً ، كاملاً، منطقياً ، عميقاً في تفكيرك ، لطيفاً في معاملتك ، سخيّاً في إنفاقك تستطيع أن تجلب هذا الطرف .. هذا الإنسان الحيادي .. إليك.

       إذاً هناك نهيٌّ وهناك عدم نهيٍّ .. لا ينهاكم ، إنما ينهاكم ..

      

      ظالمون لأنفسهم ، إذاً نَخْلُصُ من هذا الدرس إلى أن من أخصِّ خصائص المؤمن الولاء والبراء والإتباع ، أن تتبع النبي الكريم في أوامره ، وأن تتبع عما عنه نهى ، وأن تقلِّده في سيرته ، وأن توالي المؤمنين ، وأن تتبرَّأ من الكافرين ، وأن لا تكون سبباً في فتنة كافر ، أن لا تعطي الكافر حجَّةً فيكفر بسببك ..

( سورة الممتحنة : آية " 5 " )

       وكل ما في القرآن الكريم يجب أن تبعده عن مناسبة وروده وأن تعمِّمه على كل العصور والأمصار ، فهذه نماذج متكرِرة ، أحياناً الإنسان يقرأ القرآن بعقلية خاصَّة أن هذا الكتاب الله حدَّثنا بشيء وقع في عهد النبي وانتهى الأمر ، إنه قلبه إلى كتاب تاريخ ، هذا كتابٌ أمرنا الله أن نقرأه وأن نتعبَّده به ، ويمثل كل حالات المجتمع ؛ يوجد مؤمن ملتزم ، كافر مترسِّخ في كفره ، ويوجد حيادي ، هذا الحيادي بذكاء المؤمنين وحكمتهم وإكرامهم له وتواضعهم وإنصافهم يضمُّونه إليهم ، وبتصرُّفات غير ملتزمة ، بكبر واستعلاء ، بألفاظ قاسية يحملونه على أن ينضمَّ للطرف الآخر ، فكل واحد يجب أن يسعى لتقريب هؤلاء الذين بينَ بين إليه ، بإحسانه ، وإكرامه ، ومنطقه ، وتسامحه حتى ينتشر هذا الحق بين كل الخلق .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi