English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 4 /5 : بتاريخ : 16/8/1996 لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

الموضوع : سورة الممتحنة ( 60)  الآية " 10"

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الرابع من سورة الممتحنة ، ومع الآية العاشرة :

بسم الله الرحمن الرحيم

( سورة الممتحنة : آية " 10 " )

       الله جلَّ جلاله كما ذكرت لكم من قبل يخاطب عامة الناس بأصول الدين ، ويخاطب المؤمنين بفروع الدين ، أي يا من آمنتم بي ، يا من أيقنتم بوجودي ، أيقنتم بكمالي ، أيقنتم بوحدانيتي ، يا من عرفتم منهجي افعلوا كذا وكذا ، بعد أن تعرف الله ليس للمؤمن شغلٌ إلا أن يعرف أمره ، عرفته عليك أن تتقرَّب إليه ، الشيء العظيم يُقْصَدْ ، يبتغى، يخطب وده ، فمن لوازم أن تعرف الله أن تخطب وده ، من لوازم أن تعرف الله أن تبحث عن أمره ونهيه ، من لوازم أن تعرف الله أن تتقرب إليه ، فالحركة الطبيعية أن تعرف الله أولاً ثم تتقرب إليه ثانياً، ما الشيء السريع الفَعَّال في التقرب إليه ؟ أن تطيعه ..

( سورة آل عمران )

       إذاً أكبر شيءٍ يقربك إليه طاعته ، من هنا قال الله عزَّ وجل ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، أقربكم إلى الله ، أكرمكم عليه ، أسعدكم به ، أشدكم طاعةً له ، لذلك أيها الإخوة لما سيدنا عمر قال لسيدنا سعد بن أبي وقاص : " يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل : خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له " .

      وطاعة الله بين يديك مبذولة ، من عظمة الله ومن كرمه ، ومن سعة فضله أن كل إنسانٍ بإمكانه أن يتقرب إلى الله ، لكن العظماء من بني البشر ما كل إنسانٍ بإمكانه أن يدخل عليهم ، وفي أشخاص لا يمكن أن يصلوا إليه ، عظماء البشر ، أما ربنا جلَّ جلاله كل إنسانٍ بإمكانه أن يتقرَّب إليه ، وأن يدخل عليه ، لأن العلاقة مع عباده الله جد ، يا عبادي بطاعتي تتقربوا مني ، فقط بالطاعة وحدها ، والأمر معروف ، فلا توجد أوامر غير معروفة لم يعط سرها لأحد .. لا ..

" الحلال بين والحرام بين وبينهما أمورٌ مشتبهات ، فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ألا وإن لكل ملكٍ حمى ألا وإن حمى الله محارمه " .

       فلذلك المؤمن الصادق الذي عرف الله ، والذي عرف عظمته ، والذي أيقن بكل خليةٍ في جسمه ، وكل قطرةٍ في دمه بوجوده ، وكماله ووحدانيته إذا قرأ قوله تعالى :

      

      يَجِلُ قلبه ، ويقشعرُّ جلده ، ويقول : سمعاً وطاعةً يا رب ، بل إن المؤمن في الصلاة حينما يقول :

( سورة الفاتحة )

       يقرأ آياتٍ من كتاب الله ، وكأن هذه الآيات هو الصراط المستقيم، هو الأمر الإلهي افعل ولا تفعل ، معنى ذلك أن من لوازم معرفة الله أن تُسارع إلى طاعته ، أن تبحث عن أمره ونهيه ، أن تبحث عن شيءٍ يقرِّبُكَ إليه ، طاعته أكبر شيءٍ يقربك إليه ، الأعمال الصالحة ثاني أكبر شيءٍ يقربك إليه ، دوام الوجهة إليه ثالث أكبر شيءٍ يقربك إليه ، الإخلاص له ، العمل على خدمة عباده ، هذه كلها تقربك إلى الله عزَّ وجل ، لذلك المؤمن ليستعد إذا قرأ قوله تعالى :

      

      ربنا عزَّ وجل يقول : يا من آمنتم بي ألم تؤمن بي ، يا من آمنتم بي هذا أمري ، أي تقربوا إلي بطاعتي ، هذا أمري ، فلذلك إخواننا الكرام إذا قرأت القرآن ينبغي أن تقف مَلِيَّاً عند قوله تعالى :

( سورة التحريم )

 

       قولوا للناس حُسْنَى ، غضوا أبصاركم ، كونوا صادقين ، لا شيء يسعد القلب كأن يشعر الإنسان أنه في ظل الله ، وأنه في رضاه ، وأن الله وليه يدافع عنه ، ويوفقه ، وينصره ، ويقربه .

      الحقيقة أيها الإخوة ... أن صلح الحديبية قد تحدثنا عنه في العام الماضي بشكلٍ مفصل حينما وردت أحداث هذا الصلح في سورة محمدٍ وسورة الفتح ، وقد ذكرت لكم تفاصيل هذا الصلح فمن بنود هذا الصلح أنه إذا جاء أحدٌ من المشركين إلى النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن يرَّده النبي ، أما ذهب أحدٌ من المسلمين إلى المشركين ليس على قريش أن ترده إلى النبي ، الصحابة الكرام رأوا في هذا الاتفاق ضعفاً في جانب المسلمين ، لكن النبي أخبرهم أنه ينفِّذ أمر الله ، إلا أن هذا الأمر لا ينطبق على النساء ، إذا جاء إنسانٌ أسلم من عند المشركين على النبي أن يرده ، والحقيقة كانت هناك حكمة بالغة من أن النبي ردَّ كل من جاءه مسلماً من قِبَلِ المشركين ، هؤلاء قطعوا الطريق على قريش وأقلقوها قلقاً شديداً ، لذلك جاء وفدٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام يرجوا رسول الله أن يقبلهم ، والقصة طويلة ومعروفة عندكم ، إلا أن هذا البند من اتفاقية محمد صلى الله عليه وسلم مع قريش لا ينطبق على المرأة ، لأن المرأة تحت زوجها ، هو يقودها ، فإن لم يكن مسلماً قادها إلى النار ، لذلك قال تعالى :

( سورة الممتحنة : آية " 10 " )

       قد تأتي امرأةٌ زوجها مشرك أو كافر إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، كان عليه الصلاة والسلام يستحلفُها : لعلها غاضبت زوجها فأرادت الهروب منه ، لعلها أرادت المدينة ، أرادت أرضاً بأرض ، لعلها ، لعلها ، فإذا أقسمن بالله أنهُن ما جئن إلى المدينة إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله فكان عليه الصلاة والسلام يقبل منهن ذلك ، إلا أن هذه الآية تعلمنا الشيء الكثير ، المسلم بحسب محبته للحق ، بحسب غيرته على الدين ، بحسب حرصه على هداية الناس جميعاً ، لو جاء رجل غير مسلم وقال له : أنا أسلمت . هذا المسلم طبيعيٌ جداً أن يفرح فرحاً شديداً وأن يعطيه روحه ، ولكن لا ينبغي للمسلم أن يكون ساذجاً ، هذا الذي أسلم لعله أسلم من أجل امرأةٍ يتزوَّجها ، لذلك كان هناك رجل اسمه مهاجر أم قيس .. سماه المسلمون مهاجر أم قيس ، لأنه أحب امرأةً اسمها أم قيس .. هذه المرأة التي أحبها اشترطت عليه ليتزوجها أن يهاجر إلى المدينة ، فهاجر لا مرضاةً لله ورسوله ولكن هاجر من أجل أن يتزوَّجها ، فكان اسمه عند المسلمين مُهاجر أم قيس ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرءٍ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها  فهجرته إلى ما هاجر إليه " .

      فأحياناً ينضم إنسان إلى مسجد يقول لك : أنا لي مصلحة في هذا الانضمام ، أنا يثق الإخوة بي ، يشترون من عندي ، تزداد مبيعاتي ، أربح ، هذا الذي انضم إلى المسجد لم ينضم لله ورسوله ، انضم إليه لدنيا يصيبها ، أو لامرأةٍ ينكحها ، أو لمصلحةٍ يحققها ، فالإخلاص الإخلاص أيها الإخوة المؤمنون ، الإخلاص الإخلاص لأن العمل الكثير والقليل ينفع مع الإخلاص ، ولأن العمل الكثير والقليل لا ينفع من دون إخلاص ، فكلمة :

      

       يقول لك : أنا أسلمت ، اسأله لماذا أسلمت ؟ لا يوجد جواب ،  هذا الذي ينتقل من دين إلى دين ، لابد أن في الدين الجديد أشياء كبيرة جداً ، مقنعة جداً ، ثمينة جداً ، أين هذه الأدلة؟ أين هذه البراهين ؟ أين هذه الحجج ؟ لذلك " المؤمن كيس فطنٌ حذر " ، " المؤمن ليس بالخب ولا الخب يخدعه " ، يقول الإمام الشافعي : ما خدعني أحدٌ مرتين ، مؤمن ساذج بسيط ، محدود ، يضحكون عليه ، هذا لا يليق بالمؤمن ، فالمؤمن أحياناً يقول لك أسلم ، فلماذا أسلمت، المسلمون ضعاف ، وهناك مظاهر التخلُّف متفشية في بلادهم ، لماذا أسلمت ؟ لابد من أن تقنعني .

      كأن هذه الآية ننطلق منها إلى حقيقةٍ عامة : لا تقبل من إنسان أن ينضم إليك بسذاجة ، بلا دليل ، بلا مبرر ، بلا مسوِّغ ، فواحد من فرنسا أعلن إسلامه ، وضَجَّت له الدنيا ، واستضافه المسلمون في شتى بقاعهم ، وأقاموا له الاحتفالات ، ورحَّبوا به ، ودعوه لإلقاء محاضرات في الجامعات ، وأشادوا به ، وكتبوا المقالات تلو المقالات ، ثم يفاجئنا قبل حين بمقابلةٍ في مجلةٍ يقول : " أنا لا أصلي ، صلاتي تأملٌ في خلق الله ، أنا لا أصوم صيامي تركٌ للمنكر ، أنا أحتقر الفقهاء جميعاً كلهم أغبياء ، أنا وأنا " ، مقالة ، فهذا الذي ضحك على أكثر الناس الله جلَّ جلاله يقول :

      

       وقد روي أنه كان يشرب الخمر وما تركها ، بل قال : إنني لست مسلماً ، وهذه الدعوات التي تلقَّاها ، وهذه المحاضرات التي ألقاها ، وتلك الكتب التي ألَّفها ، وهذه الضجة التي أحدثها ، هكذا ببساطة ، المؤمن كيسٌ فطنٌ حذر .

       

      أشخاص كثيرون جاءوا من فرنسا وقالوا : نحن أسلمنا ، فلما سألناه لا تجد جواب ، ثم تبين أنه ليس مسلم ، جاء لمصلحة ، المؤمن كيس فطن حذر.

( سورة النساء : آية " 71 " )

       الحزم سوء الظن ، احترس من الناس بسوء الظن ، سوء الظن عصمة ، كان عليه الصلاة والسلام يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد ، أنا أقول لك : كن لطيفاً ، كن دمساً ، كن باشَّ الوجه ، ولكن لا تكن ساذجاً ، قد يأتي بمهمةٍ لا نعرفها نحن، قد يرسل بمهمة ليست في صالح المسلمين والعرب ، لا تكون ساذج ، قد يأتي مستطلعاً ، قد يأتي ليكشف بعض الحقائق الخفيَّة ، فلذلك أنا خرجت من هذه الآية المتعلقة بحدثٍ في حياة النبي إلى قاعدة عامة :

      

طبعاً يقول الله عزَّ وجل :

( سورة الممتحنة : آية " 10 " )

       أي أن الله وحده ولا أحد سواه هو الذي يعلم الحقيقة ، أنا أقول لكم هذه الحقيقة : إن تقييم الأشخاص من شأن الله تعالى ، نحن لنا دلائل، نراه يصلي ، نراه يغضُّ بصره ، نراه لا يكذب ، الصدق دليل ، والصلاة دليل ، وغض البصر دليل ، هذه علامات ، لكن الحقيقة الكاملة لا يعرفها إلا الله .

      سيدنا الصديق لما ولى سيدنا عمر بعض الصحابة وَجِلوا ، سيدنا عمر شديد ، وليت علينا عمر ، فقال سيدنا الصديق : " أتخوفونني بالله ، والله أقول له : يا رب لقد ولَّيت عليهم أرحمهم ، قال : هذا علمي به فإن بدل وغيَّر فلا علم لي بالغيب " . أنظر إلى التحفظ ، هذا علمي به فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب .

      فأنا أردت من هذه الآية أن الإنسان لا ينخدع ، فهناك حوادث كثيرة ، إنسان جاء من بلد إلى بلد لا ليؤمن ولا ليسلم ولكن ليستطلع ، ليكن عين قومٍ آخرين علينا ، كن يقظاً ، كل إنسان يجب أن يكون يقظاً على مصالح أمته ، على مصالح وطنه ، على مصالح المسلمين ، أما هذه السذاجة والبساطة لمجرَّد أن قال : أنا مسلم . نصدقه ! نرحب به أشد الترحيب !! نكشف له كل أوراقنا !! نطلعه على كل صغيرةٍ وكبيرة؟ لا ..

      

أنت لك الظاهر ، بالمناسبة ، متى يكون سوء الظن إثماً ؟ قال تعالى :

( سورة الحجرات : آية " 12 " )

       ومتى يكون سوء الظن عصمة ؟ النبي يقول :

" سوء الظن عصمة "

       وربنا عزَّ وجل يقول :

      

        الفيصل بين المعنيين ، أنه إذا كان هناك دلائل تثير الشك عندئذٍ يكون سوء الظن عصمة ، دلائل تثير الشك ، أما إذا كان هناك دلائل تثبت حسن النيَّة ، سوء الظن إثم ، في دلائل تثبت حسن النية ، ما في أي شيء يثير الشك ، سوء الظن إثم ..

      

     أما في دلائل تثبت أن هذا الإسلام ليس صحيحاً ، ما تكلم بشيءٍ يدعو أن يترك دينه لدينٍ آخر ، إذا ما في دلائل قوية يُعَدُّ سوء الظن عصمة ، هذا هو الفيصل والضابط بين أن يكون سوء الظن عصمة ، وبين أن يكون سوء الظن إثم ، قال تعالى :

      

وقال عليه الصلاة والسلام

" سوء الظن عصمة " .. " والحزم سوء الظن " .. " واحترس من الناس بسوء الظن " ، وقال تعالى :

      

  في دلائل مريبة : سوء الظن عصمة .. لا يوجد ولا دليل مريب: سوء الظن إثم من الآثام ..

      

     فأحياناً يأتي إلى المسجد لأول مرة وله طلبٌ كبير ، تسأله : منذ متى أنت في المسجد ؟ يقول لك : هذا أول درس . معنى ذلك أنه جاء لمصلحة ، جاء لمساعدة ، جاء لمكسب ، هو في وادي وأنت في وادي ، الدين كله في واد ، وأنت في وادٍ آخر ، لكنه جاء لمصلحة ، فالمؤمن عليه أن يكون يقظاً حذراً ، لا يعد المؤمن ساذجاً ولا بسيطاً من النوع الذي يمكن أن تنطلي عليه حركات أهل الدنيا ، سيدنا عمر له هذه الكلمة الرائعة يقول : " لست بالخب ولا الخب يخدعني " ، أي لست من الخبث بحيث أخدع ، ولا من السذاجة بحيث أُخدع ، هذا هو الموقف ، ثم إن الإنسان لا يحترم في المجتمع إذا كان ساذج ، بسيط ، سهل المأخذ ، سهل المَنال ، يمكن أن تنطلي عليه الحقائق ، يمكن أن يضلل ، يمكن أن يقع في الإيهام ، إذا وقع في الإيهام ، وضُلل ، وانطلت عليه الحقائق ، وكان ساذجاً ، وانطلت عليه بعض الأكاذيب لا يعد هذا الإنسان مَحَطَّ إعجابٍ وتكريمٍ من الناس ، الناس يعجبون بالذكي ، يعجبون من دون خبث ، في ذكاء مع خبث ، في ذكاء شيطاني ، في ذكاء مع مخادعة ، في ذكاء مع أحابيل ، نريد عقلاً مع الطيب ، مع اليسر ، مع الطهر ، مع البساطة ، هذا هو المؤمن ، لذلك قالوا :

" المؤمن طفلٌ كبير ، يجمع بين طهر الأطفال ، وذاتية الأطفال ، وبراءة الأطفال ، وفطرة الأطفال وبين عقل الكبار ، وإدراك الكبار ، ويقظة الكبار ، وحرص الكبار " ، أما الحقيقة الساطعة :

      

       وحده .. فالحقيقة الكاملة لا يعرفها إلا الله .. مثلاً : هذا شيء من السيرة مهم جداً ، الوحي كما تعلمون جاء النبي عليه الصلاة والسلام مئات المرات ، بل بضع مئات المرات لموضعاتٍ صغيرةٍ جداً ، فلما حاطب بن بلتعة أرسل كتاباً إلى قريش كيف علم النبي بذلك ؟ الوحي ، لما ذهب إلى خيبر ليفاوضهم وأزمعوا أن يقتلوه بصخرةٍ من أعلمه ؟ الوحي ، لما جاء عمير بن وهب قال لصفوان : " لولا ديون لا أطيق سدادها ، وأطفالٌ أخشى عليهم العنت لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه. قال : امضي لما شئت ، أولادك هم أولادي ، وديونك علي بلغت ما بلغت " ، من الذي أعلم النبي بمقولة عمير ؟ الوحي ، بالسيرة في مئات الأمثلة عن أن الوحي نزل إلى النبي الكريم ليُعْلِمَهُ عن قضيةٍ من قضايا الدعوة ، إلا أن الوحي مرةً لم ينزل ، جاء قومٌ من بئر معونة طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام سبعين قارئاً ليعلموا قومهم القرآن ، والنبي صدَّقهم وأرسل معهم سبعين قارئاً وفي الطريق ذبحوهم ، لماذا لم يعلم الله عزِّ وجل نبيه الكريم بهذا ؟ ليكون هذا درساً لألف عامٍ قادمة أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر لا يعلم بذاته إلا أن يعلمه الله تعالى ، ليكون هناك فرقاً بين مقام الألوهية ومقام النبوة ، النبي بشر إن أعلمه الله علم ، وإن لم يعلمه لا يعلم قال : " اللهم إنما أنا بشر ، أنسى  كما ينسى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر " .

     حديثٌ آخر ، يقول عليه الصلاة والسلام :

"        لعل أحدكم ألحن بحجته من الآخر ، فإذا قضيت له بشيء فإنما أقضي له بقطعةٍ من النار " .

       معنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع ، قد يكون أحد الخصمين ألحن بالحجة فيقضي له والحق مع غيره قال : إذا فعلت هذا فإنما أقضي له بقطعة من النار ، أراد النبي أن توَحِّد ، أن تكون مخلصاً لله وحده ، إذاً على وجه اليقين ، الحقيقة الكاملة عند الله وحده ، لذلك إذا واحد كلف أن يزكي إنساناً ليقل : أعلمه تقياً ، أعلمه ورعاً ، أعلمه مؤدياً للصلوات ، أعلمه دقيقاً في معاملته ، نقياً في ذمَّته ، والله أعلم ، هذا علمي به والله أعلم ، دائماً إذا أردت أن تقيِّم الأشخاص تحفظ، تحفظ بعبارة  ، قل : والله أعلم ، فعلها الصديق مع عمر بن الخطاب ، قال : " أتخوفونني الله ، أقول : يا رب لقد وليت عليهم أرحمهم ، هذا علمي به فإذا بَدَّلَ وغَيَّر فلا علم لي بالغيب " ، لذلك قال تعالى :

      

أنتم امتحنوهن بالدلائل الظاهرة ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام ورد عنه :

" نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " .

       رأيته يصلي معناه أنه مسلم ، رأيته يعلن الشهادتين معنى أنه مسلم ، حج بيت الله الحرام معنى مسلم ، يؤدي زكاة ماله معنى مسلم ، زوجته محجبة معنى مسلم ، ليس في بيته منكر معنى مسلم .. هذا كله تمثيل .. هذا ليس شغلك ، لو قال لك أحدهم : هذا كله تمثيل ، نقول له : يقول عليه الصلاة والسلام : " نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر"، إذا لم يكن في أدلة صار سوء ظن ، وسوء الظن إثم ، أما إذا في أدلة يصلي ودخله مشبوه ، معنى صلاته لغايةٍ في نفس يعقوب ، قال :

( سورة الممتحنة : آية " 10 " )

       لأن الرجل غير المرأة ، الرجل آمر ، مسيطر ، الأمر بيده ، له القوامة ، فلو أن امرأته لم تكن كافرةً على شاكلته كانت مسلمة ، ربما ضغط عليها ، ربما أجبرها على معصية الله ، لذلك لا يصح أن تكون مؤمنةٌ تحت كافر أبداً ، لذلك :

      

        افتراق الدين يفرِّق بين الزوجين ، ولا سيما إذا كانت امرأة لأنها مفقودة وليست قائدة، زوجها قيمٌ عليها ، زوجها هو الذي يأمرها .

      

      أنظر إلى عدالة الإسلام ، هذا الكافر الذي تزوَّج كافرةً ودفع لها مهراً ، فإذا بهذه المرأة تسلم ، ثم تنتقل إلى بلاد المسلمين ، إلى دار الإسلام مهاجرةً وامتحنت فنجحت وانضمت إلى المسمين ، فهذا الكافر كافر لكنه أنفق على زوجته ثم فقد زوجته صار في ظلم .

      إخواننا الكرام ... بالمناسبة لا يمكن لدينٍ أن يقوم على ظلم أبداً ،

لما سيدنا رسول الله اللهم صلي عليه ، أرسل عبد الله بن رواحة ، أرسله ليأخذ من ثمار خيبر بحسب اتفاقٍ جرى بين النبي وبين أهل خيبر، أرادوا أن يرشوه ، فتلطفوا معه .. لو قدر المحصول بأقل من ثلاثين بالمائة أعطوه النصف فوفروا .. فقال هذا الصحابي الجليل الشاعر عبد الله بن رواحة : " والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الخلق إلي ، وأنا أكرهكم كما أكره القردة والخنازير ، ومع ذلك لا أحكم إلا بالحق ، ولن أظلمكم " . قال رجل لسيدنا عمر : " أتحبني ؟ قال : لا والله لا أحبك ، فقال له : هل يمنعك بغضك لي بأن تعطيني حقي ؟ قال : لا والله حقك إليك " ، لا تخف ، هذا هو الإيمان .

      إنسان هاجر إلى المدينة ، في الطريق نصب له كمين من المشركين عاهدهم ألا يقاتلهم فأطلقوه ، فلما قدم إلى النبي قص عليه ما جرى ، فرح له النبي ، وبعد سنواتٍ أزمع النبي أن يغزو المشركين ، نسي هذا الصحابي وخرج مع النبي ، قال : " ارجع أنت ألم تعاهدهم ؟ " هذا دين ، أي يجب أن تعامل الكافر بالعدل ، والدليل :

( سورة المائدة : آية " 8 " )

       أي يحملنكم ..

( سورة المائدة : آية " 8 " )

       الشنئان هو البغض ، من هم أعداء المؤمنين التقليديّون ؟ الكفار ، المشركون ، المنافقون ..

(سورة المائدة : آية " 8 " )

       إياكم أن تظلموا الكفار ..

( سورة المائدة : آية " 8 " )

       أمر إلهي ، مع هؤلاء ، قال :

( سورة المائدة : آية " 8 " )

       إن عدلتم مع هؤلاء يزدادون قرباً مني ، ويزدادون قرباً منكم ، ويزدادون قرباً من الحق، إذا مسلم كان منصف مع كافر ، أعطاه حقه بالتمام والكمال ، من أدراك لعل إعطاءه حقه بالتمام والكمال يكون سبب إيمانه ؟ من أدراك ؟ من أدراك أن هذا الكافر حينما يرى مسلماً وقَّافاً عند الحق ، فصل العداوة والبغضاء عن الحقوق ، يقول عليه الصلاة والسلام :

" اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".

" اتقوا دعوة المظلوم فإن دعوته تصعد إلى الله كالشرارة  " .

       هذا هو الإيمان ، نحن لا يوجد عندنا واحد مسلم نقول : هذا لا يوجد فيه دين اظلمه ، كل من ماله ، لا تعبأ بحقِّه ، هذا ضد الإسلام يا أخي ؟ لا ..

      

      هذا هو الإسلام ، فهذا الصحابي الذي قال : " والله لن أظلمكم " قال زعماء خيبر : بهذا غلبتمونا ، الله عزَّ وجل لا ينصر إلا أهل الحق، ولو أن أهل الحق انحرفوا عنهم لخذلهم .

( سورة الحاقة )

       يا رسول الله مَثِّل بهم كما مثَّلوا بعمك قال : " والله لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً " ، هذا هو الدين ، هل عندك استعداد أن تكون وقَّافاً عند الأمر والنهي هكذا ؟ لذلك هذا الكافر الذي كفر بالله وناصب المؤمنين العداء ، زوجته هاجرت إلى دار الإسلام ، هو تزوجها وأنفق عليها مهراً ، الآن ظُلِم ، لذلك قال تعالى :

( سورة الممتحنة : آية " 10 " )

       من حق هذا الزوج الكافر أن يسترجع مهر زوجته التي تركها ..

( سورة الممتحنة : آية " 10 " )

       لك أن تتزوَّجها ، هذه بلا زوج ، تركت زوجها الكافر وانتقلت إلى دار الإسلام ، نعوِّض على زوجها بالمهر الذي دفعه ليتزوج غيرها، ونسمح لها أن تتزوج من مسلم طبعاً :

( سورة الممتحنة : آية " 10 " )

       والأجر هنا ما معناه ؟ المهر فقط ، لا كما يستنبط أنه شيءٌ آخر، الأجر هنا هو المهر .

      

الحكم الجديد الثاني :

( سورة الممتحنة : آية " 10 " )

       أي إذا امرأةٌ كفرت كفراً بواحاً ، لا تمسك بعصمتها ، لا تبقها عندك ، لماذا ؟ لأنها ستربِّي أولادك على الكفر ، القضية لها مضاعفات، سوف تفسد عليك أسرتك .

( سورة الممتحنة : آية " 10 " )

       أي لك أن تطالب بتعويضٍ عما أنفقت على زوجتك الكافرة ، وللزوج الكافر أن يطلب بتعويضٍ عما فقد من زوجته المؤمنة ، هذا حق .

( سورة الممتحنة : آية " 10 " )

       أيها الإخوة ... يستنبط من هذه الآيات أن الولاء والبراء والإيمان والكفر شيء والحقوق المادية شيءٌ آخر ، توضح لكم ذلك ؟ مؤمنة ، كافرة ، كافر ، مؤمن شيء وأن هذا الزوج الكافر الذي دفع مهر زوجته ثم تركته إلى ديار الإسلام يجب أن نعوِّضَ عليه ما أنفق على زوجته التي تركته ، هذا هو حكم الله ، من هنا قال بعض العلماء : " الشريعة عدلٌ كلها ، الشريعة رحمةٌ كلها ، الشريعة مصلحةٌ كلها ، فأية قضيةٍ خرجت من العدل إلى الجور ، ومن المصلحة إلى المفسدة ، ومن الرحمة إلى خلافها ، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل " .

      الشريعة عدلٌ كلها ، الشريعة رحمةٌ كلها ، الشريعة مصلحةٌ كلها ، زوج السيدة زينب صهر النبي عليه الصلاة والسلام بقي مشركاً ، وجاء ليقاتل النبي وأصحابه ، ووقع أسيراً ، فلما رآه النبي قال : " والله ما ذممناه صهراً " ، أما هنا هو أسير ، وهو في مجلسه يأتي أخوه من مكة المكرمة يحمل قلادةً أرسلتها السيدة زينب زوجته بنت النبي لتفدي زوجها من بين يدي النبي ، فبكى النبي ، وقال لأصحابه : " إن شئتم أطلقوا لها أسيرها " ، أنظر إلى هذا التواضع ، وضع نفسه مع صحابته، إن شئتم أطلقتم لها أسيرها ، أطلقه أصحاب النبي وعاد إلى زوجته ، فلما نزلت هذه الآية ، طلب منه أني يطلقها وأن يرسلها ، وأرسلها إلى النبي ..

      

      ثم أن هذا الرجل تاجر بأموال قريش ، ووقع أسيراً في الطريق إلى الشام بيد أصحاب النبي واقتادوه وبضاعته إلى المدينة ، عرضوا عليه أن يسلم ، فإذا أسلم كل هذه الأموال غنيمةٌ للمسلمين ، ماذا قال أبو العاص ؟ والله قال كلمة رائعة جداً ، قال : " والله ما كنت لأبدأ إسلامي بهذا " ، بيده أموال قريش ، هو تاجر ، ألقي القبض عليه ، مشرك ، وقع أسيراً ، لو نطق بالشهادتين لصار مسلماً وهذه الأموال كلها غنائم قال : والله ما أبدأ إسلامي بهذا ، ثم أمر النبي أن يطلق سراحه ثانيةً ، وعاد إلى مكة ، وأدَّى جميع الحقوق ، وبعد ذلك أعلن إسلامه ، وعاد إلى المدينة ليتزوَّج زينب ثانيةً ، هذا هو الإسلام ، أما أروع كلمة قالها : " والله ما كنت لأبدأ إسلامي بهذا " ، بأكل أموال الناس ..

      لو أن أبا العاص حينما عرض عليه أصحاب النبي أن يسلم فأسلم وضم هذا المال كله إلى المسلمين ، بربكم هؤلاء كفار مكة المشركون هل يصدِّقون أنه أسلم حباً لله ؟ أم يتهمونه أنه أسلم ليأكل أموالهم ؟ قال: والله ما أبدأ إسلامي بهذا ، لذلك هذه الشريعة لا تقوم إلا على العدل، والعدل مع غير المسلمين ، لأن الإسلام لا ينتشر إلا بالعدل ، فإذا بني على الظلم الإسلام لا ينتشر .

     سيدنا خالد لما أخذ الجزية من أهل حمص ، ثم ارتأى أن يتركها لحكمةٍ عسكرية ماذا فعل؟ رد لهم الجزية ، أنا أخذتها لأحميكم ، أما وقد انسحبت من أرضكم لابد من ردها .

     أهل سمرقند فتحت بلادهم ودخلها المسلمون وحكموها ، ثم نمي إليهم أن دخول جيش المسلمين لم يكن وفق قواعد الدين ، فأرسلوا سراً وفداً إلى عمر بن عبد العزيز ، وفد ، يعرضون عليه أن بلدهم لم تفتح وفق قواعد الدين ، قواعد الدين تقول : لابد من عرض الإسلام على هؤلاء ، فإن قبلوه فهم منا ونحن منا ، لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، فإن رفضوه، يعرض عليهم دفع الجزية ، أن يبقوا على دينهم السماوي وأن تؤخذ منهم الجزية نظير إعفائهم من الخدمة الإلزامية .. بدل نقدي ، لأن جيش المسلمين لا يمكن أن يكون في إنسان لا يؤمن بعقيدته ، يبدو أن هذا الجيش الإسلامي قاتلهم مباشرةً دون أن يعرض عليهم ، هذا الوفد جاء سراً إلى عمر بن عبد العزيز وأطلعه على الخبر ، هكذا تروي الكتب : أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب على قصاصة قصيرة لقائد الجيش " أن أخرج من سمرقند " ، جيش عرمرم دخل مدينة واحتلها وأقام فيها واستقر وخضعت له بكل ما فيها يمكن أن يخرج هذا الجيش بورقة صغيرة ؟ لم يصدقون ذلك ، بل ظنوا أن هذا الخليفة العظيم يداعبهم ، فلما وصلوا إلى قائد الجيش أعطوه الورقة ، فَقَبَّلَهَا وأعطى أمراً بالانسحاب ، قالوا : لا ، لا إبق نحن أسلمنا . فهذا الدين الذي بورقةٍ قصيرة يأمر الخليفة جيشاً كبيراً أن ينسحب من بلدةٍ دخلها حرباً ، أنتم على حق ونحن مسلمون حقاً وحقيقةً ، هذا الدين ، الدين يبنى على العدل ، لا تنسوا هذه المقولة : " الشريعة عدلٌ كلها " ، لو صليت مليون ركعة وظالم الناس فلست مسلماً ، لا الصلاة تنفعك ، ولا الصيام  ولا الصيام النفل ، ولا ثمانية عشر عمرة ، وثلاثة عشر حجة ، لا يساوي شيء ..

ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلِّط " .

" ترك دانقٍ من حرام خير من ثمانين حجةً بعد الإسلام " .

       فلذلك أيها الإخوة ... موضوع الدين موضوع كبير جداً ، الدين منهج كامل ، أهم ما فيه العدل ، أهم ما فيه الرحمة ، الإنصاف ، أن تحل مشكلات الناس ، لا أن تؤدي العبادات وأن تبني مجدك على أنقاضهم ، لا أن تقوم بالعبادات وأن تخدعهم ، لا أن تقومك بالعبادات وأن تضلَّهم .. لا ..

( سورة الممتحنة )

      إذا نِلْتُم من غنائم الكفار ولكم عند الكفار مبلغ لكم أن تقتطعوه من الغنائم قبل التوزيع ، في مسلم له زوجة كافرة تركها لأنها كافرة ، له عندها مهر ، يمكن أن يأخذ المهر قبل توزيع الغنائم ، هذا معنى الآية ..

( سورة الممتحنة )

       هذه الآيات إن شاء الله نشرحها في الدرس القادم .