English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 5 /5 : بتاريخ : 23/8/1996 لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

الموضوع : سورة الممتحنة ( 60)  الآية " 10- 13"

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الخامس والأخير إن شاء الله تعالى من سورة الممتحنة، ومع الآية الحادية عشرة وهي قوله تعالى :

      

      أيها الإخوة الكرام ... نقف عند كلمات هذه الآية كلمةً كلمة ، فالله سبحانه وتعالى لم يخاطب النبي باسمه إطلاقاً لأنه سيّد الأنبياء ، قال :

( سورة الحديد : آية " 27 " )

       قال :

( سورة مريم : آية " 12 " )

( سورة هود : آية " 46 " )

       وليس في القرآن الكريم كلُّه قوله : يا محمَّد ، لم يخاطب الله النبي صلى الله عليه وسلَّم باسمه إطلاقاً ، خاطبه بصيغتين :

(سورة التحريم : آية " 9 " )

( سورة المائدة : آية " 41 " )

       أما ذكر اسمه خبراً ، فقال :

( سورة الفتح : آية " 26 " )

( سورة آل عمران : آية " 144 " )

       هذا مما يتميّز به النبي عليه الصلاة والسلام ، ماذا نستنبط منه ؟ أن تعظيم النبي وتوقيره جزءٌ من الدين ، وجزءٌ من ديننا أيضاً أن نعرف نبيّنا ، وأن نعرف مكانته ومقامه عند الله ، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلَّم قوله :

" سَلوا لي الوسيلة فإنها مقامٌ لا ينبغي إلا لواحدٍ من خلقه وأرجو أن أكون أنا " .

       لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

" أنا سيِّد ولد آدم ولا فخر " .

ونحن أتباع النبي ، نحن أتباع سيِّد الأنبياء والمرسلين ، إلا أن العلماء لهم عند هذه التبعية رأيٌ دقيق : هو أن الذين ينتمون إلى النبي عليه الصلاة والسلام ينتمون إليه على طريقتين ؛ انتماء تبليغ ، وانتماء استجابة ، فكل إنسانٍ ولد من أبوين مسلمين بلغته السُنَّة ، بلغه القرآن فهو من أمَّة التبليغ ، أما الذي استجاب لله وللرسول إذا دعاه لما يحيه فهو من أمَّة الاستجابة ، وكل الميزات التي ذكرها الله عزَّ وجل لأمَّة محمَّد إنما هي أمَّة الاستجابة لا أمَّة التبليغ ، أي أن كل الميزات التي مُنِحَت لأمة النبي عليه الصلاة والسلام لمن يتَّبع النبي ..

 

( سورة آل عمران )

       دعوى المحبَّة لا تُقبَلُ إلا بالدليل ، دليلها اتباع النبي عليه الصلاة والسلام ، والإنسان دائماً يميل إلى الإعجاب بعقله وإيمانه ولا يرض عن رزقه ، هذا الإعجاب إعجاب موهوم ، لا تظنَّن إنك على حق إن لم تُطبِّق سنَّة النبي ، لا تتوهَّم أنك تحبُّ الله عزَّ وجل إن لم تتبع النبي ، لا تظننَّ أنك من أمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام ما لم تكن مستجيباً لأمر الله ونهيه ، أما أمة التبليغ مثلها مثل بقية الأمم ..

      

هذه دعوى ..

( سورة المائدة : آية " 18 " )

       يا سعدَ بن أبي وقَّاص ، إذا قلنا : " يا سعدُ .. على أنه مفرد عَلَم.. لا يغرَّنك أنه قد قيل خال رسول الله ، فالخلق كلُّهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له " ..

( سورة الحجرات )

       حينما تعتقد أنه لا نسب ، ولا عُزْوَةَ ، ولا جماعة ترفعك إلى الله إلا طاعتك له عندئذٍ وضعت يدك على جوهر الدين ، فلذلك هذه الآية :

( سورة المائدة : آية " 67 " )

( سورة التحريم : آية " 1 " )

( سورة الأحزاب : آية " 1 " )

( سورة الممتحنة : آية " 12 " )

       إذاً خاطب الله النبي عليه الصلاة والسلام تشريفاً له بالنبوّة والرسالة ، ولم يخاطبه باسمه كما خاطب بقية الأنبياء ، وفي القرآن الكريم آياتٌ كثيرة يخاطب الله بها الأنبياء بأسمائهم ..

( سورة مريم : آية " 12 " )

( سورة المائدة : آية " 166 " )

       إذا كان الله سبحانه وتعالى يرفع قدر النبي إلى هذا المستوى ..

( سورة الشرح )

       إذا كان الله تعالى رفع مقام نبيّه إلى أعلى مقام ، فنحن المؤمنين من باب أولى أن نعظِّمه، وأن نوقِّره ، وأن نصلي عليه .. صعد المنبر عليه الصلاة والسلام فقال : " آمين " ، فصعد الدرجة الثانية فقال : "آمين " ، فصعد الدرجة الثالثة فقال : " آمين " وخطب ونزل ، فلمَّا نزل سأله أصحابه : " يا رسول الله علامَ أَمَّنت ؟ " قال :

" جاءني جبريل فقال لي : رغِم أنف عبدٍ أدرك رمضان فلم يُغفَر له ، إن لم يُغفَر له فمتى ؟ فقلت : آمين ، وجاءني في الثانية فقال : رغِم أنف عبدٍ أدرك والديه فلم يُدخلاه الجنَّة ، فقلت : آمين ، وجاءني في الثالثة وقال لي : رغِم أنف عبدٌ ذُكِرت عنده فلم يصلي علي ، فقلت : آمين " .

( سورة الأحزاب )

       أي أن الله عزَّ وجل يتجلَّى على قلب النبي تجليّاً يفوق كل تجلي، أنتم إذا أردتم تجلي الله عزَّ وجل فاذكروا النبي ، اتصلوا به ، إن قرأت سيرته ذكرته ، وإن صلّيت عليه ذكرته ، وإن ذكرت شمائله صليت عليه، العبرة أن نتعرَّف إلى هذا النبي الكريم ، إن أخطر إنسانٍ في حياتنا هو رسول الله لأنه القدوة التي جعلها الله لنا أسوةً ، إنه الإنسان المعصوم بمفرده من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره وأحواله ، فلذلك ينبغي أن نخصِّص وقتاً من وقتنا لمعرفة رسول الله ، وأن نربِّي أبناءنا على حبِّ رسول الله ، لا ينبغي أن نقول لهم : حِبُّوا رسول الله. لأن هذا كلامٌ لا معنى له ، ينبغي أن نعلِّمهم شمائله ، رحمته ، وعدله ، محبَّته ، إنصافه ، إخلاصه ، تواضعه ، تياسره .. هكذا .. إذاً جزءٌ من الدين هو أن نعرف النبي عليه الصلاة والسلام ..

( سورة المؤمنون )

       ينبغي أن نعرف الرسول ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

      

        بالمناسبة : النبوّة مقام والرسالة مقام ، النبوة مقام معرفة ، والرسالة مقام تبليغ ، ما كل نبيٍّ برسول ، أما كل رسولٍ نبي ، مرَّةً حينما مرَّ سيدنا الصدِّق في الطريق فرأى حنظلة يبكي فقال : " ما لك يا حنظلة ؟ قال : نافق حنظلة ، قال : لما يا أخي ؟ قال : لأننا نكون مع رسول الله ونحن والجنَّة كهاتين فإذا عافسنا الأهل ننسى .. سيدنا الصديق من شدَّة تواضعه قال : أنا كذلك يا أخي انطلق بنا إلى رسول الله " .. كلَّماه ، فقال عليه الصلاة والسلام .. الآن دققوا .. :

" أما نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ، أما أنتم يا أخي فساعةٌ وساعة ، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم " .

      معنى ذلك أن مقام النبي عدم الانقطاع عن الله إطلاقاً ، موصولٌ بالله دائماً ، مقام المؤمنين ساعةٌ وساعة ، الصِديِّقين ثلاثة وعشرين ساعة اتصال وساعة فتور ، كلَّما ساعات الاتصال قلَّت .. ساعات الفتور ، لا أقول ساعات المعصية لأن المؤمن مستقيم .. إلا أنه ساعة إقبال وساعة فتور ، ساعةٌ وساعة ، أما الأنبياء اتصال دائم .. " أما نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ، أما أنتم يا أخي فساعةٌ وساعة ، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم ..

      يوجد استنباط آخر من هذا الحديث : أنك إذا كنت في مجلس علم مع إخوةٍ مؤمنين أطهار طيّبين مقبلين على الله عزَّ وجل فالرَّحمات تتنزَّل على المجلس لأنه :

" ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتدارسون كتاب الله إلا غشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وحَفَّتهم الملائكة ، وذكرهم اللهُ في من عنده " .

       حفَّتهم الملائكة أي وفِّقوا في أعمالهم ، غشيتهم الرحمة أي شعروا بسعادةٍ لا توصف ، نزلت عليهم السكينة أي الطمأنينة ، سعادة ، وطمأنينة ، وتوفيق ، هذا إذا جلست في بيتٍ من بيوت الله تدرس أو تتدارس كتاب الله ، كما قال الله عزَّ وجل في الحديث القدسي :

" إنَّ بيوتي في الأرض المساجد وإنًَّ زوَّارها هم عمَّارها ، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثمَّ زارني وحُقَّ على المزور أن يُكرِمَ الزائر " .

       توجد ملاحظة أتمنَّى أن تكون واضحةً لديكم : هناك أناسٌ يتعلَّمون العلم بشكلٍ عشوائي على الصُدَف ، أي إنه حضِر عقد قِران فيسمع كلمة من خطيب الحفل ، هذه الكلمات وهذا الحضور المُتَقَطِّع هذا لا يصنع إيماناً ، وأوضح مثل : لو أن إنسان اقتنى مجلَّة طبيَّة ، وقرأ مقالات طبيَّة ، وله أصدقاء أطبَّاء هل يُصبِحُ طبيباً ؟ مستحيل ، ما لم ينل الشهادة الثانوية بمجموع معيَّن ، وما لم يدخل كليَّة الطب ويدرس في السنة الأولى علوم عامَّة ؛ تشريح ، وفيزيولوجيا ، وعلم أمراض ، وعلم أدوية ، ثم سنتان أو ثلاثة تطبيقات عملية ، لا يكون طبيب ، شهادة ثانوية بمجموع عالي جداً ، دراسة منهجية ، كتب مقرَّرة ، أساتذة كبار ، امتحانات ليكون طبيباً ، أما الثقافة العشوائية ، سمع خطبة في زمانه ، حضر كتاب فألقى الخطيب كلمة مؤثِّرة ، حضر درس علم بزمانه على الطاير ، هذا لا يصنع إيماناً ، العلم يحتاج إلى مداومة ، إلى مثابرة ، إلى تراكم ، القناعات إذا تراكمت ولَّدَتْ طاعات لله عزَّ وجل .

      فتقريباً ومن باب التوضيح افرض أن الشهوات وزنها خمسة كيلو.. قوَّة .. شهوة المرأة ، شهوة المال ، شهوة العلو في الأرض ، هذه الشهوات قِوى فاعلة في الإنسان ، وحضرت خطبة خمسة غرام ، الشهوات خمسة كيلو ، خطبة ثانية عشرة غرام ، فليس من الممكن تحاول أن تستقيم حتى تصبح قناعاتك خمسة كيلو ، تحرَّك الميزان ، دخلت بالصراع ، أفعل لا أفعل ، أفعل هذا ، لا لن أفعل هذا ، عندما تستوي قناعاتك مع شهواتك تدخل في الصراع الإيجابي ، أما إذا كنت قد طلبت العلم طلب كثير ، وصار عندك قناعات عالية جداً ، دخلت في الأعماق ، أي لا تعصي الله لو قُطِّعْتَ إرباً إربا ، لا تعص الله ولو أُعطيت كل شيء ، فلو كانت الدروس طارئة وغير منتظمة ، لقاءات غير محدَّدة ، استماع نصف إصغاء ، هذا لا يصنع إيماناً قوياً يقف أمام الشهوات ، الشهوات قِوى كبيرة جداً ، مثلاً صخرة عشرة طن تسقط من السماء ما الذي يوقِفُها ؟ هل يوقفها طبق ورق ؟ لا ، إنها أقوى من ذلك، فالقناعات هشَّة ، مقاومة هشَّة ، إيمان ضعيف ، عدم يقين هذا لا يحجز الإنسان عن شهواته ، فلذلك العلم يحتاج إلى مداومة ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظنَّ أنه قد علِم فقد جهِل ..

       النبوَّة مقام معرفة ، أما الرسالة مقام تبليغ ، والنبي عليه الصلاة والسلام نبيٌّ ، ورسولٌ ، وسيّد الأنبياء ، وسيد المرسلين ، وسيد ولد آدم، وسيد المخلوقات أجمعين ..

      

تعلمون أنَّ إذا تفيد تحقُّق الوقوع ، أما إنْ تفيد احتمال الوقوع ، والدليل قال تعالى :

(سورة النصر )

       ما معنى إذا جاء نصر الله والفتح ؟ أي أن نصر الله سيأتي لا محالة ، مجيئه حَتْمِيِّ ، أما إذا قال الله عزَّ وجل :

( سورة الحجرات : آية " 6 " )

       أي قد يأتي وقد لا يأتي ، إن تفيد احتمال الوقوع بينما إذا تفيد تحقُّق الوقع ..

      

       يجب أن توازن بين امرأةٍ تابعةٍ لزوجها ولو كان كافراً ، ولو كان فاسقاً ، ولو كان منحرفاً ، تقول : هكذا يريد زوجي ماذا أصنع أنا ؟ وبين هذه النساء المؤمنات الطاهرات ، اللواتي تركن أزواجهن والتحقن بالنبي عليه الصلاة والسلام .

       إخوتنا الكرام ... ينبغي أن تعلموا أن المرأة مساويةٌ للرجل تماماً فيما يتعلَّق بالدين ، وهي مستقلَّةٌ في إيمانها وفي دينها استقلالاً ، وهي مساويةٌ فيما يتعلَّق بأمر إيمانها ودينها للرجل مساواةً تامَّة ، وهي مستقلَّةٌ في أمر دينها وإيمانها عن زوجها ، وأكبر دليل :

( سورة التحريم : آية " 11 " )

       الله جعل صدِّيقة عند أكفر كفَّر الأرض ، قال :

( سورة النازعات : آية " 24 " )

( سورة الأعراف : آية " 59 " )

       جعل زوجته صدِّيقة ، وكان جبَّاراً طاغياً ومع ذلك لم يستطع أن يحملها على الكفر ، لماذا أراد الله ذلك جعل هذا المثل؟ هذا مثل للبشرية جمعاء ، المرأة مستقلَّةٌ في أمر دينها وإيمانها عن زوجها .. لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق .. هؤلاء النساء اللواتي تركن أزواجهن المشركين الكفَّار والتحقن بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فالمرأة حينما تقول : هكذا يريد زوجي ، هذا كلام غير مقبول ، وكم من زوجٍ كانت هدايته على يدِ زوجته ، كم من زوجةٍ وقفت موقفاً حازماً أمام انحراف زوجها وفي النهاية حملته على طاعة الله ، فيجب أن نعلم هذه التفرقة أن هذه امرأة ، هذه نظرة جاهلية لأن الإسلام لم يفعل هذا ، الإسلام عدَّ المرأة صنع الرجل ، شقيقة الرجل ، النساء شقائق الرجال ، لها مهمَّةٌ أخرى ، بل إن امرأةً جاءت النبي عليه الصلاة والسلام قالت : " يا رسول الله ذهب الرجال بكل الخير ، ماذا بقي لنا ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

" آلمي أيتها المرأة .. هذا كلام النبي ولا ينطق عن الهوى ، ولا يجامل ، ولا يحابي ، إنه لا يتكلَّم إلا بالحق .. قال : اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعُّل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله " .

      والجهاد كما تعلمون ذروة سنام الإسلام ، أي إنَّ أعلى مرتبة في الإسلام الجهاد ، والمرأة التي تُحسِنُ تبَعُّل زوجها كالمجاهدة في سبيل الله ، هذا كلام النبي ، وهذه امرأةٌ تركت زوجها لأنه كافر ، ولأنه مشرك ، والتحقت بالنبي عليه الصلاة والسلام ، معنى ذلك أنها مستقلَّةٌ في أمر دينها عن زوجها .

      فمرَّة امرأة سألت أحد رجال الدين : إن زوجي يجبرني على أن أذهب معه إلى البحر ، وأن أكون مع أصدقائه ، قال لها هذا العالم : لا تطيعيه لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق . لا تجد امرأة تقول : هكذا يريد زوجي ، إذا أمركِ بالمعروف فعلى العين والرأس ، أما إذا أمركِ بمعصية ؛ أن تستقبلي أصدقاءه ، أن تخرجي أمامهم ، أن تكوني معه في انحرافاته ، لا تُعفَى المرأة من الحساب والعقاب إذا أطاعت زوجها في معصية ، لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ، سحرة فرعون قال لهم فرعون :

( سورة طه )

       إلى آخر الآية ..

      

      فالإنسان ينبغي أن لا تأخذه في الله لومة لائم ، ينبغي أن لا يطيع مخلوقاً ويعصي الخالق .

      ذكرت لكم مرَّةً كيف أن والي البصرة كان عنده الحسن البصري ، وهو من كبار التابعين، وقد جاءه توجيهٌ من   يزيد .. الخليفة .. وهذا التوجيه ربما لو نفَّذه لأغضب الله عزَّ وجل ورضي عنه يزيد ، قال : ماذا أصنع ؟ أخاف إن عصيت الأمر أن يغضب عليَّ يزيد ، وأخاف إن أطعته أن يغضب عليَّ الله عزَّ وجل ، أجابه الحسن البصري إجابةً تُكتَب بماء الذهب ، قال : إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله .

      وأنت قس على هذه القاعدة ألف موضوع ، لا تُطِعْ مخلوقاً وتعصي الخالق ، لأن الخالق يعصمك منه ، لكن المخلوق لا يعصمك من الخالق ، فما الذي يمنع الخلايا أن تنموا نمَّواً عشوائياً بلا سبب ؟ شاب في مقتبل العمر في أي مكان في جسمه يمكن أن تنموا الخلايا نمّواً عشوائياً ، هذا مرض ليس له دواء ، ما الذي يمنع ؟ إذاً :

      

       المرأة مساويةٌ كالرجل تماماً ، مساويةٌ للرجل تماماً في التكليف وفي التشريف وفي المسؤولية ، لكن المرأة لها خصائص نفسية وجسمية واجتماعية ، وللرجل خصائص نفسية وجسمية واجتماعية وعقلية ، كل طرفٍ خصائصه كمالٌ في حَقِّه ، وقد ضربت على هذا أمثلة كثيرة ومنها : إن المركبة المُعَدَّة لنقل البضائع نقص مكان الركَّاب كمالٌ فيها لأنها معدَّةٌ في الأصل لنقل البضائع ، والمركبة المُعدَّة لنقل الركَّاب نقص مكان البضائع كمالٌ فيها لأنها مُعدَّةٌ لنقل الركَّاب ، فما كل نقصٍ نقصاً ، النقص هو الكمال ، فالمرأة صُمِّمَت لتكون زوجةً وأمَّاً ترعى أولادها ، فقد أعطاها الله من العاطفة الشيء الكثير ، أعطاها القلب الكبير ، أعطاها المشاعر المرهفة ، أعطاها الحُبْ ، أعطاها العطف ، أعطاها الاهتمام ، والرجل لأنه خُلِق ليكسب الرزق أعطاه الله ضعفاً في عواطفه ونماءً في عقله وملكاته ، فصفات الرجل العقلية والجسمية والنفسية والاجتماعية كمالٌ فيه ومعينةٌ على أداء مهمَّته ، وصفات المرأة الجسمية والعقلية والاجتماعية والنفسية كمالٌ فيها ومعينةٌ على أداء مهمَّتها ، المرأة مساوية للرجل وأية نظرةٍ أخرى نظرة جاهلية الإسلام منها برئ .

       فامرأةٌ جاءت النبي وهي تكره زوجها ، قال : " لو تراجعيه ؟ فقالت له ، ودققوا قولها : " أتأمرني " ، لأنه النبي ، لو أمرها لنفَّذت ، قال : " لا إنما أنا شفيع " ، قالت له : " لا حاجة لي به " ، فتركها على حرِّيتها . المرأة لها مكانة كبيرة جداً ، وكلَّما الإنسان ارتقى إيمانه يكرِّم المرأة ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام جعل الخيرية المطلقة في أن تكون خيّراً لأهلك ، قال عليه الصلاة والسلام :

" خيركم خيركم لأهله قال عليه الصلاة والسلام : وأنا خيركم لأهلي " .    

      إذاً :

      

      إلا أن النبي كان يمتحنها لعلَّها جاءت النبي كراهيةً لزوجها ، لعلَّها شاءت أن تنتقل من مكانٍ إلى مكان ، لعلَّها ولعلَّها ، أما إذا أرادت بهجرتها الله والرسول والدار الآخرة فقد قبلها النبي وأكرمها أيما إكرام.

     

       يبايع فعل مضارع من بايَعَ ، بايع أي تعاهد على أداء ما عليه ، بايعته على كذا أي واثقته وعاهدته .. " ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دينَ لمن لا عهد له " .. فالعهد هنا ، هؤلاء المؤمنات بايَعْنَ رسول الله من دون أن يصافحهن ، تقول السيدة عائشة : " والله ما مَسَّت يد النبي يدَ امرأةٍ منهن " .. " إني لا أصافح النساء " ، فالنبي قدوة ، وأبعد الناس عن التأثُّر بالنساء هو رسول الله ومع ذلك ما مسَّت يده يد امرأةٍ قط ، المبايعة إبرام العهد ، عقد العهد على طاعة الله عزَّ وجل ..

( سورة الفتح : آية " 10 " )

 

      

       الشيء المُلْفِتَ للنظر أن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ذكر أركان الدين ، ركن إيجابي وأركان سلبيَّة ، فالإيجابي :

      

         لأن الدين كلَّه توحيد ، والحقيقة أن الإنسان حينما يؤمن أن لهذا الكون خالقاً فهذا إيمان عادي جداً لا يقدِّم ولا يؤخِّر ولا يرفع ، لو أن أهل الأرض جميعاً سألتهم إلا المكابرين، إلا قلَّة قليلة جداً جداً ممن ركبت رؤوسها ، لو سألت أهل المشرق والمغرب : من خلق السماوات والأرض ؟ لقالوا : الله الذي خلقهن ، حتى إن الذين يعبدون الأصنام يقولون :

( سورة الزمر : آية " 3 " )

       فالإيمان بالله خالقاً هذا لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، هذا قاسم مشترك بين معظم البشر ، ولكن الإيمان المعوّل عليه هو التوحيد ، أن تؤمن أن الله خالق هذا إيمان بالخالق ، وفعَّال أي إله ، أن تؤمن أنه في السماء إلهٌ وفي الأرض إله ، وأن الأمر كلَّه بيد الله ..

( سورة يس )

( سورة فاطر )

       أن تؤمن أنه :

( سورة الكهف )

       أن تؤمن أن الله ..

( سورة الرعد : آية " 41 " )

      أن تؤمن ..

( سورة الرعد : آية " 11 " )

       أن تؤمن أنه ..

( سورة الأعراف : آية " 54 " )

( سورة الزمر : آية " 62 " )

       أنت لن تستقيم على أمره إلا إذا آمنت به إلهاً فَعَّالاً ، الأمور كلها بيده ، أنت بشكل طبيعي في أي مكان أنت فيه تتجه وتعظِّم وتتقرَّب ممن تعتقد أن الأمر بيده ، إنك تدخل إلى دائرة فيها مائة موظَّف ، لا تبذل ماء وجهك ولا ترجو إلا لمن بيده حق التوقيع بالموافقة ، مع الموافقة وقَّع لك ، هذا الذي ترجوه ، وهذا الذي تطرق بابه ، وهذا الذي تسأله ، وهذا الذي قد تتضعضع أمامه ، أما أن تسأل حاجباً ، أن تبذل ماء وجهك أمام موظَّف ليس في إمكانه أن يوقِّع لك هذا نوع من الجنون ، أنت إذا علمت أن الله بيده كل شيء ، أدق شيء وأكبر شيء ، سعة الشريان في قلبك بيد الله ، يضيق ويتسع ، فأي خلية في جسمك وأي قطرة في دمك بيد الله عزَّ وجل ، ووسع الدائرة كل ما فوق ذلك ممن حولك ، ممن فوقك ، ممن تحتك ، الكون كله ؛ السماوات والأرض والمجرَّات ، والأمطار والرياح ، والرزق ، والأقوياء والضعفاء كلُّهم بيد الله ، إذا آمنت أن الله بيده الأمر كلُّه عندئذٍ تعبده وتتوكَّل عليه ، فلذلك جاء في الآية أن أعظم شيء في الإيمان ..

      

       أنت بحاجة ماسَّة إلى طبيب ، فإذا اتجهت إلى المستشفى وجدت الطبيب ، أما إذا اتجهت إلى طريقٍ معاكس فقدت الطبيب ، فالإنسان لا يمكن أن يرحمه الله إلا إذا وَحَّده ، إذا أشرك انتهى ..

       كنت أضرب أمثلة كثيرة : أنه من الممكن لي أن أركب القطار المتجه إلى حلب ، ولي فيها مبلغٌ ضخمٌ جداً ، يمكن أن أرتكب مجموعة مخالفات في القطار ، أما القطار يتجه نحو حلب ، وسأصلها في الوقت المناسب ، وسأقبض المبلغ ، قد أجلس في قاطرة أو مقطورة من الدرجة الثالثة وبطاقتي من الدرجة الأولى ، هذا خطأ ، وقد أجلس بعكس اتجاه القطار فأصاب بالدوار ، هذا خطأ ثاني ، وقد أجلس مع شبابٍ غير منضبطين فأنزعج من صحبتهم ، هذا خطأ ثالث ، وقد أتلوّى جوعاً ولا علم لي أن في القطار مطعم ، هذا خطأ رابع ، أما القطار يسير إلى اتجاه حلب وسأقبض المبلغ ، أما الخطأ الذي لا يغتفر أن أركب قطار درعا ، هذا الشرك ..

( سورة النساء : آية " 48 " )

       أنت حينما تتوجَّه إلى الله كل شيءٍ يُحَل ، أما حينما تتوجَّه إلى غيره فلا شيء يُحَل أبداً، انتهى كل شيء ، الطريق مسدود ، عبد فقير ضعيف لئيم جاهل تتجه إليه ، تمحضه ودَّك ، تمحضه اهتمامك ، تبذل ماء وجهك أمامه وهو ضعيفٌ مثلك ، هذه هي المشكلة ، لذلك :

      

      وَحَّدن الله ، لا معبود بحقٍّ إلا الله ، لا إله إلا الله ، لا معطي ولا مانع إلا الله ، لا معزَّ ولا مذلَّ إلا الله ، لا خافض ولا رافع الله ، لا قابض ولا باسط إلا الله ، لا رازق إلا الله ، لا حافظ إلا الله ، إذا آمنت هكذا فهذا هو الإيمان ، لذلك التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً ..

(سورة الأنبياء )

       التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء ، إذاً أول شيء بالإيمان عدم الشرك، التوحيد ..

(