English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

الدرس : 1/2  .

التاريخ : 11/10/1996

الموضوع : سورة المنافقون ( 63 )  الآية " 1-8"

تفريغ     : عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الأول من سورة المنافقون .

(سورة المنافقون )

       أيها الإخوة الكرام ، النفاق أن تظهر شيئاً ، وأن تخفي شيئاً آخر ، أن تقول ما لا تعتقد ، وأن تُعَبِّر عما لا تشعر ، الازدواجية في الإنسان ، له شيء معلن ، وشيء باطن ، هذا منافق .

     الحقيقة في بداية ظهور الإسلام لم يكن هناك منافقون ، السبب أن الكفار يفعلون ما يشاءون ، ولا يخشون أحداً ، يكفي أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما مر على عمَّار بن ياسر وهو يُعذب قال : (( صبراً آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة )) .

      لم يستطع أن يفعل شيئاً ، قالوا عنه مجنون ، وقالوا عنه ساحر ، وقالوا عنه كذاب ، وقالوا عنه شاعر ، وقالوا عنه كاهن ، فلك أن تقول عنه أي شيء وتنام مطمئناً في بيتك ولا شيء عليك ، لذلك كانوا الذين آمنوا به قبل أن يهاجر إلى المدينة لهم عند الله شأنٌ كبير ، هؤلاء آمنوا به صادقين ، أما حينما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وصار للمؤمنين كِيان ؛ بإمكانهم أن يحاربوا ، بإمكانهم أن يسالموا ، بإمكانهم أن يعطوا ، بإمكانهم أن يمنعوا ، دخل أناسٌ كثيرٌ في الإسلام خوفاً أو طماعاً ، هذا الإيمان الشكلي المعلن الذي يخفي وراءه كفر ، هذا الوضع هو النفاق بعينه .

      ولكن الإنسان قد يكون كافر في الأصل ، قد يكون كافراً ابتداءً ، ولمصلحته الدنيوية فقط أظهر الإسلام ، وانضوى تحت لواء المسلمين ، وصلى كما يصلون ، وحَدَّثَ كما يحدثون ، هذا عند الله كافر ، بل هو أشد كفراً من الكافر ، لهذا قال الله عزَّ وجل  :

(سورة المنافقون : الآية " 145  " )

     هذا كافرٌ ابتداءً ، ولا يقتنع بالدين ، ولم يؤمن بالله ولا برسوله ، ولم يؤمن بهذا الكتاب ، إنما وَجد من مصلحته أن يُعْلِن إسلامه ، وأن ينضوي تحت لواء المسلمين تحقيقاً لمصالحه ، هذا أشد عند الله من الكافر ، لأن الكافر تعرفه كافر فلا تقلِّدُهُ ، أما هذا فإنه يصلي مع المسلمين ، ويحضر مع المسلمين ، ويفعل ما يفعله المسلمون ، وهو من ألدِّ أعدائهم ، هذا خطره أشد ، لذلك قد يكون الإسلام ورقةً رابحةً في أيدي بعض الناس ، إذا كان الإسلام عندك ورقةً رابحة تستخدمها كما تشاء ، فهذا نوعٌ من النفاق .

      أيها الإخوة ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ )) .

[متفق عليه]

    يُظهر ما لا يبطن ، يقول ما لا يفعل ، يتظاهر بما لا يعتقد ، هذا النفاق خطرٌ على المسلمين ، لأنهم معهم ، لأن هؤلاء المنافقون مع المسلمين ، في مساجدهم ، في أسواقهم ، وأذكياء جداً ، فتحسبهم مؤمنين ، وهم على خلاف ذلك ، لذلك جاءت هذه السورة لتفضحهم ، وخطورة المنافقين في عهد النبي e أقل منها في عهودٍ بعده ، لأن القرآن يفضحهم دائماً ، مكشوفون ، أما في عهودٍ بعدهم فقد تنطلي على إنسان حقيقة منافق ، ويظنه مؤمنًا ، من هنا قال الله عزَّ وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام : أن يا محمد إذا جاءك المنافقون ، أولاً لا يستطيع أحدٌ أن يَطَّلِعُ على قلب إنسان ... هذا من ستر الله عزَّ وجل ، لكن الله يطلع ، أما أن يطلع الإنسان بذاته على سر إنسانٍ فهذا مستحيل ، هذا من سِتْرِ الله ، والإنسان ما دام يخشى الله فهو في ستره ، وفي حمايته ، أما إذا أراد أن يؤذي المسلمين ، وأن يوقع بينهم العداوة والبغضاء ، وأن يكشف عوراتهم أمام أعدائهم ، عندئذٍ ربنا سبحانه وتعالى ينتقم منه أشد الانتقام ، ويفضحه ، فيقول الله عزَّ وجل مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم :

     والحقيقة هو رسول الله ، ماذا فعلوا ؟ شَهِدَ هؤلاء المنافقون أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، والله جلَّ جلاله يقول :

 

        فأنت حينما تقر بحقيقة ، ولا تتخذ موقفاً بناءً على هذا الإقرار فأنت لم تفعل شيئاً ، فلو أن إنسانًا في أشد حالات العطش ، وهو على وشك الموت ، فإذا عرف أن هناك نبع ماء ، ولم يتحرك إلى هذا النبع ، ماذا نفعته هذه المعرفة ؟ لم تنفعه شيئًا إطلاقاً ، هذا سماه علماء المنطق تحصيل حاصل ، فإذا قلت : الشمس ساطعة ، وهي ساطعة ، ماذا فعلت ؟ إن قلت : ساطعة ، فهي ساطعة ، وإن قلت : ليست بساطعة ، فهي ساطعة ، ففي كلا الحالين إن جاءت كلمتك موافقةً للحقيقة لم تفعل شيئاً ، وإن جاءت مخالفةً للحقيقة سقطت من أعين الناس ، أما حينما تكون في أشد الحاجة إلى أشِعَّتها وتقول : هي ساطعة ، وتعرض جسمك لأشعتها ، فتشفى من بعض أمراضك ، الآن أخذت موقف ، فالمنافقون قالوا :

 

قالوا بألسنتهم ، ولم تؤمن قلوبهم قال  :

     لابدَّ من أن نقف وقفةً متأنِّية عند الكذب ، أحياناً في واقع ، إذا جاء الخبر عن هذا الواقع مطابقاً للواقع فأنت صادق ، صادقٌ في أقوالك ، وإذا جاء القول مخالفاً للواقع ، جاء الخبر عن الواقع مخالفاً للواقع ، فهذا قولٌ كاذب ، صادق وكاذب ، توافق الخبر مع الواقع صدق ، عدم موافقة الخبر للواقع كذب ، الآن أنت قلت شيئاً ، فإذا جاء عملك مطابقاً لقولك فهذا صدق الأفعال ، وإذا جاء مخالفاً لقولك فهذا كذب الأفعال ، فهناك صدق الأقوال ، وكذب الأقوال ، وصدق الأفعال ، وكذب الأفعال ، بقي نوعان آخران ، إذا قلت : إن هذا الإنسان هو رسول الله ، فكلامك هذا صحيح مطابق للواقع ، لكنك لا تعتقد أنه رسول الله ، هذا كذب من نوع آخر ، هذا كذب مع النفس ، المنافق كاذبٌ مع نفسه ، كل ما يقوله لا يعتقد به ، كل ما يقوله لا يُصَدِّقُهُ ، فإذا جاء خبرك مطابقاً للواقع فأنت صادق ، إن لم يكن مطابقاً للواقع ـ لا سمح الله ـ فهو كاذب ، إن جاء الفعل مطابقاً للقول كان هذا الفعل صادقاً ، وإن جاء الفعل مخالفاً للقول كان الفعل كاذباً ، لذلك الله عزَّ وجل يمدح الصادقين في القرآن الكريم بشيءٍ كثير ، أي صدقٍ هذا ؟ صدق الأفعال .

(سورة الأحزاب )

       جاءت أعمالهم مطابقةً لأقوالهم ، جاءت أفعالهم مُصَدِّقةً لأقوالهم ، إذاً هم صادقون ، أما الذي جاءت أفعالهم مكذبةً لأقوالهم فقد قالوا في معركة الأحزاب :

( سورة الأحزاب )

       أما هذه الآية فمن نوع ثالث ، الذي قالوه حق : إنه رسول الله ، كلمة حق ، لكنهم لا يعتقدون بها ، هم كذبوا على أنفسهم ، كاذبون فيما بينهم وبين أنفسهم ، لذلك أحياناً ـ لا سمح الله ـ قد تقول كلاماً غير صحيح ، لكنك تعتقده ، نقول : فلانٌ صادقٌ مع نفسه ، أما علاقة هذا القول مع الواقع فغير صحيحة ، هذا القول في علاقته مع الواقع كذب ، أما في علاقته مع القائل فصدق ، هذا صادقٌ مع نفسه ، وقد تقول كلامً صحيحاً مطابقاً للواقع ، لكنك لا تعتقده ، نقول : هذا كاذبٌ مع نفسه ، فهناك صدقٌ في الأقوال ، وكذبٌ في الأقوال ، أي علاقة الخبر بالواقع ، وهناك صدقٌ في الأفعال وكذبٌ في الأفعال ، أي علاقة الواقع مع الخبر ، وهناك صدقٌ مع النفس ، وكذبٌ مع النفس ، قد تقول قولاً غير صحيح لا علاقة له بالواقع ، لكنك تعتقد ذلك ، أنت صادقٌ مع نفسك ، وقد تقول حقاً ، وأنت لا تعتقد هذا الحق ، فأنت كاذبٌ مع نفسك ، ستة أنواع للكذب والصدق ، والحقيقة لو جمعنا الآيات القرآنية التي ورد فيها الصدق والكذب لوجدناها كثيرةً جداً ، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : (( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي )) مطلقاً ، إذا كنت صادقاً في أي شيء ، صدقك يهديك إلى الصواب .

     عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا ، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا )) .

[متفق عليه]

       والمؤمن لا يكذب ، لأن بين الكذب والإيمان تناقض ، أي أن الكذب ينقض الإيمان ، والإيمان ينقض الكذب ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) .

      لمجرد أن يكذب المؤمن فليس مؤمناً .. انتهى .. المؤمن قد يقع في تقصيرات كثيرة ، لكنه لا يكذب ، الكذب يتناقض مع إيمانه ، لذلك تحترم إنسانًا صادقًا مُقَصِّرًا ، ولا تحترم إنسانًا كاذبًا مُدَّعيًّا .

       أيها الإخوة الكرام ، أن يأتي خبرك مطابقًا للواقع قضية سهلة جداً ، لو أن الحرارة خمس وثلاثون ، لو قلت : خمس وثلاثون ، هذا كلام صدق ، جاء الخبر مطابقاً للواقع ، لو أن الحرارة خمس وأربعون ، وأنت قلت : ثمان وثلاثون ، هذا كذب ، جاء الخبر مخالفاً للواقع ، أما حينما تقول : أنا مؤمن ، أنا مستقيم ، أن ورع ، فعند الإغراء لا تبدو ورعاً ، وعندما يعرض عليك مبلغٌ كبير تأخذه ، ولا تعبأ بطريقة كسبه ، الآن بالعكس ، جاء الفعل مخالفاً للإدعاء ، هذا كذب أعمال ، أما حينما تكون في أَمَسِّ الحاجة إلى المال ، ويأتيك مبلغٌ فيه شبهة فتقول : معاذ الله ، الله الغني ، نقول : جاء فعلك مطابقاً لقولك ، صدق أقوالٍ ، وكذب أقوال ، وصدق أفعال ، وكذب أفعال ، أما حينما تقول كلاماً غير صحيح ، لكنك تعتقده نقول : هذا صادقٌ مع نفسه ، وحينما تقول كلاماً صحيحاً ، ولا تعتقده نقول : فلان كاذبٌ مع نفسه ، والمنافق كاذبٌ مع نفسه ، وكاذبٌ مع الخلق ، وكاذبٌ مع الله .

(سورة النساء : آية " 142 " )

       يكذب على الله ، أو يكذب مع الله ، حينما يحاول أن يخدع الله عزَّ وجل  .

( سورة البقرة )

       هؤلاء إذاً كاذبون مع أنفسهم ، لأن كلامهم صحيح ، منافق يقول للنبي e : يا رسول الله ، أشهد إنَّك رسول الله ، على العين والرأس ، كلام صحيح ، لكنه لا يعتقد أنه رسول الله ، يرضيه بهذا ، يُحَقِّق مصالحه ، هو كاذبٌ مع نفسه ..

(سورة المنافقون )

       يحلفون بالله أنهم صادقون ، أنهم مؤمنون ، أنهم أتقياء ، أنهم ورعون ، أنهم يحبون الله ورسوله ، أنهم ما فعلوا هذا ، ما قالوا هذا ، يتخذون الإيمان درءًا لهم للعقوبة .

(سورة المنافقون : آية " 2 " )

       تترسوا بها ، الجُنّة التِرْس ، الإنسان أحياناً يستخدم الترس ليتقي الضربات ، وهذا المنافق اتخذ الأيمان الكاذبة ليتِّقي بها العقاب ، يرتكب كلاماً في حقيقته كفر .

     مرةً أحد المنافقين المحسوب على رسول الله أنه من أصحابه ، جاءت معركة تبوك ، والصحابة الكرم بذلوا الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، وقدموا وأعدّوا ، غلامٌ صغيرٌ مؤمنٌ كان هذا الرجل المنافق زوج أمه ، فكل يوم الغلام يُلقي على مسامع عمه ما فعله ابن عوفٍ ، ما فعله سيدنا عثمان ، ما فعله فلان من الصحابة في البذل والتضحية ، فهذا لا يتحرك ، ولا يقدم شيئاً ، ولا يجهز نفسه للغزو ، فلما ضَيَّقَ عليه ابن زوجته ، قال هذا الرجل المحسوب من المؤمنين : والله لو كان محمداً صادقاً فيما يقول لكنا شراً من الحُمُر ، إذاً هو لا يعتقد أنه صادق ، هذا الطفل الصغير نزلت عليه هذه الكلمة كالصاعقة تماماً ، قال : والله يا عَمَّاه ما من رجلٍ أحب إلي بعد رسول الله منك ، ولكنَّك قُلت الآن كلمة الكفر ، وإني ذاهبٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فتدبّرْ أمرك ، قال للنبي ماذا قال عمه ، استدعاه النبي :

 

      أقسم بالله العظيم إن هذا الغلام كاذب ، وما قال هذا إطلاقاً ، فنظر النبي إلى وجه الغلام ، فإذا هو محتقن بالدماء ، صار يبكي ، سمعه بأذنه ، ثم يكذِّبه أمام رسول الله ، وما هي إلا لحظاتٌ حتى جاءه الوحي ، فلما سُرِي عن النبي صلى الله عليه وسلم نزل قوله تعالى :

(سورة التوبة : آية " 74 ")

       فما كان من هذا الرجل المنافق إلا قال : لقد تبت يا رسول الله ، لقد قلتها ، وأنا أتوب إليك ، وحسن إسلامه ، وصار في عداد المؤمنين ، أمسك النبي بأذن الغلام ، وتبسَّم ، وقال : (( يا غلام ، صَدَّقَكَ ربك من فوق سبع سماوات )) ، فكانوا في عهد النبي e يفتضحون .

       واحد آخى كان كافراً ، وهو عُمير ، وقد قال لصفوان بن أميَّة : والله لولا أطفالٌ أخشى عليهم العنت ، وديون لا أطيق سدادها ، لذهبت إلى محمدٍ وقتلته ، وأرحتكم منه ، فاتخذها صفوان مناسبةً ، قال : أما ديونك فهي عليّ بلغت ما بلغت ، وأما أولادك فهم أولادي ، فامضِ لما أردت ، سقى سيفه سماً ، وركب ناقته ، وتوجَّه إلى المدينة ، ليقتل النبي عليه الصلاة والسلام ، أما الغطاء الذي ذهب إلى المدينة من أجله فليفتدي أخاه ، فلما رآه عمر في المدينة ، قال : هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً ، قَيَّدَهُ بحَمَّاَلَة سيفه ، وساقه إلى النبي ، قال له النبي :  دعه يا عمر ، أطلقه ، أطلقه ، ابتعد عنه ، فابتعد عنه ، قال له : أدن مني يا عمير ، فدنا منه ، اجلس ، جلس ، قال له : عِمْتَ صباحاً يا محمد ، قال له : قل : السلام عليكم ، قال: لست بعيد عهدٍ بسلام الجاهلية ، فهذا سلامنا ، بغلظة ، قال له : ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال له : جئت أفدي ابني فلانًا ، قال له : وهذه السيف التي على عاتقك ؟ قال : قاتلها الله من سيوف ، وهل نفعتنا يوم بدر ، قال : ألم تقل لصفوان : لولا ديون ركبتني لا أطيق سدادها ، وأطفالٌ أخاف عليهم العنت من بعدي ، لذهبت وقتلت محمداً ، وأرحتكم منه ؟ فهَبَّ واقفاً ، وقال : أشهد إنك لرسول الله ، لأن هذا الذي دار بيني وبين صفوان لا يعلمه أحدٌ إلا الله ، وأنت رسوله ، وأسلم ، أما صفوان صار يقول لأهل مكة : انتظروا أخباراً سارة ، وكان يخرج كل يوم إلى ظاهر مكة ، لينتظر الرُكْبَان تأتيه بالخبر السار ، قتل النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم جاء الخبر غير السار أن عُمَيْراً قد أسلم ، وحسن إسلامه ، أي أن الله عزَّ وجل لا تخفى عليه خافية .

       إخواننا الكرام ، كلمة : الأمر كله بيد الله ، ولا تخفى عليه خافية ، فما جدوى الكذب ، ما جدوى النفاق ، الأمر كله بيد الله ، ولا تخفى عليه خافية ، الله جلَّ جلاله لا تستطيع أن تخدعه ، ونفسك التي بين جنبيك لا تستطيع أن تخدعها :

(سورة الأنعام )

       لذلك :

 

دائماً الحَلْف الكثير يُلْقي الشك ، لما هذا الحلف ؟

 

       هم يظنون ، اكذب ، اكذب ، إلى أن تُصَدَّق ، هذا مع الله لا يصلح ، ومع المؤمنين لا يصلح ، اكذب ، اكذب ، اكذب ، ولن تُصَدَّق ، وسوف يفضحك الله عزَّ وجل .

       صدّوا ، فعل ماض ، فاعله واو الجماعة ، أين المفعول به ؟ عندنا قاعدة في اللغة : أن الفعل إذا حذف مفعوله أطلق ، العلماء قالوا في هذه الآية : صدوا أنفسهم عن سبيل الله بنفاقهم ، أو صدوا غيرهم عن سبيل الله ، المنافق دائماً ، يُشَكِّك ، يطعن ، يُزَيِّن المعصية ، يُكَرِّه الطاعة ، يخوّفك أن تطلب العلم ، يخوفك أن تحضر مجلس علم ، يخوفك أن تنفق مالك ، يخوفك أن تلتزم ، مهمة المنافق أن يصد الناس عن سبيل الله ، لو كان مؤمناً لما صدهم عن سبيل الله ، لأخذ بيدهم إلى الله ورسوله ، لذلك الله عزَّ وجل قال :

         صدوا أنفسهم أي أبعدوها عن طريق سعادتها ، صدوا أنفسهم ، أو صدوا غيرهم ، أو صدوا أنفسهم وغيرهم معاً ، أي أبعدوها عن طريق الحق ، وعن جادَّة الصواب ، وعن سبيل الهُدى ، وعن سبيل السلامة والسعادة  ، ] اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [ ترساً تترَّسوا بها ..


(سورة الأنفال : آية " 36 " )

       الإنسان حينما يستخدم وسائل لصدِّ الناس عن سبيل الله لا يدري أن الله مع هذا الدين ، وأن مخلوقاً كائناً من كان لا يستطيع أن يطفئ نور الله ، وأن إطفاء نور الله كمن ينفخ على الشمس ليطفئها ، وهو على الأرض ، ليقف إنسان ، وليتأمَّل في الشمس ، ولينفخ عليها هل تنطفئ ، محاولات المنافقين لإطفاء نور الله كمحاولة إنسان أحمق أن يطفئ لهيب الشمس بنفخةٍ من فمه  .

هؤلاء المنافقون أذكياء ، وأصِحَّاء ، قال تعالى :

(سورة المنافقون : آية " 4 " )

       يعتنون بصحتهم ، وبهندامهم ، وبحركاتهم ، وسكناتهم ، قال تعالى :

(سورة المنافقون : آية " 4 ")

       مثقَّفون ، يتفلسفون ، يشككون المعاني ، يأتون بالأدلة ، يعلِّقون تعليقات لطيفة ، يعبِّرون عن إيمانهم ، وعن تقواهم ، وعن ورعهم ، وعن عقيدتهم ، فالإنسان يغترّ بهم ، قال سبحانه:

        لأنهم ما عقلوا الحقيقة ، ولا التفتوا إلى الله ، ولا استقاموا على أمره ، معناها لم يعقلوا شيئاً ، كيف قلنا في الدرس الماضي : لو أن دابةً وضعت عليها كتاب في رياضيات ، والكيمياء ، والفيزياء ، والفلسفة ، ثم سألتها ، لا تزيد على أن تنهق ، هذا المنافق يبحث عن مصالحه ، عن المغانم ، عن المكاسب ، همُّه الدرهم والدينار ، همه المُتعة ، همه النساء ، لكنه رأى الإسلام ورقة رابحة بيده فاستخدمها ، هناك أُناسٌ كثيرون يستخدمون الإسلام كورقةٍ رابحة في أيديهم ، هذا صُنِّفَ في القرآن الكريم مع المنافقين .

       فمثلاً ، أحياناً إنسان مصلحته يصاحب ناسًا مؤمنين ، يقول لك : أربح ، أؤمِّن زبائن ، يأتي إلى المسجد لا بنية طلب العلم ، ولا بنية إرضاء الله عزَّ وجل ، ولكن بنيةٍ محدودةٍ ، وهي أن يُكَوِّن له من يشتري من عنده الحاجات ، فهذا قصده مادي ، المنافقون قال تعالى عنهم :

     وصَفَهُمُ النبي في آخر الزمان بأن كلامهم أحلى من العسل ، وأن فعلهم أمر من الصبر ، فعل سيئ جداً ، تكالب على المال ، عداوةٌ وبغضاء ، إيقاعٌ بين الناس ، أنانيةٌ ما بعدها أنانية ، ومع ذلك إذا أصغيت إلى أقوالهم تعجبك أقوالهم ، قال :

لا تعقل شيئاً ، كما قال الله عزَّ وجل يصف المنافقين في مكانٍ آخر  :

(سورة البقرة)

       هم حينما أظهروا شيئاً ، وأخفوا شيئاً اختل توازنهم ، صار قلبهم فارغًا ، قال :

(سورة المنافقون )

       لأنه مكشوف ، ولأنه اختل توازنه الداخلي ، وحينما نافق أظهر شيئاً ، وأخفى شيئاً ، شعر بفطرته أن الله غاضبٌ عليه ، الإنسان حينما يخادع الناس يشعر بانهيار داخلي ، أو يشعر باختلال توازن ، هذا الوضع الداخلي المضطرب القلق يجعله يظن كل صيحةٍ عليه ، فإذا كان مرتكب جريمة مختفيًا وقاعدًا في البيت ، لو طرق الباب في الساعة الحادية عشرة مساءً ينخلع قلبه من الخوف ، ويقول لك : جاءوا ، قد يكون الجار يريد رغيفًا من الخبز ، طرق الجار الباب ، والثاني ظن في نفسه أنهم جاءوا ، فالذي يرتكب جريمة المتخفي عن الأنظار كل حركةٍ ، كل سكنةٍ ، كل سؤالٍ ، كل اتصالٍ هاتفي يظن أن هذا الاتصال جاءوا ليأخذوه ، أو طرق الباب ليأخذوه ، الله عزَّ وجل وصف حالتهم وصفاً دقيقاً فقال :

طبعاً هنا يوجد وقف  .

       لأن الإنسان يرتاح إلى المؤمن يطمئن له ، يبوح له بمكنوناته ، يشكو له همومه ، يكشف له عن بعض عيوبه وتقصيراته ، أما المنافق فقَنَّاص ، إذا شكوت له اتخذ هذه الشكوى حجةً عليه ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام من توجيه الله له قال :

من اشتكى إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله ، من اشتكى إلى منافقٍ أو كافرٍ كأنما اشتكى على الله ، قال :

         الحقيقة أن الإنسان لا يُعَدُّ كَيِّساً ، فَطِناً ، حَذِرَاً إلا إذا تجاوز الظاهر ، الإنسان الذي يؤخذ بالظاهر هذا يكون سطحي التفكير ، سطحي الإدراك ، سطحي الانفعال ، كل إنسان يؤخذ بالظواهر سطحي في تفكيره ، وفي إدراكه ، وفي انفعاله ، أما الإنسان العميق فهو الذي يتجاوز الظاهر إلى الباطن ، والمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام : ((كيسٌ فطنٌ حذر )) .

[السيوطي في الجامع الصغير عن أنس بسند لا يصح]

       قال :

(سورة المنافقون : آية " 4 ")

(سورة النساء : آية " 71 ")

       أي أن مؤمنًا أموره مسيَّبة ، ظنه حسن إلى درجة البلاهة ، هناك ظن حسن يُعَبِّرُ أحياناً عن بلاهة الإنسان ، كان عليه الصلاة والسلام يحذر الناس ويحترس منهم ، من غير أن يطوي بشره عن أحد ، كان يقول : (( احترس من الناس بسوء الظن )) .. (( والحزم سوء الظن )) .

[ورد في الأثر]

       وسوء الظن عصمة  ، ولكن سوء الظن يكون مع الدليل ، أما بلا دليل ..

(سورة الحجرات : آية " 12 " )

       هناك ضابط ، وكاشف ، سوء الظن يعد إثماً إن لم يكن هناك دليلٌ عليه ، ويعد حيطةً وحذراً وكَياسةً إذا كان هناك ما يدلُّ عليه ، إنسان تناقضت أقواله ، إنسان كذب ، ما دام كذب وتناقضت أقواله إذاً سوء الظن به عصمة ، ما دام هناك كذب ، ومراوغة ، واحتيال ، وإظهار ما لا يبطن ، فأنت كشفته ما دام هناك دليل على كذبه ، واحتياله ، ومراوغته ، أنت الآن يجب أن تسيء الظن به ، لأن سوء الظن عصمة ، أما إذا لم يكن هناك دليل إطلاقاً وأسأت الظن به فهذا الإثم ، قال تعالى :

قال :

        هذه كلمة ، أي هؤلاء المنافقون يرتكبون الكبائر ، يصدون الناس عن سبيل الله ، يفعلون عكس الدُعاة ، الداعية يقرب هو يُبَعِّد ، الداعية يُحَبِّب هو يُنَفِّر ، الداعية يقنع بالطاعة هو ، ويقنع بالمعصية ، المنافق ينفِّر ويُبَعِّد ، ويقنع بالمعصية ، أما المؤمن الداعية فيقرب ويحبِّب ، ويقنع بالطاعة ، وشتانَ بينهما .

(سورة المنافقون )

       فهم لا يعبئون لا برسول الله ، ولا بمكانته عند الله ، ولا بالنبوة ، ولا بالرسالة ، ولا بهذا الكتاب العظيم ، يستخِّفون بالدين كله ، بكل مظاهره ، وكل أشكاله ، وكل عناصره ، وكل العاملين به ، استخفافهم لا يخفونه .

        لذلك الإنسان حينما تغلبه نفسه ، ويعصي الله ، توبته سهلة ، أما حينما يستكبر عن طاعة الله فتوبته صعبة جداً ، المعصية معصيتان ، معصية ضعف ، ومعصية استكبار ، وشتان بين المعصيتين ، معصية الضعف صاحبها سريعاً ما يتوب ، ويستغفر ، ويؤوب ، ويعود إلى الله ، ويقبله الله ، وينسي الملائكة والحفظة خطاياه وذنوبه ، والصلحة بلمحة ؛ أما الذي يعصي الله استكباراً فهذا بينه وبين التوبة مسافاتٌ شاسعة ، والطريق إلى التوبة مغلق أو مسدود ، لأنه عصى استكباراً ، لأنه رَدَّ أمر الله عزَّ وجل ، ولم تضعف نفسه ، ضعف النفس شيء ، ورد الأمر شيء ، إبليس رد أمر الله ، قال :

(سورة ص )

( سورة الحجر )

       هذا معصية رد ، معصية كبر ، استكبر أن يخضع لأمر الله .

       يقول الله عزَّ وجل هؤلاء المنافقون :

(سورة المنافقون : آية " 6 " )

       فلماذا ؟ قال :

( سورة المنافقون )

       كلامٌ واضحٌ كالشمس ، الإنسان الفاسق لا يؤمن ، ولا يتوب ، ولا يُقْبَل ، ولا يُسْتَغْفَر له

 

هذه كلمةٌ من كلمات الله ، قانون من قوانينه ، سُنَّةُ من سُنَنِهِ مع خلقه .

(سورة غافر)

      أي كان إذا الإنسان مقيما على معصية ، ولا ينوي أن يتركها ، وهي جزءٌ من حياته ، ومقتنع بها ، ولا يفكر في التوبة منها ، ليعلم علم اليقين أن الطريق إلى الله مسدود ، لأن الله لا يهدي القوم الفاسقين .

      الإنسان قد يخطئ ، لكن لا ينوي أن يبقى على خطئه ، قد يخطئ ، ولكن لا يصر على خطئه ، قد يخطئ ، لكنه يستغفر ، قد يخطئ ، ولكنه يندم ، قد يخطئ ، ولكنه يتوب ، قد يخطئ ، ويتبع الخطأ بحسنة لتَمْحُوها ، أما أن يصر على خطئه .. فيقول : يا أخي هكذا نشأنا ، هكذا نريد ، هكذا العصر ، هكذا الحياة ، لابدَّ أن نفعل هذا ، ماذا نفعل ؟ إذا أصر الإنسان على معصيةٍ فقد أغلق الباب الذي يمكن أن ينفذ منه إلى الله ، لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى ؟ قَالَ : مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى )) .

[متفق عليه]

       فالذي يعصي الله أبى دخول الجنة ، أبى رضوان الله ، أبى هداية الله .

(سورة المنافقون )

       وفي درسٍ آخر إن شاء الله نتابع هذه السورة ، التي هي سورة المنافقون ، وقد يقول أحدكم لمَ لمْ يقل : سورة المنافقين ، لأنها مضاف إليه ، أسماء السوَر تبقى على صيغتها ، نقول : على الحِكايَة ، أي تبقى المنافقون ، سورة المؤمنون ، سورة المنافقون ، هذه على الحِكاية ، لا نُبَدِّل الصيغة .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi