English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

الدرس 2 /2

التاريخ : 25/10/1996

الموضوع : سورة المنافقون ( 63 )  الآية " 9-11"

تفريغ     : عبد العزيز كنج عثمان

تدقيق لغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني والأخير من سورة المنافقون ، ومع الآية التاسعة ، وهي قوله تعالى :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      

       بعد أن حدَّثنا ربنا جلَّ جلاله عن المنافقين الذين يشهدون أن محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله ، والله سبحانه وتعالى يشهد إنهم لكاذبون بهذه الشهادة ، وقد بيّنت لكم من قبل أن الإنسان يَصْدُقُ في مطابقة الخبر مع الواقع ، ويصدق في أن يأتي الفعل مطابقاً للخبر ، الأول صدق الأخبار ، والثاني صدق الأفعال ، والثالث الصدق مع النفس ، قد يكون صادقاً مع نفسه غير مطابقٍ للواقع ، فهو كاذبٌ مع الحقيقة ، لكنه صادقٌ مع نفسه ، وقد يكون كاذباً مع نفسه ، أما أن تأتي شهادته مطابقةً للواقع ، فهذا النوع من النوع السادس ، يشهدون أن محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله ، لكنهم كاذبون في هذه الشهادة مع أنفسهم ، وإن جاءت هذه الشهادة مطابقةً للواقع .

      بعد أن حدَّثنا الله جلَّ جلاله عن أحوال المنافقين ، وعن مكرهم ، وعن خِداعِهم ، قال :

        ماذا نستنبط من ذلك ؟ نستنبط من ذلك أن المنافقين نافقوا ، لأن أموالهم وأولادهم شغلتهم عن ذكر الله  .

(سورة النساء )

       فكأن خِتام هذه السورة جاء مُطابقاً لمقدِّمتها ، إن كانت علَّة النفاق إنهم شُغِلوا بأموالهم وأولادهم عن ذكر الله فكذبوا ، ونافقوا ، وأتمروا ، وانحرفوا ،

     إن أردتم أن يرضى الله عنكم ، إن أردتم أن تكونوا مؤمنين حقًّا ، إن أردتم ألاّ تكونوا منافقين كهؤلاء ،

       أولاً : لا تلهكم ، أي لا تشغلكم ، الإنسان حينما يأتي إلى الدنيا له مهمَّةٌ كبيرة ، فإذا شُغِل عنها فقد لهى بها ، في آياتٌ أخرى تأتي آياتٌ كنوع :

(سورة محمد : آية " 36 " )

       اللعب كما تعلمون أن تشتغِل بشيء ، وبعد حين تراه صغيراً ، كيف أن الطفل الصغير يلهو بالدُمى ، فإذا كَبِر يحتقر نفسه كيف كان يبكي من أجل ُدْمية ، فالدنيا كلُّها لعبٌ ، ومن خصائص اللعب أيضاً أنه كلَّما انتقلت من مرحلةٍ إلى أخرى صغُرت في عينك المرحلة السابقة ، يعجب الإنسان كيف أنه كان مهتمًّا بهذا الموضوع ، فمن خصائص الدنيا أنها لعب ،  هذا خارج موضوع درسنا ، لكن من خصائص الدنيا أنها لهوٌ ..

      اللهو أن تشتغل بالخسيس عن النفيس ، أن تغوص في البحر لتخرُج بالأصداف لا باللآلئ ، أن تأتي إلى الدنيا ، وأن تخرج منها دون أن تعرف سرَّ وجودك وغاية وجودك ، فلذلك ورد في بعض الآثار القدسية : " أن عبدي ، خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقَّي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك " .

       أكثر ما يوضِّح هذه الآية مثل أنتزعه من واقع الحياة المدرسية : لو أن هناك مدرسةً داخلية فيها مطبخٌ كبير ، وفيها مهجعٌ مريح ، وفيها مكتبةً عامرة ، وفيها قاعة مطالعات ، وأن لهذا الطالب نظاماً دقيقاً جداً ، يُمضي ساعاتٍ في سماع المحاضرات ، وساعةً في راحته ، وساعاتٍ في المطالعة ، والطَّعام يقدَّم له جاهزاً كاملاً دقيقاً في وقتٍ محدَّد ، هو مكلَّفٌ أن يدرس ، والكلُّ في خدمته ، لو أن هذا الطالب ترك الدراسة ، ودخل إلى المطبخ ليطمئنَّ على صنع الطعام ، وعن مراحل تهيئته ، ماذا نقول عن هذا الطالب ؟ إنه اشتغل عن مهمَّته الأساسية في هذه المدرسة الداخلية ؛ في القراءة ، والمذاكرة ، والحفظ ، وانتقل إلى ما لا يعنيه ، وما ضمِن له ، دائماً الكافر أو الذي تاه عن الله عزَّ وجل مشغولٌ بما ضُمِن له ، غافل عما كُلِف به .. مثلاً ، ربنا عزَّ وجل يقول :

(سورة الزخرف : آية " 32 ")

      

(سورة الزمر : آية " 36 " )

(سورة الذاريات )

(سورة الذاريات )

        الله جلَّ جلاله ضَمِنَ لنا الرزق ، وأمرنا أن نعبده ، أكثر الناس شُغِلوا بالرزق ، وأهملوا عبادته ، فبحقِّي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ، الله عزَّ وجل يقول :

( سورة الكهف )

       كطالب أرسله أبوه إلى بلدٍ غربي ليدرس ، طمأنه ، الآية الكريمة :

(سورة الروم : آية " 40 " )

       فعل ماض   .

 

      لم يقل : يرزقكم ، من أجل أن تطمئنّوا ، لمجرَّد أن الله قد خلق الإنسان خلق له رزقه ، وفي آيةٍ أخرى :

(سورة النجم )

       ليس لك إلا ما سعيت ، فالسعي المطلوب يَشْغَل عنه الإنسان التائه بالبحث عن الرزق المضمون ، ضمن لك الرزق ، ليس معنى هذا أن تمدَّ يدك صبيحة كلِّ يوم تحت الوسادة لتأخذ المال .. لا .. ضمن لك مع السعي ، ومع أخذ الأسباب ، أما أن تقلق ، وأن تنسى ربَّك ، وأن تنسى دينك ، وأن تنسى آخرتك ، وأن تقع في المعاصي والآثام من أجل الرزق ، فهذا الذي لا يُرضي الله عزَّ وجل  .

       أيها الإخوة ، كنت قد ضربتُ مثلاً يوضِّح هذه الآية : لو أنَّ بستاناً زُرِعَ فيه أشجار تفَّاح ، بحسب النصوص الدينية هذه التفَّاحة التي على هذا الغُصن هي لفلان منذ أن خُلِقَت ، إلا أنَّ فلان مخيّر في طريقة أخذها ، إما أن يشتريها بماله ، وهذا طريق ، وإما أن يتسوّلها ، وإما أن يسرقها ، وإما أن تقدَّم له هديّةً ، وإما أن تُقدَّم له ضيافةً ، أما هي فله ، هي له ، وأنت عليك أن تختار الطريق الصحيح لأخذها .

(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتّى تستوفيّ رزقها ، فاتَّقوا الله عباد الله وأجمِلوا في الطلب ، ولا يحملنَّكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية ، إن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته )) .

[البزار عن حذيفة ، والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح]

       فليس معنى ذلك أن الرزق مضمون ، أي لا تسعى ، لا ، اسع ، إن الله كتب عليكم السعيّ فاسعوا .. إلا أن سعيك وحده لا يخلِق الرزق ، الرزق بتوفيق الله ، الرزق بإكرام الله ، أنت عليك أن تسعى ، هناك حدٌّ أدنى ضُمِنَ لك ، والله سبحانه وتعالى يستخدم الرزق كأداةٍِ لتربيتك .. نقطة جديدة .. يستخدم الرزق كأداةٍ للتربية ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ )) .

[ابن ماجه]

 

  

(سورة طه : آية " 132 " )

        فالبيت الذي تؤدَّى فيه الصلوات ، والأبُ الذي يأمر أهله بالصلاة ، ويصطبر عليها هذا بيتٌ مرزوق .

(سورة الجن )

( سورة الأعراف : آية " 96 ")

( سورة المائدة : آية " 66 " )

       قِسْ على ذلك القرآن الكريم ، لو أنهم أقاموا القرآن الكريم لأكلوا من فوقهم ، ومن تحت أرجلهم ، يجب أن نعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى حينما يُقَنِّنُ الأرزاق ، لا يقنِّنها عجزاً ، بل يقنِّنها تأديباً ..

( سورة الحجر )

       أما الإنسان إذا قَنَّن فتقنينه تقنين عجز ، فالله سبحانه وتعالى حينما ضمِن الرزق ضمِنه من جهة ، وجعله أداةً تأديبيةً من جهةٍ أخرى، فالأمانة غِنًى ، أحد أسباب وفرة الرزق أن تكون أميناً ، وهناك مئات ألوف القصص عن أناسٍ تعفَّفوا عن الحرام فآتاهم الله من الحلال المال والوفير ..

(سورة نوح )

       فالاستغفار أحد أسباب وفرة الرزق ، الأمانة أحد أسباب وفرة الرزق ، الاستقامة على منهج الله أحد أسباب وفرة الرزق ، صلة الرحم تزيد في الرزق ، أن تَصِلَ رحِمَك ، تتفقَّد أهلك ، وترعى شؤونهم ، توصلهم بمددٍ من عندك ، تتفقَّد أحوالهم ، تأخذ بيدهم إلى الله عزَّ وجل هذا من أسباب وفرة الرزق ، صلة الرحم ، الأمانة ، الاستغفار ، أن تأمر أهلك بالصلاة ، إتقان العمل أحد أسباب وفرة الرزق .. (( إن الله يحبُّ من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه )) .

[الجامع الصغير عن عائشة بسند صحيح]

       الآن الصدقة أحد أسباب وفرة الرزق ، (( استنزلوا الرزق بالصدقة )) .

[الجامع الصغير بسند ضعيف]

 الله سبحانه وتعالى ضمن الرزق وحَرَّكه ، ضمِنه من جهة من أجل ألاّ تقلق ، كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً ، من أجل أن تطمئن حياتك ورزقك بيدِ الله عزَّ وجل ، والله سبحانه وتعالى لا يُعْقَلُ أن يأمرك أن تعبدك ، وقد أوكل أمر حياتك ورزقك إلى أناسٍ آخرين ، هذا شيء مستحيل ، قال لك :

(سورة هود : آية " 123 " )

       ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك .. (( وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ )) .

[الترمذي ، أحمد عن ابن عباس]

      هذا قانون قنَّنه الله ، وانتهى الأمر ، (( رُفِعَت الأقلام وجَفَّت الصُحُف )) ، فالرزق مضمون من جهة ، مِن أجل ماذا ؟ ضمن من أجل ألاّ تعبد غير الله ، من أجل ألاّ تُشرِك به ، من أجل ألاّ تنافق ، ألاّ تخنع ، ألاّ تخضع ، ألاّ تخاف ، الرزق من عند الله ، ليس من فلان أو علاَّن ، لو أن أهل الأرض ، لو أن أهل الأرض خمسة آلاف مليون إنسان اجتمعوا على أن يقطعوا رزق الإنسان فإنهم لا يستطيعون ، ولو أنَّ خمسة آلاف مليون أرادوا أن يجعلوك غنياً فإنهم لا يستطيعون ، الرزق بيدِ الله ، ضمِنه لك من أجل ألاّ تعبد غيره ، ضمِنه لك من  أجل ألاّ تُشرِك به شيئاً ، ضمنه لك من أجل ألاّ تعصي الله من أجل الرزق ، ضمنه لك من أجل ألاّ تنافِق ، أن تظنَّ أن فلاناً يعطيك أو يمنعك ، وحَرَّكَهُ من أجل أن يؤدِّبك ، حَرَّكَهُ من أجل أن يكون حاثًّا لك على طاعة الله .

    مثلاً :

( سورة النحل : آية " 97 " )

       المنافق ظنَّ أن المال هو كل شيء  فأشرَك نفسه ، أو أشرك غيره مع الله في موضوع الرزق ، فألهي بماله أو بأولاده عن ذكر الله ، فالشيء الدقيق هو أن الإنسان في هذه الحياة الدنيا حينما يدفع زكاة ماله ماذا ضَمِنْ ؟ ضمن سلامة بقية المال ، حينما يدفع زكاة ماله ضمن سلامة بقية المال .. (( ما تلفَ مالٌ في برٍ أو بحرٍ إلا بحبس الزكاة )) .

[الجامع الصغير عن عمر ، بسند ضعيف]

     وحينما يؤدّي عبادة ربّه ، حينما يؤدّي الصلوات الخمس في أوقاتها ، وحينما يتقِن أداءها ، وحينما يقتطع من وقته وقتاً لقراءة القرآن ، وحينما يقتطع من وقته وقتاً لطلبِ العلم ، وحينما يقتطع من وقته وقتاً للأعمال الصالحة ، للدعوة إلى الله ، للأخذ بيد الناس إلى الله ورسوله هذا ماذا فعل ؟ هذا أدَّى زكاة وقته ، فإذا أدَّيت زكاة وقتك ضمن الله لك سلامة بقية وقتك ، ليس هذا فحسب بل كما يقول العوام : طرح الله لك في وقتك البركة ، ما معنى البركة ؟ أنَّ الله سبحانه وتعالى يوفِّقك إلى إنجازٍ كبير في وقتٍ قليل ، وهذه أخصُّ خصائص المؤمن .

      فإنك تعجب من هؤلاء الذين طلبوا العلم ، وعلَّموا الناس ، كيف يتعاملون مع وقتهم ؟ هناك علماء جمعوا مؤلَّفاتهم ، وقسَّموها على أيام حياتهم فإذا هم يكتبون في اليوم الواحد تسعين صفحة ، هل بإمكانك أن تقرأ كل يوم عشر صفحات ؟ تسعين صفحة كتابة ، وهم شُغِلوا بأعمالٍ كثيرة ، أَخَصُّ خصائص المؤمن أن الله سبحانه وتعالى يبارك له في وقته ، فيسمح له أن يفعل الشيء الكثير في الوقت القليل  .

      بينما ربنا عزَّ وجل يمكن أن يتلِف للإنسان وقته ، يمكن أن يكلِّفك بعملٍ شاق لا تنتفع منه إطلاقاً ، يمكن أن يعمل التاجر سنةً بأكملها .

     إنسان عنده مزارع تفَّاح في بعض المناطق في مدينة يبرود ، ضَمانها في العام مليون ليرة ، برياحٍ عاتيةٍ في ساعاتٍ قليلة أُتلِف المحصول كلُّه ، إنه لا يؤدّي زكاة ماله ، ربنا عزَّ وجل من أساليبه التربوية أنك إذا ضننت بوقتك عن أن تبذله في ذكر الله ، طبعاً ذكر الله عزَّ وجل العلماء قالوا : الصلاة ، وقالوا : تلاوة القرآن ، وقالوا : الحج ، وقالوا : العبادات ، وقالوا : الطاعات ، أي كل شيءٍ يسبب قربك من الله يجب أن تفعله ولا تبالي بالوقت لأنه : (( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ )) .

[الترمذي بسند فيه ضعف]

     وفي الأثر : " ابن آدم .. كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك في ما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد " .

       العِبرة أيها الإخوة أن تنظِّم وقتك ، الوقت الذي لله دعه لله ، الوقت الذي للأهل دعه للأهل ، الوقت الذي للعمل دعه للعمل ، أما أن تجعل عملك يطغى على دينك ، وعلى طاعتك ، وعلى صلواتك وعلى طلبك للعلم ، وعلى حضور مجالس العلم ، فهذا ليس من الحكمة في شيء ، ومن فعل هذا وقعت عليه هذه الآية :

لا تنشغِلوا  بــ :

     عن صلواتكم ، عن حجِّكم ، عن صومكم ، عن أداء زكاة أموالكم ، عن طلبكم للعلم ، أما أوسع معنى عن طاعة الله ، أي : إذا آثرت حظك من الدنيا على طاعة الله فقد انطبقت عليك هذه الآية :

      هم الخاسرون ، فالإنسان مثلاً لو أنه رأى ورقةً بيضاء فاستعملها لكتابة كلماتٍ لا معنى لها ، ثم مزَّقها ، وألقاها في سلَّة المهملات ، ثم اكتشف أن هذه في الوجه الآخر شيك بألف مليون ، كان من الممكن أن يقبضه ، وكان من الممكن أن يشتري به بيتاً فخماً ، ومركبةً فارهةً ، وأن يعيش حياةً هنيئة ، هو غفل عن قيمتها ، فاستعملها كورقة مسودَّة ، ثم ألقاها في المهملات ، هذه خسارة ، جاء إلى الدنيا وغادرها ، من أجل سنواتٍ عشر استمتع بها بكسب الأموال الطائلة بطريقٍ مشروعٍ ، أو غير مشروع ، بالحلال أو الحرام ، وأكل وشرِب ، وسافر ، وتنزَّه ، ثم جاءه ملك الموت ، وهو صفر اليدين ..

       أيها الإخوة الكرام ، عاهد ربَّك أنه حينما تسمع صوت الآذان دع كل شيء ، وقُمْ إلى الصلاة ، من أجل ألاّ تنطبق عليك هذه الآية :

(سورة العنكبوت : آية " 45 ")

       من تجارتكم ، ذكر الله أكبر ، أي أنك حينما تؤثر ما عند الله عزَّ وجل يجب أن تعلم علم اليقين أن الله سيمنحك الدنيا والآخرة ، من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً .

    هذا وقتٌ مجلس العلم لا تؤثر عليه لقاءً مع صديق ، هذا وقت مجلس العلم لا تؤثر عليه زيارةً تافهةً لإنسان ، هذا وقت مجلس العلم .

      أحياناً لأتفه الأسباب يَدَعُ مجلس العلم ، لأتفه الأسباب يُقَصِّر في أداء الصلوات ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

       فأحياناً من أجل أن يضمن لأولاده مستقبلاً رائعاً يعصي الله ، من أجل أن يضمن لأولاده مستقبلاً رائعاً يوقِعُهُم في الحرام ، أو يقع هو في الحرام ، لمجرَّد أن تؤثر المال أو الولد على طاعة الله ، على معرفته ، على التقرُّب إليه فقد انطبقت عليك هذه الآية ، وسبب نِفاق المنافقين ، وانحراف المنافقين ، وأن الله غضب عن المنافقين أنهم آثروا دنياهم على آخرتهم ، هكذا قال الله عزَّ وجل :

(سورة الإنسان )

       يوم ثقيل ، والحقيقة إن الخسارة الحقيقية ، نحن في أذهاننا أن الإنسان إذا فَقَدَ ثروته فقدْ خسر ، إذا فَقَد ماله فقدْ خسر ، إذا فَقَدَ بيته فقدْ خسر ، أحياناً يكون البيت غاليًا جداً ، يقع تحت استملاكٍ ، فيعطونه مبلغاً بسيطاً من المال لا يسمح له بشراء بيتٍ مقابلٍ له ، أما الخسارة الحقيقية ، الخسارة الكبرى أن تخسر الآخرة ، سيدنا عمر رضي الله عنه من أروع كلماته إذا أصابته مصيبةٌ : " الحمد لله . عجيب .. الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، دينه سليم ، المال يذهب ويأتي .. الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذ أُلهِمت الصبر عليها " .. الحل ، قال تعالى :

(سورة المنافقون : آية " 10 " )

       أي من قبل ذلك ، الدنيا فيها أموال ، وفيها أولاد ، وفيها بيوت ، وفيها مركبات ، وفيها حدائق ، وفيها بساتين ، وفيها أماكن جميلة ، وفيها متع ، وفيها مباهج ، والدنيا خضرةٌ نضرة، لكن أنت لماذا في الدنيا ؟ الآية دقيقة ، حينما يقول لك الله :

       اللهو كما تعلمون أن تشتغل بالخسيس عن النفيس ، حينما قال الله عزَّ وجل  :

      ما النفيس في هذه الآية ؟ ذكر الله ، ما الخسيس ؟ أن تلهو بالمال والأولاد .

      الآن عندنا معنى ثالث ، لو أن مالك لم يشغلك عن طاعة الله أبداً فإن هذا ليس من الخسيس ، المال قِوام الحياة ، المال يمكن أن تتقرَّب به إلى الله ، إذا كانت عباداتك وطلبك للعلم والواجبات الدينية تؤدّيها كاملةً ، ولك أعمال جليلة تكسب بها المال ، فحبَّذا المال ، كما قال سيدنا أبو ذر : " حبذا المال أصون به عرضي وأتقرَّب به إلى ربّي " ، حبَّذا المال ، معنى ذلك متى يكون المال شيئاً خسيساً ؟ إذا شغلك عن طاعة الله ، أما إذا لم يشغلك ، من هنا قالوا : قد يكون المال في القلب ، وقد يكون في اليدين ، المؤمن ماله بين يديه ، لكن قلبه مع الله ، إذاً إن لم تلهو بالمال فاسع إليه ، فإنه قِوام الحياة ، به ترقى إلى الله ، به تتقرَّب إلى الله ، به تنفقه في سبيل الله ، ليس معنى ذلك أن المؤمن انزوى وتقوقع ، وانسحب من الحياة وانهزم ، وعاش في صومعة ، وصار عبئاً على الناس ..

      النبي الكريم سأل أحد أصحابه ، أحد الشبَّان في المسجد يصلّي قال له : من يطعِمك ؟ وقت عمل وليس وقت صلاة ، من يطعِمك ؟ قال: أخي ، قال : أخوك أعبد منك "

[ورد في الأثر]

   أمسك بيد ابن مسعود وقال : ((إن هذه اليد يحبّها الله ورسوله )) .

[ورد في الأثر]

      معنى ذلك إن لم تلهُ عن ذكر الله ، الصلوات تحافظ عليها ، دروس العلم تحافظ عليها ، تؤدّي كل واجباتك فامشِ في مناكب الأرض ، كن إنساناً متفوّقاً ، ليكن لك عمل ؛ دراسة ، مهنة ، حرفة ، تجارة ، صناعة ، زراعة ، انفع المسلمين ، أنت في الدنيا من أجل أن تنفعهم ، (( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ... )) .

[مسلم]

      من القوة أن تكسب المال الحلال ، لا تكن عبئاً على أحد ، ليكن الناس عبئاً عليك ، اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى .

       إذاً المعنى الثالث : لو أننا لم نشغل عن ذكر الله بالمال فإن المال لم يعد شيئاً خسيساً ، صار قِوام الحياة ، لو أننا ربّينا أولادنا ليكونوا صالحين من بعدنا ، فإنه لم يعد شيئاً خسيساً ، صارت تربية الأولاد من طاعة الله ، العبرة ألا تنشغل بالخسيس عن النفيس ، النفيس ذكر الله ، فإن لم تُشغَل عنه حبَّذا تربية الأولاد ، وحبَّذا إنجاب الأولاد ، والولد الصالح أفضل كسب الرجل ، أفضل كسب الرجل ولده ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) .

[مسلم]

       المعنى الأول : أن أنفس ما في الدنيا ذكر الله  .

(سورة طه )

       لأن الصوم يسقُط بالمرض أو السفر ، والحج يسقُط بالفقر ، والشهادة تؤدَّى مرَّةً واحدة في العمر إذا أردت أن تكون كذلك ، بقي ماذا ؟ بقي الصلاة الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال ، قال تعالى :


(سورة العنكبوت )

       والعلماء قالوا : " أوسع معنى هذه الآية طاعة الله ، إذا انشغلت بولدٍ أو بمالٍ عن طاعة الله فقد وقعت تحت هذه الآية .

من للتبعيض ..

     لا تعني المال وحده ، أوتيت علماً أنفقه ، أوتيت مالاً أنفقه ، أوتيت خبرةً أنفقها ، أوتيت جاهاً أنفقه ..

       يقول لك محامٍ : إذا كان أخ مظلوم لا يتحمَّل نفقة الوكالة ، أنا أُدافع عنه ، هذا ماذا فعل ؟ هذا أنفق مما رزقه الله ، مدرِّس رياضيات قال : أنا ممكن أن أدرِّس الطلاب الفقراء مجَّاناً لوجه الله ، هذا أنفق مما رزقه الله ، هذه قضية عامَّة ، لا يوجد إنسان ليس لديه ميّزة في الأرض أبداً ، لا يوجد واحد من الإخوة الحضور ليس لديه ميّزة ، هذا بعلمه ، إنسان يتقن تبليط الأرض ، فيقول لك : أنا للمسجد جاهز ، كثير من الإخوان قدَّموا خدمات أنا والله أشهد الله إنني أشكرهم عليها ، قدَّموها لوجه الله ، لبيت الله ؛ هذا في الكهرباء ، هذا في الطلاء ، هذا في البلاط ، يمكن للحرف كلّها أن تكون داخلة في هذه الآية   :

آتاك جاها انصر الضعيف ، آتاك علما أنفقه ، آتاك خبرة علِّم الآخرين ، آتاك مالا أنفقه ..

   كان عليه الصلاة والسلام يمشي مع أصحابه ، فرأوا قبراً ، فقال عليه الصلاة والسلام : (( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تَحْقِرون من تَنَفُّلِكُم )) .

[ورد في الأثر]

أي ركعتين سريعتين صلاَّهم الإنسان لا فرض ولا سنّة ، هكذا دخل إلى مسجد فصلى تحية مسجد ، قال : (( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفُّلكم أحبُّ إليه من كل دنياكم ))  .

     ماذا يوجد في الدنيا ؟ شركات أرباحها السنوية أكبر من ميزانيات دول ، فيها قصور ، فيها أماكن جميلة جداً ، فيها نساء ، فيها طعام طَيِّب .. قال : (( هذا إلى ركعتين مما تحقرون من تنفُّلكم أحبُ إليه من كل دنياكم ))  .


(سورة الزخرف )

       والذي فيه يصعقون حينما تُكتشف الحقيقة ، فهل يمكن للإنسان ـ للتقريب ـ أن يبيع بيته في المالكي ، ومعمله ، وسيارته ، وكل ما يملك ، واشترى بها عملةً أجنبية ليعيش في بلدٍ أجنبي في بحبوحةٍ كبيرة ، يعيش من فوائد هذا المبلغ ، يقول لك : في الشهر خمسة ملايين فوائد ، ثم يُفاجأ أن هذه العملة كلَّها مزوّرة ، التي باع بها بيته ومعمله ومركبته ، هذا خبر ؟  يقول لك : جلطة ، ومات على الفور ، فإنه لم يتحمَّل الخبر ، هذه في الدنيا ، إذا خسِر الإنسان كلَّ ماله في الدنيا قد يموت فجأةً ، لأنه لا يتحمَّل ، فكيف إذا اكتشف أنه خسِر الآخرة ؟

       أيها الإخوة ، حقيقةٌ ذكرتها كثيراً ، ولكنني والله مضطر أن أعيدها عليكم ، القضية في الإيمان قضية وقت ، كل الحقائق التي جاء بها الأنبياء سوف يعرفها كل الناس عند الموت ، كل الحقائق التي جاء بها الأنبياء جميعاً سوف يعرفها الناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم ، تقيُّهم وفاجرهم ، حتى ملحدهم عند الموت ، فالقضية قضية وقت ، من هذه الآية يستنبط هذا المعنى:

 

 

عند الموت :

( سورة ق : آية " 22 " )

       فلو قال أستاذ : هناك امتحان آخر السنة ، ولكن أحد الطلاَّب تشكك ، أما حينما يأتي آخر العام ، ويدخل الطلاب قاعة الدرس ، وتُطرَح الأسئلة ، ولا يُحسِن الإجابة ، فإن هذا الطالب آمن بأن هناك امتحانا ، لكنه لم ينجح ، لكنَّه عرف ذلك بعد فوات الأوان ، لم تنفعه هذه المعرفة .

(سورة النساء : آية " 18 " )

      لذلك خيارنا مع الإيمان خيار وقت ، إما أن نعرف الحقيقة في الوقت المناسب فننتفع منها  ، وإما أن نعرفها حقَّا في وقتٍ غير مناسب ، فنندم على تفريطنا ، أما المعرفة فحاصلة لا محالة ، لكن البطولة أن تعرفها في الوقت المناسب ، فطالب أحياناً يقرأ الكتاب فيدخل الامتحان ، يأتي السؤال فيجيب ، نجح ، أما إذا لم ينجح فإنه يذهب إلى البيت ، فيفتح الكتاب ، ويقرأ الجواب الصحيح ، عرف الجواب الصحيح ، ولكن متى عرفه ؟ عرفه بعد انقضاء الامتحان ، هل ينجِّحونه ؟ مستحيل أن ينجِّحوه ، فسيقدم اعتراضا ، ويقول : الآن عرفت الجواب ، يقدِّم طلبا للوزارة أنه الآن عرف الجواب ، بعدما جاء السؤال ، ولم يعرف أن يكتب كلمة ، رجع إلى البيت ، وفتح الكتاب ، ففهم الموضوع ، فأرسل اعتراضا أنه يجب أن تنجِّحوني ، لأنني عرفت الجواب ، ولكن بعد الامتحان ، فهذا يوضع في مستشفى المجانين ، فلابدَّ من أن نعرف الحق ، إما الآن ، أو بعد فوات الأوان ، الآن هناك منفعة ، الآن هناك نجاة ، الآن هناك سعادة ، ما دام القلب ينبض ، ما دام في العمر بقية ، ما دام في العمر فسحة ، الآن كل شيء يُحلّ ، لكن المعرفة التي جاء بها الأنبياء من عرفها عند الموت ؟ فرعون ، فرعون نفسه الذي قال :

(سورة النازعات )

       الذي قال : ] أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [ عرف الحقيقة ، فقيل له :

(سورة يونس )

       ما قيمة هذه المعرفة ؟

قدَّم طلبا أنه أنا عرفت الجواب ..

<