English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

رقم الدرس 1 /6 :

التاريخ : 1/11/1996

الموضوع : سورة التغابن ( 64)  الآية " 1- 4"

تفريغ        : عبد الرحمن التكريتي .

تنقيح أولي   : المهندس غسان السراقبي .

تدقيق لغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة التغابن .

بسم الله الرحمن الرحيم  

 

      التسبيح أيها الإخوة هو التنزيه عن كل ما لا يليق بالله عز وجل ، لذلك الذين يظنون بالله ظنّ السوء عليهم دائرة السوء  .

        إخواننا الكرام ، الآية الكريمة قوله تعالى : ]وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ [ .

(سورة فصلت23)

          إذا ظننتم بالله غير الحق ظنّ الجاهلية ، هذا الظن قد يكون سبب الهلاك ، إذا ظننت أن الله سبحانه وتعالى أجبر الإنسان على معاصيه ، ثم سيحاسبه على هذه المعاصي فهذا ظنّ السوء ، حسن الظن بالله ثمن الجنة .

          فكلمة يسبح فيها تنزيه ، يجب أن تنزّه الله عن كل ما لا يليق به ، يجب أن تنزّهه عن الظلم ، يجب أن تنزّهه عن الجهل قال تعالى : ] يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [ .

(سورة الأنعام 3)

يجب أن تنزّهه عن المثلية ، قال تعالى : ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [ .

                                                         

( سورة الشورى: 11 )

          فأي صفة لا تليق بالله عز وجل يجب أن تنزّهه عنها ، وهذا فحوى التسبيح ، التسبيح هو التنزيه ، كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك .

          من معاني التسبيح فضلاً عن التنزيه التمجيد ، أن ترى رحمته ، أن ترى قدرته ، أن ترى غناه ، أن ترى أسماءه الحسنى ، أن تعرف الله من خلال أسمائه الحسنى ، هذا من التسبيح  .

          لماذا قال الله تعالى : ] الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ [ .

(سورة الكهف 46)

        قال بعض المفسرين : الباقيات الصالحات هي سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله والله أكبر ، التسبيح بالمعنى الحقيقي أن تنزّه الله ، وأن تمجده ، والمعنى اللازم أن تخضع له ، أن تنزّهه ، وأن تمجده ، وأن تخضع له ، إذا سبحته ، وحمدته ، ووحدته ، وكبرته فقد عرفته ، وإذا عرفته عرفت كل شيء ، وإذا عرفته وصلت إلى كل شيء ، وإذا عرفته جمعت المجد من كل أطرافه ، إذا عرفته حققت الهدف من وجودك .

          هذا الكلمات العظيمة أحياناً تفرغ من مضمونها .. سبحان الله .. هذا ذكر ، لو عرفنا معنى التسبيح ! التسبيح خير لك من الدنيا وما فيها ، إنك إن عرفت الله عرفت كل شيء ، لكن التسبيح جانب منه تنزيه .

         أحياناً يتصور الإنسان أن الله عز وجل يمكن لإنسان أن يفني عمره في طاعته ، ثم يضعه في النار ، لماذا ؟ لأنه لا يسأل عما يفعل ، من قال هذا الكلام لم يسبح الله عز وجل ، أن يفني الإنسان عمره في طاعة الله ، أن يفني شبابه كله ، ثم يضعه في النار لا لشيء إلا أنه لا يسأل عما يفعل ، من قال هذا الكلام ما سبح الله أبداً ، ولا عرف الله أبداً .

          آلاف العقائد الفاسدة التي تسربت إلى المسلمين ، وكل هذه العقائد تتناقض مع كلام الله ومع أسمائه الحسنى ، ومع صفاته الفضلى ، لو فهمت الآية الكريمة وهي : ] فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [ .

( الشمس : 8)

       على أن الله خلق في الإنسان الفجور ، أنت ما سبحت الله ، ولا نزهته عما لا يليق به ، لو توهمت أن للإنسان أن يفعل كل المعاصي والأثام ، ثم أن النبي عليه الصلاة والسلام يشفع له بهذا المعنى الساذج معنى الوساطة ، لا معنى الرقي ، هذا المعنى الساذج للشفاعة إذا ظننته ، وأيقنت به فأنت لا تعرف الله ، قال تعالى : ] أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ[ .

( سورة الزمر : 19)

(( يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا )) .

( مسلم ، والترمذي عن أبي هريرة ، واللفظ له)

          إذا فهمت الحديث الشريف أنها قبضة في الجنة ، ولا أبالي ، وقبضة في النار ، ولا أبالي ، هكذا بشكل عشوائي ، قبضة في النار ، وقبضة في الجنة فأنت لم تسبح الله عز وجل ، ما سبحته ولا عرفته ، أين قوله تعالى : ] لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ [ .

( سورة غافر17 )

        أين قوله تعالى : ] فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [ .

( سورة الزلزلة  : 7 ـ 8 )

        أين قوله تعالى : ] وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [ .

( سورة النساء : 77 )

        أين قوله تعالى : ] وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [ .

( سورة الأنبياء : 47 )

          كل هذه الآيات تبين عدالة مطلقة ، تبين حساباً دقيقاً ، فإذا توهمت غير ذلك فأنت لا تعرف الله ، وأنت لم تسبح الله ، ولم تنزّه الله عما لا يليق به ، فلذلك حسن الظن بالله ثمن الجنة .

          كلمة ( يسبح ) كلمة كبيرة جداً ، نعني نزهته عما لا يليق به ، ووصفته بكمالاته التي تليق به ، ثم خضعت له .

          ربنا عز وجل يخبرنا أن كل ما في السماوات وما في الأرض ، كلمة السماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون ، والكون ما سوى الله ، وكل ما سوى الله من خلائق كلها تسبح الله ، يا ترى المخلوق على أي مستوى ؟ في الأعم الأغلب على مستوى الذرة ، السبب : ] وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ .

( سورة الإسراء44 )

          إذاً الذرات تسبح بحمد الله ، وقال تعالى : ] وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ .

( سورة فصلت : 21 )

          فحوى هذه الآية يشير إلى أن الجلد كائنات ، معنى أن الجلد خلايا ، وأن كل خلية كائن يسبح الله ، وسوف يشهد على الإنسان جلده ] لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا [ ، معنى ذلك أنه على مستوى كل ذرة كائن يسبح الله عز وجل ، رأس الدبوس كم ذرة فيه ؟ ألوف الملايين من الذرات ، الكون كم ذرة ؟ كل ذرة مخلوق يسبح الله ، إذاً معنى قول الله تعالى :

     

       ينزهه ، ويمجده ، ويخضع له إلا الإنسان ، هذا الإنسان المخلوق الأول الذي سخّر الله له ما في السماوات والأرض ، والذي كرّمه ، قال تعالى : ] وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [ .

( سورة الإسراء : 70 )

        المخلوق الأول المكلف المكرم ، قال تعالى : ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون [ .

( سورة الذاريات : 56 )

          هذا المخلوق الذي سخرت له السماوات والأرض والذي كرمه ، والذي جعله خليفة له ، والذي أمره أن يعمر الأرض ، هذا المخلوق الأول وحده الغافل ، هو وحده الشارد ، هو وحده الشاذ .

        هناك معنى دقيق في الآية  :

   

      طالب مثلاً ، ولله المثل الأعلى ، ولكن من باب التوضيح ، طالب لم يؤدِّ واجبه الدراسي ، قال له المعلم : كل الطلاب قد أدى واجبه ، هذا توبيخ لهذا الطالب ، كل الطلاب من دون استثناء قد أدّوا واجبهم المدرسي إلا أنت ، في هذه الآية معنى أن الإنسان إن لم يسبح فقد شذّ عن كل المخلوقات التي هي في الأصل دونه  .

   

     ما معنى كلمة ما في السماوات ؟ أنا ذكرت لكم قبل مدة أن مركبة فضائية أرسلت إلى المشتري ، وسارت بأقصى سرعة اخترعها الإنسان ، أربعين ألف ميل في الساعة ، ستين ألف كيلومتر في الساعة ، هذه المركبة بقيت تمشي في الفضاء الخارجي ست سنوات ، إلى أن وصلت إلى قرب المشتري ، وعليها مرصد عملاق التقط أبعد مجرة اكتشفت حتى الآن ، هذه المجرة تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية ، هذا الخبر أذيع قبل عام ، أو أكثر من إحدى محطات الأخبار العالمية ، الأربع سنوات ضوئية لو أردت أن تصل إلى نجم ملتهب يبعد عنا أربع سنوات ضوئية لاحتجت إلى خمسين مليون عام ، هذا هو الكون ، هذه معرفتنا به حتى الآن ، الكون غير محدود بالنسبة إلينا ، ولكن بالنسبة إلى الله فمحدود .

          هذا الكون أيها الإخوة عبّر عنه القرآن الكريم بكلمة السماوات والأرض ، كم مجرة ؟ بعضهم ؟ قال : قريبًا من مليون مَليون مجرة ، المجرة كم نجمًا فيها ؟ قريبًا من مليون مَليون نجم ، درب التبابنة مجرتنا مجرة متوسطة ، شكلها مغزلي ، المجموعة الشمسية نقطة في هذه المجرة ، المجموعة الشمسية قطرها ثلاث عشرة ساعة ضوئية ، الشمس ثماني دقائق ، القمر ثانية ، فكلمة غزو الفضاء يعني تخطوا ثانية ضوئية واحدة ، أما أبعد مجرة فثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية ، ربنا عز وجل يقول :

       كل يسبح ، وينزه ، ويمجد ، ويخضع ، في الآية معنى أن الإنسان إن لم يكن كذلك فهو شاذ ، أيعقل أن كل ذرة في السماوات والأرض تسبح الله عز وجل ، وأنت أيها الإنسان المخلوق الأول لا تسبح ؟ الآية الكريمة التي تقول : ] إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [ .

( سورة الأحزاب : 72)

          أنت أيها المخلوق الأول ، وأنت المخلوق المكرم في شكلك وقوامك ، وصورتك وزواجك ، وفي كل شيء ، و أعلى أنواع التكريم أن الكون كله مسخر لك بنص القرآن الكريم : ] وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [ .

( سورة الجاثية 13)

          أيعقل أيها الإنسان أن يسبح الكون كله وأنت لا تسبح ؟! أينزه الكون كله ، وأنت لا تنزّه ؟! أيمجد الكون كله وأنت لا تمجد ؟! أيخضع الكون كله وأنت لا تخضع ؟! أيعقل هذا ؟!

 

      الملك واضح ، والحمد واضح ، لكن أحياناً أن تجمع الملك إلى الحمد ، قد تجد من يملك ، ولا يحمد ، وقد تجد من يحمد ، ولا يملك ، الذي يملك ولا يحمد لا تحبه ، لأنه ظالم ، والذي يحمد ولا يملك لا ينفعك ، لأنه ضعيف ، أما الله عز وجل في الوقت نفسه له الملك وله الحمد ، أنت لاحظ نفسك ، لو أن دائرة تهملك لسألت من المدير ؟ أول سؤال : من ؟ الثاني كيف هو ؟ يهمك أولاً من هو ، ثانياً ما أخلاقه ؟ مستقيم ومنصف ، تسأل من ؟ ثم تسأل كيف ؟ .

          لذلك قال بعضهم : الحمد لله على وجود الله ، والحمد لله على ملك الله ، والحمد لله على كمال الله ، الإنسان إذا اعتقد لحظة واحدة أن أمره بغير يد الله فقد أشرك ، إذا اعتقد للحظة واحدة أن حياته بغير يد الله فقد أشرك ، إذا اعتقد أن رزقه بغير يد الله فقد أشرك ، قال تعالى : ] وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ .

( سورة هود : 123 )

ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده .

       ذكرت من قبل إذا قلت : الله له الملك ، أو مالك الملك ، أو بيده ملكوت كل شيء فهذه الملكية المطلقة ، أحياناً تملك أنت شيئاً ، لكن لا تملك مصيره ، وفي القرآن الكريم آية دقيقة جداً ، وهي قوله تعالى : ] فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [ .

( سورة الحاقة )

       فهو في عيشة مرضيّ عنها ، أم راضية ؟ بعض المفسرين قال : الإنسان قد يرضى عن حياته ، قد يرضى عن بيته ، لأنه واسع ، قد يرضى عن زوجته الصالحة ، قد يرضى عن أولاده ، هم أبرار ، قد يرضى عن دخله هو كبير ، قد يرضى عن مركبته هي حديثة ، قد يرضى عن من حوله ، لكن هل يستطيع أن يضمن بقاء كل هؤلاء معه ، إذا لم يضمن بقاء كل هؤلاء معه فهم إذاً بالتعبير المجازي ليسوا راضين عنه ، أما الآية الكريمة فتعني أن هذه المعيشة في الجنة لن يخسرها ، لن يغادرها إطلاقا ، ربنا عز وجل كنّى عن دوام حال أهل الجنة بأنهم في عيشة ، هي راضية عنهم ، وليس مرضي عنها فحسب .

          في الدنيا الأمر خلاف ذلك ، لأنه له الملك ، لأن ملكية الله ملكية مطلقة ، الله عز وجل يملك كل شيء خلقاً تصرفاً مصيراً ، قد تملك ، ولا تنتفع ، وقد تنتفع ، ولا تملك ، وقد تملك ، وتنتفع ، ولكن مصير هذا المملوك ، ليس في يدك ، فإما أن تفارقه بالموت ، وإما أن يفارقك بالموت ، الآن زوجان محبان بأعلى درجات المودة ، هل يضمن أحدهما أن يبقى معه الآخر إلى أبد الآبدين ؟ الزوجة التي يهيم بها الإنسان إما أن يتركها بالموت ، وإما أن تتركه بالموت ، أو بالطلاق ، افرض المحبة إلى أعلى درجة ، والوفاء كذلك ، أنت لا تملك هذه الزوجة ، تملكها ما سمح الله لها أن تبقى معك ، إذاً ملكية الله مطلقة خلقاً وتصرفاً ، قد تملك رقبة الشيء ، ولا تملك منفعته ، مثال البيت المؤجر ، وقد تملك منفعته كمستأجر ، ولا تملك رقبته ، وقد تملك رقبته ومنفعته ، أن تسكن فيه ، وهو ملكك ، ولا تملك مصيره ، إذاً ملكية الإنسان ليست مطلقة ، وليست كافية ، بل ملكية ناقصة ، الإنسان مالك جسمه ، يتحرك ، ولكن هل تملك القلب ؟ لا ، هل تملك انتظام دقات القلب ؟ لا ، هل تملك بقاء الشرايين مفتوحة ؟ لا هل تملك الخلايا التي في الجسم ألا تنمو نمواً عشوائياً ؟ لا ، هل تملك ألا يتجمد الدم في بعض الشرايين ، وخاصة في الدماغ ؟ لا ، هل تملك سيولة الدم دائماً ؟ لا ، قد تكون في أعلى درجة في المجتمع ، بمجرد أن تتجمد نقطة دم في أحد شرايين الدماغ تصاب بالشلل أو بالعمى ، أو بفقد الذاكرة ، إذاً الله عز وجل قال :

   

       مع أنه يملك ملكية مطلقة ، لكنه لا يتصرف بما يملك إلا بما يحمد على تصرفه ، مع أنه يملك ملكية مطلقة خلقاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ، إلا أنه تحمده حمداً مطلقاً على جميع تصرفاته ، قال تعالى : ] وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ .

( سورة يونس  : 10 )

 

     يسبح كلمة كبيرة جداً ، إذا سبحت الله فقد عرفته ، إن نفيت عنه ما لا يليق به أن يتصف به ، إن مجدته ، ونسبت إليه الكمال الذي يليق به ، إن خضعت له فقد سبحته .

      قدرته مطلقة ، لذلك الإنسان أحياناً مع البشر أتمنى ، ولكن ليس عندي إمكانيات ، إلى هنا تقف إمكانيتي ، أما إذا عرفت الله فليس عنده شيء مستحيل ، أعظم مرض يشفيه الله عز وجل ، لكن أنت مع الأشخاص هناك حدود ، هناك سقف ، كل إنسان له سقف ، فوق كل قوي أقوى ، وكل عالم فوقه أعلم ، أنت إذا تعاملت مع البشر فألف سقف فوقك ، أما إذا تعاملت مع خالق البشر ، وهو على كل شيء قدير ، قدير على أن يخلق من الضعف قوة ، ومن الفقر غنىً ، ومن الشقاء سعادة ، ومن الضياع وجداناً ، من التشتت اجتماعاً ، وهو على كل شيء قدير .

           لو فرضنا في جلسة ، أحد الحاضرين من أقوى الأشخاص ، تجد الأنظار كلها متجهة نحوه ، كلها تعقد أبصارها عليه ، كلها تشرأب أعناقها إليه ، كلها تثني عليه الإنسان ، يحب القوي ، القوي يركن إليه ، القوي يحمي ، فكيف إذا كان الله خالق السماوات والأرض هو ملاذك ، هو ربك ، وإلهك ، هو الذي تعبده .

          يقولون : الإنسان يتقوى بمن يعتمد عليه ، هل يجوز مثلاً أن نعطي الطفل الصغير زكاة المال ؟ الجواب : لا يجوز إذا كان الطفل له أب غني ، العلماء قالوا : هو غني بأبيه ، لو قست هذه النقطة في الفقه ، المؤمن الصادق قوي بالله ، عالم بالله ، غني بالله ، مادام هو مع الله فالله قوي ، هو قوي بقوة الله ، غني بغنى الله ، عليم بعلم الله ، رحيم برحمة الله ، تخلقوا بأخلاق الله ، إذا كنت مع الله كنت مع القوي الرحيم ، الغني العليم .

 

      هل في هذه الآية ما يشير ولو واحدًا بالمائة أن الله عز وجل هو الذي خلق الكافر كافراً ؟ لكن الله عز وجل خلق الإنسان بطبيعة ، وخاصية تتيح له أن يؤمن كما تتيح له أن يكفر ، لأن الإنسان في الأصل مخير ، إذاً بإمكانه أن يؤمن كما بإمكانه أن لا يؤمن ، مادام أصل الإنسان مخلوقًا أول مكرمًا مكلفًا حمل الأمانة ، والأمانة نفسه التي بين جنبيه ، فأساس الثواب والعقاب الاختيار ، أساس الجنة والنار الاختيار ، أساس كل شيء الاختيار .

          والاختيار من لوازمه الحياد ، أما إذا لم يستعمل شيء إلا في وظيفة واحدة فليس بالإمكان أن تكتب في التعليمات أنه يستعمل في وظائف عديدة ، مصمم أن يقدم لك خدمة واحدة ، وهناك آلات مصممة أن تعمل على تيارين شيء إذاً فيها اختيار ، آلة مئة وعشرة لا نعمل في أي مكان ، في الآلة ما يشير إلى الاختيار ، أما إذا كان بالإمكان أن تعمل على التيارين ، فإنه يوجد مكان ، يقول لك : إن أردت أن تعملها على هذا التيار فافعل كذا ، وافعل كذا ، مادام في الإمكان أن تعمل على تيارين فهناك اختيار ، من لوازم الاختيار الحياد ، مادام الإنسان مخيرًا فطبيعته النفسية قابلة أن تؤمن وقابلة أن تكفر .

   

     ولكن لماذا قدم الكفر على الإيمان ؟ لأن الكفار أكثر ، قال تعالى : ] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ .

( سورة الأنعام 116)

          هناك شيء آخر ، هذه النفس البشرية فيها قابلية الإيمان ، كما أن فيها قابلية الكفر ، لذلك الإنسان مخير ، مخير ، لأن فيه قابلية الإيمان والكفر ، هذه العلاقة ترابطية ، مخير لأنه يملك قابلية الإيمان والكفر معاً ، إذاً هو مخير .

          شيء آخر ، هو أن الإنسان أودع الله فيه قوة إدراكية ، وأعطاه ميزاناً ، وأنزل عليه ميزاناً ، جعله بقابلية مزدوجة ، وأودع فيه قوة إدراكية ، وأعطاه ميزاناً ذاتياً ، وأنزل عليه ميزاناً ثابتاً ، الشرع هو الميزان الثابت  ..والعقل الميزان الخاص  ..والقوة الإدراكية هي العقل  ..والإنسان في بنيته حيادي  ..يؤمن أو لا يؤمن  ..هذا معنى قول الله عز وجل :

 

      أن تضرب لنفسك الأمثلة الكثيرة ، أدوات كثيرة تستعملها لوظيفتين ، مادام هناك  وظيفتان فينبغي أن يكون فيها مكان يشير إذا أردت هذه الوظيفة فافعل كذا ، أما آلة تعمل على تيار واحد فليس فيها اختيار أبداً ، وأي آلة تعمل على تيارين ترى فيها مكان على اليمين 110 ز ، على اليسار 220 ، لأنها تعمل على تيارين ، كان هناك اختيار طبعاً ، هذا مثل من الآلات  .

          و( مِن ) في قوله : ] فَمِنْكُمْ [ للتبعيض ، يعني بعضكم آثر الدنيا ، وكذب برسالات السماء ، وأعرض عن الله ، فكان كافراً .

          إذاً مجمل هذه الآية : هو أن الله عز وجل هو الذي خلقكم ، الإنسان وحده مع الجنّ مخلوقان متميزان ، أولاً مكلفان ومكرمان ، الإنسان سرّ وجوده أنه يفعل أفعال اختيارية هي ثمن الجنة ، لأن الاختيار سرّ ثمن الجنة ، فجعله الله عز وجل في قابلية مزدوجة ، يؤمن أو يكفر .. يستقيم أو ينحرف .. يصدق أو يكذب .. يخلص أو يخون .. ينطلق بدافع الشهوة ، أم بدافع المبدأ .. يرجو الدنيا أو الآخرة .. يرحم أو يقسو .. الإنسان في طبيعة اثنينية ، أي طبيعة مزدوجة ، هذه الطبيعة الاثنينية هي سعادته الأبدية ، بإمكانه أن يؤمن أو لا يؤمن .. بإمكانه أن يتصل بالله ، أو لا يتصل ، بإمكانه أن يحسن ، وبإمكانه أن يسيء ، أولاً : مخير ، وله طبيعة ازدواجية ، وثانياً : الله أعطاه قوة إدراكية ، ثالثا : أعطاه ميزانًا ، قال تعالى : ] وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [ .                                                                         ( سورة الرحمن : 7 )

          ولئلا يختل ميزانه أعطاه ميزانًا ثابتًا ، وهو الشرع ، فهناك ميزان ثابت مركزي ، وميزان مع كل إنسان ، وقوة إدراكية ، واختيار ، وطبيعة ازدواجية ، يصدق أو يكذب .. يخلص أو يخون .. يؤمن أو يكفر .. يعطي أو يمنع .. ينصف أو يظلم ،هذه هي الطبيعة  .

          ويبدو أن التقسيم القرآني لبني البشر هو هذا التقسيم ، هذا التقسيم ألغى الأعراق والأنساب وأصول الشعوب ،كل هذه كلمات ما أنزل الله بها من سلطان ، البشر سواسية كأسنان المشط ، منكم مؤمن ومنكم كافر ، فكل انتماءات البشر العرقية والمذهبية والانتماءات اللونية ، الأصفر والأبيض ، والغني ، والدول الشمالية والغنية ، والدول الفقيرة ، كل هذه التقسيمات لم يعتمدها القرآن ، قال :

 

       الناس رجلان ، برّ تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله ، منكم مؤمن ومنكم كافر ، هذا هو التقسيم لذلك لا يضاف للمؤمن ولا كلمة ، ولا يضاف إلى الكافر ولا كلمة ، الكافر كافر من أي بلد ، من أي عرق ، من أي نسب ، من أي مصر ، الكافر هو الكافر ، قبل خمسة آلاف سنة الكافر يشبه كافرًا معاصرًا ، والمؤمن هو المؤمن ، والمستقيم هو المستقيم ، وأينما ذهبت ، وأينما حللت ، هذا هو التقسيم القرآني :

 

     بالعكس ، أنت مؤمن ، لو ذهبت إلى بلدٍ بعيد ، والتقيت بأخ مؤمن تشغر إذا كنت صادقاً في إيمانك أنه أقرب إليك من أخيك النسبي من أبيك وأمك المتفلت ، هذه أكبر علامة من علامات الإيمان قد تلتقي بإنسان في أقصى الدنيا ، لكن عرف الله ، واستقام على أمره تجده أقرب إليك من أقرب الناس إليك نسباً ، لأن الله عز وجل قال :

 

       تلتقي مع المؤمن بمليون قاسم مشترك ، وأقرب الناس إليك من أم وأب ، ومورّثات واحدة ، وبيئة واحدة ، وعادات وتقاليد ، كل هذه القواسم المشتركة قد تجعل إنسانًا يؤمن ، وإنسانًا يكفر ، فإذا كفر الكافر ، وآمن المؤمن كان بينهما هوة كبيرة جداً ، بينما تلتقي مع أخيك بطرف الدنيا ، إذا عرف الله ، واستقام على أمره ، هذا هو تقسيم القرآن الكريم  .

 

       يعرف حقيقة العمل ، وحجمه ، وهدفه ، وتضحياته ، إلى آخره ، العمل لا يمكن أن يعرف حق المعرفة إلا من قبل الله عز وجل ، لك الظاهر قد يبدو لك عمل طيبًا ، ولكن وراءه نية خبيثة ، قد يبدو لك عمل هزيلا ، ولكنه عند الله عظيم ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ )) .

[مسلم]

          والحقيقة ، الله بما تعمل بصير ، وأنت على نفسك بصير ، لذلك لا يمكن أن تخدع الله ، ولا أن تخدع نفسك ، قال تعالى : ] يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [ .

( سورة النساء 142 )

وقال تعالى : ] بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [ .

( سورة القيامة : 14 ـ 15)

     ثم يقول الله عز وجل :

 

 

      هذه الآية وردت كثيراً في القرآن الكريم ، الباء باء الملابسة ، يعني لابس خَلقها الحق ، الحق الشيء الثابت المستقر ، أما الباطل فالشيء الزائل .

       أحيانا نبني جناحًا في معرض أسبوعين فقط ، قد يكون جدار قماش ، أو كرتون ، أو مواد رخيصة جداً ، لأن هذا البناء بني ليهدم بعد أسبوعين ، أما حينما تبني بناءً ليبقى إلى أبد الآبدين فإنك تعتني به عناية كبيرة ، من باب التقريب ، كل شيء خلقه الله خلقه بالحق ، يعني خلق ليبقى إلى أبد البدين ، لتبقى حقيقته ، فأنت إنسان مخلوق بالحق ، تذوق الموت ، ولا تموت : ] وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [ .

( سورة الزخرف : 77)

          خلقت لتبقى إما في جنة يدوم نعيمها ، أو في نار لا ينفد عذابها ، لكن خلقت لتبقى ، والكون خلق ليبقى ، الحق الثبات ، الديمومة ، الاستقرار ، ثم السمو لهدف نبيل ، الدليل أن الله عز وجل قال  : ] وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [ .

( سورة الأنبياء : 16 )

          واللعب هو العبث ، فصار الحق نقيض الباطل والعبث ، نقيض الباطل الاستقرار والدوام ، ونقيض العبث الهدف النبيل ، لأن العبث هدف غير نبيل  .

          إذاً خلق السماوات والأرض بالحق ، وأنتم يا بني البشر صوركم فأحسن صوركم ، أنت منتصب القامة ، أما غير مخلوق فيمشي على أربع ، أنت تأكل اللب ، ويأكل الحيوان القشر ، طعامك منوع أنواعًا لا يعلم عددها إلا الله ، أما الحيوان فطعامه واحد ، أنت لك زوجة ، وأولاد ، وبيت تسكنه ، أودع فيك العقل ، فبالعقل ركبت الطائرة ، وغصت في أعماق البحار ، وارتديت أجمل الثياب ، وسكنت في أفخر البيوت ، أعطاك شيئًا ثمينًا هو أخطر ما في الكون ، ألا وهو العقل ، أعطاك العقل ، وجعل لحياتك زوجة من أنفسكم على شاكلتكم ، إنسان تعلم كما تعلم ، وتحب كما تحب ، إذاً كرمك بالزوجة والأولاد ، والعقل ، والطعام والشراب ، كم نوعًا من الأزهار في الأرض ؟ مئات ألوف الأنواع ، كلها تكريماً لك ، إذاً :

 

       منتصب القامة ، جعل هذا الجلد الجميل .. لولا هذا الجلد لكان الإنسان مخيفًا ، أعطاك الحواس الخمس ، تسمع ، وترى ، وتلمس ، وتنطق ، أعطاك حاسة اللمس ، والذوق ، والسمع ، والبصر ، وهناك حواس أخرى .

 

هاتان الآيتان لنا عودة لهما إن شاء الله في الدرس القادم .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi