English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

الدرس 2 /6

التاريخ : 8/11/1996

الموضوع : سورة التغابن ( 64)  الآية " 5- 6"

تفريغ        : عبد الرحمن التكريتي .

تنقيح أولي   : المهندس غسان السراقبي .

تدقيق لغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة التغابن ، ومع الآية الخامسة ، وهي قوله تعالى :

      

          أيها الإخوة الكرام ، قبل أن نقف عند دقائق هذه الآية لا بدّ من حقيقة تلقي الضوء عليها ، هذه الحقيقة هي أننا في العلوم نبحث عن القانون ، والقانون هو العلاقة الثابتة بين متغيرين ، هذه العلاقة الثابتة تفيدنا في معرفة المستقبل ، أوضح مثل على ذلك : أننا إذا جئنا بعشرات المعادن ، وسخّناها ، فتمددت ، استنبطنا قانونًا : أن المعادن تتمدد بالحرارة ، فإذا أردنا أن ننشأ جسراً نقيم فواصل تمددٍ لئلا يتصدع الجسر ، القانون أفادنا للمستقبل ، نحن استقرأنا أحوال معادن كثيرة فوجدناها جميعها تتمدد بالحرارة ، فقلنا : المعادن تتمدد بالحرارة ، هذا القانون هو العلاقة الثابتة بين متغيرين يفيدنا في التنبؤ للمستقبل ، لا نقيم بناءً إلا مع فواصل التمدد ، لا نقيم جسراً إلا مع فواصل التمدد .

          أيها الإخوة ، الآن الإنسان يرى فعل الله بالناس ، يستطيع الإنسان من خلال فعل الله بالناس أن يكتشف قوانين ، مثلاً المال الحرام يذهب من حيث أتى ، هناك مليون قصة تؤكد هذه الحقيقة ، الذي يعفّ قبل الزواج يسعد بعد الزواج ، والذي ينحرف قبل الزواج يشقى في الزواج ، أنت إذا تتبعت أفعال الله في خلقه استنبطتَ تلك القوانين ، وأنت مأمور بذلك ، قال تعالى :]   قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ .

( سورة الأنعام : 11)

          إن تتبعت أفعال الله في خلقه لاستنبطت عشرات القوانين ، هذه القوانين ما فائدتها ؟ أنها تفيدك في المستقبل ، فإذا علمت أنه من أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكاً ، هناك آلاف القصص ، كل إنسان أعرض عن ذكر الله سيذوق المعيشة الضنك ، وكل إنسان آمن بالله ، واستقام على أمره فله قانون ، وهو قوله تعالى : ] مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ .

( سورة النحل : 97)

          نحن نريد من هذه الآيات أن نعرف أنّ أيّ إنسان انحرف عن منهج الله .. كفر بالله .. كفر بكتابه .. لم يعبأ بمنهج الله ، هذا الإنسان سوف يدفع الثمن باهظاً .

          إذاً نظرنا في منهج الله ، كيف يعامل عباده لاستنبطنا قوانين ، وإذا قرأت القرآن لوجدت هذه القوانين ، إما أن تستنبطها من أفعال الله ، وإما أن تعرفها من كلام الله ، ] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا [

                                                                                                

( سورة البقرة : من الآية 276 )

هذا قانون ، ] وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [ .

( سورة البقرة : من الآية 276 )

هذا قانون ، تحب أن ترى المرابين ما مصيرهم ؟ دقق ، وابحث ، وانظر ، تحب أن ترى المتصدقين ما مصيرهم ؟ سلامة ، وسعادة وغنًى ، والذين يعملون في كسب المال حراماً هم في شقاء ، ودمار ، هم وأموالهم .

          فأنت إما أن تنظر ، وإما أن تقرأ ، إما أن تقرأ في كلام الله القوانين التي يتعامل بها مع خلقه ، وإما أن تنظر في أفعال الله فتستنبط هذه القوانين .

       مثلاً : طالب جلس في الصف ما سمع أي تعليمات من أستاذه ، لكن رأى الأستاذ أن الذي لم يكتب الوظيفة يعاقبه ، والذي كتبها يكافئه ، من خلال عشرين حالة يستنبط قانونًا أن هذا الأستاذ يحب المجتهد ، ويكره الكسول ، ثم يكافئ المجتهد ، ويعاقب الكسول ، فإنك إما أن تنظر في أفعال الله فتستنبط من معاملته لعباده قوانين تهديك في علاقتك مع الله ، وإما أن تقرأ كلامه فتقرأ القوانين التي ذكرها في كتابه الكريم تستفيد منها في علاقتك مع الله ، هذه المقدمة تفسر قول الله عز وجل :

 

      يا كفار مكة ، طبعاً قد تتجه الآية إلى أشخاص معينين ، لكن خصوص المناسبة لا يلغي عموم اللفظ   .

 

       هذا التاريخ أمامك ، اقرأ تاريخ الأمم والشعوب ، هل هناك أمة تفلتت ، وانحرفت ، وطغت ، وبغت إلا وانتهت إلى الدمار والتحلل ، والتفكك ، والانهيار الاجتماعي والاقتصادي ،  أبداً ، هذا قانون لله عز وجل يطبق على المجموع ، وعلى الأفراد ، فإنسان وحيد إذا انحرف عن منهج الله فلا بدّ من عقاب ، ومن تربية ، ومن تذكير ، لا بدّ من صدمة كي يصحو بها ، والمجموع إذا انحرفوا : ] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [ .

(سورة النحل : 112)

          إذاً الإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام : (( أمرني ربي بتسع : خشية الله في السر و العلانية ، كلمة العدل في الغضب والرضى ، القصد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني ، وأن أعفو عن من ظلمني ، وأن أعطي من حرمني ، وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً ، ونظري عبرة )) .

[تفسير القرطبي]

          انظر هل تفلت واحد من الناس من منهج الله ، ولم يعاقب ؟ هل كسب واحد من الناس المال الحرام ولم يدمر ؟ هل تفلت واحد من الناس في علاقته مع النساء ولم يشق في زواجه ؟ أبداً ، قال تعالى :]   مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [ .

( سورة النحل 97 )

          بل إنه يستحيل عند الله ، إما أن تؤمن بالله وعدالته ، وإما ألا تؤمن به ، ولا بعدالته ، قال تعالى : ] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [ .

( سورة الجاثية  : 21)

          الآن ربنا عز وجل يقول :

 

     معنى كفروا أيْ أعرضوا عن الله عز وجل ، معنى كفروا كذبوا ، إما أن توسع الدائرة أي كذبوا بوجود الله ، أو كذبوا بأسمائه الحسنى ، وكذبوا رحمته ، وكذبوا عدله ، وكذبوا تشريعه ، أو كذبوا رسالة رسوله وبعثة الأنبياء ، أو كذبوا قرآنه ، هذا التكذيب يضيق ويتسع ، يتسع حتى يشمل كل شيء ، ويضيق حتى يبقى محدوداً بشيء ، على كل حال كذبوا .

          الحقيقة أن الكفر في شيئين ، في موقف ، وفي سلوك ، الموقف تكذيب ، أما السلوك فإعراض عن الله عز وجل ، أحياناً طالب في صف ، الأستاذ أمامه ملء السمع والبصر ، لكنه لا يعبأ بدرسه ، يتشاغل بورق وألعاب لينشغل عن درس الأستاذ ، هو لا يكفر بوجوده ، بل يكفر بقيمة علمه ، فالكفر أنواع ، لمجرد أن ترد آية ربنا عز وجل حينما يقول : ] وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ [ .

( سورة البقرة 221 )

          ويبحث إنسان عن امرأة جميلة لا يعبأ بدينها أبداً ، هذا الإنسان كذب كلام الله ، قال الله عز وجل : ]  يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [ .

(سورة البقرة 276)

        لو أن إنسانًا أكل الربا ، ولم يعبأ بهذه الآية ، معنى ذلك أنه كفر بهذه الآية وكذبها ، فالتكذيب والكفر يلتقيان  .

     كل إنسان كفر ذاق وبال أمره ، الوبال التبعة .. الشيء الثقيل الذي يكون بسبب أمرٍ من الأمور ، مثلاً إنسان خالف الأنظمة الاقتصادية ، يحكم عليه بعشرين سنة ، العشرون سنة وبال أمره ، إنسان أهمل صحته ، عانى من مرض عضال ، المرض العضال وبال أمره ، إنسان أهمل تربية أولاده ، فانحرفوا ، حينما كبروا ذاق وبال أمر انحرافهم ، إنسان مدّ يده إلى الحرام ، فكشف ، وسيق إلى السجن ، وأمضى فيه سنوات عدة ، هذا ذاق وبال أمره .

          الوبال الشيء الثقيل الذي هو بسبب انحراف خطير ، هذا هو الوبال ، وهل من شيء أخطر من أن يكفر الإنسان بالله عز وجل ؟

        ] أَلَمْ يَأْتِكُمْ [ ، طيب هؤلاء الذين كذبوا كلام الله ، وحاربوا النبي عليه الصلاة والسلام ، أين هم الآن ؟ أبو جهل ، وأبو لهب ، وصفوان بن أمية ، ومن لف لفهم ، أين هم الآن ؟ في مزبلة التاريخ ، أما الذين صدقوه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه فهم في أعلى عليين ، وهذا التاريخ بين أيديكم ، تاريخ الأمم والشعوب ، أي فرد ، أو أي جماعة ، أو أي أمة استقامت على منهج الله وصلت إلى الخافقين .

          ذهب إنسان إلى ( فيينا ) ، ورأى في متحفها صورة زيتية لطيفة جداً ، الجنود المسلمون الذين فتحوها يشترون العنب من فتيات فيينّا ، ويغضون أبصارهم عنهنّ ، يدفعون الثمن ووجوههم إلى الجهة المقابلة ، هكذا فتحت فيينّا من قِبَل المسلمين ، والمسلمون حينما وصلوا قرب باريس باستقامتهم والتزامهم ، أما حينما تفلتوا ، وانصرفوا إلى اللهو والمجون والجواري والموشحات والخمور ، قالت امرأة لآخر حين خرج من الأندلس :

ابكِ مثل النساء ملكاً مُضاعاً       لم تحافظ عليه مثل الرجال

          الله عز وجل له قوانين ، حينما استقمنا على أمرنا وصلنا إلى أطراف الدنيا ، فلما تفلتنا من منهج الله عز وجل ضعفت كلمتنا ، هذا الذي نريد أن نقرره ، هناك قوانين يمكن أن نستنبطها ، إما من أفعال الله ، وإما من كلام الله ، وسيان متى أن تستنبط آلاف القوانين من أفعال الله بالتأمل و التتبع والبحث والدرس ، أو لك أن تأخذها جاهزة من كلام الله عز وجل .

       وإنّ لكل سيئة عقاباً ، لما قال ربنا عز وجل : ] ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ .

( سورة الروم  : 41)

          والحقيقة من رحمة الله لنا أن الله يذيقنا وبال أمرنا ، لماذا ؟ كي نتوب ، وكي نرجع قبل فوات الأوان ، لو أن الله سبحانه وتعالى لا يذيقنا وبال أمرنا نسترسل في المعاصي والأثام ، إلى أن يأتينا ملك الموت ، ونحن هلكى ، لكن هذه المتابعات ، وهذه الشدائد ، وهذا الوبال إلى الآن العالم يعاني من مرض الإيدز ، هذا الموضوع عالجته مرات عديدة ، كلما عدت إلى موضوع سابق وجدت الرقم مضحكًا ، أول ما عالجته كان بالألوف ، آخر معالجة خمسة وثلاثون مليون مصاب ، في عام ألفين مئة وعشرون مليون مصاب ، والعدد يتفاقم بسلسلة ، كانوا يقولون : بسلسلة حسابية ، وهناك سلسلة هندسية ، والآن بسلسلة انفجارية .

  

        طبعاً هناك تراجع للفساد ، شيء ثابت في العالم كله ، في بلدٍ من البلاد ثلاث عشرة محطة إباحية الآن ، ثلاثة فقط ، لأنهم ذاقوا وبال أمرهم ، فتراجعوا ، من حكمة الله البالغة ، ومن نعمه الباطنة غير الظاهرة أنه يذيق الإنسان وبال أمره ليتوب ، يأكل مالاً حراماً فيدمر بعض ماله ، فيتوب ، فيستقيم على أمر الله ، فينجو ، لولا أن الله أذاقه وبال أمره لما استقام على أمر الله ، ولما تاب ، إذاً كما قال الله تعالى : ] وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [ .

( سورة لقمان 20 )

          الظاهرة الخيرات التي نراها ، والباطنة المصائب التي تعد سبب رجوعنا إلى الله عز وجل ، فالآية الكريمة :

إذا ذاقوا وبال أمرهم ، ولم يتوبوا انتهى الأمر ... لا .

      في الآخرة ، ذاقوا وبال أمرهم في الدنيا ، ولهم عذاب أليم في الآخرة ، أما إذا استقمت على أمر الله أذاقك الله نعيم الدنيا ونعيم الآخرة ، وجعل نعم الآخرة متصلة بنعم الدنيا ، ليس على الله بعزيز أن تذوق نعم الدنيا مع نعم الآخرة ، أن تعيش حياة هانئة ، ويأتي الموت فتنتقل إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، ليس ذلك على الله بعزيز ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول : ] مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [ .

( سورة النساء 147 )

          الله عز وجل لا ينتفع بعذابنا ، بل يعذبنا ليرحمنا ، لذلك النقطة الدقيقة أن علماء التوحيد رفضوا أن تقول : الله ضّار ، هو ضّار ، لكنه الضّار النافع ، يضّر لينفع ، الله عز وجل يذل ، لكن لا ينبغي أن تقول : هو المذل ، يذل ليعزّ ، الله جل جلاله يخفض ، لكن ليرفع ، يقبض ليبسط ، يأخذ ليعطي ، لذلك الإنسان يجب أن يفقه حقيقة أفعال الله حتى يحبّه ، وحتى يتعامل معه بصدق وإخلاص .

        إن لم يتوبوا ، هناك إنسان مستقيم في الدنيا مطمئن بها ، يأتيه ملك الموت ، ينتقل إلى عالم البرزخ ، وقبره كأنه روضة من رياض الجنة ، فإذا جاء يوم القيامة دخل الجنة ، فحياته سلسلة مسرات ، وهناك إنسان يعاني شقاء الدنيا والآخرة ، شقاء الدنيا ، وعذاب القبر ، ولهيب النار ، لأنه تاه عن الله عز وجل ، وخرج عن منهجه ، هذا الموضوع خطير ، موضوع سعادة الأبد ، هناك قضايا لو خسرتها تعوض ، أو لا تعبأ بفقدانها ، لكن ثمة أشياء أساسية ، لذلك قال تعالى : ] قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [ .

( سورة الزمر : 15 )

          الخسارة الحقيقية أن تخسر الآخرة ، الشيء الدقيق سوف أضعه بين أيديكم لو أنك تريد أن تسافر من دمشق إلى حلب ، هناك عدة سيارات ، اخترت أسوء سيارة ، تتألم ألماً شديداً وقت السفر ، أما حينما تصل ينتهي الموضوع ، فأنت لا تندم على شيء طارئ فاتك ، بعد أن وصلت انتهت المشكلة ، انزعجت أم لم تنزعج ، القضية انتهت ، ووصلت إلى حلب ، أما حينما يفوتك شيء أبدي فهذا هو الذي يسحق الإنسان ، الشيء الطارئ لا قيمة له .

         بالمناسبة الدنيا كلها بكل ما فيها من خيرات وبأموالها الطائلة ، بعزها ، بجاهها ، ببيوتها الفخمة ، بمركباتها الفارهة ، بأراضيها ، بمزارعها ، بكل ما فيها من جمال ، من نساء وأولاد ، من الأموال الطائلة ، الدنيا كلها هي أصغر من أن تكون عطاء لله ، السبب : لأنها مؤقتة ، هي أصغر وأحقر من أن تكون عطاء لله ، وهي أصغر وأحقر أن تكون عقاباً للكافرين ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .

[الترمذي]

          بكى عمر بن الخطاب يوماً لأنه يرى النبي عليه الصلاة والسلام ينام على الحصير ، وقد أثّر في خده الشريف ، سيد العالمين .. سيد ولد آدم .. حبيب الله .. سيد الرسل بلا وسادة ، ولا فراش مريح ، قال عمر : رسول الله ينام على الحصير ، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟! قال : يا عمر ، أفي شك أنت ؟ إنما هي نبوة ، وليست ملكاً ، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة )) .

[الأدب المفرد للبخاري ، والجامع الصغير للسيوطي عن عمر بسند صحيح]

       هذا نبي الله غرفته صغيرة ، وبيته صغير ، حياته خشنة ، وكان يقول كما في الحديث عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .

[الترمذي ، ابن ماجه بإسناد صحيح]

          كان عليه الصلاة والسلام متواضعاً ، كان إذا دخل عليه الغريب قال : أيّكم محمد ، ليس له مقعد خاص ، ولا جلسة معينة ، كان مع أصحابه ، أيّكم محمد ؟ مرة قال له : صحابي ذلك الوضيء ، ومرة قال له النبي : أنا ، قد أصبت ، ليس له شيء متميز ، (( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .

          جاءه عدي بن حاتم ، وكان ملكاً ، التقى به ، ورحب به ، وأخذه إلى بيته ، يقول عدي بن حاتم : أنا أعلم أنه ملك فلما استوقفته امرأة ضعيفة وقف معها طويلاً يكلمها في حاجتها ، فقلت في نفسي : والله ما هذا بملك ، ما هكذا شأن الملوك ، ثم دخلت إلى بيته ، فقذف إليّ وسادة من أدم جلد محشوة ليفاً ، قال : اجلس عليها ، قلت : بل أنت ، قال : بل أنت ، قال : فجلست عليها ، وجلس هو على الأرض ، ليس له وسادتان ، عنده واحدة ، في بعض البيوت عشرة أطقم أرائك ، أربعمئة متر ، كل غرفة نوع ، هذه شرقي ، وهذه غربي ، هذه مدّ عربي ، هذه أمريكي ، ليس عنده غير وسادة واحدة من أدم محشوة ليفاً ، فقلت : والله ما هذا بأمر ملك ، قال : إيه يا عدي بن حاتم .

      ذكر له أشياء كثيرة ، ولكن استوقفني في هذه القصة ثلاث عبارات ، قال : أولاً : لعله يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم .. أصحابي فقراء .. وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، تأتي الدنيا وهي راغمة ، أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاستخدميه ، ومن خدمني فاخدميه .

          ثانياً : ولعله يا عدي إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم ، المسلمون ضعفاء فقراء ، ومستضعفين ، قال تعالى : ] وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ [ .

( سورة القصص )

          قد لا يكون لك شأن عند الناس ، شخص عادي جداً ، بوظيفة عادية جداً ، ودكان صغيرة ، بدخل صغير ، وبيت خشن ضيق ، وقد تكون عند الله كبيراً ، وقد تكون عَلماً في السماء ، وقد قال عليه الصلاة والسلام لأحد أصحابه الفقراء : (( أهلاً بمن خبرني بقدومه جبريل ، قال : أو مثلي ، قال : نعم يا أخي ، في الأرض خامل ، لكنك في السماء علم )) .

[ورد في الأثر]

      ولعله يا عدي إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم ، المسلمون فقراء ، وضعاف ، والله ليوشكن أن تسمع القصور البابلية قد فتحت لهم .

          ثالثاً : ولعله يا عدي إنما منعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم ، العالم كله ضد الإسلام أينما ذهبت ، وايم الله لتوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج هذا البيت على بعيرها لا تخاف ، ولقد عاش عدي حتى رأى كل هذا البشارات بعينه .

          إذا مشيت أنت مع فالله عز وجل الله كبير ، كل شيء بيده ، لكن يريد أن يمتحن صِدقك ، يريدك أن تطيعه دون أن تطمع بنواله في الدنيا ، أطعه وكفى ، لا تنظر إلى نواله في الدنيا ، اجعل همك أن تطيعه ، والله عز وجل هو يتولى أمرك ، إذاً :

      إخواننا الكرام ، لا تمر على الأحداث مرور الكرام ، ما من حدث وإلا له معنًى كبير ومعنًى خطير ، ما من حدث من أحداث الحياة ما من فعل من أفعال الله إلا وله دلالة كبيرة ، تأمل ، تبصر ، كما تدين تدان ، البر لا يبلى ، والذنب لا ينسى ، فلما يتعظ الإنسان من أفعال الله ، هذا إذا كان ينظر ، أو يتعظ من قوانينه في القرآن ينجو ، أما من لا يقرأ القرآن ، ولا يتعظ ، ولا ينظر إلى أفعال الله فأنى له أن يفهم .

          قرية على الساحل الأطلسي ، كل أنواع المعاصي والأثام المقبولة وغير المقبولة ، طبعاً كلها غير مقبولة ، لكن هناك شيء غير معقول ، ترتكب في هذه المدينة ، وهي من أجمل المدن على الساحل الأطلسي ، وفيها فنادق من أرقى مستوى ، أصابها زلزال دمرت على آخرها خلال ثلاث دقائق ، أكبر فندق كانت تجري فيه المعاصي والأثام ، هذا الفندق ثلاثون طابقاً ، غاص كله في الأرض ، وبقي الطابق الأخير ، ولوحته الشهيرة ، وكأن هذه اللوحة شاهدة دفنه ، الحدث هذا يفسر تفسيراً أرضياً ، أن هناك زلزالا ، أي القشرة الأرضية اهتزت ، واضطربت ، وهناك تفسير إلهي ، أنهم ذاقوا وبال أمرهم .

          مرض الإيدز ، هذا أليس وبال الفسق والفجور ؟ قد لا تصدقون أن هناك ألوف المليارات تنفق على البحث عن مصل مضادٍ له .

 

      الآن هذا العذاب الأليم بلا تعليل لا ينفعنا ، لو أن أباً ضرب ابنه ، ولم يهمس ببنت شفة ، الابن لا يعلم ، لماذا ضربتني ؟ ماذا فعلت ؟ لكن ربنا عز وجل برحمته وحكمته وربوبيته إذا سلق عذاباً لإنسان يعلمه بشكل أو بأخر ، أحياناً يسوق العذاب موافقاً للذنب ، فالمسرف يدمر الله له ماله ، والذي يعتدي على أعراض الآخرين يُعتدَى على عرضه ، والمتكبر يهان ، هناك نماذج كثيرة جداً لمصائب جاءت موافقة للذنوب ، فهذا تعريف من الله .

          أذكر إنسانًا زكاة ماله 11350 ، زوجته ضغطت عليه ، على أن ينفق هذا المبلغ في إصلاح البيت ، وتجديد أثاثه ، فيبدو أنه استجاب لها ، ولم يعبأ بدفع الزكاة ، عنده مركبة أصيبت بحادث ، كانت كلفة التصليح 11350 بالضبط ، توافق المبلغين رسالة من الله .

          شخص يمضي أغلب أوقاته في الصيف في التجول بالطرقات المزدحمة بالنساء ، هذه متعته الوحيدة ، عنده خمس بنات متزوجات ، متعته الوحيدة أن يغدو في الطرقات المزدحمة ليمتع عينيه بالنساء الكاسيات العاريات ، أصيب بمرض نادر جداً ، اسمه ارتخاء الجفون ، لا يستطيع أن يرى إلا إذا أمسك جفنه بيده وفتحه ، هذا واضح وضوحًا شديدًا أن هذا المرض بسبب هذه المعصية ، والشرح يطول ، وفهمكم يكفي  .

          كل ذنب له عقاب من جنسه ، إنسان أصيب بمرض خبيث في العضو الذي عصى الله به .

          فالحالة الأولى أن الله سبحانه وتعالى إذا ساق مصيبة يسوقها من جنس الذنب الذي اقترفه الإنسان ، فهذا شرح من الله عز وجل لهذا الإنسان هذه حالة   .

          الحالة الثانية : أن الله يلقي في روعه ، قال تعالى : ] مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ .

( سورة التغابن 11)

] وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [ .

( سورة التغابن 11)

لعلته .

      فالإنسان يشعر دون جهد أن هذه المصيبة من أجل كذا ، يقول : فهمت .

      أحد الإخوة الأكارم جاءه شخص ليشتري حاجة من حاجات معمله ، هو يبيع بأعداد هائلة ، رأى أن هذه الصفقة مزرية ، فقال له : لا أبيع مفرقًا ، فخرج هذا المشتري كسيف القلب ، يقول لي هذا الأخ : ما دخل ثلاثين يومًا زبون إلى محلي ، فهِم على الله ، هذه مقابل هذه ، من نِعم الله الكبرى أن تفهم على الله أفعاله ، فإما أن تفهم على الله أفعاله ، وإما أن يأتي العقاب مشابهاً للذنب ، وإما أن يلقي الله في روعك ، وإما أن يسخر من يخبرك أن هذا الذنب عقابه كذا .

       الآن ربنا قال :

 

ذنبهم هؤلاء قال  :

  

الأنبياء معهم الكتب والأدلة والبراهين والعلامات الدالة على وجود الله ، وعلى عظمته  .

      كفروا بنبوة الأنبياء ، توهموا أنه لا يليق بإنسان أن يكون رسولا ، لكن لو جاءك ملك رسول ، وقال لك : غض بصرك عن النساء ، تقول : هذا ملك ، ونحن بشر ، يجب أن يكون الرسول من بني البشر تجري عليه كل خصائص البشر ، وليكون حجة على البشر ، لا يمكن إلا أن يكون النبي والرسول بشراً من أجل أن يرسخ المبادئ التي جاء بها ، أنت كمبادئ نظرية سهلة ، لكن ما الذي يمنعك من تطبيقها ؟ الدوافع الكامنة في نفسك ، فإذا رأيت بشراً مثلك يطبقها فهو حجة عليك ، لذلك قال تعالى :

 

كفروا بنبوة الأنبياء ، وكفروا برسالة الرسل  .

      طبعاً الكفر تكذيب وإعراض ، لم يعبأ لا بالصلاة والزكاة ، والحج والصيام ، ولم يعبأ بتعلم العلم ولا تعليمه ، ولا بالقرآن وتفسيره ، ولا بالحديث .

 

     الله عز وجل غني عن عباده كلهم ، (( ... يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ... )) .

[مسلم]

 

       غني عنّا ، لكن لا يعاملنا إلا بما يحمد عليه ، أن تقد تستغني عن إنسان فتهمله ، قد تستغني عنه فلا تنصحه ، قد تستغني عنه فلا تؤدبه ، قد تستغني عنه فلا تعطيه ، لكن الله سبحانه وتعالى مع أنه غني عنّا فلا يعاملنا إلا بما نحمد عليه ، لذلك ورد في الأثر : "يا داود ، لو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إليّ ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين" .

          لذلك قالوا : " إذا قال : العبد يا رب وهو راكع قال الله : لبيك يا عبدي ، فإذا قال : يا رب وهو ساجد قال الله : لبيك يا عبدي ، فإذا قال : يا رب وهو عاصٍ قال : لبيك .. لبيك .. لبيك " .

          ربنا ينتظرنا ، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ، وأنت حينما تتوب إلى الله يفرح الله ، والدليل : لله أشد فرحاً بتوبة عبده من الضّال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد ، وحينما تتوب إلى الله ، وتصطلح معه كيف أن البدوي الذي فقد ناقته ، فأيقن بالهلاك ، فجلس يبكي حتى أدركه النعاس ، فاستيقظ فرأى الناقة أمامه ، من شدة فرحه اختل توازنه قال : يا رب ، أنت عبدي وأنا ربك ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( للَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ )) .                                                 

(صحيح مسلم )

          أما إذا أصرّ الإنسان :

 

 ولكن الله مع أنه استغنى عنهم لا ينساهم ، بل يؤدبهم ، ويعالجهم ، ويسوق إليهم الشدائد .

    غني عنّا ، ويحمد على أفعاله كلها ، وفي درس آخر نتابع هذه الآيات .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi