English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

الدرس 3 /6

التاريخ : 15/11/1996

الموضوع : سورة التغابن ( 64)  الآية " 7- 8"

تفريغ        : عبد الرحمن التكريتي .

تنقيح أولي   : المهندس غسان السراقبي .

تدقيق لغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

 

                  

بسم الله الرحمن الرحيم

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث من سورة التغابن ، ومع الآية السابعة ، وهي قوله تعالى :

      أيها الإخوة الكرام ، أحد أكبر وأهم أركان الإيمانِ الإيمانُ باليوم الآخر ، والله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة قرن الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر ، فحينما يعتقد الإنسان أن الدنيا هي كل شيء ، وأن السعيد فيها من كان غنياً ، وصحيح الجسم ، وعالي الشأن ، وأن من فقد هذه المقومات فهي شقاء في شقاء ، وأن الموت نهاية كل شيء ، ولا شيء بعد الموت ، فهذا المنطق يقتضي أن تنكب على الشهوات فتعبّ منها ، هذا المنطق يقتضي أن تؤمِّن المال من أي طريق ، لأنه مادة الشهوات ، هذا المنطق يقتضي أن تفعل كل شيء بغير حساب ، ودون تأمل ، وتبصر .

          لذلك ربنا سبحانه وتعالى يبين لنا أن الكفر وما يتبعه من انحراف خطير بسبب أن الكافر توهم أنه لم يبعث ، فمادام الإنسان يعمل عملاً ، ولا يسأل عنه ، لا على نتائجه الإيجابية ، ولا السلبية ، فمستحيل أن ينضبط ، إن رأيت إنسانًا لا ينضبط فاعلم علم اليقين أن اليوم الآخر لم يدخله في حساباته إطلاقا ، وترى أناسًا كثيرين لهم انتماء إلى الإسلام بشكل أو بآخر ، يرون أنهم إذا كسبوا مالاً حراماً قد حققوا شيئاً ثميناً ، ويغيب عنهم أن الله سيحاسبهم ، قال تعالى : ] وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [ .

( سورة إبراهيم : 42)

          فهؤلاء الذين كفروا .. كفروا بماذا ؟ كفروا باليوم الآخر ، الدنيا كلها أكبر همهم ومبلغ علمهم ، الدنيا هي كسبهم الوحيد ، لذلك معهم الحق ، انطلاقاً من تصوراتهم الموهومة أن ينكبوا على الدنيا بكل ما أوتوا من قوة ، بحسب تصوراتهم عليهم أن ينغمسوا في كل الملذات ، لأنها جنتهم الوحيدة ، الإنسان حينما ينحرف ، ويتحرك حركة عشوائية ، وحينما يبحث عن المال بأي طريق ، وحينما لا يعبأ بمنهج ولا دستور ، ولا نظام ولا قانون ، وحينما لا يدخل مراقبة الله في حساباته يكون قد كفر باليوم الآخر.

          لا يمكن أن تجد إنسانًا يؤمن باليوم الآخر ثم ينحرف ، حساب دقيق ، فكلمة ( زعم ) ، هذه مطية الكذب ، كلمة ( زعم ) قبل أن نقرأ ما بعدها تعني الكذب .

  

      هل معهم الدليل ؟ الإنسان أحياناً يؤمن بأفكار دون دليل ، لكنها تطمئنه طمأنة ظاهرية ، إذا اعتقد أنه ليس هناك بعث ، ولا نشور ، ولا حساب ، ولا عذاب ، يتحرك حركة عشوائية كما يحلو له ، أما إذا أيقن أن هناك حساباً دقيقاً فلا يمكن أن يتحرك هكذا .

          إذاً ... هؤلاء الذين كفروا ، أو كذبوا ، إما أن الكفر كفر بكل شيء ، أو ببعض الأشياء ، إلا أن معظم أهل الأرض لو سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن : الله ، هم يعتقدون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض ، ولكن لا يعتقدون أنه معهم ، أنه في السماء إله ، وفي الأرض إله ، لا يعتقدون أنه مسير لشؤونهم كلها ، أنه سيحاسبهم على أعمالهم كلها .

          أيها الإخوة ، من المناسب هنا أن نذكر آية لها علاقة مسيسة بهذه الآية ، وهي قوله تعالى : ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [ .

( سورة الطلاق : 12)

       ربنا سبحانه وتعالى اختار من أسمائه اسمين ، اسم العليم والقدير ، أنت متى تستقيم ؟ إذا أيقنت أنه يعلم ما تفعل ، وأنك بقبضته ، وسوف يحاسبك ، وهو قادر على أن يحاسبك أشد الحساب ، لو أردنا أن نكون واقعيين ، أنت مع إنسان أقوى منك لا تستطيع أن تتفلت من ضبطه ، من علمه ، ولا من عقابه ، لا بدّ من أن تطيعه ، تطيع إنساناً من جلدتك ، لكنه أقوى منك ، بإمكانه أن يضبط حركتك ، وبإمكانه أن يعاقبك ، إذاً تطيعه

          فالنقطة هنا متى يعصي الإنسان ربه ؟ الإنسان يعصي ربه إذا ظنّ أن علم الله لا يطوله ، أو ظنّ أن قدرة الله لا تطوله ، أما يكفي أن تؤمن بثلاث كلمات : إنه يعلم ، وسيحاسب ، ويعاقب ، وهو قدير على أن يفعل بك كل شيء ، لمجرد أن تؤمن أنه يعلم ويحاسب ، ويعاقب ، وأنك في قبضته تجد نفسك مستقيماً على أمره .

          فيا أيها الإخوة الكرام ، هذا سؤال دقيق ، إن رأيت انحرافاً في سلوكك ـ لا قدّر الله ـ أو تهاوناً في كسب مالك ، أو تهاوناً في إنفاق المال ، أو عدم انضباط في علاقاتك الاجتماعية ، فاعلم علم اليقين أن هذا من نقص إيمانك ، إما بعلم الله أو بقدرته ، أما إذا أيقنت أن الله قدير ، وأنه سيحاسب ، ويعاقب لا يمكن أن تتفلت من قبضته ، لذلك يقول الله عز وجل :

 

      كلمة ( زعم ) تعني أن هذا ادعاء كاذب ، وأنهم لن يبعثوا ، وأن هذه حياتنا الدنيا نموت ونحيا ، وهل تصدقون أن أربعة أخماس أهل الأرض يعتقدون ذلك جميعاً ، ولا شيء غيرها ، لذلك يعملون فيها عمل الجبابرة من أجل أن يستمتعوا بها ، لأنها جنتهم الوحيدة ، والموت عندهم نهاية كل شيء ، اذهب إلى قارات الأرض الخمس تجد معظم الناس هذه عقيدتهم ، لذلك يتفلتون ، فتأتيهم الأمراض والانحرافات ، والجرائم واغتصاب الأموال ، والعدوان على قدم وساق ، لأنهم لا يعتقدون أن إلهًا سيحاسبهم ، أما المؤمن ـ والله الذي لا إله إلا هو ـ قبل أن ينطق بكلمة ، وقبل أن يقف موقفاً ، وقبل أن يصل إنساناً ، وقبل أن يقطع إنساناً ، وقبل أن يعطي إنساناً ، وقبل أن يمنع إنساناً ، وقبل أن يغضب ، وقبل أن يرضى ، وقبل أن يتحرك ، وقبل أن يسافر ، وقبل أن يتاجر ، وقبل أن يسكن ، وقبل أن يتزوج يطرح على نفسه هذا السؤال : ماذا أجيب الله يوم القيامة عن هذا التصرف ؟

          هيئْ لله جواباً ، وافعل ما تشاء ، إذا لم تستحِ من الله فافعل ما تشاء ، إذا كان عملك موافقاً للمنهج الإلهي ، إذا كان عملك يرضي الله عز وجل فلا تعبأ بالناس ، لا يعبأ بالناس إلا ضعاف العقول والدهماء من الناس ، لكن العباقرة المؤمنين لا يعبئون إلا بخالقهم ، فقد يقفون موقفاً يسبب لهم متاعب كثيرة ، لكن أرضوا بذلك خالقهم ، إذاً :

      يقول الله عز وجل : يا محمد ، قل لهم ، وأقسم لهم بربك ، طبعاً الإنسان متى يقسم ، لو أن إنسانًا قال لك : كم الساعة الآن ؟ هل يعقل أن تقول : والله العظيم الساعة السابعة ، هو ما كذبك ؟ تقسم له إذا كذبك ، إذا سألك إنسان سؤالا طبيعيًّا فليس من البلاغة أن تقسم له ، أما حينما تقسم له معنى ذلك أنه يكذبك ، فهؤلاء لأنهم يكذبون اليوم الآخر ، وأن الله سيبعثهم من قبورهم ، وأنه سيحاسبهم حساباً دقيقاً .

          تروي بعض الآثار أن الأغنياء يحشرون يوم القيامة أربع فرق ، فريقًا جمع المال من حرام ، وأنفقه في حرام ، يقال : خذوه إلى النار ، حسابه سريع جداً ، وفريقًا جمع المال من حلال ، وأنفقه في حرام ، يقال : خذوه إلى النار ، وفريقًا جمع المال من حرام ، وأنفقه في حلال ، يقال : خذوه إلى النار ، أما الذي جمع ماله من حلال ، وأنفقه في حلال فيسأل : هل تاه بماله على عباد الله ؟ هل ترك فرض صلاة ؟ هل قصّر في طاعة الله ؟ هل قال جيرانه : يا رب أغنيته ، وهو بين ظهرانينا فقصّر في حقنا ؟ ومن بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : تركته ، ومازال يسأل ، ويسال .

          إخواننا الكرام ... لو أن الواحد منّا قبل أن يفعل شيئاً تصور أنه بين يدي الله عز وجل ، لماذا فعلت كذا ؟ لماذا اغتصبت هذا المال ؟ لماذا أخرجت شريكك من هذه الشركة ؟ لماذا طلقت فلانة ؟ إذا تصورت أن الله سيسألك عن كل شيء هيئ الجواب ، وافعل فعلا مغطًّى بجواب يقبله الله ، فلذلك المؤمن في مثل هذا الموضوع وقّاف عند كتاب الله ، المؤمن الصادق لا يشغله شيء إلا أن يتعرف إلى منهج الله ، إلى الأمر والنهي ، ماذا يرضي الله وماذا يغضبه ، ما الحلال والحرام ، ما الحق وما الباطل ، ما الخير وما الشر ، ماذا يمكن أن يكون ، وما لا يمكن أن يكون ، بعد أن يعرف المؤمن ربه لا شيء يشغله إلا معرفة الأمر والنهي ، لأنه الآن سيتحرك .

          هناك نقطة مهمة جداً ، الله جل جلاله ذكرها كثيراً ، أنت حينما تؤمن بالله تظن أن هذا الإيمان هو نهاية المطاف ، تأتي بآيات قرآنية ، تأتي بأحاديث ، تأتي بحوادث كونية تؤكد أنك مؤمن ، لا ، هذا ليس نهاية المطاف ، إنه بداية المطاف ، بعد أن آمنت بالله ماذا فعلت ؟ لأن الله عز وجل يقول :  ] قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [ .

[سورة الكهف : 110]

       الآن أنت إذا آمنت أن الله إله واحد ، ماذا عليك أن تفعل ؟ لو أنك آمنتَ أن الله موجود  هو موجود ، لو أنك آمنت أن الله واحد ، هو واحد ، لو أنك أمنت أن الله كامل ، هو كامل ، لو أنك آمنت أن القرآن كلامه ، هو كلامه ، لو أنك آمنت أن الإسلام حق ، الإسلام حق فعلاً ، أي شيء آمنت به ، ولم يتبع هذا الإيمان حركة وموقف ، وانصياع وطاعة فلا قيمة له ، لأن إبليس قال : ] قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ .

(سورة ص : 82)

] وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [ .

                                                                            ( سورة التوبة : 54 )

          يصلون ، وينفقون ، وهم عند الله كافرون , إذاً هذه النقطة الأساسية أن الإنسان قد يقرأ كثيراً ، قد يستمع إلى أشرطة ، قد يستمع إلى دروس علم ، إذا كان في بيته هوَ هو ، في عمله هو هُو ، في علاقاته ، وفي كسبه للمال وإنفاقه ، في أوقات فراغه ، في أفراحه وأتراحه ، في علاقاته الاجتماعية لا يأتمر بما أمر الله ، ولا ينتهي عما نهى الله عنه ، لكنه مغرم بدروس العلم ، ومعرفة الحق ، هذا الإيمان سماه بعض العلماء إيمانًا إبليسيًّا ، لا يقدم ولا يؤخر .

          من أجل أن تكسبوا أوقاتكم ، من أجل أن تتحركوا حركة صحيحة لا بدّ من أن تطبق ، فلذلك قال تعالى : ] قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [ .

( سورة الكهف : 110)

          آمنت أن الله موجود ، ألا تحب أن تلتقي به ؟ ألا تحب أن تصل إليه ؟ ألا تحب أن تكسب رضاه ؟ ألا تحب أن يحبك الله ؟ ألا تحب أن يشملك الله برحمته وعنايته وتوفيقه ؟ ألا تحب أن تسعد بقربه ؟ عليك أن تطيعه ، من هنا كانت الطاعة هي الفوز ، قال تعالى : ] وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [ .

(سورة الأحزاب : 71)

          لا تقيّم نفسك لا في ضوء أفكارك ، ولا في ضوء كتبك ، ولا في ضوء طلاقة لسانك في الإسلام ، لا تقيم نفسك إلا من خلال مدى تطبيقك لما جاء في الكتاب والسنة ، التطبيق هو الذي يرفعك .. التطبيق هو الذي يصلك بالله .. التطبيق هو الذي ينعشك .. التطبيق هو الذي يجعلك تتألق ، إذاً : ] فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [ .

          ( سورة الكهف : 110)

            قال لي كثيرٌ من الإخوة : أشكو من فتور في قلبي ، أشكو من ضعف في صلاتي ، أشكو من جفوة في قراءتي للقرآن ، أقرأ فلا أشعر بشيء ، أصلي فلا أشعر بشيء ، أذكر الله فلا أشعر بشيء ، إن لم تشعر بشيء لا في صلاتك ، ولا ذكرك ، ولا تلاوتك ، فهناك مشكلة كبيرة ، معنى ذلك أن هناك حجاباً بينك وبين الله ، هذا الحجاب بسبب معصية ، أو مخالفة ، أو سوء ظن بالله ، أو انحراف ، أو تعلق بالدنيا ، فالإنسان يجب أن يكون حكيم نفسه ، وطبيب قلبه ، والقلب هو معقد الآمال ، لقول الله عز وجل : ] يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ*إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ .

( سورة الشعراء : 88ـ89)

          إذاً :

          هذا زعمهم ، إذا نفى إنسان الامتحان فهل نفي الامتحان يلغي الامتحان ؟ لا ، في العلوم شيء دقيق ، هو قانون السقوط ، سقوط الأجسام له قانون ، لو أن الإنسان أراد أن يهبط من الطائرة ، إما أن يحترم قانون السقوط ، فيتخذ مظلة يهبط بها ، فيغدو سالماً في الأرض ، وإما أن يحتقر هذا القانون ، فلا يستخدم هذه المظلة ، فيلقي بجسمه من الطائرة فيأتي ميتاً ، وحين لم يحترم هذا القانون ، أو كذب به فهل معنى ذلك أن هذا القانون توقفت قواعده ؟ لا ، القانون مطبق تطبيقاً حتمياً ، أعجبك أم لم يعجبك ، ’منت به أم لم تؤمن ، فرحت به أم لم تفرح ، القانون مطبق .

           إذا زعم إنسان أن ليس هناك جنة زعم ولا نار زعم هل بهذا الزعم ألغى الجنة والنار ؟ لا والله ، الجنة موجودة ، والنار موجودة .

        أعرف رجلاً أسرف على نفسه بالشهوات إسرافاً غير معقول ، وكان في الثامنة والثلاثين من عمره ، أصيب بمرض خبيث في دمه ، حينما جاءه المرض ظنه عارضاً ، وهو مرح جداً ، ويستقدم إلى بيته ما لا يرضي الله عز وجل ، فحينما علم أنه مصاب بهذا المرض الخبيث ، وأن بينه وبين الموت زمناً قصيراً بدأ يصاب بنوبات هستيرية ، يقول : لا أموت ، فلما جاءه ملك الموت صرخ بصوت ما بقي في البناء كله ذي الأربع طوابق إنسان إلا وسمع الصوت .

          إذا أنكر إنسان الآخرة هل معنى ذلك أنه ألغى الآخرة ؟ إذا أنكر الموت ألغى الموت  ؟ شيء مستحيل ، فالبطولة أن تتعامل مع الواقع .. أن تتعامل مع قوانين الله ، البطولة ألا تندم ، لأن الندم تفسيره أنك لم تُعِمل عقلك ، لما يتحرك الإنسان حركة خاطئة سيندم ، وهذا الندم دليل أنه لم يستخدم عقله ، إذاً يقول الله عز وجل :

 

      نحن جميعاً سوف نموت ، شئنا أم أبينا ، وسوف ندخل القبر ، وسوف نبعث من القبور ، لأن الموت ليس نهاية الحي ، حياة الإنسان أبدية ، والقبر ليس آخر بيوته ، القبر يزوره زيارة ، والدليل أن الله عز وجل يقول : ] أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ [ .

(سورة التكاثر : 1ـ2)

          لماذا قال : ] زُرْتُمُ [ ؟ لأن الإنسان يزور القبر ، ثم يخرج منه ليبعث حياً ، ليحاسب عن كل أعماله صغيرها وكبيرها ، أحياناً يطلق الإنسان لابنته العنان ، تتحرك كما تشاء ، وترتدي أي ثياب ، لا يمنعها إن أبدت مفاتنها للناس ، بل يطرب لذلك ، قد تأتي يوم القيامة تقول : يا رب ، لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي .

          إذا أيقن الإنسان أنه سيحاسب ، والله لخرج من جلده خوفاً ، لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت لما أكلتم طعاماً عن شهوة ، ولا دخلتم بيتاً تستظلون به ، ولذهبتم إلى الصعدات تبكون على أنفسكم  .

          أحياناً يقال لإنسان : تعال الخميس راجعنا إنسان لا ينام الليل إنسان يتوقع ألف سؤال إنسان وألف مشكلة ، فكيف إذا دعاك الله عز وجل الواحد الديان ليسألك عن كل شيء .

          إخواننا الكرام ، لا أتمنى على الله من هذا الدرس إلا فكرة واحدة ، أنه قبل أن تتحرك ، وتصل وتقطع ، وقبل أن تعمل أي شيء .. فكر بماذا تجيب الله يوم القيامة عن هذا العمل ، إذا أخطأ إنسان معك في الحساب ، هل تفرح ، إن فرحت فلا تعرف الله ، يجب أن تؤدي له الحساب ، أناس كثيرون يرون أن كسب المال الحرام ذكاءً ، إنسان بموقع دقيق يبتز أموال الناس ، يرى نفسه ذكياً ، عاش في بحبوحة ، وأتى لأهله بأطيب الطعام ، وبأجمل اللباس ، سكن أجمل بيت ، لأنه قوي ، واستطاع بقوته أن يبتز أموال الناس ، وأن يخيفهم ، يظن نفسه أنه ذكي ، وأنه عاقل .. لا ، ما دام هناك بعث ونشور ، وحساب وعذاب ، وجنة ونار ، الذكي من أطاع الله ، كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله .

 

تبعثنّ من قبوركم : ] قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [ .

(سورة يس : 52)

 

       شيء يحير ، الإنسان الآن وصل إلى أشياء مذهلة بعقله ، يمكن أن يضع خمسين ألف كتاب في قرص ، ويقرأ مليوني حرف في ثانية ، من اليسير على الله أن يسجل عليك كل أعمالك وحركاتك وسكناتك ، ] اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [ .

(سورة الإسراء : 14)

          أنت في الدنيا لك سرّ وعلانية ، لك باطن ولك ظاهر ، لك خلوة ولك جلوة ، لك بيت تأوي إليه ، تفعل ما تشاء ، أما إذا خرجت من البيت تظهر بأجمل مظهر ، لكن الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية لا في السماوات ولا في الأرض ، فهذا النبأ هو عملك الحقيقي ، خلفيته ، وأهدافه ، بواعثه ، حجمه ، نواياه المنطوية تحته ، هذا كله عند الله عز وجل : ] وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [ .

( سورة الإسراء : 17)

          يمكن أن تعمل عملاً صالحاً ، وهو عند الله ليس بصالح ، يمكن أن تعمل عملاً صالحاً في ظاهره ، وفي نيتك أن تنتزع إعجاب الآخرين ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ ، فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ ، قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ : جَرِيءٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ ، وَعَلَّمَهُ ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ ، فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ ، وَعَلَّمْتُهُ ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ ، قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ : عَالِمٌ ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ ، لِيُقَالَ : هُوَ قَارِئٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ ، فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ ، قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ : هُوَ جَوَادٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ )) .

[مسلم]

  

        فعلت كذا بنية كذا ، بالباعث الفلاني ، بالهدف الفلاني ، بالحجم الفلاني ، بالخلفية الفلانية ، تحليل دقيق جداً لعمل الإنسان  .

 

       الله عز وجل قال عن نفسه : إنه سريع الحساب ، أحيانا يمكن أن يقرأ الإنسان في بعض الحواسيب المركزية أربعمئة مليون حرف في ثانية ، إذا كان هذه سرعة حاسب الإنسان فكيف بالله عز وجل ؟ لا زمن إطلاقا ، كن فيكون ، لأن الله عز وجل قدراته مطلقة ، مطلق في قدرته .. مطلق في علمه ، ليس هناك حدود ، الإنسان له حدود ، إذاً :

 

        آمن بالله الإيمان الصحيح ، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله ، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله لا فائدة منه ، هذا إيمان إبليس ، الإيمان الذي يجعلك تغض بصرك عن محارم الله هو الإيمان الذي أراده الله ، الإيمان الذي يجعلك تقول : أين الله ؟ قال : بعني هذه الشاة ، وخذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت ، أو أكلها الذئب ، قال : والله إني لأشد الحاجة لثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله

          الإيمان الذي ينجيك هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله ، هذا كلام مختصر ودقيق ، من قال : لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ، قيل : وما حقها ، قال : أن تحرزه عن محارم الله .

 

 

      آمنوا بالله من خلال آياته الكونية .. من خلال آياته القرآنية .. من خلال آياته التكوينية ، وآمنوا برسوله من خلال سنته القولية ، والفعلية والإقرارية ، إذا آمنت بالله من خلال كتابه ، وآمنت بالله من خلال خلقه ، وآمنت بالله من خلال أفعاله ، وآمنت بالنبي عليه الصلاة والسلام من خلال سنته القولية والعملية والإقرارية ، وحملك هذا الإيمان على طاعة الله فهذا هو الإيمان الذي يريده الله عز وجل  .

   

أي بهذا الكتاب ، لأن الله عز وجل قال : ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [ .

( سورة الطلاق : 12)

          إذاً والنور الذي أنزلنا هذا القرآن : ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [ .

( سورة الأنعام : 1)

] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [ .

( سورة الكهف  : 1)

          الكتاب يعادل الكون ، الكون خالقه وهذا كلامه ، خلق الكون ، ونوّره بهذا النور .. بهذا الكتاب الذي فيه إيضاح لكل شيء ، في هذا الكتاب فلسفة الوجود .. في هذا الكتاب فلسفة الحياة وحقيقتها .. في هذا الكتاب فلسفة الإنسان ، قال تعالى : ] أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى [ .

( سورة القيامة : 36 ـ 37)

] أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [ .

( سورة المؤمنون : 115 )

] إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [ .

( سورة المعارج : 19)

] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [ .

( سورة النجم : 39)

] إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ .

( سورة العصر : 2)

          ينبغي أن تعرف حقيقة الإنسان من خلال هذا الكتاب ، لأنه نور ، وأن تعرف حقيقة الدنيا ، ]  اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ [ .

( سورة الحديد : 20 )

          إن الحياة دار ابتلاء ، الحياة دار انقطاع ، الحياة دار تكليف ، الحياة دار عمل ، الحياة دار سعي ، الحياة دار معرفة الله ، الحياة مكان للعمل الصالح ، هذه حقيقة الحياة ، أكثر الناس يتوهمون الحياة شيء آخر ، لا بد أن تعيش في بحبوحة ، تتنعم ، تأكل ، وتشرب ، تستعلي على الناس ، تعيش بأجمل بيت ، وتركب أفخم سيارة ، هذا هدف الناس ، لأنهم ما عرفوا حقيقة الحياة الدنيا .

        إذا جلس طالب في الامتحان ، أو جلس في مدرسته ، همه مكان قريب من النافذة ليتسلى ، همه مجلة يتسلى بها في أثناء إلقاء الدرس ، همه طعام يأكله في أثناء إلقاء الدرس ، همه أن يضجع لينام في أثناء إلقاء الدرس ، هل عرف حقيقة المدرسة ؟ ما فهم حقيقة المدرسة ، دخل الامتحان يكتب خطوطًا للتسلية على ورق الامتحان ، دون أن يقرأ الأسئلة ، معنى ذلك أنه ما عرف حقيقة الامتحان .

           فالمشكلة أن الناس يجعلون الدنيا دار نعيم ، لا دار عمل ، الدنيا دار عمل ، والآخرة دار نعيم ودار جزاء ، الدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف ، الدنيا دار سعي ، والآخرة دار مكافأة ، فأنت من خلال النور تعرف حقيقة الكون ، ] أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [ .

( سورة لقمان : 20)

          تعرف حقيقة الإنسان ، تعرف حقيقة الحياة الدنيا ، هذا الذي سماه الله نوراً :

 

      ] بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [ ، هنا : ] بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ ، الخبرة أعمق من العلم ، يعلم الله ما كان ، وما يكون ، وما سيكون ، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، لأنه خبير  .

  

       أيها الإخوة ، هذه السورة سميت سورة التغابن ، لأن أحد أسماء يوم القيامة هو التغابن ، الإنسان يكتشف أنه مغبون ، إذا باع الإنسان بيتًا قيمته ثلاثون مليونًا ، باعه بثلاثة ملايين ،  كان مسافرًا عشر سنوات ، وعاد ، ودخل عليه إنسان ، عرض عليه ثلاثة ملايين ، وجده مبلغًا كبيرًا ، فباعه ، وكتب عقدًا ، وطوّب ، ثم اكتشف أن البيت ثمنه ثلاثون مليونًا ، ألا يتألم أشدّ الألم ؟ في الدنيا هذا اسمه الغبن ، أن تعطي شيئاً ثميناً بشيء بخس ، أو أن تشتري شيئاً سخيفاً بثمن باهظ ، البائع قد يكون مغبونًا ، والمشتري مغبون .

          ربنا عز وجل أراد الدنيا قضية مبادلة و معاوضة ، فالإنسان ضحى بالدنيا من أجل الآخرة .. آثر الآخرة على الدنيا ، اشتروا الضلالة بالهدى ، فالكافر اشترى الدنيا ، وباع الآخرة ، أما المؤمن فضحى بالدنيا ، وسعى للآخرة ، فهذا اليوم يوم التغابن كل الناس يحسون بالغبن ، إلا أن الكافر يحس بغبن كبير ، أما المؤمن فيتمنى لو لم ينفق من عمره ساعة إلا في ذكر الله ، وطاعته ، والعمل الصالح ، الغبن أن تكون في غرفة ، وبإمكانك أن تأخذ منها كل شيء ثمين ، وأخذت الشيء الخسيس ، فأنت أسف شديد :

   

       أي الناس يغبن بعضهم بعضاً ، المؤمن يشعر بالغبن ، لأنه ضاع من وقته بعض الوقت لم يكن في ذكر الله ، ولا في طاعته ، مع أنه نجا ، ودخل الجنة ، لكن لا يندم المؤمن على شيء فاته من الدنيا إلا ساعة مرت عليه لم يذكر الله فيها ، هذا أكبر ندمه ، الكافر ضيع الآخرة من أجل الدنيا .

          والحقيقة أن الغبن لا يحتمل ، من أشد أنواع الشعور الممتد أن تشعر أنك مغبون ، أحيانا الزوج يشعر أنه مغبون مع هذه الزوجة ، كان بإمكانه أن يأخذ أفضل منها بكثير ، والزوجة تشعر أنها مغبونة مع زوجها ، و أحيانا التاجر يشعر أنه مغبون مع شريكه ، والبائع كذلك ، والشاري كذلك ، فالغبن هو أن تبيع الشيء الثمين بالسعر البخس ، أو أن تشتري الشيء الخسيس بالثمن الباهظ ، والآخرة تجارة ، ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [ .

( سورة الصف : 10 ـ 11)

          رأس مالك حياتك ، وفراغك ، وصحتك ، ومالك ، فإذا أنفقت المال والحياة والصحة والفراغ في طاعة الله كسبت السلامة في الدنيا ، والجنة في الآخرة ، هذه هي التجارة الرابحة ، قال تعالى :

 

      هذا طريق النجاة ، ومن يؤمن بالله الإيمان الصحيح ، ويعمل صالحاً مؤكداً إيمانه الصحيح يكفِّر عنه سيئاته ، أي أن ماضيه مغطًّى بالمغفرة :

 

بعد هذا البيان الإلهي ، وهو :

 

      مقياس الفوز عندك ماذا ؟ لو سألت آلاف الأشخاص : ما مقياس الفوز عندكم ؟ قد يقول لك الحقيقة : المال .. الغنى .. الصحة .. العلو في الأرض ، لكن الله في هذا القرآن الكريم يقول : الفوز العظيم أن تؤمن إيماناً صحيحاً ، وأن تعمل صالحاً كي تفوز بالجنة .

] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ .

( سورة البقرة : 39)

          أصبح هناك وضوح تام ، يوم التغابن يوم الحساب ، ما من إنسان إلا ويصاب بالغبن ، حتى المؤمن يتمنى لو لم يتهاون ثانية من عمره ، أما غبن الكافر فكبير ، لأنه في النار ، المؤمن في الجنة ، لكن يتمنى أن يكون في أرقى درجاتها ، كيف ضيع هذه السهرة ؟ كيف ضيع هذا الوقت ؟ كيف أنه لم يحافظ على ما أمره الله تماماً ، يشعر بالغبن أحياناً ، أما الكافر فيشعر بغبن شديد جداً .

في الدرس القادم إنشاء الله ننتقل إلى قوله تعالى :

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi