English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

الدرس 2 /6

التاريخ : 20/12/1996

السورة  : سورة الطلاق ( 65 )  الآية "1"  .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني من سورة الطلاق ، ومع الآية الأولى ، وهي قوله تعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم

        أما قوله تعالى في هذه الآية :

 

       أي اتقوا أن تعصوه ، واتقوا أن تخالفوا أمره ، واتقوا أن تقعوا تحت سخطه ، واتقوا ألاّ تأخذوا بهذا المنهج القويم في علاقتكم بأزواجكم .

        من دقائق هذا التوجيه الإلهي :

       من حقِّها عليك ألاّ تخرجها من البيت إذا طلَّقتها ، ومن حقك عليها ألاّ تخرج من دون إذنك بعد الطلاق ، من حقها عليك ألاّ تخرجها ، ومن حقك عليها ألاّ تخرج ، وهذا تشريع الحكيم الخبير ، لأن أي خلافٍ بين الزوجين إذا انتهى إلى طلاقٍ رجعي فبقاء الزوجة في بيت زوجها مما يقلل من قيمة هذا الخلاف ، ومما يجعله يتضاءل إلى أن ينعدم ، والرجعة ميسورة ، وبيد الزوج لفظاً أو سلوكاً ، أما إذا خرجت من بيت زوجها فإن أي خلافٍ مهما بدا لك صغيراً يتفاقم ، السبب أنها وهي عند بيت أهلها تأتيها المُغَذِّيات ، تأتيها التوجيهات ، تأتيها التحدِّيات من أخواتها ، من أمها ، من أبيها ، من خالاتها ، ومن عمَّاتها ، هُنّ لا يعشن مشكلتها ، يشرن عليها أن تعانده ، يشرن عليها أن تستكبر عليه ، يُشرن عليها ألاّ تعبأ به ، بل يشرن عليها أن ترِّبيه ، فيكبر رأسها ، ويزداد انحرافها ، وهو حينما يراها لا تتصِّل به ، ولا تعبأ به ، ولا تعود إلى البيت ، وتهمل أمره ، هو أيضاً يحقد عليها ، فلمجرَّد أن تخرجها من البيت أو أن تخرج ، إن أخرجتها فقد تجاوزت حقوقها ، من حقِّها ألاّ تخرجها ، وإن خرجت فمن حقك ألاّ تخرج ، إن خرجت فقد أساءت ، وضيَّعت حق زوجها وأولادها ، وإن أخرجتها فقد أسأت إليها ، وأضعت حقها في بقائها في بيتها ، هذا التوجيه الإلهي رافقه تشديد ، ما هو هذا التشديد ؟ هو قوله تعالى :

        هذه النون نون النسوة ، أضيفت إلى البيوت التي تسكن فيها النساء ، وكأن البيت الذي تسكنه الزوجة أضيف إليها لا إضافة تملّكٍ ، بل إضافة تشبُّث ، أي أيتها المرأة تشبَّثي في بيتك ، ولا تخرجي منه ، إن خرجت منه أسأتِ إلى زوجك ، إن خرجتِ منه تفاقم الأمر ، بالتعبير الجديد .. تفجَّر الأمر .. مشكلة إما أن تحاصرها ، وإما أن تحتويها ، وإما أن تصغِّرها وتحجِّمها ، وإما أن تتفاقم ، وأن تكبر إلى أن تنفجر .

       أيها الإخوة الكرام ، يستنبط من هذا التوجيه الحكيم أن المرأة إذا خرجت من بيتها إلى بيت أهلها من دون إذن زوجها عقب طلاقٍ رجعي ، إذا خرجت فقد ضيّعت حقّ زوجها وأولادها ، وقد عَصَتْ ربَّها ، وقد أساءت إلى أسرتها ، وعقابها أن هذه المشكلة التي بينها وبين زوجها تتفاقم ، تزيد إلى أن تنتهي بالطلاق الحقيقي ، وكم من امرأةٍ خرجت من بيت زوجها إلى بيت أهلها ، ولم ترجع أبداً ، جاء دور الشيطان ينفخ فيها ، وينفخ فيه ، يقول لها : لم يتِّصل بك ، لم يأت لزيارتكِ ، لم يسأل عنكِ ، ويقول له : لم تتصل بك ، ولم تعُد إلى البيت ، ولم تعبأ بك ، حينما تخرج الزوجة من بيت زوجها إلى بيت أهلها عقب طلاقٍ رجعي من دون إذن زوجها أساءت ، وفجَّرت الموقف بيدها ، وإن أخرجها من بيته عنوةً ، وقسوةً ، وإكراهاً أيضاً فقد حملها على أن تزيد المشكلة سوءًا ، لو أن الأزواج والزوجات طبَّقوا جميعاً هذا التوجيه الإلهي الكريم لتضاءلت قضايا المشكلات الزوجية إلى العُشر ، هذا كلام خالق الكون ، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يحملها على البقاء في البيت ، وكأنه بيتك ..

        لم يقل : من البيوت ، لم يقل : لا تخرجوهن من بيوتكم ، البيت للزوج ، وهو مسجلٌ باسم الزوج ، وهو مالكه ، هو الذي يبيعه ، والقرآن الكريم نسبه إلى الزوجة فقال :

     أي أيها الزوج ، وإن كان البيت لكَ في السجلاَّت الرسمية هو لها في حق التشبّث به ، ويا أيتها الزوجة ، ولو أنكِ لا تملكين هذا البيت فإنما هو بيتك في نص القرآن الكريم لا نسبة ملكية ، بل نسبة تشبُّث ، الخلاصة أن كل خلافٍ زوجي يتضاءل إذا بقيت المرأة في بيت زوجها ، وإن كل خلافٍ زوجي يتفاقم إذا خرجت من بيت زوجها .

     وقد ذكرت لكم من قبل : أن قرار الطلاق قلَّما يبنى على محاكمة منطقية ، قلَّما يبنى على ضرورة ، أغلب ما يبنى على انفعال ، والانفعال موقت ، الانفعال لا يدوم ، الانفعال يتناقص ، الانفعال يتلاشى بعد حين ، فالله سبحانه وتعالى لئلا يكون فرقةٌ بين الزوجين ، لئلا يُشَرَّد الأولاد ، لئلا تنهدم الأسرة ، لئلا تُدمَّر الحياة في هذا البيت جعل الطلاق بهذه الطريقة .

      إذاً روعة تنفيذ أمر الله في هذه الفقرة ، طلقتها طلاقاً سُنِّياً ، تطليقةً واحدةً في طهرٍ لم تمسَّها فيه ، هذا الطلاق السُنِّي ، طبعاً لو طلقتها في حيض فهذا طلاقٌ بدعي ، لو طلقتها في طهرٍ مسستها فيه فهذا طلاقٌ بدعي ، لو طلقتها طلاقاً سنياً وفق السنة الشريفة في طهرٍ لم تمسها فيه ، إلا أنك أخرجتها من بيتك إلى بيت أهلها من أجل أن تبتعد عنك فأنت عَطَّلْتَ حكمة أمر الله عزَّ وجل ، أرادها الله أن تبقى إلى جانبك ، أراد الله أن تنسى بعد يومين أو ثلاثة هذه المشكلة ، أرادها أن تتضاءل ، وأنت حينما أخرجتها من بيت أهلها أردتها أن تتفاقم .

       أعيد وأكرِّر : أي خلافٍ بين الزوجين مهما كان كبيراً يتضاءل ، ويتلاشى بعد حين إذا بقيت الزوجة في بيت زوجها ، وأي خلافٍ بين الزوجين مهما كان صغيراً يتفاقم ، وقد ينتهي إلى الطلاق إذا خرجت من بيت زوجها إلى بيت أهلها ، خروجها من بيت زوجها إلى بيت أهلها من دون إذن زوجها تَضْيِيعٌ لحق زوجها ، وإخراجها من بيت زوجها إلى بيت أهلها مكرهةً تضييعٌ لحقِّها ، من حقِّها أن تبقى في بيت زوجها ، ومن حقِّه أن تبقى له ، وهي مطلَّقة ، لأن هذا الطلاق في الأعمِّ الأغلب ينتهي إلى المراجعة لو طُبِقَت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، هذا كلامٌ ليس للاستمتاع ، ولا لأخذ العلم ، ولكن للتطبيق .

     فكثيراً ما يأتي إخوةٌ كرام طلَّقوا زوجاتهم طلاقاً وَفْقَ السنَّة ، ولكن طردوهنّ إلى بيت أهلهن ، وبهذا الطرد يتفاقم الأمر ، وقد ينتهي إلى الطلاق ، هذا توجيه الله عزَّ وجل ، ولا أدل على هذا التوجيه القويم من أن هذا البيت ينبغي أن تتشبَّث به الزوجة ، وكأنه بيتها ، وهذا البيت الذي هو لك أيها الزوج ينبغي أن تتحرَّج أن تخرجها منه ، ولو كان بيتك ، إنه في كتاب الله بيتها ، وإنه في كتاب الله منسوبٌ إليها ، لا أقول : نسبة تملُّك بل أقول : نسبة تشبُّث .

       هناك معنى آخر ، وهو أنه حينما نسب الله هذا البيت الذي تسكنه أنت وزوجتك إلى زوجتك ، أضافه إليها  ]مِنْ بُيُوتِهِنَّ [ ، بعض العلماء استنبط أن الزواج عند الرجل أحد فصول حياته ، له فصلٌ في علاقته مع ربِّه ، وله فصلٌ في علاقته مع من حوله ، وله فصلٌ في عمله ، وله فصلٌ في تأكيد ذاته ، وأحد فصول حياته زواجه ، فإن لم تظهر كفاءة الزوج ، ولم تظهر عبقرية الزوج في بيته ظهرت خارج البيت ، إن لم تظهر في بيته ظهرت في عمله ، إن لم تظهر في بيته ظهرت في إنجازه ، في قوة شخصيته ، في دقَّة صنعته ، في براعة حرفته ، في رواج تجارته ، في نماء مزروعاته ، الرجل يستطيع أن يؤكِّد ذاته في حقولٍ كثيرة ، أحدها عمله ، أحدها علاقاته ، أحدها علاقته مع ربِّه ، أما الزوجة يعَدُّ الزواج بالنسبة إليها كل فصول حياتها ، فإذا نجحت في أن يتزوَّجها رجلٌ كفء لها فقد نجحت في الحياة ، وإن لم تنجح فقد أخفقت ، لذلك في أي مكانٍ تؤكد الزوجة ذاتها،  وتظهر عبقريتها ، وتظهر كفاءتها ، وتظهر قوة شخصيتها ، وتظهر براعتها ، وتظهر حسن تدبيرها ؟ في بيتها ، فإذا منعها الزوج من حقِّها الطبيعي في أن تكون مسؤولةً عن بيت زوجها فقد حرمها كل فصول حياتها ، لذلك هذا معنى آخر ذكره بعض العلماء في عِلّة نسبة البيت إلى الزوجة ، فأنت حقق شخصيتك وكفاءتك خارج البيت ، ودعها هي لتحقق إمكاناتها ، وحسن إدارتها ، وذوقها داخل البيت طبعاَ في حدود المستطاع ، لأنكِ أيتها الزوجة إن أردتِ أن تطاعي فأمري بما يُستطاع ، وهذه حكمةٌ بليغة : " إذا أردت إن تُطاع فأمر بما يُستطاع " .

        إذاً أول نسبةٍ للبيت إلى الزوجة نسبة تشبُّث ، لا تخرج ، ارفضي أن تخرجي ، وأيها الزوج لا تخرجها ، إياك أن تخرجها كي تعود إليك ، ولا تخرجي كي تعودي إليه ، لا تخرجها كي تعود إليك ، ولا تخرجي أيتها الزوجة كي يعود إليكِ ، أما إذا خرجتِ أو أخرجتها فإن أصغر قضيةٍ بينك وبينها تتفاقم ، وتتفجَّر ، وتنتهي إلى الطلاق ، أما إذا بقيت في بيت زوجها فإن أكبر مشكلةٍ بينك وبينها تتلاشى ، وتنتهي إلى الوفاق .

       إذاً أيها الإخوة ، هذا كلامٌ للتطبيق ، لا لأخذ العلم ، ولا للمتعة المجرَّدة ، ولا للترنّم بكتاب الله ، هذا توجيه ربنا لنا ، حافظ على تطبيق هذه الآية ، بل إن الزوج .. كما قلت قبل قليل .. لو طَلَّقَ امرأته طلاقاً سنياً راعى فيه كل الشروط ، ولم يطبِّق هذا البند من هذه الآية ، في قوله تعالى :

      فقد عطَّل حكمة الطلاق ، ولم يكن الطلاق عندئذٍ سنّياً ، بل كان بدعياً ، وهذه الحقيقة لها ألف شاهدٍ وشاهد ، ولها ألف دليلٍ ودليل ، وعليها ألف قصِّةٍ وقصّة ، عمَّتها من جهة ، وخالتُها من جهة ، وأختها من جهة ، وأخوها من جهة ، وأبوها من جهة ، وأمها من جهة ، كلُّهم من جهة يوغرن صدرها على زوجها ، وبالمقابل أمه وأبوه ، وإخوته وأخواته ، وعمَّاته وخالاته يغرن صدره على زوجته ، هم يعودون إلى بيوتهم مطمئنين ، والنساء يعدن إلى أزواجهن مطمئنين ، وتبقي أنت وحدك في البيت تتلوّى ، وتبقى هي وحدها تتلوّى ، وهؤلاء الذين أوغروا صدوركما ، وما نفعوكما ، لذلك اقبل نصيحة الله عزَّ وجل ، لا تخرجها من البيت ، ويا أيتها الزوجة لا تخرجي من البيت ..

       فأنا أشعر بألمٍ شديد حينما أجد إنساناً يطلب العلم ، يحضر الدروس ، يرتاد المساجد ، محسوبٌ على المسلمين ، محسوبٌ على الأتقياء ، يُخالف أمر الله في علاقته بزوجته .. كما قلت لكم : عن ابن عبَّاسٍ جاءه رجل ، وقد حلف يمين طلاقٍ ، قال : " أيرتكب أحدكم أحموقته ، ويقول : يا بن عبَّاس ، يا بن عبَّاس !! " .

       أي لو أن غضباً شديداً بين الزوجين افعل كل شيءٍ إلا الطلاق ، لو فعلت كل شيءٍ بيدك إصلاحه ، أما إذا وقعت منك كلمة الطلاق فالآن صار هناك قواعد شرعية لا يجوز أن تخالفها ، وإلا كان الزنا بينك وبينها ، القضية كبيرةٌ جداً ، لذلك لا يحلف بالطلاق ، ولا يستحلف به إلا منافق ، لا يحلف بالطلاق إلا من لم يعرف حقَّ الزوجة ، ولا حقَّ الزوج ، إلا من استخفَّ بهذا العقد الغليظ ، بهذا الميثاق الغليظ الذي كان بين الزوجين ، وأنا لا أكتمكم في أن أقول : إن أوثق ميثاقٍ بين شخصين على الإطلاق هو عقد الزواج ، هذا العقد يبيح لك من المرأة ما لا يستطيع أبوها ، ولا أخوها ، ولا عمُّها ، ولا خالها ، ولا أمُّها أن ترى منها شيئاً ، وهذا العقد يبيح للزوجة أن ترى منه ما لا يستطيع أحدٌ أن يرى منه ..

(سورة النساء  )

       هذا الميثاق الغليظ هو عقد الزواج  .

       أيها الإخوة الكرام .

      هناك استثناء ..

       إلا أن تقع الفاحشة في البيت ، إلا أن تقع الخيانة في البيت ، هكذا فسَّر بعض العلماء الفاحشة ، وفسروها أيضاً ببذاءة اللسان ، لو أن هذه الزوجة سليطة اللسان ، تُصيب بلسانها المقذع كل من في البيت ، ولعلَّ هذا اللسان المقذع ينتهي إلى مشاجراتٍ ، وإلى تفجُّراتٍ ، في هذه الحالة ينبغي أن تخرجها من البيت حسماً للشر ، وحسماً لتفاقمه  .

       أو أن تأخذ من البيت ما ليس لها ، وقعت الخصومة ، وبدأت تأخذ ما ليس لها سرقةً ، أو بذاءةً ، أو خيانةً ، فُسِّرت الفاحشة بالخيانة ، وبالبذاءة ، وبالسرقة وهذه حالات نادرة جداً ، أي قلَّما ترافق حالة طلاق ، لكن الاستثناء له حكمه ..

      ما دمت لم تتعدَّ حدود الله فأنت في ظلِّ الله ، ما دمت لم تتعدَّ حدود الله فأنت مشمول برعاية الله .

       أيها الإخوة ، الطائع في ظل الله مشمولٌ برعاية الله ، وحفظ الله ، وتوفيق الله ، الله يسدد خُطاه ، ينير له الطريق ، يوفِّقه ، يحفظه ، يدافع عنه ، أنت حينما تقيم حدود الله يوفق الله بينك وبين زوجتك .

      دائماً أيها الإخوة القاعدة : أن الشيطان من أولى مهمَّاته أن يفرِّق بين المرء وأهله ، أي إن أحد أكبر مهمَّات الشيطان أن يفرِّق بين المرء وزوجته ، فالشيطان ماذا يفعل ؟ إنه يوسوس للزوج أن يخرج عن منهج الله ، ويوسوس للزوجة أن تخرج عن منهج الله ، وحينما يبنى زواجٌ على معصية الله عندئذٍ تنشأ الكراهية والحقد والبغضاء ، المودة أساسها أن تقيم منهج الله في بيتك ، ما من بيتٍِ يُبنى على طاعة الله إلا ويتولَّى الله التوفيق بين الزوجين ، وما من بيتٍ يبنى على معصية الله إلا ويتولَّى الشيطان التفريق بينهما ..

      كيف أن تياراً كهربائياً شدَّته ثمانية آلاف فولط ، لو أن الإنسان اقترب منه إلى أقلّ من ستة أمتار يجذبه التيار ، ويجعله قطعةً من الفحم في ثوانٍ معدودات ، ماذا نقول للمواطنين حيال هذا التيار ؟ نقول : احذروا أن تمسَّوه ، أم احذروا أن تقتربوا منه ؟ احذروا أن تقتربوا منه ، وكلَّما كنت ورعاً جعلت بينك وبين حدود الله هامش أمان ، لذلك المؤمن لا يستخدم الطلاق ، ولا حرف الطاء ، ولا حرف اللام ، ولا حرف القاف إلا في حالات نادرة جداً ، جداً ، جداً ، لا تُطلَّق المرأة إلا من ريبة ، أما أن تجعل من الطلاق سلاحاً مشهوراً على الزوجة ، يُذهِب عنها طمأنينتها ويقلقها ، وتكون في دوامةٍ من الفراق فهذا ليس من تشريع الله عزَّ وجل ..

       حدود الله لا تقترب منها ، اجعل بينك وبينها هامش أمان ، حدود الله إذا تجاوزتها خرجت من مظلَّة الله عزَّ وجل ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام : (( سَبعةٌ يظلّهم الله تحت ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه )) .

(متفق عليه عن أبي هريرة )

       أنا يهمني من هذا الحديث : ((  يدخلهم الله تحت ظلِّه يوم لا ظل إلا ظله )) ، أنت إذا كنت في طاعة الله فأنت تحت ظلِّ الله ، ومعنى ظل الله أي رعايته ، وتوفيقه وتأييده ، وحفظه وتوفيقه ، ونصره والدفاع عنك ما دمت في طاعة الله ، وهذا أمر الزواج أمرٌ خطير ، فهو أخطر حدثٍ في حياتك ، بل إن أخطر علاقةٍ على الإطلاق هي علاقتك بزوجتك ، فإذا كنت مع الله تولَّى الله هذه العلاقة بالنماء ، تولاَّها بالرعاية ، تولاَّها بالحفظ ، لذلك ..

( سورة الروم : 21 )

       ومن آياته أنك تسكن إليها ، وتسكن إليك ..

        لا تطلِّق وأنت غضبان ، لا تطلِّق وهي حائض ، لا تطلِّق في طهرٍ مسستها فيه ، لا تطلِّق إلا من ريبة ، لا تطلِّق وتُخْرِج ، لا تخرجي أيتها الزوجة إذا طُلِقتي ، بل تشبَّثي ببيتكِ ، هذه كلَّها ضمانات لكي يكون الطلاق في طريقه إلى المراجعة ، إذا طبَّقت هذه التوجيهات الإلهية كان الطلاق في طريقه إلى المراجعة وإلى التلاشي ، أما إذا خالفت هذه التوجيهات عندئذٍ يتفاقم الأمر ..

فالله عزَّ وجل كما يقول في الحديث القدسي الصحيح : (( ... يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) .

(مسلم عن أبي هريرة)

( سورة الأحزاب )

( سورة الروم )

( سورة الجاثية : 15 )

        أحياناً تجد زوجًا عنده زوجة صالحة ، تدير أمر بيته ، عنده منها خمسة أولاد ، وهي راضيةٌ به ، وهو راضٍ بها ، ولسببٍ تافهٍ تافه ، وفي ساعة غضبٍ طارئ يطلِّقها طلقاتٍ ثلاثاً ، ويخرجها إلى بيت أهلها ، الأمر يتفاقم ، أهلها يتشبثون بها ، يحرمونها منه ، ويحرمونه منها ، يأتي إلى البيت فإذا هو بيتٌ لا امرأة فيه ، لا زوجة فيه ، بيتٌ موحش ، المرأة وجودها في البيت مؤنس ، وحركتها في البيت .. فهي تُقَدِّم خدمات كثيرة لزوجها وأولادها .. أولاده جياع ، الطعام غير موجود ، البيت غير نظيف ، الثياب غير جيدة ، هو حائر ، هو مضطرب ، أنت الذي ظلمت نفسك ، كانت هي عندك ، وكانت في خدمتك ، وكانت طَوْعَ إرادتك فكفرت بهذه النعمة .

       أيها الإخوة ، نعمة الزواج من نعم الله الكبرى ، أنا أقول هذا الكلام للأزواج والزوجات : يا أيها الزوج ، لا تكفر بنعمة الزوجة فتطلقها لأتفه سبب ، أو تبعدها عن بيتك لأتفه نزوة ، ويا أيتها الزوجة ، لا تكفري بنعمة الزوج ، كم من النساء من يتمنَّين أن يكن زوجات وعندهن أولاد ، هذا الشيء لم يتح لهم ، فيا أيها الزوج لا تكفر بنعمة الزوجة فتُحرَم منها ، ويا أيتها الزوجة لا تكفُري بنعمة الزوج فتُحرَمي منه .

      عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ )) .

(الترمذي)

       هذه أيها الإخوة بعض ما في هذه الآية من حقائق .

      الله عزَّ وجل حينما قال  :

( سورة الطلاق  )

قال بعض العلماء : " هذه الكلمات في هذه الآية هي دليل أنه ليس من السنَّة أن تطلِّق المرأة تطليقاتٍ ثلاثاً في مجلسٍ واحدٍ " ، هذه  الآية أصبحت لا معنى لها .

        إن طلقتها تطليقةً واحدة ، إذاً تُراجِعُها ، يحنُّ قلبك إليها ، تنسى ما أغضبك منها ، تنسى خطأها ، تنسى انفعالها ، أما إذا طلقتها بالثلاث طلاقاً بائناً بينونةً كبرى فإن هذا الكلام لا معنى له ، وهذه الفِقَرات في هذه الآية أكبر حجَّة على أن الطلاق السُنِّي هو ما كان تطليقةً واحدة في كل طهر ، في كل طهر تطليقة واحدة ، طهر وثلاثة أقْراء ، طهر وثلاثة أقراء ، طهر وبينونة كبرى .

( سورة البقرة : 229 )

       الثالثة   :

        والله أيها الإخوةُ ، ترتكب حماقات ، وُترتكب مخالفات في شأن الطلاق بين شباب المسلمين وشابَّات المسلمين فيما لا يُحصى ، هذا دليل جهل ، هذا دليل بعد المسلمين عن مجالس العلم .

       مرَّةً .. أذكر هذه القصَّة ، لأنها حدثت قبل عشرين عاماً فيما أذكر.. في أول عهدي بالخطَابة ، سألني أخٌ فقال لي : إن امرأتي تخونني منذ ثلاث سنوات ، قلت له : مع من ؟ قال لي : مع جاري ، قلت له : وكيف عرفت جارك ؟ قال : زارنا مرَّةً فقلت لزوجتي : تعالي اجلسي معنا ، إنه مثل أخيكِ ، قلت له : لو حضرت مجلس علمٍ واحد ، وعرفت حكم الله في شأن الاختلاط لما فعلت هذا ، فيجب أن نعلم علم اليقين أن كل مشكلاتنا على الإطلاق سببها خروجٌ عن منهج الله ، وأن كل خروجٍ عن منهج الله سببه الجهل ، وأن الجهل هو أعدى أعداء الإنسان ، وأن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوّه أن يفعله به ، وإنني والله أستمع إلى مآسي بيوتات المسلمين ، أحياناً يكون الزوج ضحيةً ، وأحياناً تكون الزوجة هي الضحية ، وأحياناً يكون الزوجان معاً هما الضحية بسبب الجهل ، لذلك حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله لتتعرَّف إلى حكم الله في أخصِّ خصوصياتك .. في زواجك ..  فأنت في هذا الوقت تستثمر الوقت لا تستهلكه ، أنا لا أجد كلمة أشد جهلاً بصاحبها من الذي يقول : أنا لا يوجد عندي وقت لحضور مجلس علم ، فإذا قلنا لإنسان : تعال وتعلَّم قيادة السيارة ، يقول لك : أنا لا يوجد عندي وقت لتعلُّم القيادة لكن سأقود السيارة ، إذا أردت أن تقودها بلا تَعَلُّم فالحادث حتمي ، الحادث قد يكون مميتًا ، فأنت شئت أم أبيت تقود سيارة ، هي هذه الزوجة ، أو هذا البيت تقوده أنت ، فإن لم تتعلَّم فنّ القيادة ، وإن لم تعلَّم حدود الله ، وإن لم تتعلَّم ما ينبغي ، وما لا ينبغي ، ما يجب وما لا يجب ، ما يجوز وما لا يجوز ، ما هو ممكن ، وما ليس بممكن ، فالحادث حتمي ، فهل من الممكن لإنسان مهما كان ألمعياً وذكيا أجعله وراء المقود أول مرَّةٍ في حياته من دون أن يعرف عن هذه المركبة شيئاً ، وأجعله ينطلق بسرعة مئة ، كم تظن احتمال الحادث ؟ الحادث بالمئة مئة ، وأي إنسان لا يتعلَّم ، لا يعرف حكم الله في الزواج ، ولا في الزوجة ، ولا في أصول معاملتها ، ولا في أصول تربية الأولاد سيخفق في بيته حتماً ، وسيدفع الثمن باهظاً ، إذاً تعلُّم الشرع من أولويات الدين ، تعلُّم أحكام الشرع يأتي في الدرجة الثانية بعد معرفة الله عزَّ وجل ، فالوقت الذي تُمْضِيه في حضور مجلس علمٍ تتعرَّف فيه إلى كلام الله ، وإلى سنَّة رسوله ، هذا استثمارٌ للوقت ، وليس استهلاكاً له ، لذلك لو عندك وقتٌ طويل تحلل فيه بعض المشكلات الزوجية لوجدت أن الجهل هو السبب ، جهل الزوج بأحكام الله في الزواج ، أو جهل الزوجة بأحكام الله في الزواج .

       مرَّة فيما أذكر امرأةٌ وقفت عند بائعٍ لتشتري ، ألانت له القول من أجل أن يخفض لها السعر فقط ، هو ظنَّ شيئاً آخر .. وهي تسكن قريباً منه .. ظنَّ شيئاً آخر فتبعها ، فلمَّا فُتِحَ الباب اقتحمه ، نادت إلى ابنها ليستنجد بزوجها ، زوجها قريب ، له عمل قريب ، فجاء الزوج وقفل الباب ، وجاء بالشرطة ، وفُضِحَ الأمر ، واتُهِمت بالخيانة ، وطُلِّقت ، والسبب فيما أعلم أنها بريئة إلا أنها جاهلة ، قال تعالى :

( سورة الأحزاب  )

       المرأة حينما تلين القول مع الأجانب قد يفهمون شيئًا آخر ، طُلِقت ، وفُضِحَت لماذا ؟ لأنها ألانت القول ، فلذلك لو حلَّلت ما يجري في البيوت من مآسي ، ومن فِراق ، ومن طلاق ، لوجدت أن معظمه يعود إلى جهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان ، والعلم هو العلاج ، ولابدَّ للمسلم من مجلس علمٍ ينضمُّ إليه ، لابدَّ من منهلٍ علميٍ يستقي منه ، لابدَّ من مرجعٍ يسأله ، أما أن يبقى الإنسان هكذا يتحرَّك حركةً عشوائية بلا علم ، بلا حكم ، بلا فهم ، بلا حكمة هذا شأن عامَّة الناس ، قال :

( سورة الطلاق : " 2 )

أي  :

      أي إن حكمة الطلاق كلِّه في هذه الكلمات ، أي طلقها وليست حائضة ، في طهرٍ لم تلامسها فيه ، طلِّقها تطليقةً واحدة ، أبقها في بيتك ، لها أن تتزين ، ولها أن تأكل معك ، ولها أن تفعل كل شيء ، انتظر أن طهرٍ ، أول شهر ، وثاني طهر ، وثالث طهر ، فإن لم تراجعها ملكت نفسها ، وإن ملكت نفسها بإمكانك أن تعيدها بعقدٍ جديد ، ولا شيء عليك ، فإن راجعتها عادت الأمور إلى مجاريها ، نشأت مشكلة ثانية فلك أن تطلقها تطلقيةً واحدة في طهرٍ لم تلامسها فيه ، وتبقى في بيتك أول شهر ، ثاني شهر ، ثلاثة أشهر ، ففي الأعم الأغلب تسعة وتسعون بالمئة من الطلاق ناشئ عن غضب ، ناشئ عن تحدٍّ ، ناشئ عن انفعال ، هذا الانفعال إلى تلاشٍ ، هذا الغضب إلى تلاشٍ ، أي إن الله وضع ثلاثة أشهر وثلاثة أشهر ، أي ستة أشهر ، أنا أعتقد أحياناً أن القضية تحلّ في ثلاثة أيام ، يومين ، جمعة ، في خلال أسبوعين ، وانتهى الأمر ، فإذا أخرجتها من بيتك فقد عطَّلت حكمة الله في شرعه ، وإذا خرجتِ أيتها الزوجة عطَّلتِ حكمة الله في شرعه ..

        من أجل ماذا ؟ استمعوا بدقَّةٍ إلى حكمة هذا التشريع :

         لعل الله يُحدِث بعد الخصومة وفاقاً ، بعد الغضب هدوءً ، بعد الحقد تسامحاً ، بعد النفرة ميلاً ، هذا شأن الزوج ، وشأن الزوجة ، والله هو الخالق ، هو الذي يعرف ماذا يخلق .

       اتخذ بعض العلماء من هذه الآية دليلاً على أن طلاق الثلاث في مجلسٍ واحد ، وفي موضوعٍ واحد لا يقع ، وبعضهم قال : " يقع ، ولكن هذا الطلاق خلاف السنَّة ، السنَّة أن تطلِّق في كل طهرٍ لم تلامسها فيه تطليقةً واحدة ، وتنتظر ثلاثة قروء " .

قال تعالى :

قال العلماء :

أي قاربن على انتهاء العدَّة .. لا يوجد غير حلَّين :

       أي زوجة لها حقوق الزوجة ، تنفق عليها ، وترعى أمرها ، وتحفظ غيبتها ، وتبالغ في مودَّتها ، وفي إكرامها ، وتجلس إلى جانبها بالعدل ، هذا هو الزواج .

        أي انتظر حتى تنتهي عدَّتها ، ثم أعطها مهرها المُعَجَّل والمؤخَّر ، ومتعتها ، وفارقها بإحسان ، هذه المرأة التي قالت : " يا أبا أمية ، لقد كان لك من نساء قومك من هي كفءٌ لك ، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي ، ولكن كنت لك زوجةً على كتاب الله وسنة رسوله ، فاتَّقِ الله فيَّ ، وامتثل قوله تعالى :

( سورة البقرة : 229 )

       هذا كلام الله ، هناك من يُمسِك زوجةً بغير المعروف ، لا يأتي إلى البيت ، لا يُنفق عليها .

      وإلا .. فالله سبحانه وتعالى ينتقم أشد الانتقام ، وإلا .. فالله سبحانه وتعالى يدمِّر ..

( سورة البروج  )

       إياك أن تظلم امرأةً ضعيفةً لا تملك من أمرها شيئاً ، كم من زوجٍ ظلم زوجته فذاق وبال أمره ، كم من زوجةٍ ظلمت زوجها فذاقت وبال أمرها ، المؤمن يُعامل زوجته من خلال الله عزَّ وجل ، أي لا يظلمها ، ولا يُقَصِّر في حقِّها كي يرحمه الله عزَّ وجل ، وهي كذلك لا تظلمه ، ولا تقصّر في حقِّه كي يرحمها الله عزَّ وجل ، بل إن المؤمن .. دققوا في هذا الكلام  يغض البصر عن سلبيَّات زوجته ، ويؤدِّي ما عليه من حقوقٍ لها تقرَّباً إلى الله ، والمؤمنة تغضُّ النظر عن سلبيات زوجها وتؤدِّي ما عليها من حقوقٍ تقرُّباً إلى الله ، فإذا كان الزوجان يتقرَّبان إلى الله بخدمة بعضهما بعضاً فكم سعيدٌ هذا البيت ؟ .. هكذا .. هي تتقرَّب إلى الله بخدمة زوجها ، والقيام بحقوقه ، والنبي عليه الصلاة والسلام وعد بأن المرأة التي تحسن تَبَعُّل زوجها كالمجاهدة في سبيل الله ، والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام ..

     أيها الإخوة ... الزوجة لها حقوق ، والزوج له حقوق ، لابدَّ أن يعرف الزوج حقوق زوجته ، ولابدَّ من أن تعرف الزوجة حقوق زوجها، هذا من أجل أن نُطبِق هذه الآية :

       أي وفق الشرع ، فكيف تمسكها بمعروف ، ولا يعرف بعض الأزواج حقوق الزوجة ؟

       أحياناً يُهملُها ، أحياناً لا يأتي إلى البيت ، عنده زوجة ثانية ، يعيش مع الثانية أسابيع وأسابيع تلو الأسابيع ، ويُهمل الأولى ، ومع إهمال الأولى قد تنحرف ، لذلك كيف تعامل الزوجة بالمعروف إن لم تعرف حدود هذا المعروف ؟

( سورة الطلاق : 2 )

       لذلك قالوا : العلم علمان ، علمٌ فرض عين ، وعلمٌ فرض كفاية ، العلم الذي هو فرض عين ما ينبغي أن يُعلّم بالضرورة ؛ أحكام الزواج ، وحقوق الزوجة ، وحقوق الزوج ، علمٌ ينبغي أن يُعلم بالضرورة لكلٍ من الزوجة والزوج ، لابد من أن تجلس في مجلس علم ، أو أن تقرأ ، أو أن تستمع إلى شريط .

       أنا فيما أذكر كان قبل سنواتٍ عدَّة دروس الأحد في حقوق الزوجة شريطان ، وحقوق الزوج أيضاً شريطان ، وحقوق الآباء على أولادهم أربعة أشرطة ، وحقوق الأولاد على آبائهم شريطان ، أي إن المجموع عشرة ، هذه المجموعة تبين حقوق الأزواج والزوجات ، والآباء والأبناء ، هذه أشياء دقيقة شرعية لابدَّ من أن تعرفها لكي لا يخالف الإنسان الشرع ، فإذا خالف دفع الثمن باهظ ، نظام دقيق ..  

      أضرب لكم مثلاً : قانون السقوط ، هذا قانون ، إن أردت ألاّ تعبأ به ، إن احتقرته ، إن لم تكترث به ، وألقيت بنفسك من الطائرة من دون أن تراعي هذا القانون ، القانون حينما لا تعبأ به يُطبَّق عليك وقد يُهلِك صاحبه ، أما إذا عَبَأت به نزلت بالمظلَّة .. أي إن القوانين والسنن لا تُلغى إن لم تعترف بها ، إذا لم تعترف بها لا تُلغى ، إن اعترفت بها أو لم تعترف ، آمنت بها أو لم تؤمن ، وَّقرَّتها أو لم توَقِّرها فهي نافذة ، فهناك نظام دقيق جداً ، فإن عرفته تكيَّفت معه ، وإن لم تعرفه دفعت ثمنه ، لذلك :

كيف يُمسِكُها بمعروف ؟ قال العلماء :

( سورة النساء : 19 )

       فسَّروا المعروف : لا أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها ، بل أن تحتمل الأذى منها ، إذا وَطَّن الزوج نفسه أن يحتمل الأذى من زوجته ، والزوجة إذا وَطَّنت نفسها أن تحتمل الأذى من زوجها ، لم يعد هناك أية مشكلة ، انتهت المُشكلات ، إذا عرفت حقوقه ، وعرف حقوقها ، إذا عرفت حدودها ، وعرف حدوده ، إذا عرف ما له وما عليه ، وعرفت ما لها وما عليه ، انتهت المشكلة ، إن سعدت البيوت سعِد المجتمع ، إن اطمأنّ الإنسان في بيته أنتج في عمله ، وضاعف إنتاجه ، فقضية السعادة الزوجية في البيوت مهمَّة جداً هي أساس نجاحك خارج البيت ، والأوامر معروفة ، اطلب العلم ، تعلَّم ، كان عليه الصلاة والسلام قدوةً لنا في زواجه ، في أحواله كلَّها ، في معاملته لزوجاته .. فقد جاء طبقٌ من الطعام من السيدة صفية إلى بيت عائشة ، فأصابتها الغيرة ، أمسكت بالطبق وكَسَّرته ، ماذا بإمكان النبي أن يفعل ؟ بإمكانه أن يفعل كل شيء ، ماذا قال ؟ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ ، فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ ، فَانْفَلَقَتْ ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ ، وَيَقُولُ : غَارَتْ أُمُّكُمْ ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا ، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ )) .

(البخاري)

      أي إنه امتص هذا الغضب ، غضبت أمكم غضبت أمكم ، هو قدوةٌ لنا ، طبعاً لا نسمح لهن بتكسير الأطباق ، ولكن نقتدي برسول الله بحلمه ، برحمته ، بامتصاص غضبها ، بعطفه عليها ، فنحن يجب أن نقرأ سيرة النبي كي نعرف كيف كان النبي زوجاً ناجحاً .. تسأله من حينٍ لآخر أتحبُّني ؟ يقول عليه الصلاة والسلام : كعقدة الحبل ، تقول له : كيف العقدة ؟ يقول : على حالها .. كان زوجاً ناجحاً .

       ورد في بعض السير أنه حينما فتح مكَّة قال : انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة ، وفاءً لها ، فالإنسان أحياناً يتزوج زوجة ثانية بعد وفاة زوجته الأولى فيتقرَّب للثانية بذم الأولى دائماً ... لكن النبي عليه الصلاة والسلام كلَّما ذكر خديجة أثنى عليها ، مرَّةً قالت له عائشة : ألم يبدلك الله خيراً منها ؟ قال : لا والله ، لا والله ، لا والله ، وفاؤه لزوجاته عجيب ، حلمه عليهن عجيب ، رحمته بهن عجيب ، لطفه لهن عجيب ، كان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحَّاكاً ، كان يقول : (( أكرموا النساء ، فوالله ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحبُّ أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً )) .

(ورد في الأثر)

       كان يقول : إنهن المؤنسات الغاليات .

     فنحن في الإسلام لا توجد عندنا تفرقة ، الزوجان متكافئان في التكليف والتشريف والمسؤولية ، والنساء شقائق الرجال ، والآيات القرآنية كلَّها موجَّهة للنساء أيضاً ، وأبلغ آية :

( سورة الأحزاب : 35  )

       يريد الله عزَّ وجل أن يؤكِّد ..

( سورة النحل : 97  )

( سورة آل عمران : 195 )

       مساواةٌ تامَّة بين الزوجين ، قال تعالى :

( سورة الطلاق : 6  )

       فهذا حكم الله في الزواج ، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تُتَرْجَم هذه الآيات إلى سلوك ، أن تنتهي هذه الآيات إلى بيوت سعيدة .

      السعادة أيها الإخوة لا تنبع من مساحة البيت ، ولا من موقعه ، ولا من ثمنه ، ولا من مركبةٍ ، ولا من دخلٍ كبير ، تنبُع من داخل الزوجين إذا عرفا ربَّهما ، وأقبلا عليه كان بيتهما قطعةً من الجنَّة ، فإذا ابتعدا عن الله عزَّ وجل كان البيت قطعةً من الجحيم .

       أيها الإخوة الكرام ، ما أردت من هذا الدرس أن يكون درس تفسير بقدر ما أردته أن يكون تطبيقًا عمليًّا ، أن يكون هذا الدرس سببًا لسعادتكم في بيوتكم ، المرأة تصبر على كل شيء ، لكن لا تصبر على أن تُهان ، أو أن تُجرَح كرامتها ، قد تأكل أخشن الطعام ، وقد ترتدي أخشن الثياب ، وقد تقبع في بيتٍ لا يُسكَن إذا كان زوجها يحبُّها ، وهي راضيةٌ عنه وراضٍ عنها ، فَسِرُّ السعادة في الوفاق ، سر الوفاق في طاعة الله ، فأنت حينما تطيع الله عزَّ وجل كأنك تقول : يا رب ، وفق بيننا ، نحن من عبادك الصالحين وفق بيننا ، أما إذا خالفت منهج الله عزَّ وجل فكأنك تقول : يا أيها الشيطان ، تعال فرِّق بيننا ، إذا بني على طاعة الله تولَّى الله التوفيق بين الزوجين ، بني على المعصية ، كأن يكون فيه اختلاط ، وأجهزة لهو .. الآن بعد قليل أقرأ لكم ما جاءني .. عندئذٍ يدخل الشيطان ، ويفرِّق بين الزوجين .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi