English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

الدرس 3 /6

التاريخ : 27/12/1996

السورة  : سورة الطلاق ( 65 )  الآية "2-3"

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من سورة الطلاق ، ومع الآية الثانية ، وهي قوله تعالى :

( سورة الطلاق )

       أيها الإخوة ، كلمة :

أي فإذا اقترب ، اقتربت نهاية العِدَّة ، ألم يقل الله عزَّ وجل :

( سورة الطلاق  )

       أي طلقوهن مستقبلاتٍ عِدَّتَهُن .

      الله جلَّ جلاله يقول :

      أي أن هذا الغضب الشديد ، وهذا القرار العاطفي بعد أيامٍ عدة ، أو بعد أسابيعٍ عدة ، أو بعد شهرٍ ، أو شهرين ، أو ثلاثة ، ربما ثلاثة وعادت الأمور إلى مجاريها ، فإذاً الطلاق السُنِّي هو طلقةٌ واحدة في طهرٍ لم تمسَّ فيه ، لعل الزوج يراجع نفسه ، لعله يراجعها قولاً أو عملاً ، أو لعلها تملك نفسها ، ويعود خاطباً لها من جديد ، فيعقد عليها العقد ثانيةً بموافقتها وبمهرٍ جديد ، فالله عزَّ وجل ما أراد الطلاق أن يوقع مرةً واحدة ، وإلا خالف السُنَّة ، قال تعالى :

        أي قربت نهاية العدة ، هنا ] بَلَغْنَ [ بمعنى اقتربت نهاية العدة ، أما لو بلغن وانقضت العدة انتهى الأمر ، صار الفراق :

       أي قبل أيامٍ من نهاية العدة أنت مخيَّر ، إما أن تمسك بمعروف ، وإما أن تطلِّق بإحسان ، إمساكٌ بإحسان أو تفريقٌ بمعروف ، وذكرت في الدرس الماضي أن الزوجة ينبغي أن تكون زوجة بكل معنى الكلمة ، لها حقوق ، لها حق أن تنفق عليها ، ولها حق أن تسكنها ، وأن تطعمها إذا أكلت ، وأنت تلبسها إذا لبست ، وألا تعنِّفها ، وألا تضربها ، وهذا من حقها.

         أما الذي يمسك زوجته ضراراً ليعتدي عليها فهذا يرتكب أكبر معصيةٍ ، لأن الله سبحانه وتعالى عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام وصَّانا بالنساء خيراً .

       في الآية شيء جديد ، هو أنك إذا أمسكتها ، راجعتها ، أو فارقتها ، يجب أن تُشْهِدَ شهوداً ، السبب لو أن إنسانًا يملك ثروة طائلة ، وطلَّق زوجته ، وبانت منه ، وتوفي ، ولم يخبر أحداً ، ولم يشهد على التفريق أحداً ، ثم ادعت أنه راجعها ، لها نصيبٌ من الثروة كبير ، لئلا يقع التجاحُد والإنكار ، لعله يقع ضياع الحقوق ، ربنا عزَّ وجل قال :

       أشهد على أنك أرجعتها كي تثبت الزوجية ، وتنال حقها منك ، وأشهد إذا فارقتها كي يثبت الطلاق ، فالطلاق ينبغي أن يثبت ، والإرجاع ينبغي أن يثبت ، لذلك :

        على المراجعة أو على الفِراق ، وهذا الأمر فيه خلاف بين الفقهاء حول وجوب الإشهاد ، أو أنه مندوب ، بين أنه واجب ، وبين أن يكون مندوباً ، على كلٍ الأمر واضح .

       لكن الشيء الدقيق في موضوع الطلاق ، أنك إذا أرجعتها في خلال العِدَّة فليس لها خيار ، لا خيار لها ، لا تستطيع أن ترفض ، لو أن الزوج طلق زوجته طلاقاً سُنِّياً ، طلقها طلقةً في طهرٍ ما مسها فيه ، ثم أراد أن يراجعها إما بقوله أو بسلوكه ، ليس لها أن تتأبى ، وليس لها أن ترفض ، وليس لها خيار ، أما حينما تنقضي عدتها ، ويمضي القُرْء الأول والثاني والثالث ، ويأتيها الحيض في القرء الثالث ، ثم تطهر من الحيض عندئذٍ ملكت نفسها ، بإمكانك أن تعيد العقد عليها ، بإمكانك أن تتزوج منها مرةً ثانية ، ولكن بشرط أن توافق ، المراجعة ليس لها خيار ، وافقت أو لم توافق ، لا اختيار لها ، أما حينما تمضي القُروء الثلاثة ، حينما تنقضي عدتها أصبحت مخيرة ، بإمكانها أن ترجع ، وبإمكانها أن تمتنع ، وإذا امتنعت فلا سلطان لك عليها ، إذاً هناك فرق واضح بين أن تراجعها في خلال العدة ، وبين أن تعقد عقداً عليها بعد انقضاء العدة ، في الحالة الأولى ليس لها خيار ، وليس لها ألاّ توافق ، أما في الحالة الثانية بيدها الأمر توافق أو لا توافق .

       فدائماً لا يستطيع الإنسان أن ينكر شيئاً إذا شهد عليه شهودٌ عدول ، وكلمة عدل هذا موضوع دقيق جداً ، ينقلنا إلى موضوع العدالة في الإسلام ، العدالة صفةٌ نفسيةٌ ، والضبط صفةٌ عقلية ، راوي الحديث ينبغي أن يكون ضبطاً عدلاً ، ذاكرته قوية ، يؤدِّي الحديث بنصه الحرفي دون زيادةٍ أو نقصان ، ودون حذفٍ أو تبديل ، هذه صفة الضبط ، أما صفة العدل فأن يكون مخلصاً ، صادقاً ، لا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، لا يكذب ، لا يدلِّس ، لا يوهم ، لا ينتفع براوية ، ولا يعبأ بصحتها ، فالعدالة من صفات المؤمن ، وقد ذَكرتُ في دروسٍ سابقة فيما أذكر أن العدالة قد تسقط ؛ فحينما تظلم الناس تسقط عدالتك ، وحينما تكذب على الناس تسقط عدالتك ، وحينما تخون الأمانة تسقط عدالتك ، وحينما تُخْلِفُ الوعد تسقط عدالتك ، فمن عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدَّثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كَمُلَتْ مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوَّته ، وحرمت غيبته .

       وذكرت لكم أيضاً أن الإنسان حينما يأكل في الطريق تجرح عدالته ، وحينما يمشي حافياً تجرح عدالته ، وحينما يبول في الطريق تجرح عدالته ، وحينما يتنزَّه في الطريق تجرح عدالته ، وحينما يتحدث عن النساء عن شكلهن تجرح عدالته ، وحينما يصاحب الأراذل تجرح عدالته ، وحينما يأكل لقمةً من حرام تجرح عدالته ، وحينما يطفف بتمرةٍ تجرح عدالته ، وحينما يعلو صياحه في البيت تجرح عدالته ، وحينما يقود برذوناً يخيف الناس به تجرح عدالته ، وحينما يطلق لفرسه العِنان .. أي يقود مركبته بسرعةٍ عالية .. تجرح عدالته ، هذه بعض المواقف التي تجرح فيها عدالة الإنسان ، قال ربنا جلَّ جلاله :

         والإنسان حينما يُشْهِد الآخرين ، على عقد بيع ، أو زواج ، أو أشياء نفيسة ، إن أشهدت عليها شهوداً عدولاً فقد تَوَقَّيْت أن ينكر الطرف الآخر توقيعه ، الآن كاتب عدل ، أنت حينما تبرم عقدًا ، أو تبيع بيتًا ، أو تهب شيئًا ، وتأتي بكاتب العدل فيصدق ذلك ، تقر أمامه وتوقّع أمامه ، لا يستطيع الطرف الآخر أن يرفع دعوى بإنكار توقيعه بأنه وَّقع أمام كاتب العدل ، وكاتب العدل هذه من القرآن :

       أي خدمة كبيرة جداً ، أحياناً هناك قضاياً ترفع إلى المحاكم ثماني سنوات لإنكار توقيع ، يأتون بشهود ، ويأتون بخبراء تواقيع ، الدعوى إنكار توقيع ، قد يكون في هبة ، قد يكون في بيع بمبلغ كبير جداً ، فيحتال الذي أبرم العقد فيدَّعي أن هذا ليس توقيعه ، وهذا الموضوع قد يبقى في المحاكم ثماني سنوات من أجل إنكار توقيع ، يأتون بخبير ، ثم بخبيرين ، ثم بثلاثة خبراء ، إلى أن يأتي بخمسة خبراء للتحقق من صحة التوقيع ، أما إذا أشهدت كاتب العدل فقد ألغيت كل هذا الطريق الوعر ، لا يستطيع إنسان وَقَّع أمام كاتب العدل ، وفي حضرته أن ينكر توقيعه .

      قد ننتقل بالمناسبة إلى موضوع فرعي ، هو أنك إذا حصَّنت أخاك بعقد موثق فقد قطعت عليه طريق الشيطان ، لو لم تحصن أخاك بعقدٍ موثق لجعلت للشيطان عليه سبيلاً ، قد يأتيه الشيطان ويقول له : دعك من هذا العقد ، وأنكر توقيعك ، دعك من هذا العقد ، البيت باسمك ، ضمن شراكة البيت ، دخل في البيت شراكة ، فإذا لم توقِّع ، ولم تنجز عقداً موثقاً ، ولم يسجل العقد في محكمة البداية ، ولم يشهد عليه كاتب العدل ربما أعنت أخاك على أن يأكل حراماً ، لذلك أنا أقول لكم : الاتفاقات التي تتم بينكم وثِّقوها بعقد ، والعقد وثِّقوه بكاتب العدل ، أو بمحكمة البداية ، بهذه الطريقة لا يستطيع الشيطان أن يدخل على أحد الأطراف أبداً  .

      يبدو أن الإنسان إذا أكل المال الحرام يحاسب عند الله أشد الحساب ، ولكن قد يغيب عن أذهانكم أنك إذا مَكَّنْتَ إنساناً من أن يأكل المال الحرام فأنت شريكه في الإثم ، إن سَيَّبْتَ أمورك ، أهملت العقود ، أهملت الإيصالات ، أهملت التسجيل ، أهملت التوثيق ، فرأى الناس أنه بالإمكان أن ينكروا استلام هذه البضاعة ، إن استلمت بضاعةً ، ولم تعُدَّها تجعل الذي سلمك إياها يفكر أن يأخذ من حجمها شيئاً له  .

      حَدَّثني صديق مع أنه يبيع بيعاً غير معقول ، في النهاية لا يربح ، بل إنه يخسر ، ثم اكتشف أنه كلما أُرْسِل له مواد أولية لمعمله يقول : ضعها هنا ، وقد استلمتها ، فشعر الذي يسلمه إيَّاها أنه لا يدقق ، فصار يسلمه نصف الكمية ، ويوقع على كامل الكمية ، حصل الخلل ، الإنسان يجب أن يضبط أموره ، قد تفلِّس من عدم استلام المواد الأولية ، قد تفقد مالاً كثيراً من عدم ضبط القيود والسجِلاَّت ، انظر الآية ما أدقها :

        طبعاً القرآن الكريم فيه شيء رائع جداً ، هذا الشيء هو أن الآية وهي في سياقها لها معنى ، فإذا نزعتها من سياقها ، وقرأتها وحدها فلها معنى آخر ، وهذا من إعجاز القرآن ، كل آيةٍ إن انتظمت مع أخواتها تؤَدِّي معنى محدد ، أما حينما تنزع من سياقها تؤدي معنى شموليًّا كبيرًا جداً ، وسوف يتضح هذا جلياً في قوله تعالى :

( سورة الطلاق : 2  )

       في سياق الآيات لها معنى ، فإذا نزعت من سياق الآيات فلها معنى آخر :

      طبعاً في موضوع القضاء الذي بُحِثَ من قبل أنك إذا أتيت بشاهدين عَدْلَين فهذا دليلٌ قويٌ جداً على أنك على حق ، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الطلاق : 2 )

       إخواننا الكرام ، الشهادة عمل صالح في أعلى الدرجات ، قد تركب في مركبة ، ووقعتَ في حادث ، والحادث فادح ، والمبلغ كبير جداً ، أنت شاهد من هو الذي أخطأ في قيادة المركبة ، قد تجد أنه من عدم الحكمة أن تذهب ، وتُدلي بشهادتك ، ولا يوجد عندك وقت ، الوقت قليل ، والقضية شائكة ، تقول : أنا ليس لي علاقة ، هل تعلم أنك عصيت الله عزَّ وجل حينما لا تؤدي هذه الشهادة ؟ إنك إذا أديت الشهادة حفظت الحقوق ، وإنك إن امتنعت عن الإدلاء بالشهادة ضَّيعت الحقوق ، وعدل ساعةٍ يعدل عند الله أن تعبده ثمانين عاماً ، طبعاً وإن كان الإدلاء بالشهادة يكلِّف الإنسان وقتًا وجهدًا ، وأن يذهب إلى قصر العدل ، وأن يبحث عن المحكمة ، وأن ينتظر دوره في الإدلاء بالشهادة ، وأن يكون متوضِّئاً ، وأن يقسم على القرآن الكريم ، وأن تكتب إفادته ، وقد ينتظر يومين أو ثلاثة ، ولكن أداء الشهادة من الأعمال الصالحة الجليلة ، لذلك يقول الله عزَّ وجل :

       يجب أن تشهد ، فلا تكن سلبياً ، لا تقل : أنا ليس لي علاقة ، وقتي ضيِّق ، إن قلت أنت : وقتي ضيق ، وقال الآخر : وقتي ضيق ، والثالث تهرَّب ، والرابع قال : أنا ليس لي علاقة ، فالقاضي إذاً كيف يعرف الحقيقة ؟ يجب أن تعين القاضي على معرفة الحقيقة ، فلعل الخصم ألحن بحجته من الآخر ، أما الشاهد يقيم الدليل .

       إذاً يجب أن نعلم أيها الإخوة أن أداء الشهادة جزءٌ من الدين ، بل من أجل الأعمال الصالحة ، لأن الله حق ، ويحب إحقاق الحق ، ولأن عدل ساعةٍ يعدل عند الله ثمانين عاماً تعبده خالصاً لوجه الله .

       والحقيقة كلمة شهادة ، تقول : أنا شهدت ، أي رأيت بأمِّ عينك ، علمت علم اليقين ، لا تشهد إلا على مثل الشمس في وضح النهار ، على مثل هذا فاشهد ، لا تكن شاهداً لأنه عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ ثَلَاثًا ، قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَجَلَسَ ، وَكَانَ مُتَّكِئًا ، فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ ، قَالَ : فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ )) .

[متفق عليه]

       فالشيء الذي يؤسَفُ له أنه حول المحاكم هناك مئات الشهود ينتظرون أن تَدفع لهم مبلغاً من المال ليشهدوا معك في أي شيء ، مع أن الشاهد لا يكون شاهداً إلا إذا كان شاهداً ، شَهِدَ الحقيقة بأم عينه  .

      هذه الآية دقيقة جداً ، الإنسان لا يستجيب لأمر الله إلا إذا عرف الله ، لا يتقي أن يعصيه إلا إذا عرفه ، لا يعمل للجنة إلا إذا عرفها ، لا يتقي النار إلا إذا عرف لهيبها وحريقها ، لذلك قال بعض العلماء : قرأت حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم استغنيت به عن علم الأولين والآخرين ، هذا الحديث رواه الشِبْلي قال : (( اعمل لله بقدر حاجتك إليه ، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها ، واعمل للجنة بقدر مقامك فيها ، واتَّقِ النار بقدر صبرك عليها )) .

       الجنة للأبد ، اعمل للآخرة بقدر مقامك فيها ، واتّقِ النار بقدر صبرك عليها ، واعمل لله بقدر حاجتك إليه ، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها ، الدنيا محدودة ، والآخرة ممدودة ، والله سبحانه وتعالى يحتاجه كل شيءٍ في كل شيء .

هذا التوجيه :

        لذلك في الدين أصول ، وفي الدين فروع ، لا تحاول أن تخاطب منكري الدين بفروع الدين ، فروع الدين ليست لأهل الكُفر والإلحاد ، فروع الدين لأهل الإيمان ، أما أصول الدين فخاطب بها أهل الإنكار والإلحاد ، لذلك أن تشهد ، اعرض هذا الموضوع على إنسان من أهل الدنيا ، يقول لك : ضيَّعت عقلي حتى أضيّع يومين من أجل أن أدلي بشهادة سير ، ضيعت عقلي ، لا يرضى ، أما المؤمن فيرى في الإدلاء بالشهادة عمل صالح ، أن في الإدلاء بالشهادة عملاً صالحاً يتقرَّب به إلى الله عزَّ وجل ، فالإنسان ليس سلبياً ، المؤمن ينبغي أن يكون إيجابياً ، يجب أن يُسْهِم في إحقاق الحق ، يجب أن يسهم في رفع الظلم عن إنسان ، كم من حادث يتَّهم فيه إنسان ، وهو بريء ، لكن لا يوجد شهود ، لو جاء الشهود وأدلوا بشهاداتهم ، وحلفوا على كتاب الله أنهم رأوا بأم أعينهم هذا ، لكان الأمر غير الذي يوقع .

      إخواننا الكرام ، هذه الآية وردت في سورة الطلاق ، معناها السياقي : أي أن من يتق الله في تطليق زوجته ؛ يطلقها وفق السنة ، يطلقها لعدتها ، يطلقها في طهرٍ ما مسها فيه ، يطلقها وهو اعتقد أن الله لعله يحدث بعد ذلك أمراً ، من طلق زوجته وفق منهج الله عزَّ وجل ، ووفق سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، طلقها لعدتها ، وأحصى العدة ، يجعل الله مخرجاً إلى الرجوع إليها ، لو أنه ندم القضية سهلة جداً ، لو أنه ندم بإمكانه أن يُرْجِعَها ، لو أنه تأثَّر لفراقها بإمكانه أن يرجعها ، فالآية بمعناها السياقي :

       لاسترجاعها ، الإنسان مهما كان غاضباً ، مهما كان حانقاً ، مهما كان حاقداً ، مهما كان متألِّماً ، مهما شعر أنه لا يمكن أن يعيش مع هذه الزوجة ، طَلِّقْها وفق السنة ، طلقها تطليقةً واحدة ، وانتظر لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ، لعلك تنسى هذه المشكلة ، لعل قلبك يميل إلى إرجاعها ، لعلك تمتلئ عَطفاً عليها ، لعلك تحتاج إليها ، طلقها وفق السنة ، تجد مخرجاً إلى استرجاعها ، هذه الآية معناها السياقي هكذا .

      هناك نقطة دقيقة في الآية ، معنى استنباطي :

       ماذا تفيد كلمة ( مخرجاً ) ؟ يجعل الله له مخرجاً ، لم يكن في مخرج ، أي أن القضية محيطة ، حلقات مغلقة ، لو في مخرج لا يوجد حاجة لكي تبحث عن مخرج ، لو أن الباب مفتوح لا تبحث عن مخرج ، لكن متى تبحث عن مخرج ؟ إن رأيت الأبواب كلها موصدة ، وضاقت نفسك ، إذاً الإنسان أحياناً يوضع في ظرف صعب ، يوضع في ظرف يتوهَّم أن كل الأبواب موصدة ، يوضع في ظرف يتوهَّم أن مشكلته ليس لها حل ؛ أن دخله لن يزيد ، أنه لن يجد عملاً ، أنه لن يوفق إلى زواج ، أنه لن يشتري بيتاً ، أنه لن يصبح كغيره من الناس ، كلمة :

كلمة ( مخرجًا ) تفيد أنه لم يكن هناك مخرج ، ما دام يجعل الله له مخرجاً ، لم يكن في مخرج ..

نزلت فلما استحكمت حلقاتها       فرجت وكان يظن أنه لا تفرج

      وهذا من حكمة الله البالغة في تربية عباده ، أحياناً يضعك في ظرف كل أبواب الحلال مغلقة ، وكل الأبواب المشروعة مغلقة ، وكل الطرق الآمنة مغلقة ، وكل الأسباب التي رسمها الله عزَّ وجل مغلقة ، ثم يفتح الله لك باب الحرام ، باب المعصية ، باب النفاق ، باب الكذب ، ويمتحنك ، المؤمن يقول : والله لن أعصي الله ما حييت ، ولن أتساهل في منهج الله قيد أنمله ، أنا أعرف رجل أراد أن يشتري بيتاً ، عرض عليه بيت بأقل من سعره ، بعشرة آلاف ليرة ، البيت ثمنه خمسة وعشرون ، عُرِض للبيع ، والقصة قبل عشرين عاماً تقريباً ، أما هو فقيمته خمسة وثلاثون ألفًا ، فهو معروض بسبب السفر بسعر مغرٍ .. معه مبلغ لا يكفي لثمنه ، عنده سندات بإمكانه أن يحسمها في مصرف ، فذهب ليحسمها ، مدير المصرف ألهمه الله أن ينصحه ، قال له : يا فلان ، أنت رجل مسلم ، وهذا حرامٌ في دينك ، تلقَّى هذه الموعظة ممن يعمل في هذه الدائرة ، قال لي : استحييت من الله أن أتلقى النصيحة بهذا الشكل ، فرجعت إلى دُكَّاني وقلت : حسبي الله ونعم الوكيل ، وعاهدت الله عزَّ وجل أن أصرف النظر عن هذا البيت ، لأن في حسم هذه السندات ما يسميه العلماء ربا معكوسًا ، يقسم بالله العظيم أنه ما إن وصل إلى دُكَّانه حتى وجد صديقاً له ينتظره ، قال له : أنا هنا من نصف ساعة أنتظرك ، قال له : ليس هناك موعد بيننا ، قال له : أنا مسافر إلى الخليج ، ومعي مبلغ من المال أريد أن يكون عندك ، وأنشدك الله أن تستعمله ، أنا سأغيب سنتين ، أعطاه مئة ألف ، هو بحاجة إلى عشرة آلاف ، وأنشدك الله أن تستعمله في غيبتي ، أنا سأعود بعد سنتين ، فهو لما نصح قال : معاذ الله ، أن أعصي الله عزَّ وجل ، مثل هذه القصة لها مثيلات بالآلاف .

       فيا أيها الإخوة الكرام ، الذي يطلق زوجته وفق السُنَّة يجعل الله له مخرجاً إلى استرجاعها ، إذا ندم فتكون جاهزة ، بكلمة تسترجعها ، بتصرف تسترجعها ، لو وضعت يدك على يدها كما قال العلماء تسترجعها ، ولا خيار لها ، لك أن تسترجعها في خلال ثلاثة أشهر ، من ثاني يوم يمكنك استرجاعها ، بعد أسبوع ، أسبوعين ، ثلاثة ، أربعة ، شهر ، شهرين ، في الشهر الثالث ، لذلك :

       لو نزعنا هذه الآية من سياقها يُكتب عليها مجلَّدات ، من يتق الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من تطليقها  .

       من تزوج المرأة لجمالها أذلَّه الله .. لجمالها فقط .. ومن تزوجها لمالها أفقره الله ، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً ، فعليك بذات الدين تربت يداك  .

         إن تزوجتها ذات دينٍ وخلق يجعل الله لك مخرجاً من تطليقها ، لا تحتاج إلى تطليقها ، لأنها تعرف الله ، الآن من رَبَّى أولاده تربيةً إسلاميةً جعل الله مخرجاً من عقوق الأولاد ، من كسب المال وفق السُنَّة بالطريق المشروع جعل الله له مخرجاً من إتلاف المال وضياعه ، من اتقى الله في أداء زكاة ماله يجعل الله له مخرجاً من ضياع الأموال وإتلافها ، من اتقى الله في معرفته يجعل الله له مخرجاً من المعاصي التي ترتكب بسبب الجهل بالله عزَّ وجل ، يمكن أن تطبق هذه الآية على آلاف الموضوعات ، من اتقى الله في معاملة زوجته ، الله عزَّ وجل قال :

( سورة النساء : 19 )

       من اتقى الله في أصول معاملة الزوجة يجعل الله له مخرجاً من النَكَدِ الزوجي ، والشقاء الزوجي ، والخصومة الزوجية ، والزوجان المتباغضان هذه مشكلة :

      من يتقِ الله في اختيار البيت المناسب ، اختاره في حي محافظ ، بعيد عن الشُبُهات ، بعيد عن التفلُّت يجعل الله له مخرجاً من انحراف الأولاد ، من اتقى الله ، ولم يجلب إلى بيته هذه البدع وتلك الصحون يجعل الله له مخرجاً من انحراف الأولاد الخطير الذي لا يُحْتَمَل ، هذه الآية يمكن أن تطبق على مليون حالة ، إذا نزعت من سياقها أصبحت قاعدة :

      والآية تشير بشكل أو بآخر إلى أنه قبل أن يخلق الله المخرج لم يكن هناك مخرج ، يبدو أن الأمر مستعصٍ ، الأمر مغلق ، الأمر لا يوجد فيه فرج .

        أما لو أردنا أن ندلل على هذه الآية بالأدلة الكثيرة من واقع الحياة فهناك قصصٌ لا تعد ولا تحصى ، بل إن كل واحد منكم إذا نظر إلى ما ساقه الله له يجد أن فعل الله عزَّ وجل يأخذ بالألباب ، كل إنسان يتقي الله ربنا جلَّ جلاله يفرِّج عنه ، ويخلق له فرجاً لم يكن في حسبانه :

       أي أن الله عزَّ وجل خلق الإنسان ، وأمده بالرزق ، موضوعان خطيران جداً ، موضوع الحياة ، وموضوع الرزق ، فلو أن الإنسان توكَّل على الله حق توكُّلِهِ لكفاه الله أمر مؤنته ، يرزقه من حيث لا يحتسب ، الله هو الرزَّاق ذو القوة المتين ، لذلك ورد : (( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها ، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب )) .

[البزار عن حذيفة]

      أجملوا في الطلب لأن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها  .

        فهذه الآية دقيقة ، أحياناً تعرض عليك الدنيا من طريقٍ غير مشروع ، قد يأتيك رزق وفير من معصية ، من عملٍ مشبوه ، من إنجاز عملٍ لا يرضي الله ، من طريقةٍ لا ترضي الله ، هذا المال الوفير الذي يأتيك من هذا الطريق لا بركة فيه ، وقد يذهب ، ويُذهب معه صاحبه ، لكنك إذا اتقيت الله عزَّ وجل جاءك رزقٌ وفير من حيث لا تحتسب .

      فأخٌ كريم سألني مرةً عن دخلٍ فيه شبهة ، والشبهة واضحة ، بضاعة لا ترضي الله يتعامل بها ، قلت له : والله لا ينبغي أن تفعل هذا ، قال : لي البديل أن أبقى على راتبي المحدود الذي لا يكفيني يومين ، قلت له : هذا هو الحكم الشرعي ، وافعل ما تريد ، ترك هذه البضاعة التي لا ترضي الله بالتعامل بها ، وبقي على دخلٍ محدودٍ جداً لا يكفيه يومين أو ثلاثة ، ومضى شهرٌ وشهران وثلاثة أشهر ، قلت له : أنت حينما ترضى بهذا الدخل المحدود جداً ، والذي لا يكفيك لأنه حلال ، وترفض الحرام ، أنا لا أضمن لك أن يأتيك رزقٌ وفير بعد حين ، أنت عليك أن تطيع الله وكفى ، هو حكيم يرزق أو يؤَخِّر ، فإذا جاء الرزق الوفير متأخراً أكد هذا صدقك مع الله ، وصبرك على أمره ، وبالحقيقة مضى شهران أو ثلاثة أرسل لي استفهاماً مع بعض أصدقائه ، وقال لي : الامتحان هل سيطول ، أصبحت طويلة ، هبط دخله إلى العُشر ، هذه بضاعة محرمة بيعها وشراؤها ، لكنها تدر عليها رزقاً وفيراً ، ثم فجأةً جاء الفرج من الله عزَّ وجل ، فصار له دخل كبير ، صديق صاحب معمل وثق فيه .

         لكن لا تطالب الله بالوقت ، الوقت له حكمته ، أنت عليك أن تعبد الله ، الآية الدقيقة ، وهذه نقطة مهمة جداً ، لما ربنا عزَّ وجل قال :

( سورة التوبة : 28 )

       فهذه السياحة قديمة ، حينما يأتي هؤلاء إلى المسجد الحرام يشترون الطعام والشراب ، يسكنون في البيوت ، ينفقون أموال كثيرة جداً ، والآن تكاد تكون صناعة السياحة أروج صناعةٍ في كل البلاد ، وتحقق أكبر دخلٍ من العملات الصعبة ، فربنا عزَّ وجل قال :

ما قال : نجسون ، قال : ]نَجَسٌ [ ، أي هم عين النجاسة :

طبعاً من لوازم هذا المنع انخفاض الدخل ، طبيعي ، قال  :

أي فقراً ..

لكن لم يقل : يغنيكم ، قال :

        أي أنه لابد من مرحلة من أجل أن يظهر صدقكم مع الله ، من أجل أن يظهر ثباتكم على الحق ، من أجل أن تظهر مؤاثرتكم ، أي يا رب ، رضاك أغلى عندنا من كل شيء ، قال تعالى :

       وبعد حين يأتي فرج الله عزَّ وجل ، هذه الآية قانون ، أي إنسان إذا اتقى الله عزَّ وجل ، وصرف نفسه عن دخل كبير فيه شبهة ، وقنع بالقليل الذي لا يكفيه لأنه حلال ، قد يعاني بعض الوقت ليدفع ثمن هذا القرار الحكيم ، ليدفع ثمن هذه الطاعة ، وبعد حين يرزقه من حيث لا يحتسب ، فالإنسان لا يستعجل ، فمن كان يريد لقاء الله فإن أجل الله لآت .

       والله الذي لا إله إلا هو آلاف القصص حول هذه الآية يمكن أن تذكر ، وأنا أعتقد أنه لا يوجد أخ من إخواننا من دون استثناء إلا وله مع هذه الآية خبرة عملية ، (( ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه وديناه )) .

[الجامع الصغير عن ابن عمر ، وفي إسناده مقال]

       أيها الإخوة الكرام ، أعيد عليكم نص الحديث الشريف : (( ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه وديناه )) .

       طبيعة الدرس لا تسمح برواية القصص الكثيرة ، لكن ما من عبدٍ يقول : معاذ الله ، إني أخاف الله رب العالمين ، لا أفعل هذا ، ولا أغضب الله ، وأنا أرضى بالقليل الذي يرضي الله ، وأوثر عليه الكثير الذي لا يرضي الله ، إلا رزقه الله الرزق الوفير بعد حين ، إذاً :

      أنت في امتحان دائم ، وطبيعة الحياة الدنيا فيها معصية ، وفيها طاعة ، فيها حرام ، وفيها حلال ، فيها شيء مشبوه ، وشيء واضح ، فيها شيء يرضي ، وشيء لا يرضي ، أما إذا اتقيت الله أن تعصيه ، اتقيت أن تعصي الله عزَّ وجل فلك مخرجٌ من كل ضيق ورزقٌ وفير ، ولكن بعد حين .

( سورة الطلاق : 3 )

       أي أنه يكفيه ، فالإنسان أحياناً يوكِّل محاميًا لامعًا ، وله صلات وثيقة مع القضاة ، يشعر بطمأنينة ، يقول لك : وكّلنا فلانًا ، أما إذا وكلت الله عزَّ وجل الذي بيده كل شيء ، فكل شيء بيده ، ولا يعجزه شيءٌ في السماوات ولا في الأرض ، أكبر أعدائك في قبضته ، كل المتغيرات بيده ، كل الظروف المحيطة بك بيده .

فالتوكل جُزء من الدين  .

( سورة المائدة : 23 )

       فإن لم تتوكلوا فلستم بالمؤمنين ..

فالإنسان يمكن أن يلاحقه عدو مئة ضعف عن قوته ، سيدنا موسى مع أصحابه ، من وراءهم ؟ فرعون ، وما أدراكم ما فرعون ، فرعون بجيشه ، وقوته ، وجبروته ، وغطرسته ، وقهره ، واستعلائه ، وهؤلاء سيدنا موسى وأصحابه شرذمةٌ قليلون ..

( سورة الشعراء)

( سورة الشعراء )

       البحر أمامهم ، وفرعون وراءهم احتمال الهلاك بالمئة كم ؟ بالمئة مائة ، البحر من أمامهم ، وفرعون من ورائهم ، بقوةٍ تفوق قوتهم بمئات المرَّات ، فلا يوجد أمل ..

( سورة الشعراء)

       سيدنا النبي اللهم صلّ عليه في الغار مع سيدنا الصديق ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ : (( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا ، فَقَالَ : مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ؟ )) .

[متفق عليه]

        ما من عبدٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من عبدٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقَطَّعْت أسباب السماء بين يديه  .

( سورة المائدة : 23 )

       ضعف الإيمان يسبب أشياء مقلقة كثيرة جداً ، فهناك ألف سيف مُسَلَّط على رأس كلٍ منا ، سيوف المرض ، أحياناً حادث ، أنت تمشي نظاميًّا على اليمين بسرعة معتدلة ، وواحد نائم ، الإنسان تحت آلاف الأخطار ، ما الذي يطمئنك ؟ أن تتوكل على الله ، لكنك لن تستطيع أن تتوكل عليه إلا إذا كنت في مرضاته ، لن تستطيع أن تتوكل عليه إلا إذا كنت مطيعاً له ، واثقاً من رحمته ، وحكمته ، واثقاً من عدالته ، واثقاً من ربوبيَّته .

يكفيه ..

(سورة الطلاق : 3 )

       أي أن أمر الله هو النافذ  .

( سورة الرعد : 11 )

       ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم  .

( سورة الطلاق : 3 )

       الإنسان أحياناً يخطط ، ولا يستطيع أن يصل إلى هدفه ، أما ربنا عزَّ وجل فأمره هو النافذ   ..

( سورة الطلاق )

       أي أن كل شيء يأتي في وقته المناسب ، وفي القدر المناسب ، وهذه حكمة الله عزَّ وجل .

( سورة الشورى )

      فالقدر مناسب ، والوقت مناسب ، من تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ، حكمة الله تتجلى في أن هذا الشيء يناسبك منه بهذا القدر ، وأن يأتيك بهذا الوقت ، لو جاء قبل وقته لفُتِنْت ، ولو جاء بأكثر من قدره لفُتنت ، ولو جاء بأقل من قدره لفتنت ، ولو جاء بعد وقته لفتنت ، قبل الوقت ، وبعد الوقت ، وأكبر ، وأصغر تُفْتَن ، لكن يأتي بقدرٍ مناسب ، وفي الوقت المناسب ، ما كل ما يعلم يقال ، كما قال سيدنا علي ، وما كل ما يقال له رجال ، ولا إذا وجد الرجال آن الأوان ، هناك شيء لا يقال ، وشيء يقال ، والذي يقال لا يقال لكل الناس ، يقال لبعضهم ، وهذا الذي يقال لبعضهم لا يقال لهم في كل الأوقات ، يقال لهم في بعض الأوقات ، هذه الحكمة .

      فالنبي عليه الصلاة والسلام في الهجرة مطارد ، مئتا ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، ينظر إلى سراقة الذي تبعه ليأخذ الجائزة ، غاصت قدما فرسه في الرمل ، أول مرة ، وثاني مرة ، فعلم أن هذا الإنسان ممنوعٌ منه ، فرجا النبي أن يعفو عنه ، قال له : كيف بك يا سُراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ الله جعل لكل شيء قدرًا ، أن يلبس سراقة سواري كسرى ، عند الله يكون بعد رسول الله ، وبعده سيدنا الصديق ، فيكون في عهد عمر ، في عهد عمر قال : أين سراقة ، فجاءوا بسراقة ، فألبسه تاج كسرى وسواره وقميصه ، وقال : بٍخٍ بخٍ ، أُعَيْرَابيٌ من بني مُدْلِج يلبس سواري كسرى ، لقد تحققت نبوءة ا