English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي      .

الدرس 4 /6  .   

التاريخ : 3/1/1996  .

السورة  : سورة الطلاق ( 65 )  الآية 4- 5  .

تفريغ : المهندس عبد العزيز كنج عثمان .

تدقيق لغوي مع التنزيل : أحمد مالك  .

  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الرابع من سورة الطلاق ، ومع الآية الرابعة ، وهي قوله تعالى :

       أيها الإخوة الكرام ، لابدَّ من بعض الحقائق أضعها بين أيديكم ونحن في صدد شرح آيات التشريع .

       الدين عقيدةٌ وعبادة ، الدين حقائق نؤمن بها ، وأوامر ونواهٍ نعمل بها ، فكل من غلَّب جانباً على جانبِ آخر ضلَّ سواء السبيل ، الإنسان بالكون يعرف الله ، لكنه بهذا القرآن يعبده ، فربنا عزَّ وجل يقول :

( سورة الأنعام : 1 )

       الكون يدُّل على الله ، لكن بعد أن عرفت الله ، بعد أن آمنت بوجوده ، بعد أن آمنت بوحدانيته ، بعد أن آمنت بأنه لا إله إلا هو ، كيف تتقرَّب إليه ؟ بطاعته ، كيف تطيعه ؟ أول شيءٍ في طاعته أن تعرف أمره ، لذلك وردت تفاصيل دقيقة جداً في شأن الزواج والطلاق ، وكسب المال وإنفاق المال ، فالذي لا يعبأ بهذه التفاصيل فإن شطرًا من إيمانه قد ضاع منه ، إيمانك يقتضي أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً ، وأن تعمل بأمره ونهيه ، فلذلك إخوةٌ من المؤمنين ينشدُّون إلى آيات التكوين .. الآيات الكونية .. ولا يكترثون كثيراً بالآيات التشريعية ، الآيات التشريعية لا تقلّ في دلالتها على عظمة الله عن الآيات التكوينية..

       الآن سؤال يطرح نفسه علينا : هذا الذي يعيش مع زوجته في تفاهم ووئام ، يمحضها ودَّه ، وتمحضه ودَّها ، وليس بحاجةٍ إطلاقاً إلى أن يطلِّقها ، لماذا تعنيه آية الطلاق ؟ الجواب : أن الله سبحانه وتعالى تعرِفه مِن خَلقه ..

( سورة آل عمران )

       ثانياً : وتعرفه من فعله ، الحوادث التي تجري إنما هي من أفعال الله  ..

( سورة الأنعام )

       يمكن أن تعرفه من خَلقه عن طريق التفكُّر ، ويمكن أن تعرفه من أفعاله عن طريق النظر ، ويمكن أن تعرفه من كلامه عن طريق التدبُّر ..

( سورة محمد)

( سورة النساء )

       إذاً ثلاثة مصادر لمعرفة الله : خَلْقه الكون ، أفعاله الحوادث ، كلامه القرآن الكريم ، لو أن الإنسان على وفاقٍ تام مع زوجته ، ولا يفكِّر إطلاقاً أن يطلِّقها ، إذا تأمَّل في آيات الطلاق يجد عظمة الخالق في تشريعه ، عظمة الخالق في أمره ونهيه ، عظمة الخالق في رحمته ، عظمة الخالق في عدله ، فالإنسان ينبغي أن يُمْعِن النظر في هذه الآيات التشريعية .

       أيها الإخوة الكرام ، في الدرس الماضي بيّنت لكم أن الله سبحانه وتعالى حينما قال :

( سورة الطلاق : 1 )

       كيف أن هذا البيت أُضيف إلى المرأة ، قلت لكم في الدرس الماضي أو قبل الماضي : إنه أضيف إضافة تشبُّث ، أو إنه أضيف إضافة إشراف ، وهناك معنًى ثالث لهذه الآية ، وهو : أنه أضيف إضافة استقلال ، أي كمال الزواج لا يتحقق إلا ببيتٍ مستقلّ تنفرد فيه الزوجة والزوج وأولادهما ، فهذا من الإشارات اللطيفة التي تَشِفُّ عن هذه الآية الكريمة ، هذا البيت بيتك ، وفي السجلاّت الرسمية هو باسمك ، لكنه في هذه الآية هو بيتها ، أي عليها أن تتشبَّث به ، فلا تخرج منه ، وهو في الآية القرآنية بيتها من حقِّها أن تشرف عليه تأكيداً لشخصيتها .

       والمعنى الثالث : أنه بيتها على وجه الاستقلال من أجل أن يسعد الزوجان ، هناك أنواعٌ كثيرة من الزواج تُخْفِق للاختلاط والمداخلات بين الأسر وبين الزوجين ، على كلٍ هذا استنباط ظنِّي ، نعود إلى الآية الكريمة :

       بعد أن حدَّثنا ربنا جلَّ جلاله عن عِدَّة المرأة التي تحيض ، طلاقها ، وإرجاعها ، وفراقها ، وعدَّتها ، في الآيات السابقة ، الآن لابدَّ من معرفة المرأة التي لا تحيض كيف تُحسَب عدَّتها ؟ يقول الله عزَّ وجل :

        أي أن المرأة بعد ردحٍ من الزمن ينقطع عنها الحيض فتُسمَّى الآيسة من الحيض ، هذا من حكمة الله جلَّ جلاله ، ففي مبيض المرأة عددٌ محدود من البويضات ، فإذا انطلقت آخر بويضةٍ من المِبيض إلى الرحم عندئذٍ تدخل المرأة  في سنَّ اليأس ، وهي بخلاف الرجل ، فبإمكانه أن يُنجِب في أي عمرٍ كان ، ولو كان في التسعين ، ولو كان في المئة ، بينما المرأة لا تحمل إلا إذا كان في مبيضها بويضة ، أما إذا انطلقت كل البويضات من المِبْيَض تنقطع عنها الدورة ، وينتهي الحيض ، وتدخل سنَّ اليأس .

       وفي هذا أيها الإخوة حكمةٌ بالغة ، تصَّور امرأةٌ عمرها مئة عام تحمل ، إنه شيء غير معقول إطلاقاً ، حكمة ربنا في خَلقه لا حدود لها ، الرجل ينجب ، لكنه لا يحمل ، أما التي تحمل فلا يستطيع جسمها تَحَمُّل هذا الحمل ، ولا إمداده بحاجات الوليد ، لذلك جعل الله في مبيض المرأة عدداً محدوداً من البويضات ، فإذا انطلقت هذه البويضات في الأربعين ، في الخامسة والأربعين ، في الخمسين وانتهت ، دخلت سنَّ اليأس وانقطع حيضها ، وأصبح لها في الشرع حكمٌ آخر ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

ما عدَّتهن ؟ قال :

 

أي إن شككتم في عدَّة هذه المرأة التي يئست من المحيض ، فما عدَّتها ؟

أي إن شككتم ، والعلماء يقولون :

أي إن تيقَّنْتُم ، هذه من ألفاظ التضاد ، كأن تقول : شرى أي باع ، واشترى ، ] وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [  .

( سورة يوسف :20 )

أي باعوه بثمنٍ بخس ، كأن تقول : المولى ، المولى هو الَسيّد ، والمولى هو العَبد ، هي من ألفاظ التضاد ، كأن تقول : الجول وهو الأبيض والأسود ، وفي اللغة العربية بعض ألفاظ التضاد التي تعني معنيين متعاكسين في وقتٍ واحد ، فظنَّ بمعنى حَسِبَ ، وبمعنى أيقن ..

( سورة البقرة )

أيقنوا ..

( سورة الحجرات : 12 )

       بمعنى حَسِبَ ، أيضاً ارتبتم بمعنى تَيَقَّنْتُم ، أو شككتم ، هنا لا تعرفون حكم المرأة التي انقطع عنها الحيض ، فما عدَّتها ؟ ..

قال تعالى :

        خرجن من عدة القُرء الطهر أو الحيض إلى عدَّة الزمن ، فاللاتي يئست من المحيض دخلت في سنِّ اليأس ، وانقطع حيضها ، ولم تعد من النوع الذي تأتيه الدورة ، فإن هذه المرأة عدَّتها أن تُمْضي ثلاثة أشهر .

       هناك حالة ثانية : امرأةٌ بلغت سنَّ اليأس ، أي انقطع حيضها فعدَّتها ثلاثة أشهر ، امرأةٌ لا تدري ما إذا كان هذا الدم دم استحاضةٍ أو دم حيضٍ ، هذه أيضاً عدَّتها ثلاثة أشهر ..

      لأن النبي عليه الصلاة والسلام حين يروى عنه يقول  : (( لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ ... )) .

(أحمد عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ )

       بلاغةٌ نبويةٌ رائعة ، ليس المقصود أن النبي عليه الصلاة والسلام يمنعنا أن نسقي أرض جيراننا بمائنا ، ليس هذا هو المقصود ، لكن القضية دقيقة جداً وخطيرة ومتعلِّقة بالأنساب ، لماذا أمر الله المرأة أن تعتدَّ من طلاقٍ أو من وفاة ؟ لأن هذا الرحم قد يكون فيه من ماء الزوج المتوفَّى ، أو من ماء الزوج المُطَلِّق ، فإن لم نراع أحكام العدَّة دخل ماءٌ على ماء ، واختلطت الأنساب ، فقد تنجب ولداً من زوجها الأول ، وتُلحِقُه بالزوج الثاني ، وكلكم يعلم ما في أخطار زواج الأقارب من التحريم ومن الضرر ، فلو أن المرأة لم تهتم بهذه القضايا لاختلط ماء الرجلين ، الرجل المُطَلِّق والرجل المتزوّج ، فلذلك هناك دقَّةٌ بالغة في أحكام الطلاق ، ولاسيما في أحكام العدَّة ، لئلا يسقي الرجل ماؤه زرع غيره ..

       أي امرأةٌ تجاوزت سنَّ اليأس ، أو امرأةٌ اختلط عليها نوع الدم ، أهو دم حيضٍ أو دم استحاضة ؟ إنها على مشارف سنِّ اليأس ، فإن هذه المرأة عدَّتها ثلاثة أشهر  ..

الفتيات الصغيرات اللواتي تزوَّجن وطُلِقن ، ولم يحضن ، قال تعالى :

       أي إن المرأة الحامل لو أنها طُلِّقت فعدَّتها أن تضع حملها ، المرأة التي تجاوزت سنَّ اليأس ، والتي لم تبلغ سِنَّ الحيض هذه عدَّتها ثلاثة أشهر ، أما اللاتي حملت فعدَّتها أن تضع حملها ..

( سورة الطلاق )

       أي حينما تهتم اهتماماً بالغاً بهذه القضايا فإن الأنساب لا تختلط ، وماء الرجل الأول لا يسقي زرع غيره ..

( سورة الطلاق )

       بيّنت لكم في درسٍ سابق أن قوله تعالى :

( سورة الطلاق)

       والآية الثانية :

     والآية الثالثة :

       هذه الآيات الثلاث أيها الإخوة دقيقةٌ جداً في هذه السورة بالذَّات ، حينما تضيق الأمور ، وحينما تتوهَّم أنه لا مخرج عليك بطاعة الله ، عندئذٍ يفتح الله لك مخرجاً واسعاً ..

( سورة الطلاق )

       وبيّنت لكم في درسٍ سابق أن مثل هذه الآية يمكن أن تنزِعها من سياقها ، يُكتَبُ حولها مجلَّدات ، ويمكن أن تبقى في سياقها فتفيد أنه من يتقِ الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى استرجاعها ، طلَّقها طلاقاً سُنِّياً ، ولم يطلِّقها طلاقاّ بدعياً ، إذاً بإمكانه أن يسترجعها .

       الآية الثانية :

       أي أن الله عزَّ وجل جعل للتيسير والتعسير قوانين ، ينقلنا هذا إلى آيةٍ أخرى توضِّح هذه الحقيقة أشدَّ إيضاحاً :

( سورة الليل )

       هذا الذي آمن بأحقِّية هذا الدين ، وأنه خيرٌ مطلق ، وأن هذا الدين يفضي بنا إلى الجنَّة ، هي الحُسنى ، لقوله تعالى :

( سورة يونس : 26 )

       الله عزَّ وجل عَبَّر عن الجنَّة بالحُسنى ، وأنت خُلِقت من أجل الجنَّة  ..

        أي أنه آمن بأحقِّية هذا الدين الذي ينتهي بالإنسان إلى الجنَّة ، الإنسان خُلِقَ للجنَّة ، ثم أعطى ، واتقى أن يعصي الله عزَّ وجل ، اتقى أن يُغضِبَه ، اتقى أن يسخطه ، اتقى أن يقع في مُحَرَّم ، اتقى أن يقع في شُبهة ، اتقى أن يكسب مالاً حراماً ، اتقى أن يحيد عن منهج الله ، ثم أعطى ، جعل قربَته إلى الله في العطاء ..

هذا كلام خالق الكون ..

 

وليس من شعورٍ أحبُّ إلى النفس من التيسير ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول : ((  اللهمَّ لا سهلَ إلا ما جعلته سهلاً )) .

(حديث صحيح)

     والإنسان حينما تيسَّر أموره يشعر وكأن الله راضٍ عنه ، التيسير له ثمن ، ادفع الثمن ودونك التيسير ، ثمنه أن تؤمن بالله ، أن تصدِّق بكتابه وبنبيّه ، وأن تصدِّق باليوم الآخر ، ثم من ثمنه أن تستقيم على أمره ، ومن ثمنه أن تُنفق ما آتاك الله في سبيله ..

       أحدهم قال للنبي عليه الصلاة والسلام : يا رسول الله ، والله إني لأُحِبُّك .. كلام طيّب .. قال : انظر ما تقول ؟ قال : والله إني لأُحِبُّك ، قال : انظر ما تقول ؟ قال : والله إني لأُحِبُّك ، فقال عليه الصلاة والسلام للمرَّة الثالثة : انظر ما تقول ؟ قال : والله يا رسول الله أنا أحِبُّك ، قال : إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك .

      وقف بعض الناس أمام هذا الحديث وقفةً متأنّية ، كيف ؟ هل يكون الفقر جزاء من أحبَّ رسول الله ؟ مستحيل ، فأين الآية التي تقول :

          لكن شُرَّاح الحديث قالوا : إن كنت صادقاً في محبَّتك للنبي فلابدَّ من أن تُنفِق مالك ، هذا الفقر الذي يصنعه الإنسان بيده حينما يُنفِق ، هذا هو الفقر الذي ذكره النبي e ، هذا الذي يَكْنِزُ المال ولا يُنفِقه ، هذا الذي يستأثر به ولا يبذله ، هذا لا يحبُّ رسول الله ، لأنه إن كان صادقاً فيما يقول فلابدَّ من أن يُنفِق ماله في سبيل الله ، عندئذٍ يبدو فقيراً بمعنى من المعاني ، لم يعد يوجد تكديس أموال ، صار هناك إنفاق ، وأساساً إن أردت أن تعرف ما إن كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة فانظر ما الذي يسعدك ، أن تأخذ المال أم أن تنفقه ؟ لذلك قال له النبي : انظر ما تقول .. المرَّة الأولى .. والثانية : انظر ما تقول ؟ والثالثة : انظر ما تقول ؟ قال : والله إني لأحِبُّك ، قال : إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك ، إنك إن أحببتني اتبعت سنَّتي ، ومن سنَّتي إطعام الطعام ، ومن سنَّتي الإنفاق ، وبعضهم يتوهَّم ونحن على أبواب رمضان أن الإنفاق متعلِّق بالزكاة فقط ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( في المال حقٌّ سوى الزكاة )) .

( ورد في الأثر)

       انظروا إلى قوله تعالى :

( سورة البقرة : آية " 177 )

       إما على حبِّ المال ، يحبّه فأنفق منه ، وبذلك يرقى ، أو آتى المال على حبِّ الله عزَّ وجل ، محبَّةً لله  ..

      الزكاة شيء مفروض ، وإيتاء المال على حُبِّ الله شيءٌ مندوب ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام : (( في المال حقٌّ سوى الزكاة )) .

( ورد في الأثر)

       نعود ..

بالمقابل  :

        لم يُنفِق لا من وقته ، ولا من جهده ، ولا من ماله ، ولا من خبرته ، ولا من علمه ، استأثر بكل شيء ، يُنْفِق بأجرٍ باهظ ، أما أن ينفق في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله ..

عن طاعة الله ..

لم يعبأ بأحكام هذا الدين ، ولم يعبأ بالجنَّة التي وعد الله بها المتقين ، قال تعالى  :

( سورة الليل  )

       ذكرت هذه الآية التفصيلية تعقيباً على قوله تعالى :

( سورة الطلاق)

       وما من شعورٍ أحبُّ إلى الرجل أو إلى الإنسان من التيسير ، الأمور ميسَّرة ، من هنا كان عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول : (( اللهمَّ لا سَهْلَ إلا ما جعلتَه سهلاً )) .

      أحياناً الإنسان تيسَّر له سبل عمله ، عمله ميسَّر ، زواجه ميسَّر ، بيته ميسَّر ، رزقه ميسَّر ، هذه من علامات الرضا .. (( اللهمَّ لا سَهْلَ إلا ما جعلتَه سهلاً )) .. وحينما تتعقَّد الأمور ، وحينما توصد الأبواب ، وحينما تسدُّ السُبُل ، وحينما تأتي الأمور على غير ما تشتهي ، لعلَّ هناك خللاً ، لعلَّ هناك تقصيراً ، لعلَّ هنالك عدواناً ، لعلَّ هناك ظُلماً ، لعلَّ هناك انحرافاً ، هذا قانون التيسير والتعسير ، لكن هنا :

       والله أيها الإخوة ، لو لم يكن في كتاب الله عزَّ وجل إلا هذه الآية لكَفَتْ ..

قبلها :

( سورة الطلاق  )

       التي بعدها :

( سورة الطلاق : 5 )

       ثلاث آيات .. إن تتق الله يجعل الله لك مخرجاً .. والحقيقة أن من حكمة الله عزَّ وجل أن الإنسان أحياناً يُضيّق عليه ، الحلقات تتحكَّم به ، استحكمت الحلقات حوله ، الشدائد سيقت إليه من كل جانب ، هذه مرحلةٌ لابدَّ منها يُمتًحَنُ فيها الرجل ، فإن بقي على استقامةٍ وعلى حسن ظنٍّ بالله نجح في الامتحان ، عندئذٍ يفرِّج الله عنه كربه ، وييسِّر أمره ، ويحلّ عقدته ، ويوفّقه ، وينصره ، ويحفظه ، ويُظهِرًه على أعدائه ، أما حينما تضيق به الأمور فيكفُر ، تضيق به الأمور فيعصي ، نحن ممتًحنون ، ما منَّا واحدٌ إلا والله يمتحنه كلّ يوم ..

( سورة العنكبوت )

       نحن مفتونون ، نحن ممتحنون ، نحن في دار ابتلاء .. إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء .. نحن في دار امتحان ..

( سورة الملك : 2 )

      لكن هل بإمكاننا أن نفعل كما فعلنا في الآية السابقة ، وأن ننزعها من سياقها ؟ وأن ندرس شمولها ؟ في عملك التجاري لو اتقيت الله عزَّ وجل في شرائك وبيعك ، وألزمت نفسك المنهج الصحيح ؛ لم تكذب ، ولم تدلِّس ، ولم تغش ، ولم تحتكر ، ولم تفعل شيئاً مخالفاً لمنهج الله في البيع والشراء يجعل الله له من أمره يسراً ، تيسِّر أموره ، أما إذا بنى تجارته على الكذب ، أو على الغش ، أو على الاحتكار ، أو على العمل الذي لا يُرضي الله عزَّ وجل ، أو كانت البضاعة التي يتعامل معها ليست مباحةٌ في التعامل ، أو أن الطريقة التي سلكها ليست صحيحة ، عندئذٍ سيجد الافلاسات ، والمصادرات ، والشيء لا يتحمَّله ..

      في كل جوانب الحياة ، إن اتقيت الله في تربية أولادك جعل الله لك من أمرك يسراً في قطف ثمار البنّوة الصالحة ، في أي مجالٍ أنت مع هذه الآية  .

       أيها الإخوة الكرام ، مرَّة ثانية ، الفرج محبَّب ، والتيسير محبَّب ، وتكفير السيئات محبَّب ، وثمن تكفير السيئات ، وثمن الفرج ، وثمن التيسير أن تتقي الله عزَّ وجل ، لذلك المؤمن الصادق ما من شيءٍ يحرص عليه بعد معرفة الله كأن يستقيم على أمره ، ما من شيءٍ يحرص عليه بعد معرفة الله إلا أن يستقيم على أمره ..

         هنا نقطة دقيقة ، الناس يفعلون كل المعاصي ، والمؤمن يستقيم ، وقد يبدو أمامهم ضَيّق الأفق ، ما الذي حصل ؟ نحن نفعل هكذا ، نفعل ما نريد ، أنت تضيّق على نفسك ، لكن هذا كلَّه في حساب   .

       أيها الإخوة الكرام ، أقٌول لكم الآن كلمة : الدين كلَّه قيود ، فيه محرَّمات ، فيه منهيات ، فيه قيود ، فيه حدود ، فيه سدود .. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ )) .

( أبو داود وأحمد)

      أنت لست مخيّراً أن تفعل ما تريد ، هناك منهجٌ يحكم تصرُّفاتك ، لذلك هذه القيود ، وهذه الحدود ، وهذه السدود التي تراها في بداية الطريق عبئاً عيك وتقييداً لحرٍّيتك هي ثمنٌ لحرٍّيتك التي تنالها بعد هذا التقيد .

       الآن دققوا ، مثل موضَّح جداً قريب ، وهو بين أيديكم : إنسان لم يخالف القوانين ولا الأنظمة ، فهو حُر ، له أن يذهب إلى أي مكان ، وله أن يسكن في أي بيت ، وله أن يسافر إلى أي بلد ، وله أن يفعل ما يشاء ، يتمتَّع بحرّيته ، لأنه مطبقٌ للقوانين والأنظمة ، لو أن إنسانًا ارتكب جريمة هل يملك حرّيته ؟ هو فعلها بداعٍ أنه حر ، فلمَّا خالف المنهج فقد حرّيته ، دائماً التقييد يؤدِّي إلى الطلاقَة ، والطلاقة في البداية تؤدّي إلى القيد ، من هنا قال الله عزَّ وجل :

( سورة البقرة : 5  )

       الهدى رَفَعَهُم وأعلى شأنهم ، وأعلى مقامهم ، وحقق أهدافهم وأمانيّهم ، أما :

( سورة الزمر : 22  )

       هناك شيء ضمن شيء ، الضلال كلُّه تفلُّت ، وكلُّه تحرُّر ، وكلُّه حرّية ، هذا الانطلاق العشوائي في الحركة أوصله إلى كآبةٍ ، وإلى مرضٍ نفسي ، أو إلى سجنٍ ، وإلى فقدِ حرٍّية ..

        الحياة أحياناً أيها الإخوة تنقلب إلى جحيم ، لا تغترَّ بالصور الظاهرة ، لا تغترَّ ببيتٍ فخم قد يكون جحيماً لأهله ، لا تغترَّ بدخلٍ كبير قد يكون وبالاً على أصحابه ، لا تغترًَّ بقامةٍ مديدة قد تكون مغموسةً في الأوحال ، العبرة بطاعة الله ، فأنت إن اتقيت الله عزَّ وجل يجعل الله لك من أمرك يسراً ..

( سورة الطلاق : 5  )

       هذا أمر خالق الكون ، والحقيقة لا تعرف قيمة أمر الله إلا إذا عرفت الله ، لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر ، وقيمة المُرْسَلِ من قيمة المُرْسِل ، قيمة الأمر من قيمة الآمر ، فكلَّما كنت أعلى معرفةً بالآمر كان تعظيمك للأمر أكبر ، من هنا قال الله عزَّ وجل :

( سورة الحج )

       

         لهذا قالوا : " لا تنظر إلى صِغَرِ الذنب ولكن انظر على من اجترأت " ، وإذا عرفت الآمر وعرفت الأمر تفانيت في تطبيق الأمر ، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفنَّنت في التفلُّت من الأمر ، لذلك الدعوات الإسلامية لا تنجح إلا إذا سارت في خطِّين متوازيين ، التعريف بالخالق والتعريف بأمره ، فلو اكتفينا بأمره نتفلت من هذا الأمر ، لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر ، فقبل أن ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ قبل أن يفكِّر الإنسان في مخالفة أمر الله فليعُدَّ للمليون ..

تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه     ذاك لعمري في المقال بديعُ

لو كان حبُّك صادقاً لأطعـتهُ     إن المحبَّ لمن يحبُّ  يطيعُ

 

     والحقيقة أيها الإخوة نحن بحاجةٍ ماسَّة إلى حسابٍ دقيق ، لنحاسِب أنفسنا ، أي أن الله عزَّ وجل قال :

( سورة الرعد : 11 )

       الإنسان محاط بقوى كبيرة لا قِبَل له بها ، وتوجد منطقة في حياته تحت إمرته ، دائرة يملكها ، ودائرة لا يملكها ، أنت إذا أقمت أمر الله في الذي تَقْدِرُ عليه كفاك ما لا تقدر عليه ، هذه قاعدة أساسية ، ولو عرفها المسلمون اليوم لكانوا في حالٍ غير هذا الحال ، الواحد منَّا ألا يملك بيته ؟ إذا دخلت إلى بيتك ، وأغلقت الباب من يملك أمر هذا البيت غيرك ؟ ألا تستطيع أن تقيم أمر الله في بيتك ؟ ألا تستطيع أن تأمر أهلك بالصلاة ، وأن تصطبر عليهم ؟ ألا تستطيع أن تلزم بناتك اللاتي هنّ من صلبك أن يقمن أمر الله في خروجهن ؟ وفي سلوكهن ؟ ألا تستطيع أن تُطعم أهل البيت اللقمة الحلال ؟ هذا كلَّه في إمكانك ، ألا تستطيع أن تمنع كل نافذةٍ يأتي منها الفساد ؟ تستطيع لأن هذا في إمكانك ، أنت إن فعلت هذا ، إن طبَّقت أمر الله في ما أنت قادرٌ عليه كفاك الله ما لست قادراً عليه ، وهذه الآية من أدقِّ الآيات :

       هذه الدائرة الكبيرة التي فيها قوى لا تستطيع أن تقابلها ، هذه الدائرة الكبيرة التي فيها قوىً لا تستطيع أن تجابهها ، أنت حينما تطبِّق أمر الله فيما أنت قادرٌ عليه كفاك الله في ما لست قادراً عليه ..

       هذه الآية يجب أن تكون واضحةً لكل المسلمين  ..

(( يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَ