English
ÇáÜÜÕÜÜÝÍÜÜÜÉ ÇáÜÜÑÆíÜÜÜÓíÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÜÜÜÜÎÜÜÜÜÜÜÜØÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÜÈ
ÇáÜÚÜÞÜíÜÜÜÏÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÜÜÉ
ÊÝÓÜÜíÜÑ ÇáÜÞÜÑÂä ÇáÜßÑíÜÜÜã
ÇáÜÜÍÜÜÏíÜÜÜÜË ÇáÜÔÜÜÜÑíÜÜÜÜÜÝ
ÇáÜÜÜÓÜÜÜÜÜíÜÜÑÉ ÇáÜäÜÈÜæíÜÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÜÜÝÜÜÞÜÜÜÜÜå ÇáÅÓÜÜÜÜáÇãÜÜÜí
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ãÜÜÊäÜæÚÜÜÜÜÜÉ
ÇáÜÜÊÑÈíÜÜÜÜÉ ÇáÅÓÜÜÜáÇãÜÜíÜÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÅÓÜÜÜáÇãÜíÜÜÜÉ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÚÜÜáÜãÜíÜÜÜÜÜÜÉ
äÜÜÜÜÏæÇÊ æ ãÜÍÜÜÇÖÜÜÜÜÑÇÊ
ãÜæÖÜæÚÜÇÊ ÃÏÈÜÜÜÜíÜÜÜÜÜÜÜÜÉ
ÃÍÜÜÇÏíÜÜÜÜË ÑãÜÜÜÖÜÜÜÜÜÜÜÜÇä

تفسير سورة الملك (67) ، الدرس 7/7 ، الآيات " 23-30 " ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

äÚã Çááå Úáì ÚÈÇÏå

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس السابع والأخير من سورة المُلك، ومع الآية الثالثة والعشرين وهي قوله تعالى :

           أيها الإخوة الكرام ... الله جلَّ جلاله هو الذي خلقنا ، إذاً هو الذي يستحق أن نعبده وأن لا نعبد سواه ..

 "          إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويُعْبَدُ غيري ، أرزق ويُشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل وشرُّهم إليّ صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغّضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيءٍ إليّ، من أقبل عليَّ منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودَّتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أُقَنِّطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأَطِّهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيِّئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدِها "..

       إذاً هو الذي يستحق أن تعبدوه و تحبوه و تخلِصوا له و تطيعوه ، و هو الذي يستحق أن تعلقوا عليه الآمال ، و هو الذي يستحق أن تتوكلوا عليه ..

       أنشأكم وشَقَّ لكم الطريق إليه  بأن أعطاكم قدرةً تَعَرُّفية (إدراكيّة ) من أجل أن تعرفوه و هذه القوة الإدراكية هي السمع والبصر والفكر .

  الأذن :

     أيها الإخوة الكرام ... إن حاسة السمع من أدقِّ الحواس ، وحتى هذه اللحظة لا نعرف  كيف يستطيع الإنسان أن يفرق بين النغم والضجيج ، فكلاهما صوت ، و كلاهما موجاتٌ صوتية و تبدلاتٌ في الوسط المَرِن الذي هو الهواء ، فلولا الهواء لما كان هناك صوت ..   و روَّاد الفضاء وهم على سطح القمر يتخاطبون باللاسلكي ، فليس هناك صوت بسبب عدم وجود الهواء على سطح القمر ،  فمن خلق الهواء ؟ إن هذا الوسط المرن إذا أحدثت فيه اضطراباً انتقل هذا الاضطراب إلى أذنك ؟ ومن نعم الله علينا أن هذا الاضطراب يتخامَد ، ولولا أنه يتخامد لسمعت هنا في الشام كل أصوات الأرض ، كل هَيَجان البحار ، كل ضجيج المعامل ، كل أصوات الرعود في الأرض ، فلولا أنَّ الموجة الصوتية تتخامد لكانت حياتنا جحيماً لا يطاق  ، وقد جعل الله الصوت ينشأ عن إحداث اضطراب في هذا الوسط المرن ،  فإنك إذا ألقيت حجراً في ماءٍ راكد رأيت أنَّ حلقاتٍ تتباعد ، فقد حدث اضطراباً في هذا الوسط المرن فانتقلت أمواج الماء متناميةً .. كذلك الصوت في الهواء ، فمن الذي خلق هذين الصيوانين بتعاريجهما واتجاه سطوحهما ، واختلاف أشكالهما ، إنهما المسؤولان عن التقاط الصوت من كل الجهات ، و هذا الصيوان من أبدع ما صنع الله عزَّ وجل ، فحينما يلتقط هذا الصيوان الأصوات من كل الجهات يسوقها إلى قناة الأذن حيث تصطدم بغشاء الطبل و هذا الغشاء المرن -غشاء الطبل - ترتبطٌ به عُظيمات السمع ، و عظيمات السمع تكبِّر الصوت عشرين مرَّة ، فإذا كان الصوت فوق الحد المعقول تخفَّضه عشرين مرَّة و نحن لا نعلم في عالم الآلات آلةً واحدة تكبّر وتخفّض في آنٍ واحد ، ثم ينتقل هذا الصوت في دهاليز حلزونية فيها أربعون ألف قوس سمعي ، هذه الأقواس مرتبطة بالعصب السمعي ، إلى أن تصل إلى القنوات وإلى الأذن الداخلية وعندئذِ يقف العلم عاجزاً عن فهم كيف أننا نَطْرَبُ للنغم ونضجر من الضجيج وكلاهما صوت .

        ثمَّ إنّ هذه الأذن تنقل هذا الإدراك إلى الدماغ ، والدماغ يفسِّر ويدرك ، و هناك ذاكرةً سمعية ، فهذه الأذن هي الحاسَّة الأولى التي نعتمد عليها في الليل، فالإنسان يرى بعينه إلى أن يأتي حاجز يمنع الرؤية ، فإذا كنت  في غرفة فإنك ترى ما في الغرفة ، و إذا كنت قابعاً في البيت فإن أذنك تُغَطِّي كل البيت ، فأي حركةٍ وقعت في غرفةٍ أخرى أو خارج البيت تصل إلى أذنك ، فأنت بالعين تغطي المكان الذي أنت فيه ، و بالأذن تغطي المكان الأوسع ولو كان هناك حواجز تمنع وصل الصورة ..

أيها الإخوة الكرام ...

( سورة القصص )

جعل الله السمع الحاسَّة الأولى في الليل ..

( سورة القصص )

       فهذه الأذن تتلقف فيها الأصوات ، فلو فرضنا إنساناً يقبع في بيت و عينه تغطِّي غرفة الجلوس ، وأذنه تغطي كل البيت بالأصوات ، فلو أنَّ حشرةً ماتت وتفسَّخت لما  كشفتها العين ولا سمعتها الأذن فما الذي يكشفها ؟ إنها حاسَّة الشم ، فأنت بهذه الحواس تتصل مع العالم الخارجي ،  و من أجل  التوافق والتكيّف مع المحيط جعل الله لك السمع والبصر ، ولكن السمع له هدف أكبر وأجلّ و هو أن تستمع إلى الحق ، فاللغة أرقى أداة اتصال بين أفراد النوع ، فإذا كان هناك إنسان يتكلَّم ومجموعٌ كبير يُصغي ، فهناك اتصال بينه وبينهم  وهذا الاتصال أداته اللغة ، واللغة مقاطع صوتية يعبَّر بمقتضاها عن الفكر وعن الشعور ، قال ربنا عزَّ وجل عن اللغة :

( سورة الرحمن )

         فالبيان من أخصَّ خصائص الإنسان ، فبالبيان تفهم الكلام المسموع، وبالكلام تفهم النصَّ المقروء ، وبالكلام تعبِّر عن أفكارك وعن مشاعرك مشافهةً ، وبالبيان تعبَّر عن أفكارك ومشاعرك كتابةً ، فهناك أربعة نشاطات ؛ قراءةٌ وسماع ، وكتابةٌ ونُطْق ، أما بالكتابة تنتقل المعارف من جيلٍ إلى جيل ، وبالترجمة من أمةٍ إلى أمة ، فمعارف البشر متراكمة ، لذلك قال بعضهم: " ثقافة أية أمّة هي بمثابة عسلٍ استخلِص من زهرات مختلف الشعوب على مرِّ الأجيال " . فبالترجمة و اللغة تنتقل المعارف من جيل إلى جيل ومن أمَّة إلى أمّة فإذا معارف البشر متراكمة .

      إذاً هذه الأذن أداة السمع ، أداة سماع الحق ، أداة سماع الخبر الصادق ، أداة سماع الوحي ..

( سورة الملك )

   العين :

      أما العين فقد حارَ فيها الأطباء ، فالعين فيها قرنية ، والقرنية غلاف شفاف سَمَّاه الأطباء (غلافاً نبيلاً ) ، بمعنى أن الغلاف النبيل لا تعترضه أوعيةٌ دموية ، فلو أن القرنية تتغذى كبقية خلايا الجسم لرأيت الأشياء من وراء شبكة ولكانت الرؤية غير صحيحة ( مغبَّشة ) ، فلا بدَّ من شبكة أوعيةٍ تغذي القرنية ، لكن و لأن القرنية يجب أن تكون شفافةً مائة في المائة فإن الله قد جعل خلايا القرنية من النوع النبيل ، فكل خليةٍ تأخذ الغذاء إلى أختها دون أن تُمَدد أوعيةٌ بين الخلايا ، هذا بالنسبة للقرنية ، بعدئذِ تأتي القُزحية ، وتأتي العدسة المرنة التي حار فيها الأطباء ، لأن الشبكية هي المِحرق ( محرق العدسة ) ، والشبكية ثابتة والمسافة ثابتة فكيف تقع الأشياء بحركتها العشوائية على الشبكية ؟ فلا بدَّ من تحريك المِحرق أو لا بدَّ من تغيير شكل العدسة ، ففي العين العدسة يتغير شكلها من احتدابٍ شديد إلى احتدابٍ قليل ، فمن الذي يُعطي الأمر أن يزداد الاحتداب واحد بالألف من المكرون كي يقع الخيال على الشبكية  أثناء مشاهدتك لكرة تتحرَّك في ملعب  أو  سيارةً تنتطق من مكانٍ إلى آخر؟ وهذا ما يسميه العلماء (المطابقة ) وهي  شيءٌ تُحار به العقول ، فشبكية العين مؤلفةٌ من عشر طبقات : الطبقة الأخيرة فيها مائة وثلاثين مليون مخروط وعُصيّة ، هذه المخاريط والعصيّات تنتهي إلى العصب البصري الذي هو تسعمائة ألف عصب ينتقل إلى الدماغ كي تُقْرأ الصورة .

       أيها الإخوة الكرام ... العين من آيات الله الدالة على عظمته ، فبالعين ترى الشيء بحجمه الحقيقي ، وبألوانه الطبيعية ، وأوضح دليل على ذلك : أنك إذا نظرت إلى مائة رجل ترى كل واحدٍ بلون ، أما لو صوَّرتهم بأرقى الأفلام تراهم جميعاً بلونٍ واحد ، فالعين البشرية عندها القدرة على التمييز بين درجتين من ثمانمائة ألف درجة للون الواحد ، العين السليمة تميز بين درجتين من ثمانمائة ألف درجة للون الواحد ، فترى الأشياء بحجمها الحقيقي وبألوانها الدقيقة ، وتراها مباشرةً من دون وقتٍ لإظهار الصورة .

       أيها الإخوة الكرام ... هذه آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته ، فالعين تميز بين درجتين من ثمانمائة ألف درجة للون الواحد ، والشيء الذي يُحير العقول هو : لماذا جعل الله للإنسان عينين وجعل له أذنين ؟ لأن الله عزَّ وجل لو خلق لك أذناً واحدة لما عرفت جهة الصوت ، فلو كنت بأذن واحدة و سمعت بوق سيارة من خلف  فتقترب منها وأنت تحاول الابتعاد عنها  فتدهسك ، لكن هناك جهازاً في الدماغ يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين  والتفاضل بين الصوتين يقدَّر بواحد على ألف وستمائة وعشرين جزء من الثانية ، والدماغ يعرف عن طريق التفاضل جهة الصوت فيعطي أمراً إلى العضلات للتحرك بعكس جهة الصوت ، فأنت بالأذنين تعرف مصدر الصوت ، وبالعينين تدرك البعد الثالث ، وبعينٍ واحدة ترى الأشياء مُسَطَّحة ، و إنك لن تستطيع بعينٍ واحدة أن تضع الخيط في الإبرة ( في سمَّ الخِياط ) ، قد تحاول هذا ولكنك لن تستطيع بسبب وجود عشرة سانتي بينهما، أما بالعينين فإنك ترى العمق ، ترى البعد الثالث ، فإن الصورة التي تراها العين الأولى تنطبع في مكان في الدماغ ، وصورة العين الثانية تنطبع في مكان منزلق عنه ، و هذا الانزلاق يشكِّل البعد الثالث ، فأنت ترى الطول والعرض والعمق بالعينين ..

( سورة البلد )

       أن تُعْتِق رقبتك من أسر الشهوة ، أن تتحرَّر من الشهوات ، قال عليه الصلاة والسلام :

" تعس عبد الدرهم والدينار ، تعس عبد البطن ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد الفرج " .

      فإذا تحرَّرت من أسر الشهوات انطلقت إلى رب الأرض والسماوات ، إذاً أشياء كثيرة يمكن أن تُقال عن العين ، ربنا عزَّ وجل يقول :

فهو الذي خلق الأذن لا يسمعك ؟ هو الذي خلق العينين لا يراك ؟

( سورة البلد )

      أي هذا الذي خلق العينين  يراك ، وهذا الذي خلق لك الأذنين يسمعك ، ويسمع صوت نفسك ، يسمع خواطرك ، يسمع ما تدور به أفكارك ، أنت أمام الله مكشوف ..

( سورة الملك : آية " 24 " )

    الدماغ والذاكرة :

       هذا الدماغ .. والله أيها الإخوة أقول ولا أبالغ : إن أعظم شيءٍ في الكون هو الدماغ ، هناك مائة وأربعون مليار خلية استنادية في الدماغ ، و في أحدثُ كتابٍ قرأته عن الدماغ جاء فيه أن هذه الخلايا لم تُعرَف وظيفتها بعد ، فالدماغ عاجزٌ عن إدراك ذاته و كيف يعمل ؟ فهناك أربعة عشر مليار خلية قِشرية فيها التخيّل و التصوّر و المحاكمة والذاكرة ، فما هي هذه الذاكرة ؟ ذاكرة إنسان يعيش ستين عاماً تقريباً فيها سبعين مليار صورة ، ما بين الصور السمعية ، والصور البصرية ، والصور الشميّة ، وهناك ذاكرة للأصوات ، فأي إنسان يتصل بك بالهاتف يقول لك : أعرفتني ؟ تقول له : فلان ، والشيء الذي يحيِّر العقول أن كل إنسانٍ انفرد بنبرة صورةٍ خاصَّة وذلك لكرامته على الله ، ففي الأرض يوجد خمسة آلاف مليون إنسان ، كما توجد خمسة آلاف مليون نبرة صوت ، وتوجد خمسة آلاف مليون رائحة خاصَّة بكل واحد منهم  ، فليس هناك إنسانً في الأرض يشبهك في الرائحة ، وهذا أساس عمل الكلاب البوليسية ، يُعطى قطعةً من لوازم المجرم فيبحث عنه بين مائة ألف رجل ، فإذا اشتم  الرائحة نفسها عرف أن هذا هو المجرم ، فالإنسان ينفرد برائحة جلد خاصَّة ، وينفرد بنبرة صوتٍ خاصة ، وينفرد بقُزحيةٍ لا يشركه فيها أحدٌ من البشر ، لذلك الآن أحدث الأقفال أقفال تعمل على القُزحية ، يضع صاحب القفل عينيه على الثقبين فيُفتح الباب ، وأي إنسانٍ آخر لا يُفتح الباب له ، وكذلك بصمة اليد ، وبلازما الدم ، وأحدث بحث في الزمر النسيجية أنه يوجد اثنين ونصف زمرة حتى الآن ، ولا يُستبعد بعد حين أن يُكتشف أن لكل إنسانٍ زمرة نسيجية خاصَّة به .

        فالإنسان فرد ، ولكرامته على الله جعله فرداً ؛ فرداً بشكله ، وفرداً ببلازما دمه ، وفرداً بقزحيته ، وفرداً بنبرة صوته ، وفرداً برائحة جلده ، ثم سمح له أن يُشَرِّع من الآيات الكُلِّية أحكاماً تفصيليَّة ، ثم سمح له أن يُبدع ، ثم سمح له أن يختار ، فالإنسان مريد والإرادة من صفات الله ، والإنسان مُبدع والإبداع من صفات الله ، والإنسان يُشَرِّع استنباطاً والتشريع من صفات الله عزَّ وجل ، والإنسان فَرْد والله سبحانه وتعالى فرد ، وهذا كلُّه لكرامته على الله ..

      ما هي هذه الذاكرة ؟ إنسان في الخامسة والخمسين من عمره انطلق من معمله فلم يتعرّف إلى بيته ، فبقي ساعاتٍ طويلة يقود سيَّارته في شوارع الشام من شمالها إلى جنوبها ، ومن شرقها إلى غربها غاب عنه بيته ، هذا فقد جُزئي للذاكرة ،  ويوجد فقد كلي ، فإن دخل عليه ابنه فقال له: من أنت ؟ فكل واحد منَّا خبراته أساسها الذاكرة ، كل إنسان صاحب حرفة ، أو صاحب شهادة ، صاحب اختصاص ، طبيب ، مهندس ، محامي، تاجر ، ما خبرته ؟ هي عبارة عن خبرات متراكمة كلها مودعة في الذاكرة ، من أعطانا هذه الذاكرة ؟ ولا يزيد حجمها عن حبة العَدَس ، فيها سبعين مليار صورة ، وهذه الذاكرة بعضها شمي ، وبعضها صوتي، وبعضها شَكْلي ، وبعضها ألوان ، أما الأعجب من هذا أن هذه الصور تُرتَّب في أماكن ثلاث : أماكن في متناول اليد ، وأماكن متوسطة ، وأماكن بعيدة ، وأماكن مهملة ، فأي أنت حينما تقتني جهاز هاتف وتُبَلَّغ برقمه فإنك تحفظه فوراً ، فهذا يوضع في أقرب مكان ؛ كذلك أسماء أولادك ، مهنتك ، خصائص حرفتك في أول مكان ، أشياء تحتاجها في الشهر مرَّة فإنها توضع في المكان المتوسط ، أما ذهبت إلى بلد بعيد و أعطاك إنسان رقم هاتف أوعنوان ، أو رأيت شكله واسمه فإنه يوضع في مكان بعيد ، وهذه أشياء تُسْقطها من التسجيل ، هذا كلُّه تفعله الذاكرة من دون أن تشعر أنت ، فهي تصنِّف هذه الصور ، لكن ما دمنا في الحديث عن الذاكرة فلا بد من أن نذكر أن الاهتمام هو الذي يقوِّي الذاكرة ، فإذا كنت مهتماً بشيء نمت ذاكرتك وحفظته ..

أي أعطاك قوةً إدراكية ، أنشأك وسمح لك أن تعرفه ، أنشأك وأعطاك أجهزةً كي تعرفه ، أنشأك ودلَّك عليه ، أنشأك وشقَّ لك الطُرق إليه ..

  كيف نشكر هذه النعم ؟؟

     أيها الإخوة ... ذكرت في الدرس الماضي : أن شكر هذه النعم ؛ نعمة السمع ، ونعمة البصر ، ونعمة الدماغ أن تعملها لما خلقت له ، فهذه العين إذا نظرت بها إلى آيات الله وعظَّمت الخالق فقد شكرت الله عليها، وهذه الأذن إذا استمعت بها إلى الحق وتأثرت به شكرت الله عليها ، وهذا الدماغ إذا أعملته في التعرُّف إلى الله ، وفي محاكمة القضايا المصيرية ، وفي فهم القرآن وفي تعليمه فقد شكرت الله عليه .

      وكم من إنسانٍ يستخدم هذه الحواسّ في المعاصي والآثام ؛ يطلق بصره في الحرام ، يملأ عينيه من الحرام ، يتتبع بهما عورات المسلمين، يستمع إلى اللهو الرخيص ، إلى اللهو الذي يَصُدُّ عن سبيل الله ، يقتني هذه الصحون ليبقى إلى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل يُتابع الفُحش والخنا ، هذا كلّه بالعين ، وقد يستمع إلى الأغاني السا