English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الجن  (72) ، الدرس: ( 2/8 ) ، المقدمة : (2) ،  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.

 

 

  منهج التلقي

بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الثاني من سورة الجن .

ملخص المقدمة الأولى :

     في الدرس الأول قدمت لهذه السورة بمقدمةٍ فحواها أن المخلوقات على أصناف ، يقع في أعلاها الإنس والجن لأنهما قَبِلا حمل الأمانة ، أما بقية المخلوقات فمنهم من أشفق منها ولم يحملها وآثر السلامة على المغامرة كالملائكة ، كما أن منهم من آثر الشهوة والسلامة كالحيوانات ، بينما َقبِل الإنسان أن يأتي إلى الدنيا وأن يحمل الأمانة ، و أرجح الأقوال تقول : إن الأمانة التي حملها الإنسان هي نفسه التي بين جنبيه ، قال تعالى :

( سورة الشمس )

       لقد أودعت فيه الشهوات ليرقى بها صابراً أو شاكراً لرب الأرض والسماوات ، كما أعطي العقل وهو أداة معرفة الله الأولى ، و أعطي الفطرة وهي مقياسٌ نفسيٌ يكشف له الخطأ من الصواب ، ثم جاءته الكتب السماوية وهي المنهج القويم ، فكانت حجةً على مقياسَي العقل والفطرة ، وأعطي حرية الاختيار كي يثمَّن عمله ، و أودعت فيه الشهوات كي يندفع إلى الله عزَّ وجل ، و هذا ملخص الدرس الأول ، والإنس والجن على سويةٍ واحدة :

( سورة الرحمن آية "33 " )

( سورة الرحمن )

واليوم أجدني مضطراً إلى مقدمةٍ ثانية تعدُّ أساسيةً في فهم هذه السورة ...

      يا أيها الإخوة الكرام ... إن الإنسان كائن قبل كل شيء ، وهو من أرقى الكائنات ، وأرقى ما فيه هو هذه الأداة الإدراكية التي يمتلكها وهي العقل ، غير أن الإنسان مزوَّد بوسائل معرفية غير العقل ؛ فهو يمتلك الحواس و العقل ، وهناك وسيلة لمعرفة بعض الحقائق ليس لها علاقةٌ بالعقل ولا بالحواس .

وسيلة معرفة الأشياء المحسوسة :

(الحواس الخمس) :

     يمكننا أن نقول إن الأشياء المحسوسة هي الأشياء التي لها وزن و لها حيِّز و جسم   وطول و عرض و ارتفاع و لون وصوت و رائحة و ملمس ، فهذه الأشياء يمكننا أن نعرفها عن طريق الحواس ، ونحن والحيوانات الأخرى في معرفتها سواء ، فقد ترى بعينك ضوء الشمس ، و تسمع بأذنك صوت السيارة ، و تشمُّ بأنفك رائحة الزهر ، و تمسك بيدك قطعةً من القماش تتحسس نعومتها ، فهناك سمعٌ وبصرٌ وشمٌ ولمس ، و هذه الحواس متعلقة بالمحسوسات ، فسبيل معرفة الشيء الذي ظهر جسمه وأثره هو الحواس الخمس ، وهذا لا خلاف عليه ، فأنت تمسك بالكأس مثلاً فتقول : هذا كأس فيه ماء وله وزن ، فتقيِّم وزنه    بيدك ، وقد ترى أن الماء لا لون له ولا طعم له ولا رائحة ، فتشربه و تقول : هذا ماء بارد عذبٌ فرات ، و هذه المعرفةٌ الحسية ليست مشكلة ، فهي لا خلاف عليها .

فرق الإنسان عن الحيوان والجماد :

       و نقول إن صح التعبير : إن الجماد شيءٌ يشغل حيزاً ، فله طولٌ وعرضٌ وارتفاعٌ ووزنٌ ،وحجم ، أما النبات فيشغل حيزاً كالجماد تماماً ، فله وزن و طول وعرض وارتفاع ، لكنه ينمو ، و الحيوان يشغل حيزاً كالنبات أيضاً ، وله وزن وطول وعرض وارتفاع نمو لكنه يتحرك ، أما الإنسان فهو شيءٌ له طول وعرض وارتفاع و وزن ، ويشغل حيزاً ويتحرك وينمو ، لكنه يدرك . و هنا يتميَّز الإنسان ، فإذا عطَّل الإنسان عقله ، أو أساء استعماله هبط عن مستوى إنسانيته ، إلى مستوىً لا يليق به ، لذلك يقول أهل النار في النار :

( سورة الملك )

      فقد يركب إنسان مركبة قديمة جداً من موديل الأربعين ، فتتدهور و يموت ، نقول : إن سبب تدهورها هو نوعيتها السيئة أو قِدمها الشديد الذي أتلف أجهزتها ، و لكن إذا ركب الإنسان أحدث مركبة ، وكانت الطريق مليئة بالمنعطفات ، وكان على اليمين وادٍ وعلى اليسار وادٍ ، فلو أطفأ الضوء مرةً واحدة تدهور ، فهل علة التدهور الأولى كعلة التدهور الثانية ؟ لا ، لقد تدهور الأول بسبب ضعف المركبة ، أما الثاني فقد تدهور بسبب عدم الرؤية أو انعدام الرؤية فارتكب حادثاً فأودى به ، فقد يكون الإنسان من أذكى البشر ، و قد يكون ذا عقلٌ راجح ، لكنه حينما لا يرى بنور الله يهلك ، وسأضع لكم على ذلك أمثلة تعرفونها جميعاً .

        قد يفحص الإنسان درجات عينيه عند طبيب عيون ، فإذا كشف جهة الحروف في السطر الأسفل كانت درجة رؤيته عالية جداً ،فيقول له الطبيب : (اثنتا عشرة على عشر) ، وقد يقول لإنسان آخر : (عشر على عشر)  ، أو تسع  على عشر وهكذا ...

فقد يكون الإنسان حاد البصر ، وقد تكون درجة رؤيته اثنتي عشرة على عشر ، ولكن .. ما قيمة هذه العين إذا لم يوجد ضوء ؟ إنها لا قيمة لها إطلاقاً ، فالعين لا بد لها من وسيطٍ يصل بينها وبين الأشياء ، والوسيط هو النور الاصطناعي أو الطبيعي ، فكما أن النور أساسيٌ في وظيفة العين فإن الوحي أساسي في وظيفة العقل ، فقد يكون عقل الإنسان مجهزاً بتجهيز من أعلى المستويات ، ولكن هذا العقل لا قيمة له من دون وحيٍ يهتدي به .

      فالعقل جهاز ضخم لكن حيادي ، فقد يُستخدم في الخير و قد يستخدم في الشر ، فالآلة الطابعة الراقية التي يصل ثمنها إلى نصف مليون ، من ممكن أن تطبع بها عملة وتزورها فتدخل السجن ، كما يمكن أن تصمم بها أغلفة وبطاقات فتغتني ، والآلة واحدة .

وسيلة معرفة الأشياء غير المحسوسة التي لها أثر :

(العقل) :

     أيها الإخوة الكرام ... إن الإنسان يملك قوة إدراكية هي العقل ، هذا العقل لا يستطيع أن يصل إلى الحقيقة إلا بالأثر ، ( الأقدام تدلُّ على المسير ، والماء يدل على الغدير ، والبعر يدل على البعير ، أفسماءٌ ذات أبراج وأرضٌ ذات فجاج ألا تدلاَّن على الحكيم الخبير ) ، فمهمة العقل هي أن يصل من شيءٍ محسوس ، إلى شيءٍ مغيَّب .

        فالله عزَّ وجل لا تدركه الأبصار ، ولكن الكون كله يدلُّ عليه ، فالكون أحد آثاره ، ونحن نصل من الأثر إلى المؤثِّر ، و من الخلق إلى الخالق ، و من التسيير إلى المسيِّر ، ومن الحكمة إلى الحكيم ، و من العطاء إلى المعطي ، و من النِعمة إلى المُنعم .

        فالأشياء المحسوسة أداة معرفتها الحواس الخمس ، أما الأشياء غير المحسوسة التي لها آثار فأداة معرفتها العقل ، و العقل في هذا الميدان يجول ويصول ، وإذا تعمَّقت في التفكر بالآثار وصلت إلى الله عزَّ وجل ، لذلك يمكن أن أقول لكم بشكلٍ بسيط : إن العقل أوسع بابٍ ندخل منه على الله وأقصر طريقٍ نصل به إليه ، فهو يتكامل مع الكون كما أنه قوة إدراكية تكشف المجهول من آثاره ، و تكشف الغائب عنك منها ، لذلك يصنِّف المؤمن دائماً وأبداً المقولات فيقول : هذه قضية حسية ، و هذه قضية عقلية ، ولكن .. هناك قضية ثالثة ، كانت سبب درسنا اليوم ، وسبب هذه المقدمة ، فقد عرفنا أن الشيء الحسي الذي ظهرت عينه فأدركنا آثاره بحواسنا الخمس ، ونحن بهذا نلتقي مع بقية المخلوقات ، أما الشي الذي غابت عينه وبقيت آثاره فلا يمكن أن نصل إليه بحواسنا الخمس ، وهناك المغالطة يطرحها الفلاسفة تقول : (أنا أشعر بوجودي إذاً أنا موجود) و الرد على هؤلاء أن عدم الوجدان لا يدلُّ على عدم الوجود ، فإذا لم تر الله بعينيك ولم تشعر به بحواسك الخمس لم يكن معنى ذلك أنه غير موجود ، فأنت الآن تتعامل مع أشياء كثيرة لا تشعر بوجودها لكنها موجودة ، فعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، و هذه حقيقة .

      فمهمة العقل إذاً هي أن ينتقل من الأثر إلى المؤثِّر ، و من خلق إلى خالق ، و من شيء محسوس إلى شيء مجرَّد ، و من شيء الذي له أثر إلى ذات الشيء ، لذلك كان الإيمان بالله يأتي عن طريق التفكُّر في خلق السماوات والأرض .

( سورة الفرقان : آية " 63 " )

يعني يتفكرون .

( سورة آل عمران )

       فنحن أيها الإخوة أمام عبادة راقية جداً هي عبادة التفكُّر ، و هذه عبادة أهملها فضعف إيمانهم بعظمة الله ، فأصبحوا يؤمنون بوجوده لكنهم لا يؤمنون بعظمته ، والدليل :

 ( سورة الحاقة )

فبعض المسلمين يجعل الله أهون الناظرين إليه ، يقول تعالى في الحديث القدسي :

"عبدي طهَّرت منظر الخلق سنين أفلا طهَّرت منظري ساعة " .

       فإلى أي شيءٍ ينظر الله عزَّ وجل ؟ إنه ينظر إلى قلبك ، وقد طهرت منظر الخلق ؛ فطليت بيتك و نظفت مركبتك ، و غيرت أثاث بيتك ، و لبست أجمل الثياب ، إنك تُطَهِّر منظر الخلق ، ويا ليتك تطهر منظر الله عزَّ وجل ، و الله ينظر إلى قلوب لعباد ، فلو طهرت منظر الله عزَّ وجل لكنت في حال غير هذا الحال ، قال تعالى :

( سورة الشعراء )

لأن القلب هو قِوام الإنسان ، وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول : " تعاهد قلبك " .

      فلو حطت ذبابة سوداء على عينك لرأيت كل شيء أسود ، فتذهب إلى طبيب العيون ، وقد يقول لك : الموعد بعد شهر ، أو بعد شهرين ، أو بعد ثلاثة أشهر ، فتنتظر وتتأدب  وتدفع وتسخو ، فلماذا تعتني بعينك ولا تعتني بقلبك ؟ إن القلب هو منظر الله عزَّ وجل وهو ذخيرتك ورأس مالك يوم القيامة :

( سورة الشعراء )

      إن العقل أداة معرفة الله ، والعقل حيادي ، فإذا سرقت إنسان عصابة ما آلة حاسبة فإنها تأتي بهذه الآلة و تستخدمها في توزيع السرقة ، وقد يستخدم إنسان آخر هذه الآلة في عمل عظيم ، فهذه الآلة حيادية فيمكن أن تُستَخدم لتوزيع مال مسروق ، كما يمكن أن تُستخدَم في عملٍ شريف ، فالعقل حيادي ، وهو إما أن يكون درجات ترتقي بها أو دركات تهوي بك ، وهو أداة معرفة الله ، لأن الله عزَّ وجل لا تدركه الأبصار ، ولكن تدركه العقول ، غير أن العقل لا يمكن أن يحيط بالله عزَّ وجل لكن يصل إليه ، وهناك فرقٌ كبير بين أن تصل إليه وبين أن تحيط به ، فقد تركب مركبة و تذهب بها إلى البحر ، فنقول : هذه المركبة أوصلتك إلى البحر ، لكنك لن تستطيع أن تخوض بها البحر فإن فعلت غرقت ، فمهمتها أن تصل بك إلى ساحل البحر ، وهذا العقل مهمته أن تصل به إلى الله ، فهذا الكون يمكن أن يكون بما فيه من آلاء ومن آيات عظيمة جداً جسراً تعبره إلى الله ، فالعبرة في أن تعبره إلى الله .

     فالصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين وصلوا إلى الله وعبروا هذا الكون إليه ، ونحن وصلنا إلى دقائق علمية مذهلة ، فقد وصلنا إلى الذرة و الهندسة الوراثية والمورِّثات المبرمجة ، كما أن العلوم الطبيعية والحيوية وصلت إلى درجات يصعب أن يصدقها العقل ، ولكننا ما زلنا على الجسر لم نعبره إلى الله عزَّ وجل .

      أقول لكم هذه الحقيقة وقد ذكرتها من قبل : لو أن هناك مدينةً فيها كلُّ شيء مما لذ وطاب ، و كان كل شيء فيها ثمين و مباح بلا ثمن ، فإنك إن وصلت إليها سعدت سعادةً لا توصف ، لكن العبرة في أن تصل إليها ، فالآن مثلاً توجد مركبات مختلفة ؛ فهناك المركبة البدائية وهي الدراجة ، وهناك مركبة أعلى وهي الدراجة النارية ، وهناك مركبة ثلاثة دواليب ، وهناك مركبة أربع عجلات وهي أرقى ، و بعد ذلك نجد الطائرة ...  فالمركبات تتنوع ، لكنك حينما تختار أي مركبة فإنك تستعملها لتصل بك إلى هذه المدينة ، لكن هذه المركبة ينتهي دورها بعد وصولك ، فلم يعد لها قيمة لأنها أدت المهمة، و مهمة الكون هي أن تصل منه إلى الله ، وإنك قد تصل إلى الله بمعلومات دقيقة جداً ، فالصحابة وصلوا إليه ، لكن هؤلاء الذين يعيشون في عصر العلم كانت شهواتهم المنحرفة أو معاصيهم الكثيرة حجاباً بينهم وبين الله عزَّ وجل .

       الموضوع الثاني هو أن مهمة العقل هي أن يصل من المحسوس إلى الغائب ، و من المحسوس إلى المجرَّد ، و من الأثر إلى المؤثِّر ، و من النعمة إلى المنعم ، و من التسيير إلى المسيِّر ، و من الحكمة إلى الحكيم ، و من العطاء إلى المعطي ، وهكذا ... ولكن.. ما علاقة هذه المقدمة بدرسنا ؟!

وسيلة معرفة الأشياء غير المحسوسة التي لا أثر لها :

       هناك طريق ثالث إلى المعرفة ، وهذا الطريق ليس حسياً ولا عقلياً ، لأن موضوع المعرفة شيء غابت عينه وغابت آثاره عن حواسنا ، فليس له أثر ولا نراه بالعين ، هذا الشيء لا يمكن أن نعرفه إلا بالخبر الصادق فقط ، فالعقل ليس له دور هنا  ، فإياك أن تسأل عن دليلٍ عقلي لوجود الجن مثلاً ، فهذا الدليل غير موجود ، وقد زلَّت قدم البعض فأنكروا الجن ، وقالوا : أين الجن ؟ و إياك أن تسأل : أين الملائكة ؟ لأنه لا يوجد دليل عقلي على وجود الملائكة فالعقل يحتاج إلى أثر ، كما لا يوجد حسي ، لأنها أجسام نورانية لا نراها ، فالعقل يتعامل مع الأثر ، ثم ينتقل بك إلى المؤثر ، و الحواس تتعامل مع الشيء مباشرةً ، لا مع أثره ، فقد جاء في العقيدة الصحيحة موضوعاتٍ كثيرة ، وسبيل معرفتها ليس الحواس ولا العقل ، و هذه موضوعات قليلة ، ومنها الجن ، فنحن لا نملك عن الجن إلا ما أخبرنا الله به ، ولا نستطيع أن نزيد على ذلك شيئاً ، ولا أن نحذف شيئاً، و هذا موضوع مسلك الإيمان به الخبر الصادق .

     فقد تدخل مثلاً إلى بيت فترى بعينك الأثاث و الثلاجة والمقعد الوثير والمكتب وقد تجد مروحة تتحرك ومصباحاً يتألَّق ، وجواً مكيَّفاً ، فتقول : إن في البيت كهرباء مع أنك لم تر الكهرباء ، فقد عرفت الطاولة والأثاث والثلاجة والمكتب بحواسك ، وعرفت وجود الكهرباء بعقلك ، فلما رأيت المروحة تدور ، والمكيف يعمل ، ثم طُرِقَ الباب فَرن الجرس ، تقول : في هذا البيت يوجد كهرباء ، فمعرفة الكهرباء تختلف عن معرفة المكتبة والأثاث ، فأنت تعرف المكتبة والأثاث بحواسك ، والكهرباء بعقلك ، أما الغرفة المغلقة فلا تستطيع أن تعرف ما فيها ، لا بحواسك ولا بعقلك ، مهما كان الإنسان ذكياً و عاقلاً حتى وإن كان يحمل شهادة البورد ، فإنك إذا أدخلته بيتاً وأجلسته في غرفة فيها باب ، فإنه لا يعلم ما بداخله الغرفة الأخرى ، لأن الحائط كاتم يمنع الرؤية ، والعقل يحتاج إلى وسائل ، و يحتاج إلى آثار لكي يشتغل ، فجاء بعد ذلك صاحب البيت وهو إنسان صادق ، فقلت له : ماذا يوجد في هذه  الغرفة ؟ فيقول لك : فيها غرفة نوم لونها بني ، وفي ثريا ، و منظر طبيعي و ستائر بنية أوبيج ، فهذا خبر صادق ، فقد رأيت المكتب بعينك وأدركت الكهرباء بعقلك وعرفت ما في الغرفة بالخبر الصادق .

     فالآن أصبحت القضية سهلة جداً ، فإذا كنت أمام أي موضوع بالدين ، فإن أول عمل يجب عليك هو أن تصنِّفه ، فهل هو مع الحواس أم مع العقل أم مع الخبر الصادق ؟؟ فإذا كان مع الحواس فانظر إليه وأمسكه بيدك ، و قدِّر وزنه ، وقدِّر نعومته بجلدك ، وقد يكون مما لا يُرى جسمه ولكنه يُرى أثره ، فإذا رأيت دخاناً مثلاً قلت : هناك نار ، لأنه لا دخان بلا نار ، وإذا رأيت الضوء أطْفِئ فجأةً فمعنى ذلك أن الكهرباء قد انقطعت ، فهل سبب الانقطاع يا ترى من عندنا أم من المؤسسة ؟ فالعقل هنا اشتغل في الآثار ، أما حينما ترى غرفةً مغلقة في البيت ، فلا يمكنك أن تعرف ما فيها مهما كنت ذكياً إلا أن تسأل صاحب البيت : رجاءً قل لي ما في هذه الغرفة ؟ وهو عندك صادق ، فقد عرفت المكتب بعينك وعرفت وجود الكهرباء بعقلك وعرفت محتوى هذه الغرفة بالخبر الصادق .

      فإذا استطعت أن تصنف كل موضوع في أي حقل هو ، انتهت كل مشكلاتك في العقيدة، وإن أكثر أعداء الدين الآن يأتون إلى مؤمن ضعيف الإيمان ويقولون له : أنا رجل واقعي ، أثبت لي وجود الجن بدليل علمي ، أو أحضر دليلاً على وجود الملائكة ، أين الملائكة ؟ فيرتبك هذا الإنسان بسبب عدم وجود دليل مادي ، لأن الدليل إخباري فقد ، فالله عزَّ وجل أخبرني أن هناك مخلوقات تدعى (الجن) ، و أن هناك مخلوقات تدعى (الملائكة) ، فإيَّاك أن تخوض مناقشةً مع ملحدٍ حول موضوعاتٍ إخبارية ، فالموضوعات الإخبارية ليس لها قيمة لها إطلاقاً إلا إذا صدِّقت قائلها ، و كلامي هذا دقيق ، فإذا آمنت بالله أولاً وآمنت بكتابه ثانياً وصدَّقت أنه كلام الله ، وأخبرك الله أن هناك مخلوقاتٌ هي الجن ، فإنك تؤمن الآن بالجن إيماناً إخبارياً ، فأنت لست مكلّفاً أن تؤمن بالجن إيماناً عقلياً ، فليس هناك دليل عقلي على وجود الجن ، ولن تستطيع أن تؤمن بالجن إيماناً حسياً لأنك لا تراها ، قال تعالى :

( سورة الأعراف : آية " 27 " )

      فما دمت لا ترى الجن ، فأنت لست مكلفاً أن تؤمن بها إيماناً حسياً ، وما دام الجن ليس له أثر فأنت لست مكلفاً بأن تؤمن بالجن إيماناً عقلياً ، فالسبيل الوحيد للإيمان بالجن هو الدليل الإخباري وهو الخبر الصادق ، وهذا هو حال أية موضوعاتٍ يمكن أن تكون في دائرة الخبر الصادق ، كالملائكة و الجن والماضي السحيق ، قال تعالى :

( سورة الكهف : آية " 51 " )

أي : لم يكونوا في ذلك الوقت ، فهؤلاء الذين يزعمون أن أصل الإنسان قرد ، لم يكونوا شاهدين على خلقه  ..

( سورة الكهف )

      فالملائكة والجن والماضي السحيق ، و المستقبل البعيد ، و ما بعد الموت ، و قصة خلق الإنسان ، و ذات الله عزَّ وجل ، هذه كلها موضوعات نؤمن بها عن طريق الخبر الصادق ، فالله أخبرنا مثلاً أنه على العرش استوى ، فما هي كيفية استوائه ؟ قال الإمام مالك لسائل سأله هذا السؤال :" الاستواء معلوم ( الله أخبرنا به ) ، والكيف مجهول ، والسؤال بدعة  قم عني " ، فمن الممكن لك أن تريح نفسك من طريق شائك ، أو من حقل ألغام ، إذا عرفت أن هذا الموضوع متعلق بالخبر الصادق فآمنت به ، وذلك طبعاً بعد أن تؤمن بالله الإيمان الحقيقي المتين العميق ،وبعد أن تؤمن بكتابه المعْجز ورسوله الصادق الذي جاء بهذا الكتاب.

مثال موضح :

     لقد ضربت مرة مثلاً يوضح هذا الأمر فقلت : إذا كان هناك بقالية فيها عشرة آلاف صنف ، وأقل صنف يزن خمسة غرامات ، أما أكبر صنف فهو يزن خمسة كيلو ، فإذا كان هناك ميزان حساس و غال جداً يؤدي الوظيفة بالتمام والكمال ، لكن استيعابه هو من الغرام إلى عشرة كيلو فقط ، فهذا الميزان يكفي البقالية ، لكن صاحب البقالية أراد أن يستخدم هذا الميزان لوزن سيارته ، فوضعه على الأرض وسار فوقه فتحطم ، فقال : هذا لا يصلح ، فقد استخدمه في غير ما صنع له ، و دققوا الآن في كلامي : إن عقلك محدود المهمة ، فإذا عددته مقياساً مطلقاً للمعرفة فقد جانبت الحقيقة ، فإذا اعتقدت أن عقلك مقياس مطلق للمعرفة أخطأت خطأ كبيراً ، وهذه مشكلةٌ المعتزلة الذين عدوا العقل مقياساً مطلقاَ وحكَّموه بالنقل ، فقال بعض العارفين بالله :" العقل حصانٌ تركبه إلى باب السلطان فإذا دخلت إلى السلطان دخلت وحدك " .

       وقد يقول لك الإنسان أحياناً : أريد طبيب هضمية متفوق ؛ فيسأل أصدقاءه ومعارفه وأقرباءه وبعض المرضى عن شهادته و اختصاصه و خبراته وسمعته و أمانته و ذكائه وتواضعه ، إلى أن يوصله عقله إلى هذا الطبيب ، فإذا دخل إليه أعطاه الدواء ، فهل يستطيع هذا المريض بعد ذلك أن يعترض على هذا الطبيب ؟ لا ، لقد انتهت حدود عقل المريض ، فعقله أوصله إلى باب العيادة وانتهى الأمر ، أما الآن فهو يتلقى ، و الشيء اللطيف في الموضوع هو أن الشيء الذي يعجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به ، وهذا شيء جميل جداً، فقد جعل لك أشياء محسوسة وأعطاك خمس حواس ، وجعل لك أشياء مغيَّبة عنك وأعطاك عقلاً ، فعقلك له مهمة محدودة ، فهل يا ترى كلمة (محدودة) نقص في العقل ؟ لا إنها ليست نقص ، فإذا كان عندك مثلاً زوجة وثلاثة أولاد  فإنك تحتاج إلى مركبة ، فهل من المعقول أن نعطيك (تراكس) لتخرج به إلى نزهة ؟ هذا ليس كمالاً ، أنت تحتاج إلى مركبة بعشرة أحصنة وليس إلى مركبة بخمسمائة حصان -أحصنة سيارة طبعاً وليس أحصنة عادية- ، فلذلك كان كمال عقلك في أن يكون محدوداً بالمحسوس وبالآثار ، أما العقل المطلق فهو الله عزَّ وجل ، فالشيء الذي عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به ،و القضية سهلة ، قال تعالى:

( سورة الرعد : آية " 2 " )

( سورة الذاريات )

لقد عرَّفك بذاته ، وعرفك بأسمائه ، وعرفك بكمالاته ، و عرفك بالأنبياء السابقين ،قال تعالى:

(سورة آل عمران : آية " 44 " )

عرَّفك بتاريخ الأنبياء وتاريخ الشعوب والأمم السابقة ، كما عرفك بالمستقبل :

( سورة المائدة : آية " 116 " )

       لقد عرفك بالماضي السحيق ، والمستقبل البعيد ، وحكمة الأشياء ، وعلَّة الخلق ، وسر وجودك ، وغاية وجودك ، فكلُّ شيءٍ يعجز العقل عن إدراكه أخبره الله به ، فهناك أشياء محسوسة أداتها الوحيدة هي الحواس الخمس ، كما أن هناك أشياء معقولة غابت عينها وبقيت آثارها وأداتها الوحيدة العقل ، وهناك شيء لا يستطيع عقلك ولا حواسك أن تدركه وهو متعلق بالإخباريات التي أخبرك الله عنها ، فإذا قرأت القرآن مثلاً شعرت أن هذا كتاب معرفة كامل، ففيه محسوسات ، قال تعالى :

( سورة يونس : آية " 101 )

تسلسل عقلي ...

     هناك معقولات وهناك إخباريات ، لكني أريد أن أنصحك بشيء : إياك ثم إياك ثم إياك أن تناقش إنساناً منكراً ملحداً في الإخباريات ، والإخباريات لها أربع مراتب ، فيصبح التسلسل كالآتي : أولاً تؤمن بالله عن طريق الكون ، و الكون شيء موجود و مسلَّم به ، وهناك من يسميه : الشيء الثابت ، فإذا أعملت عقلك في الكون وصلت من خلاله إلى خالقه العظيم ، لأن كمال الخلق يدل على كمال التصرف ، فالخَلق لا يمكن أن يكون عبثاً :

( سورة المؤمنون : آية " 115 " )

فلا يمكن للخالق أن يخلق الخلْق سدىً ..

( سورة القيامة )

         هذا غير معقول ، فلا يمكن لإنسان عاقل أن يرسل شخصاً إلى حلب ثم يدفع له ألفين ليرة أجرة سيارة ، ثم يقول له : لا تفعل شيئاً ، اذهب وارجع فقط ، هذا مستحيل ، كما لا يوجد مدير شركة يحترم نفسه يعطي أمراً ليس له معنى أو فيه إتلاف للمال أو هدر للوقت والجهد بلا سبب ، إنه إن فعل ذلك لا يسمى مديراً بل مجنوناً ، فهل يمكن لإله عظيم أن يخلق الخلق عبثاً ؟!!

( سورة المؤمنون : آية " 115 " )

( سورة القيامة )

       إن كمال الخلق يدلُّ على كمال التصرف ، و ربنا عزَّ وجل خلق إنسان ، ثم دله عليه و أرشدك إليه ، ثم حذره و نبهه ، فقد يشق الإنسان طريقاً ، وبعد أن يشق الطريق يضع عليه لافتات : (ممنوع مرور ، ممنوع تجاوز ، منحدر خطر ، جسر ، طريق تحويل ) ، وهذه كلّها إرشادات ، والله عزَّ وجل قد خلق الخلق ، ونوَّر الخلق بكتابه ، فإذا آمنت بالله واحداً وموجوداً وكاملاً ، ثم آمنت أنه لا بدَّ من أن يُخْبِر خلقه عن سبب خلقهم ، فلا بد لك من أن تؤمن بهذا الكتاب عن طريق إعجازه ، كما لا بد لك من أن تؤمن بالنبي عن طريق هذا الكتاب ، وهذا تسلسل عقلي رائع ، فإذا آمنت بالله عن طريق الكون ، وبالقرآن عن طريق إعجازه ، وبالنبي عن طريق قرآنه ، انتهى دور العقل ، ويأتي بعد ذلك دور النقل ، لذلك قالوا : " الدين نقلٌ " فأساس الدين وحي من السماء ؛ أي : إخبار الله الخلق ، و تعريفهم به ، إلهاً و رباً وخالقاً و حكيماً و سميعاً و بصيراً و رحيماً و غنياً و لطيفاً و قديراً ، فالدين وحي لكن التأكد من هذا الوحي يكون عن طريق العقل ، كما أن فهمه يكون عن طريق العقل ، فدور العقل يكون قبل النقل وبعد النقل ، فدوره قبل النقل هو إثبات صحة هذا النقل ، ودوره بعد النقل هو فهم هذا النقل ، فالعقل لا يتناقض مع النقل ، ولكن لا يجوز للإنسان أن يُحَكَّم العقل بالنقل ، فالإنسان المنحرف قد تقول له الآية أو الحديث فلا تعجبه ، لأنه جعل عقله هو الأصل ، و العقل في الحقيقة وسيلة ، وهو محدود المهمة ، فلا يمكن له أن يكون العقل حكماً على النقل .

      لذلك كان درسنا اليوم متعلِّقاً  بالخبر الصادق ، فالله أخبرنا أن هناك مخلوقات لا نراها  لكنها ترانا ، و تسمعنا لكننا لا نسمعها ، و الدليل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق الذي يوحى إليه ، قد حضرتْ مجلسه الجن واستمعتْ إلى القرآن الذي يتلوه على أصحابه والنبي لا يعلم ، فلولا أن الله أخبر النبي أن الجن حضرت مجلسك وسمعت القرآن من فمه لما علم النبي ، فمعنى ذلك أننا لا نرى الجن ، كما أننا لا نسمع صوتهم :

( سورة الجن: آية " 1 " )

قل يا محمد لإخوانك وأصحابك ، وللناس قاطبةً :

( سورة الجن: آية " 1 " )

     فلولا أن الوحي جاءه ما علم أن الجن حضروا معه ، فالنبي الكريم -على عظمته- لا يعلم إلا أن يعْلِمه الله عزَّ وجل . .

هذه السورة تنبذ الخرافات والأوهام ..

       إخواننا الكرام .. من الممكن الآن بعد أن استمعت إلى هذا الدرس أن تضع تحت قدمك مليون قصة ليس لها أصل ، فهناك من الناس من يعيش في أوهام عالم الجن ، وقد تجد أشخاصاً محترمين يذهبون إلى أشخاص من أجل إخراج جني أو إدخال جني أو تعامل مع الجن ، فنحن نسمع قصصاً لا تنتهي حول ذلك في كل جلسة نحضرها ، و هذه السورة هي الحاسمة ، لأنها مقياس دقيق ، لقد قلت في بداية الدرس الماضي: إن هناك أناساً تطرفوا ، حينما أنكروا الجن ، كما أن هناك أناساً تتطرفوا حينما أعطوا الجن كل شيء ، فالجن لا نراهم ولا نسمع أصواتهم ، ولكنهم يروننا ويسمعوننا :

و لولا أن الله أوحي إلى النبي لما عرف النبي أن الجن حضرت مجلسه .

      و بالمناسبة : إن رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول : أنا لا أعلم الغيب ، " قل لا أعلم الغيب " ، فأي مخلوق يدَّعي بعد ذلك أنه يعلّم الغيب يجب أن تركله بقدمك ، لأن الله عزَّ وجل قال :

( الأعراف )

      قل : إني لا أعلم الغيب ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ، فإذا كان النبي لا يعلم الغيب ، فهل نقبل من أحدٍ كائناً من كان أن يعلم الغيب ؟ فكم من قصة تسمعونها كلَّ يوم عن أناس يعلمون الغيب ! يقولون : يوجد أمامك قبضة ( أي قبض نقود) ، أو يوجد لك عدو يمكر بك ، إن من أتى كاهناً فصدَّقه فقد كفر ، و من أتى ساحراً فلم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ، ولا دعاؤه أربعين ليلة ، فهذا شيء كبير جداً ، فمن الكبائر أن تقرأ حظك هذا الأسبوع في المجلات ، كبرج الثور ، وبرج (الديب) وهذا كله كذب ، فإنه لا يعلم الغيب إلا الله ، و هذا ديننا ، فأنت عندما تفهم القرآن تركل بقدمك مليون قصة كذب ، فلا أحد يعلم الغيب ، و النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب كذلك ، قال تعالى :

( سورة الجن)

فهل يستطيع مخلوق كائناً من كان أن يدعي أنه يملك لك النفع والضر ؟ فإذا كان سيد الخلق النبي على عظمته يقول :

وهناك آية أبلغ تقول :

( سورة الأعراف : آية " 188 " )

      انتهى الأمر ، فأي إنسان يدَّعي أنه ينفعك أو يضرك ، قل له : أنت كاذب .

      إخواننا الكرام ... مرةً ثانية .. إن الله عزَّ وجل يقول أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب ، قل لا أعلم الغيب ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ، فهل يستطيع إنسان آخر أن يدعي علم الغيب ؟ كم من قصة بإمكانك أن تنفيها بآية واحدة ؟ إذا قال الله عزَّ وجل :

(سورة الأعراف : آية " 188 " )

ولا أملك لكم نفعاً ولا ضراً : فهل من إنسان بإمكانه أن يدعي أنه ينفعك أو يضرك ؟ هذا مستحيل ،  كما قال الله تعالى :

( سورة الأنعام )

       فهل تحترم إنساناً يقول لك : أنا لا تهمني المعصية ؟ يجب عليك أن تحتقر هذا   الإنسان ، لأن رأس الحكمة مخافة الله ، إذاً : هذه آيات تعدُّ مفصلية في القرآن الكريم ، وكذلك هو شأن هذه السورة ، و إن شاء الله في الدرس القادم سنشرع بتفسيرها بشكل دقيق ، لكنك إذا استوعبت آيات سورة الجن ، والآيات الأخرى التي تتحدث عن الجن في غير سورة عن الجن ، كان بإمكانك أن ترد مليون قصة ولا تعبأ بها إطلاقاً ، فهناك مقولات وأخطاء وأوهام وخرافات وخزعبلات ومتاهات كثيرة ، لا ينجينا منها كلها إلا الاعتصام بالكتاب والسنة ، وهذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأي شيء آخر غير القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة ، فيه خلط و إضافات و حذف و زيادات و تأويلات خاطئة نحن عنها في غنى .

"  إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ، ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا " .

      يجب أن تكون هذه السورة حاسمةً لنا في موضوع الجن ، فلا نسمح لأنفسنا أن تروِّج قصة تخالف هذه الآيات أو أن تستمع إليها أو أن تصدقها  أو أن تخاف منها ، فقد يقال لك مثلاً: إن فلاناً سحروه ، فليس هناك تفاهم بينه وبين زوجته ، إنه (مكتوب له) ، فما هذا الكلام ؟! فسبب عدم التفاهم بينه وبين زوجته هو سوء معاملته لها ، فقد خالف منهج الله فيها، فيجب أن تكون علمياً في طرحك و فهمك للأمور ، لأن هذا الدين علم ، والصحابة الكرام ما يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بالعلم و بالدقة البالغة ، وهذه المقدمة الثانية كانت في منهج التلقي ، أما المقدمة الأولى فقد كانت في تعريف الإنسان ، و في الدرس القادم إن شاء الله نبدأ بشرح هذه الآيات آيةً آية  .

 

والحمد لله رب العالمين

 

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi