English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الجن (72) ، الدرس : ( 3 ) ، المقدمة: ( 3 )  ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

حقائق الجن من خلال القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الثالث من سورة الجن ، و المقدمةٌ الثالثة التي تحدد خصائص هذه المخلوقات التي سُميت بالجن  .

اعتقادات الناس في الجن :

      أيها الإخوة الكرام ... إن من الناس من تطرف في إيمانه بالجن ، فآمن بقدراتهم الخارقة على أساس أنهم يعلمون الغيب ، فينفعون ويضرون ويعطون و يمنعون ، كما أن هناك مَن تطرف فنفى وجود الجن ، لكن الحقيقة تقع بين أن تنفي وجود الجن وبين أن تعقد بقدراتهم الهائلة ، فقد زعم كفار قريش أن محمداً صلى الله عليه وسلم تُعَلِّمُه الجن ، فهو يستقي علمه منهم ، بل إنهم جعلوا بين الجن وبين الله نسباً ، فهم يزعمون أن الله تزوَّج من الجن وأنجب الملائكة ، وهذه كلها أفكارٌ وخرافاتٌ وخزعبلاتٌ وأوهامٌ وأساطير تروى عن الجن في الجاهلية ، فجاءت هذه السورة لتضع لتبين حدود هذه المخلوقات .

     أيها الإخوة الكرام ...لقد كان العربي في الجاهلية إذا سار وحده ، أو دخل وادياً ،أو قطع مفازةً يستعيذ بعظيم الجن الحاكم ، ويقول : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيعتقد بعد ذلك أنه إذا باتَ بات آمناً لأنه استعاذ بالجن ، فقد ألَّه هؤلاء الجن وهذا تطرُّف و شرك ، كما أنهم كانوا يعتقدون أن الجن تعلم الغيب وتنبِّئ الكُهَّان به ، فإذا أتوا كاهناً عرفوا الغيب من خلاله ، لأن الجن تعلِّم الكُهَّان ، أما الكهان فهم ينبئون بني آدم .

     وكما قلت قبل قليل ، لقد جعلوا بين الجن وبين الله نسباً ، فكانوا يعتقدون أن لله عزَّ وجل زوجةً من الجن أنجبت الملائكة ، فالملائكة بنات الله ، وقد ذكر القرآن فعلهم هذا ، وما هذا إلا ركامٌ وخرافاتٌ و ضلالاتٌ و أساطير ما أنزل الله بها من سلطان ، وقد جاءت هذه السورة لتضع حداً لكل هذه الأوهام و الخرافات و الأساطير ، و إذا كان هذا اعتقاد الجاهليين ، فهل تفاجؤون إذا علمتم أن في مجتمعاتنا الإسلامية جماعاتٌ كثيرة تؤمن بأن الجن عندهم قدرات خارقة ، وأنهم يعلمون الغيب ، وأن بإمكانهم أن يوفقوا بين الزوج وزوجته وأن يفرقوا بينهما ، وقد جاءت هذه السورة  لتنفي الشرك والأضاليل و التخرُّصات و الأكاذيب ، فهذا كلُّه يجب أن ينتهي بعد أن يوضِّح الوحي حقيقة الجن .

      فهناك الكثير من الناس اليوم من يعتقد بقدرة الجن على فكّ السحر ، كما أنهم يتوهمون أنهم يستطيعون أن يخرجوا الجن من الإنسان ، وقد يكون هؤلاء من بعض المثقفين، وقد يكونوا للأسف الشديد من بعض رواد المساجد ، فنجد هؤلاء يلجؤون إلى أشخاص من أجل ذلك ، و أنا لا أنفي هنا أن هناك علاقةً بين الجن والإنس ، إن هذه العلاقة موجودة ، لكنها غير مشروعة إطلاقاً، لأن الله عزَّ وجل في كتابه والنبي عليه الصلاة والسلام في سنته لم يسمحا لنا أن نقيم علاقةً مع الجن ، أما الذين أقاموا علاقةً مع الجن فقد أُرهقوا وأُتعبوا ولم يجنوا من هذا العمل شيئاً .

     هناك الآن جماعاتٌ دينيةٌ كثيرة منحرفة العقيدة تنفي وجود الجن إطلاقاً ، وتزعم أن الجن خرافةٌ لا وجود لها ، فهي في اعتقادهم من التخرُّصات ، قد تسألهم كيف تفسر آيات الجن ؟ فيقولون : كل شيءٍ غاب عن عينك فهو من الجن ، فإذا وقف الإنسان وراء الباب ولم تره فهو من الجن ، فقد وقعت قضية الإيمان بالجن بين هؤلاء الذين ألَّهوا و أشركوا ، وبين هؤلاء الذين اعتقدوا بقدراتٍ الجن الفائقة ، كما اعتقدوا بالنفع والضر وعلم الغيب ، وبين هؤلاء الذين أنكروا الجن ، فجاءت هذه السورة لتعطي كل شيءٍ حقه ، فأعطت الجن حجمهم الحقيقي ، و المقياس الوحيد في ذلك هو الوحي ، لأن الوحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه كلام الخالق الخبير الواحد القهَّار .

بعض حقائق الجن :

        أيها الإخوة ... لن أبدأ اليوم بتفسير هذه السورة بعد ولكني سأضع لكم بعض الحقائق المستقاة من هذه السورة ، أو من  بعض الآيات التي وردت عن الجن في سورٍ أخرى .

1-    الحقيقة الأولى : إن الجن مخلوقاتٌ موجودة ، فعالم الجن عالمٌ حقيقة تؤكِّدها هذه السورة ، فأنت لا تستطيع أن تنفي الجن ، لأنك إذا نفيت الجن كذبت القرآن ، وتكذيب كلمةٍ من هذا الكتاب كفرٌ صريح .

       2- الحقيقة الثانية :  لقد وصف الجن  أنفسهم من خلال هذه السورة فقالوا :

( سورة الجن )

    إنهم موجودون ومتنوعون ، فمنهم الصالحون ومنهم الطالحون ، كما أن منهم الضالون المضلون ، ومنهم السُذَّج الأبرياء الذين ينخدعون ، فبعضهم مهتدٍ وبعضهم ضال ، وبعضهم خيِّر وبعضهم شرير ، و بعضهم ماكرٌ خدَّاعٌ مضل وبعضهم ساذج ، والدليل قول الله تعالى :

( سورة الجن )

     فهؤلاء عندهم سذاجة ، فقد ظنوا أن الإنس والجن لن تقول على الله كذباً ، كما ظنوا أن سفيههم (أي الشيطان) : كان يقول على شططاً .

التقوّل على الله تعالى من أعظم الكبائر :

      إن  للإمام الغزالي كلمةً رائعة يقول فيها  : " لئن يرتكب العوام الكبائر فذلك أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون " .

و حينما تحدث الله سبحانه وتعالى عن المعاصي والآثام ورتبها ترتيباً تصاعدياً ، بدأ بالإثم والفحشاء ، وانتهى بالشرك والكفر، لكنه جعل التقول على الله من أكبر المعاصي ، فقال :

( سورة الأعراف  )

     فكم من إنسانٍ ضل الطريق لفكرةٍ سمعها فلم ترق له ، و كم من إنسانٍ ظن بالله ظن السوء و ظن الجاهلية فأعرض عنه بسبب كلام تحدث به إنسانٍ جاهل ، و كم من إنسانٍ أعرض عن الدين لأنه ما استقاه من مصادره الصحيحة ، و كم من إنسانٍ كفر بسبب ما  يرى ويسمع من تجاوزات يفعلها المسلمون ، فلذلك قال تعالى :

( سورة الجن )

وإن من أغرب ما قاله الإمام الشافعي قوله : " لأن أرتزق بالرقص أهون عليّ من أن أرتزق بالدين " ، لأنك إذا ألقيت على الناس أفكاراً غير صحيحة فأضللتهم وأفسدتهم وحملت بعضهم على أن يكفروا بهذا الدين ، فأنت أكبر آثمٍ لأن كل انحرافٍ يجري عن طريقك .

       أيها الإخوة الكرام ... استمعوا إلى هذه الحقيقة : إنه هناك من يدعو إلى الله بمضمونٍ هزيل سطحي غير متماسك ، وبأسلوبٍ غير تربويٍ وغير علمي ، وهناك من يدعو إلى الله بمضمونٍ عميق ، لكنه لا يلتزم بأوامر هذا الدين ، فعندئذ لا يرى المدعو في هذا الداعية التزاماً بل ازدواجاً ، وإن المدعو بهذا المضمون الهزيل ، وهذه الازدواجية والتناقض الشنيعين  ، وبتلك الطريقة غير التربوية وغير العملية ، لا يُعَدُّ عند الله مبلغاً ، فقد رُكِّب في أعماق الإنسان أن دين الله عظيم ، و أن هذا الدين من عند الله العليم الحكيم الرؤوف الرحيم علاَّم الغيوب أكرم الأكرمين رب العالمين ، فهذا الدين لا يحتمل أن يوجد فيه تناقض ، ولا ضحالة ، ولا خرافة ، ولا تجاوز، لأنه الدين يمثِّل عظمة هذا الإله العظيم .

       أيها الإخوة الكرام ... إن في الدين مقولاتٌ لا تعدُّ ولا تحصى ، فلا بد لك من مقياسٍ دقيق تصنف به هذه المقولات ، وقد تحدثت في الدرس الماضي عن منهج التلقي ، فعن طريق منهج التلقي تستطيع أن تفرز هذه المقولات ، فتقبل المقولة التي تنطبق على هذا المنهج ، وترفض المقولة التي لا تنطبق عليه ، فلا بد من منهجٍ دقيق نعتمده في قبول المقولات الدينية وفي رفضها .

إذاً : الجن موجودون ، و منهم الصالحون ومنهم الطالحون ، فهم فرَقٌ كثيرون :

والجن منهم المضلّون ، الخبثاء ، ومنهم السُذج البسطاء .

( سورة الجن )

      3- حقيقةٌ ثالثة : إن الجن لديهم استعدادٌ للهداية ، فهم مستعدُّون لإدراك القرآن الكريم سماعاً وفهماً ، والدليل على ذلك هذه الآيات الكريمة :

( سورة الجن )

     فقد استمعوا إلى هذا القرآن الكريم وأُعجبوا به وفهموه وأدركوا أبعاده و آمنوا به ، فصاروا جناً مؤمنين ، وهذه حقيقة ثالثة .

       4- الحقيقة الرابعة : إن الجن مكلَّفون ، ومعنى ذلك أنهم مسؤولون ومحاسبون ، فتقع عليهم أنواع العقوبات وأنواع الإكرامات ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الجن )

فمن يؤمن بربه ؛ أي : منا ، فالجن مكلَّفون .

( سورة الرحمن )

      أي: سنقصد إلى محاسبتكم ، فالملك غير مكلف ، و الحيوان غير مكلف ، و الجماد غير مكلف ، لكن الإنس والجن مكلفون بحمل الأمانة ، وهم مسؤولون ، وسيحاسبون ثم يعذَّبون ، أو يُنعَّمون ، و هذه حقيقة ثالثة .

( سورة الجن )

      القاسطون : الظالمون ، هذا الاسم ذو معنىً دقيق ، فالمُقسط هو العادل ، أما القاسط فهو الظالم ، فـ(أقْسَط) :َ عَدَلَ ، و(قَسَط) :َ ظَلَمَ ، و اسم الفاعل من الثلاثي : قاسط ، و اسم الفاعل من الرباعي : مقسط ، فالمُقسط هو العادل ، والقاسط هو الظالم .

( سورة الجن )

فالجن مخلوقات مكلفة بحمل الأمانة ، فهي مسؤولة عن أعمالها ، و لا بد لها من أن تملك حرية الاختيار ، فإذا كانت مسؤولةٌ عن أعمالها وتملك حرية الاختيار ، فإن مصيرها إما إلى جنةٍ يدوم نعيمها أو إلى نارٍ لا ينفد عذابها ، قال تعالى :

 

( سورة الرحمن )

و هذه أيضاً حقيقةٌ عن الجن .

( سورة الجن )

        5-الحقيقة الخامسة : إن هؤلاء الجن لن ينفعوا الإنس إذا لاذوا بهم ، فأية محاولةٍ يقوم بها الإنسان ليلجأ من خلالها  إلى الجن هي محاولةٌ خاسرةٌ يائسة ، وقد ورد هذا كله في كتاب الله ، فهذا هو حجم الجن الحقيقي ، و هذا هو تعريفهم الدقيق ، لذلك قال تعالى :

( سورة الجن )

       فلا تستعذ إلا بالله ، فالجن لن يقدِّموا لك شيئاً ، و لن ينفعوك إطلاقاً ، و لن يخلِّصوك من أية ورطة ، وإن أكثر المسلمين اليوم يلجؤون إلى رجال يزعمون أنهم يعرفون الجن ليفكوا عنهم بعض السحر ، ليخرجوا بعض الجن منهم ،فهؤلاء لا يزدادون إلا ضلالاً وتيهاً .

( سورة الجن )

      6- الحقيقة السادسة : إن الجن لا يعلمون الغيب إطلاقاً ، فهم ليست لهم أية صلةٍ     بالسماء ، قال تعالى :

( سورة الجن )

وأنا كنا نقعد ؛ أي : قبل رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

مثال موضّح :

      سأضرب لكم هذا المثال : لو أن (آذنا)ً أو حاجباً أو مستخدماً في رئاسة الوزراء كان يطوف على الوزراء ليقدم لهم القهوة أو الشاي ، وفي أثناء الاجتماع سمع من أطراف أحاديثهم أن الساعة ستؤخَّر ستين دقيقة قبل شهرٍ من موعد تأخيرها ، فأشاع بين الناس أنني أعلم الغيب ، فبعد أربعة أسابيع سوف تؤخَّر الساعة لأول مرة ، فهل هذا الحاجب أو هذا (الآذن) يعلم الغيب ؟ لا ، فقد استرق السمع من خلال اجتماعٍ مهم ، فأوهم الناس أنه يعلم الغيب ، الآية الكريمة :

( سورة الجن )

        أي : لقد كنا نستمع إلى بعض الأوامر الإلهية ، وننزل بها إلى الأرض ، فنلقي هذه المعلومات في آذان الكُهَّان ، فيأتي هؤلاء الكهان إلى الناس ويدعون أنهم يعلمون الغيب ، فهذا ليس غيباً ، ولكنه استراق سمعٍ .

( سورة الجن )

       أيها الإخوة ... إن المشكلة الكبيرة هي أن تعتقد أن هؤلاء الجن يعلمون الغيب ، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله ، لكن هؤلاء الجن عندهم سرعة تَنَقُّل ، و قدرتهم على تخطي المسافات مذهلة ، فقد يقطعون آلاف الكيلو مترات في لمح البصر ، فإذا نقلوا لك معلومةٍ من مكان إلى مكان ، توهمت أنهم يعلمون الغيب ، و هم لا يعلمون الغيب إطلاقاً ، فإذا إنسان مات بظرف غامض مثلاً ، ادعى بعضهم أن بإمكانه تحضير الأرواح ، فهو بذلك يأتي  بقرآنه من الجن .

فيأتي عملاؤهم من الجن ، ثم يعرضون على أهل القتيل أن يأتوا بابنهم المقتول ليُسمعهم اسم قاتله ، فالهدف من القضية كلها أن يتوهم الناس أن الجن يعلمون الغيب ، وهم لا يعلمون الغيب إطلاقاً ، ولكنهم قادرون على  استحضار الأرواح ، فهم يستحضرون قرين هذا المقتول من الجن ، فيعطيهم معلومات دقيقة جداً عن ملابسات و ظروف حياته ، مما يوهم الناس أنهم يعلمون الغيب ، و لا يعلم الغيب إلا الله .

      فقد سمعت أن هناك من يزعم أنه استحضر روح امرأة ماتت بحادث ، فأخبرت الناس أنها أسلمت وأنها كذا وكذا ، و كل هذا خرافةٌ بخرافة ، لأن الجن لا يعلمون الغيب إطلاقاً .

( سورة الجن )

لا يعلمون الغيب ، لكن :

( سورة الجن )

إن الخير إلى الله ، والشر ليس إليه ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

" وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ " .

                 ( عن علي بن أبي طالب )

أي : إن الخير كله بيدك يا رب ، والشر ليس إليك ، وهذا أدبٌ رفيع .

( سورة الجن )

فليس هناك علاقة بينهم وبين الله ، و لا توجد علاقة مصاهرة ، كما يدعي العرب في    الجاهلية .

( سورة الجن )

    لأن المشركين في الجاهلية كانوا يزعمون أن الله تزوَّج من الجن وأنجب الملائكة ، فالملائكة بنات الله .

      أيها الإخوة ... أقول لكم مرةً ثانية ، إن هذه الحقائق من كتاب الله تعطي الجن حجمهم الحقيقي ، وإن أية زيادةٍ على ذلك هي زيادة باطلة ، كما أن أي إنكارٍ لذلك هو إنكارٌ باطل ، لأننا لا نستطيع أن ننكر شيئاً أثبته القرآن ، ولا أن نزيد شيئاً على ما ذكره القرآن ، وهذه السورة إضافة إلى الآيات التي وردت في بقية السور عن الجن ، هي المقياس الدقيق لموضوع الجن ، وإنك حيثما جلست ، وأينما التقيت بالناس ، وجدت من يطرح قضية الجن ، فهناك من يعطي الجن حجماً أكبر من حجمهم بكثير ، و هناك من يزعم أن الجن يعلمون الغيب عن طريق القرناء و غيب الحاضر و سرعة التنقل في الأرض ، و هذه كلها خرافاتٌ ما أنزل الله بها من سلطان ، فهم لا يعلمون الغيب ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً ، وأكبر دليل على ذلك ، أن رئيسهم الشيطان قال :

( سورة إبراهيم : آية "  22 " )

وما كان لي عليكم من سلطانٍ ؛ أي : آيةٌ حاسمة قطعية الدلالة ..

( سورة إبراهيم : آية "  22 " )

فهذه حقائق ناصعة قد أثبتها الله في كتابه العزيز .

فالجن لا قوة لهم مع الله أبداً ، كما لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً ، لقول الله عزَّ وجل :

( سورة الجن )

فهم في قبضة الله ، و ليس لهم إرادةٌ مستقلةٌ عن الله عزَّ وجل ، كما أنهم ليس بهم قوةٌ يصرفونها في غير إرادة الله عزَّ وجل :

و إن من الآيات الأخرى عن الجن التي وردت في غير سورة الجن قوله تعالى :

على موته ؛ أي : على سيدنا سليمان ، منسأته ؛ أي : عصاته ، الدابة ؛ أي : السوس .

فقد سيدنا سليمان كلَّفهم بأعمالٍ شاقة متعبة :

( سورة سبأ )

        فأنا هنا أعطيك مقاييس ، فإذا كنت جالساً في سهرة مع أصدقائك أو مع إخوانك      أو أقربائك أو زملائك في العمل ، ثم سمعت قصة مفادها أن الجن يعلمون الغيب ، فلا ينبغي أن تبقى ساكتاً ، بل يجب أن تنطق بالقرآن الكريم  ، فتقول : إنهم لا يعلمون الغيب ، و لو أنك سمعت قصةً أن الإنسان أوذي من الجن ، فذكِّرهم بقول الله عزَّ وجل :

( سورة ابراهيم : آية " 22 " )

      فقد نزلت هذه الآيات من أجل أن تعطي الجن حجمهم الحقيقي ، و من أجل أن تقف الناس على الحدود التي جاءت في هذه السورة .

يروننا ولا نراهم :

      لقد وردت خاصةٌ أخرى من خصائص الجن ، في سورة الأعراف ، وهي قوله تعالى :

( سورة الأعراف : آية " 27 " )

      إنه ؛ أي : الشيطان وجماعته ، فكيان الجن غير مرئي عند الإنس ، أما كيان الإنس فهو مرئيٌ عند الجن ، فهم يروننا ويسمعون كلامنا ، ونحن لا نراهم ولا نسمع كلامهم هذه حقيقة دقيقة وصريحة وواضحة .

حقيقةٌ عن بنيتهم :

     إن الجن مخلوقون من النار ، والإنس مخلوقون من الطين ، قال تعالى :

( سورة الرحمن )

      أيها الإخوة الكرام ... من خلال هذه الحقائق التي وردت في سورة الجن وفي غير سورة الجن يتضح لنا أن الذين عرفوا الله عزَّ وجل ، وعرفوا حقيقة الجن ، لا يمكن لهم أن يعتمدوا على الجن ولا أن يلجؤوا إليهم ، لا في معرفة الحقائق المستقبلة ، ولا في الاستعانة بهم ، لأنهم ضعافٌ كالبشر ، ولأنهم لا يعلمون الغيب كالبشر ، فهذه السورة توضِّح حقيقة الألوهية ، وحقيقة العبودية .

 الصلة بين الإنس والجن :

     ثم توضِّح هذه السورة أيضاً الصلة بين هذه الخلائق المنوَّعة ، فمن ممكن أن تقوم صلة بين الإنس وبين الجن ، فيستعيذ الإنس بالجن و يتعاون معه ، و هذه حقيقة ، لكن هذه الصلة ليست مشروعة ولا مطلوبة ، ولا مستحسنة إطلاقاً .

     فقد ورد في أول هذه السورة تأكيدٌ على وحدانية الله ، وتأكيدٌ على نفي الصاحبة والولد ، -وهذا تأكيدٌ مهمٌ جداً – كما ورد إثبات الجزاء في الآخرة للإنس والجن معاً ، وأن أحداً من مخلوقات الله -ولو بدا خارق القدرة على تخطي المسافات - لن يُعجز اللهَ في الأرض ولن يتفلَّت من يده أبداً.

    وفي هذه السور أيضاً بيانٌ لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، كما يتبين فيها أن الجن لا يملكون قوةً ولا علماً ،فليست لهم إرادةٌ مستقلةٌ عن الله عزَّ وجل، فهم في قبضة الله كالإنس :

( سورة الجن )

( سورة الجن )

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في ما يرويه ربه عنه ، فيما يأمره الله أن يبلغه للناس :

( سورة الجن )

( سورة الجن )

فالغيب موكولٌ إلى الله وحده .

( سورة الجن )

وإن الذي يستقيم على أمر الله عزَّ وجل سيجني  ثماراً طيبة ، قال تعالى :

( سورة الجن )

      إن هذه بعض الحقائق المتعلقة بالجن ، فالله إله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ،  أما الجن فهم ليس لهم أي شأنٍ ولا أي فعلٍ ولا أي علمٍ ، فلا يعلمون الغيب ، ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً مع من يعوذ بهم.

       أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذه الحقائق التي عرضت في هذه السورة ، لنجعلها مقياساً لكل ما يدور في مجالس الناس عن الجن ، فهناك آلاف القصص التي ما أنزل الله بها من سلطان يمكنك أن تركلها بقدمك ، فيجب عليك حينما تقرأ آيةً من سورة الجن أن تقول : إن هذه الآية تبيِّن أن الجن لا يعلمون الغيب ، ولا يستطيعون أن ينفعوا الإنسان إلا أن يزيدوه رهقاً كما قال الله عزَّ وجل ، وأنهم مسؤولون ومحاسبون وسيعذبون إن انحرفوا ، وسيتنعَّمون إن هم أفلحوا.

       وأرجو الله سبحانه وتعالى أن نبدأ تفسير الآيات آيةً آية بحسب التسلسل في الدرس القادم ، لكني أردت من هذا الدرس أن تعرفوا حقيقة الجن من خلال هذه السورة ومن خلال بقية السور، فهؤلاء المخلوقات موجودون , وهذا هو حجمهم الحقيقي ، وإن أي تخرصٍ     أو تأويلٍ أو زيادةٍ هي باطلٌ ينبغي أن لا نأخذ به .

 

والحمد لله رب العالمين

 

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi