English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تفسير سورة الجن : (72) ، الدرس (6/8) ، الآية : ( 19) ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابسلي .

 

 

العبودية لله عز وجل

بسم الله الرحمن الرحيم

        الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السادس من سورة الجن ، ومع الآية الكريمة التاسعة عشرة ، وهي قوله تعالى :

( سورة  الجن )

        عبد الله هنا : رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

العبودية منتهى الرقيّ :

       إن نهاية رقي الإنسان وتفوقه هي أن يصل إلى مرتبة العبودية لله عزَّ وجل ، لأن الرب ربٌ والعبد عبدٌ ، وإنك لا ترتقي إلا إذا كنت عبداً لله ، لأن هذا هو مكانك الطبيعي ، وهذه هويتك ، وهذه خصائصك ، فالذي يدَّعي الربوبية أو يتألَّه أو يتعاظم أو يتكبَّر يسقط من عين الله ومن عين الخلق ، فليس هناك درجةٍ أعلى عند الله وعند الناس من أن تكون عبداً لله، وكلما ازددت لله خضوعاً زادك الله عزاً ، و كلما ازددت لله طاعةً زادك رفعةً ، وكلما ازددت لله انصياعا لأمره زادك قرباً ، فما من مرتبةٍ وصلها بشرٌ على الإطلاق ، كالمرتبة التي وصل إليها النبي عليه الصلاة والسلام ..

( سورة  النجم )

إن سدرة المنتهى هي أعلى مقامٍ بلغه إنسان ، يقول عليه الصلاة والسلام :

"... سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ*

( من مسند أحمد عن عمرو بن العاص )

والوسيلة هي المرتبة التي تصل به إلى سدرة المنتهى ، قال تعالى :

(( إذ يغشى السدرة ما يغشى(16) ما زاغ البصر وما طغى (17) ))

(سورة النجم)

 وقد قال الله عزَّ وجل :

( سورة  النجم )

        فقد كان أعلى وصْف وُصِفَ به النبي عليه الصلاة والسلام أنه عبدٌ لله ، لكن القضية هنا محيَّرة ، لأنها تقول : إنك كلما ازددت خضوعاً زادك رفعةً ، و كلما ازددت تواضعاً زادك مكانةً ، و كلما ازددت انصياعا لله عزَّ وجل زادك رفعةً ، ولكن الله عزَّ وجل قال :

( سورة  الشرح )

        إن الله عزَّ وجل لم يذكر مرة إلا ذكر معه النبي عليه الصلاة والسلام ، فأنت تقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله ، و هل يعقل أن يقسم الله جلَّ جلاله بعمر إنسان ؟ لقد أقسم الله عز وجل بعمره الثمين ، فقال :

( سورة  الحجر )

وقد أثنى الله جلَّ جلاله على خُُلُقه العظيم ، فقال :

( سورة  القلم )

إياك أن تتكبر ..

     إن هذا تعليمٌ لنا ، فإيَّاك أن تتكبر و تستعلي و تتطاول ، و تدعي ما ليس لك ، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :

" العظمة إزاري ، والكبرياء رداءي ، فمن نازعني منهما شيئاً أذقته عذابي ولا أبالي. "

      فأنت تزداد رفعةً عند الله بخضوعك له ، و تزداد مكانةً بعبوديتك له ، و تزداد غنىً بافتقارك إليه ، و تزداد قوةً بإعلان ضعفك أمامه ، و تزداد علماً بإعلام جهلك أمامه :

مالي سوى فقري إليك    ... فبالافتقارِ إليك فقري أدفع 

مالي سوى قرعي لبابك    حيلةً فإذا رُددْت فأي بابٍ أقرع

إن المؤمن الصادق -أيها الإخوة- له علاقةٌ طيِّبة بالله ، و علاقته بالله علاقة الخضوع ، و إذا أعزَّ الله سبحانه وتعالى إنساناً سخَّر له أعداءه في خدمته ، وإذا أذل إنساناً تنكَّر له أقرب الناس إليه ، وإن مما يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى وصف النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى وصفٍ بلغه الإنسان ، فقال :

( سورة  الجن : آية "  19 " )

      وقد وقف خطيبٌ أمام النبي عليه الصلاة والسلام فقال :  ما شاء الله وشئت ، فقال :

"بئس الخطيب أنت ، جعلتني لله نداً ؟! قل : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " .

     من أنا ؟؟ إن الأمر هنا عجيب ، لأنك كلما ازددت خضوعاً ، ومرَّغت وجهك في أعتابه زادك عزاً و رفعة ، وحفظك وأيَّدك ونصرك وأكرمك ورفع ذكرك ودافع عنك ، وكلما قلت: أنا ! تخلَّى عنك ، وقد ذكرت من قبل كثيراً أن في حياة المؤمن يومين يتكرران كل يوم ، وهما يوم بدرٍ ويومُ حنين ، ففي يوم بدرٍ قال تعالى :

( سورة  آل عمران : من الآية "  123 " )

أي مفتقرون إلى الله .. أما في حنين فقال :

(سورة  التوبة : من الآية "  25 " )

فحينما قالوا في حنين: لن نغلب من قلة تخلى الله عنهم ، رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، وهم الصحابة الكرام من خير خلق الله ..

( سورة  التوبة )

        ولكنهم حينما التجؤوا في بدر إلى الله وابتهلوا إليه نصرهم ، وهم قلةٌ قليلة ضعيفةٌ ذليلة على كثرةً كثيرة مدججةٍ بأنواع السلاح ، فماذا نستفيد من هذين اليومين ؟

      إنك مع الله بين حالين ؛ أن يتولاَّك ، و أن يتخلَّى عنك ، فإذا قلت : أنا !! لدي خبرات متراكمة وعلم و مال و نسب و مكانة ومركز مرموق و ذاكرة قوية وصحة جيدة ، تخلى الله عنك ، وإذا قلت : هذا من فضل ربي ، وهذا بتوفيق الله و حفظه تيسيره تولاَّك الله ، فأنت مخيَّر ؛ فإما أن تقول : أنا ، فيتخلى الله عنك ويكلك إلى نفسك ، وإما أن تقول : الله ، فيتولاك بحفظه ورعايتك ، و كلما اقتربت من أن تكون عبداً لله نلت كل مراتب هذه المكانة التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصى ...

أنواع المعية الإلهية :

   1- المعية العامة : (معية العلم ) :

   إن ربنا عزَّ وجل قال :

( سورة  الحديد : آية "  4 " )

    فالمراد هنا أن الله مع كل الناس ، كافرهم و مؤمنهم ، طائعهم وفاسقهم .. مع القريب والبعيد ، مع الملحد والمنكر ، والكافر والفاجر ، وهذه المعية تسمى معية العلم .

   2- المعية الخاصة : (معية التأييد ) :

    قال الله تعالى :

(سورة  الأنفال )

( سورة  البقرة )

      فهذه معيةٌ خاصة ، لأنها معية التوفيق ، والتأييد ، و النصر ، و الحفظ ، و المعية الخاصة لها ثمن ، و الثمن يملكه كل واحدٌ منا ، تقول الآية الكريمة :

( سورة  المائدة: آية " 12 " )

      إن هذا ثمن المعية .. أتُحِبُ أن يكون الله معك ناصراً و مؤيداً و حافظاً و ملهماً ومسدداً ومدافعاً ؟ إذا أردت ذلك فآمن به ، واستقم على أمره ، وأيِّد رسله ، واعمل الصالحات لخدمة خلقه ، ففي هذه الحالة يكون الله معك، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ لا أحد يجرؤ أن يكون عليك إذا كان الله معك ، فإذا كان الإنسان في مجتمعاتنا مع أعلى رجل في البلاد فمن يستطيع أن يقف ضده ؟ لا أحد ، فإذا كان هذا في مجتمع البشر ، فكيف بالله عزَّ وجل وهو القوي العزيز ، ألا تقرؤون في الدعاء : " سبحانك إنه لا يذِلُّ من واليت ، ولا يُعَزُّ من عاديت " .

( سورة  الجن : آية "  19 " )

       وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم -على علوِّ مقامه و عظم مكانته عند الله و شدة قربه وفنائه في سبيل الله - كان في الطائف يدعو أهلها إلى طاعة الله وعبادته ، فردوه شر‍َّ رد و كذبوه وسخروا منه ، وأغروا صبيانهم بإيذائه ، فماذا دعا ؟؟ لقد قال : " يا رب إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي ، لك العتبى حتى ترضى لكنَّ عافيتك أوسع لي "

      فهذا هو مقام العبودية .. " إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي ، لك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي "

       و حينما وجد الأنصار في أنفسهم عليه وجاءه سعد بن عبادة ، وقال يا رسول الله : إن قوم وجدوا عليك في أنفسهم ، قال : (لمَ ؟) قال : من أجل هذا الفيء الذي وزَّعته في الناس ولم تخصّهم منه ، قال : (أين أنت من قومك ؟) قال : ما أنا إلا من قومي ، فقال : ( اجمع لي قومك ) ، فلما جمعهم قال : (يا معشر الأنصار ما قالةٌ بلغتني عنكم ، واجِدَةٌ وجدتموها علي في أنفسكم ، من أجل لعاعةٍ تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ) ، والآن أريد منكم أن تدققوا : لقد كان عليه الصلاة والسلام أقوى رجل في الجزيرة العربية ، فقد دانت له الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها ، وكان هذا بعد حنين ، وفي ذاك الوقت لم يكن هناك مشكلة ، فقد كان كل الناس خاضعين له ، وقد قال :

" أما إنكم لو شئتم لقلتم فلصدقتم ، ولصُدقتم ، أتيتنا مكذباً فصدَّقناك ، و طريداً فأويناك ، ومخذولاً فنصرناك "، فبماذا ذكَّرهم هنا ؟ لقد ذكرهم بفضلهم عليه ، وهو أقوى رجل ، لقد كان بإمكانه أن يلغي وجودهم ، كما كان بإمكانه أن يهدر كرامتهم ، و كان بإمكانه أن يهملهم أو أن يعاتبهم ، فما الذي فعله ؟ لقد ذكَّرهم بفضله عليهم ، فقال : ( يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضُلالاً فهداكم الله بي ؟ ) إنه هنا لم يقل : فهديتكم ، أرأيتم إلى تواضعه صلى الله عليه وسلم و افتقاره لفضل الله  " ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ، عالةً فأغناكم الله ؟ أعداء فألَّف بين قلوبكم ، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم ؟ " فقالوا : رضينا ، وبكوا حتى أخضلوا لحاههم ، قال: " اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ، وما سلك الناس شِعْبَاً وسلك الأنصار شعباً إلا سلكت شعب الأنصار " .

       فما هذه العبودية لله عزَّ وجل ؟ إن المؤمن كلما تواضع لله و أعلن افتقاره إلى الله ازداد عند الله رفعةً ، وهناك أربع كلماتٍ مهلكات ، هي: (أنا) و(نحن) و(لي) و(عندي) ، فهناك من يقول مثلاً :أنا ابن فلان ! أنا أحمل هذه الشهادة ! أنا أشغل هذا المنصب ! أنا أستطيع أن أفعل كذا وكذا !  لقد قال الشيطان :

( سورة  الأعراف )

فأهلكه الله ، و قال قوم بلقيس :

( سورة  النمل : آية " 33 " )

فأهلكهم الله عزَّ وجل ، و قال قارون :

( سورة  القصص : آية " 78 " )

أي : على خبرات متراكمة أمتلكها ..

( سورة  القصص : آية " 81 " )

و قال فرعون :

( سورة  الشعراء : آية " 51 " )

     فأهلكه الله عزَّ وجل ..

ملخص الفكرة ..

      إن ملخصَ ملخص هذا الكلام هو أنك بين أن تقول : الله ! فيتولاك الله ، وبين أن تقول: أنا ! فيتخلى عنك ، وقد يكون ذلك على علمك ، و علو قدرك ، وعِظَم شهاداتك، و تراكم خبراتك ، و ضخامة مالك ، لأن هذا كله ليس بشيء عند الله ، فليس هناك ذكاء ولا غنى مع الله عز وجل ، لأن الذي أعطاك يستطيع أن يأخذ كل ما أعطاك في يوم وليلةٍ فتصبح من الفقراء ، كما أن الذي منحك نقطة دم قادر على أن يجمدها ، و إن كل ما تملك من الدنيا منوط بسيولة دمك ، فلو تجمد دمك في بعض العروق ، كعروق الدماغ مثلاً وكان ذلك في مكان الذاكرة فإنك لن تعرف ابنك وهو أقرب الناس إليك ، ثم يتوسَّط لك أقرب الناس إليك لتكون أحد نزلاء مستشفيات الأمراض العقلية ، فنهاية الإنسان متوقفة على سيولة دمه ، فإذا تجمد دمه انتهى ، وإن استيقاظ الإنسان من النوم ومشيه لا بدَّ له من توافر آلاف الشروط ، كما أن جهاز الهضم السليم الذي يبدأ من الفم إلى البلعوم إلى المرئ إلى المعدة ، إلى البنكرياس ، إلى الأمعاء إلى الصفراء ، إلى الغدد الصمَّاء ، إلى الأمعاء الدقيقة ، ثم الأمعاء الغليظة ، فالمستقيم ، إن هذا الجهاز هو الذي يجعل الإنسان يجلس بين الناس طاهر الثياب عطر الرائحة ، والمستقيم له آفات ، فلو أصيب المستقيم بالشلل كان لا بدَّ للإنسان من أن يحمل قَذَرَه إلى جانبه ، ولو أن كُلْيتي الإنسان توقفتا عن العمل كان لا بدَّ من أن يذهب كل أسبوع مرتين ليغسل دمه ، و لو أن دسَّاماً تعطل في قلبه كان لا بدَّ له من إجراء عمليةٍ تساوي ثمن بيته ، فكيف تقول : أنا ؟ من أنت؟! إنك تقف على قدميك برحمة الله ، و تمشي على رجليك بلطف الله ، و بحماية الله أنت مصان ومحفوظ ، و كل هذا الكلام يدور حول قوله تعالى :

( سورة  الجن : آية "  19 " )

      إنك لن تكون إنساناً كاملاً إلا إذا كنت عبداً لله ، ولن تكون محطَّ عناية الله إلا إذا اعترفت له بالعبودية ، لأن العبد عبدٌ والربُّ رب .

القلوب منظر الرب :

     أيها الإخوة .. إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، و القلب منظر الرب ، فإيَّاك أن يرى الله فيه كبراً أو حقداً أو تَعَنُّتاً أو استعلاءً أو استكباراً أو تَمَيُّزاً على الخلق ، لقد كان عليه الصلاة والسلام مرة مع أصحابه في سفر - وهو سيد الخلق وحبيب الحق - فأرادوا أن يعالجوا شاةً ، فقال أحدهم : عليَّ ذبحها ، وقال الثاني : عليها سلخها ، وقال الثالث : عليها طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : " وعلي جمع الحطب " ، فقالوا : نكفيك يا رسول الله قال : " لا  .. أعلم أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه " .

     كن مع إخوانك واحداً منهم ، لا تستعلِ عليهم ، و لا تكن فوقيَّ التصرفات ، كن واحداً منهم ، لقد كان سيدنا عمر وهو عملاق الإسلام ، يقول : " أتمنى أن أخص عاملاً بعمل له صفتان : إذا كان أميراً على إخوانه بدا وكأنه واحدٌ منهم ".

     و هذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، لقد كان يدخل الأعرابي والنبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فلا يعرفه فيقول : أيُّكم محمد ؟ فلم يكن له كرسي خاص فخم ، و ليس له ثياب خاصة من ذهب ، بل إن كان الأعرابي كان يقول قال : أيكم محمد ؟ فيقول : أنا ، وقد ورد في رواية ثانية أنه قال : أيكم محمد ؟ فقال له أحد الأصحاب : ذاك الوضيء ؛ أي: متألق الوجه ، فهكذا عامل النبي عليه الصلاة والسلام الناس ، و هذا الذي نريد أن يكون بين المسلمين ، فليس في الإسلام طبقة رجال دين ، قال تعالى :

( سورة  يونس )

       هذه هي صفات الولي ، وعلى هذا يجب أن يكون كلُّ واحدٌ منكم ولياً لله عزَّ وجل ، لأنك إذا آمنت بالله واستقمت على أمره كنت ولياً له .

المساواة في الإسلام :

       لقد ذكرت اليوم أن تفوقك في الدين لا يكون بحجم ثقافتك الدينية ، ولا بحجم مشاعرك الجيَّاشة نحو الإسلام والمسلمين ، ولا بحجم المظاهر التي تحيط نفسك بها ، ولكن التفوق في الدين بحسب استقامتك على أمر الله ، وطاعتك له ..

( سورة الحجرات  : آية " 13 " )

        وبحجم عملك الصالح الذي تفضَّل الله عليك وأجراه على يديك ، والذي يعود نفعه على المسلمين بخاصة وعلى الإنسانية بعامة ، فهذا هو التفوق الحقيقي ، إنه التفوق في إيمانك و طاعتك و عملك الصالح .

       إن النبي صلى الله عليه وسلم ما داعب أحداً من أصحابه كما داعب سيدنا سعد بن أبي وقَّاص ، فقد كان إذا رآه يقول :"هذا خالي ، أروني خالاً مثل خالي " ، وقد كان هناك مودة بالغة بينهما ، وما فدى النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من أصحابه إلا سيدنا سعد حيث قال له : " ارم سعد فداك أبي وأمي " ، فماذا قال له سيدنا عمر بعد موت النبي ؟ لقد قال له : "يا سعدُ لا يَغُرَّنَك أنه قد قيل خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواء ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له " .

        فكلنا عند الله سواسية ، و لا توجد طبقية في الإسلام ، ولا يوجد انتماء ، ولا يوجد فرق بين أبيض وأسود ، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : " اسمعوا وأطيعوا ولو تولَّى عليكم عبدٌ رأسه كالزبيبة " ، وقد وقف أبو سفيان سيد قريش ، بباب عمر ساعاتٍ طويلة فلم يؤذن له ، وكان بلالٌ وصهيب يدخلان بلا استئذان ، فلما دخل عليه عاتبه وقال : سيد قريش يقف ببابك الساعات الطوال وصهيبٌ وبلال يدخلان بلا استئذان ؟ قال له : يا أبا سفيان ، أنت مثلهما ؟! أي : أين أنت منهما ، فكل إنسان له عند الله مرتبة .

       فيا أيها الإخوة ... توقفوا عند كلمة :

( سورة  الجن : آية "  19 " )

التواضع :

       إنك ترقى عند الله بقدر عبوديَّتك له ، وتواضعك لعظمتك ، و أُنْسك به ، لقد صلى عليه الصلاة والسلام مرةً بأصحابه فأطال السجود ، فقلق أصحابه ، ثم علموا أن أحد أولاد ابنته - الحسن - ارتحل ظهره فكره أن يزعجه ، فما هذا التواضع ؟

وقد كان عليه السلام في بيته كأنه واحدٌ في أهل البيت ، فكان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحَّاكاً ، وكان يقول : " أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم يغلبن كلَّ كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً " ، فما هذه العبودية ؟ هذا التواضع ؟ لا يوجد في الإسلام كلمة أنا ، بل هناك كلام علمي ؛ فالأمور في الإسلام تتم بفضل الله و توفيقه وبراعيته و معونته ، فإذا أراد ربك إظهار فضله عليك ، خلق الفضل ونسبه إليك ، فالفعل فعله ، وقد نُسِبَ هذا الفعل إليك تكريماً لك :

( سورة  الجن : آية "  19 " )

 قيل : يدعوه ؛ أي  يعبده ، وقيل : يدعوه ؛ أي : يدعو إليه ، والأصح أن نجمع بينه ، فنقول:  المعنى : يدعو إليه ويعبده .

( سورة  الجن : آية "  19 " )

أي : يدعو الناس إلى معرفته وطاعته ويعبده ..

معاني الآية :

( سورة  الجن )

      إن لهذه الآية معان عدة ..

1-   المعنى الأول :

 إن الجن الذين استمعوا إلى القرآن اجتمعوا بأعدادٍ كبيرةً جداً ، وكان بعضهم فوق بعضٍ من شدة الازدحام ، وقالوا : لقد سمعنا قرآناً عجباً ، فهذا كلام رائع وهو منهج قويم ، وفيه تفسير رائع للكون ، كما أن فيه أمراً ونهياً لصالح الإنسان ، و قد  قال بعض العلماء : الشريعة عدل كلُّها ، رحمةٌ كلها ، مصلحةٌ كلها ، حكمةٌ كلها ، وقد اجتمع هؤلاء الجن إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يعلم بوجودهم ، إلا أن الله أخبره بهم ، فتكاثفوا حوله وتجمَّعوا وازدحموا وتدافعوا إلى درجة أن بعضهم كان فوق بعض من شدة دهشتهم واستغرابهم وتعلُّقهم بهذا الكلام الرائع ، فإذا كان الجن كذلك فكيف بنا نحن الإنسَ وقد أُنْزِلَ القرآن بلغتنا وكان إلينا في الأصل ؟! و ما بال هؤلاء الذين اتخذوا القرآن   مهجورا ً؟؟

( سورة الحشر : آية " 21 " )

إن هؤلاء الجن لما كانوا عند النبي استمعوا إلى القرآن يتلى عليهم ، وقال تعالى :

      فقد كان هناك كثافة  واجتماع  وتزاحم  وتدافع ، بل إن بعضهم كان فوق بعض لدهشتهم ، وذلك لأن الحق مسعد ، كما أنه  يحل مشاكل الإنسان كلها ، لأن الثقل الذي على الإنسان هو ثقل ظُلُمَات و ثقل معاصي و ثقل الشكوك بالله عزَّ وجل ، أما حينما تتضح الحقيقة ، ويصطلح الإنسان مع الله فلا يوجد مشكلة على الإطلاق ، لأن الإنسان يؤمن حينئذ أن أمره كله بيد الله ، وأن كمال الله عزَّ وجل مطلق ، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا ألمَّت به نازلة أو مصيبة يقول : " لا إله إلا الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العليم الحكيم ، لا إله إلا هو رب العرش العظيم " ، فلذلك اندهش الجن وعجبوا من هذا القرآن الذي  تخشع له الجبال ، قال تعالى :

( سورة الحشر : آية " 21 " )

  وهناك إنسان أجنبي اعتنق الإسلام بسبب إيمانه بآيةٌ واحدة في القرآن ، وهي قوله تعالى :

( سورة النساء )

      إن الذي يراه الزوج من زوجته لا يستطيع الأبٌ ولا الأخٌ ولا القريب أن يراه منها ، لذلك كان أغلظ ميثاق بين إنسانين ميثاق الزواج ، كما أن الطلاق يهتزُّ له عرش الرحمن ، إذاً .. هذا هو المعنى الأول .

2-   المعنى الثاني :

لقد تعلق الصحابة الكرام بسيد الأنام و ..

       وبسبب تعلُّقهم بهذه الدعوة فهِم كفار قريش أن النبي عليه الصلاة والسلام سحرهم ، وقد كان أحد الصحابة وهو سيدنا ربيعة يبقى على عتبة بيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا آوى إلى فراشه ، فأمره أن ينصرف فلم ينصرف ، فلماذا كان الصحابة مشدودون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ إن سبب ذلك هو كماله .

      لقد كنت أقول دائماً : إن الأقوياء يملكون الرقاب بقوتهم ، والأنبياء يملكون القلوب بكمالهم ، وأريد أن أسألك : أنت مع من ؟ إنك إذا كنت مع أتباع الأنبياء ملكت القلوب   بكمالك ، وإذا كنت من أتباع الأقوياء أرهبت الناس بقوتك .

       وهناك شيء آخر ذكرته في درسٍ سابق ولا بأس من إعادته ..

       إن هناك قانون يجعلك تتصل بالله ، و بسبب هذا الاتصال تستقر في قلبك الرحمة ، وهذه الرحمة تجسَّد باللين ، و اللين يدعو الناس إلى أن يلتفوا من حولك ، فهناك اتصال ورحمة و لين و التفاف ، أما غير المؤمن فهو منقطع عن الله ، فقلبه قاسٍ كالصخر ، وإن الفظاظة والغلظة من لوازم القسوة ، فينفضُّ الناس من حولك ،فالقانون هو : أن تتصل بالله ، فتستقر الرحمة في قلبك ، و تلين في المعاملة ، فيلتف الناس حولك ، فإن انقطعت عنه قسا القلب ، فتصبح فظاً غليظاً ينفض الناس من حولك ، والآية الكريمة تقول :

( سورة آل عمران  : آية " 159 " )

فبما رحمةٍ ؛ أي : بسبب رحمتك ، لذلك قال الله تعالى :

( سورة  الجن )

       3- المعنى الثالث : إن أهل الفسق والفجور دائماً متعلِّقون بالشهوات والأهواء والنزوات ، فإذا جاءت دعوةٌ من السماء لتَحُدُّ من حركتهم وانطلاقهم إلى شهواتهم ، عارضوها أشدَّ معارضة ، وهذه حقيقةٌ ثابتة ، فهناك معركةٌ أزليةٌ أبدية بين الكفر والإيمان ، فأهل الكفر والفسوق دائماً وأبداً يعادون أهل الإيمان والتقوى ، لأن الناس رجلان : برٌ تقي كريمٌ على الله ، وفاجرٌ شقي هينٌ على الله ، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الدعوة وهو أكمل الناس خلقاً وخلقاً ، ومنطقاً ، وحكمةً ، ورحمةً ، وبلاغةً ، وفصاحةً ، ولكن ..

( سورة  الجن )

      أي : كاد الكفار يكونون عليه لبداً ، وفي هذا إشارة دقيقة إلى أن الكفار يتعاونون على إطفاء نور الله عزَّ وجل ، و يسهرون من أجل ذلك الليالي ، فيجتمعون ، و يأتمرون ، ويخططون، وإن العالم كله بشرقه و غربه الآن يخطط ضد الإسلام ، فهم يكيدون له ، لأنهم أيقنوا أن لا سبيل إليهم لمواجهة هذا الدين ، لأنه دين الله ، وكلما اشَتدَتَّ الأزمات عليه ازداد تألُّقَاً ، فأصبحوا كالذي يريد أن يطفئ النار بالزيت ، كلما صبَّ عليها الزيت ازدادت توهُّجاً ، فأيقنوا أن هناك طريقاً قذراً شيطانياً آخر ، وهو تفجيره من داخِلِهِ ، و اصطناع فئاتٍ لا تنتمي إلى الدين أبداً ترفع شعار الدين ، وتسيء إلى الدين أبلغ إساءة ، حتى يقتنع أهل الغرب والشرق أن المسلم مجرم ، فهذه المذابح التي تجري في بعض البلاد المسلمون منها بُرَآء ، لأنه لا يوجد إنسان فيه ذرة إيمان يفعل ذلك ، والذين يفعلونها إنما هم مجرمون يوصفون بالمسلمين ، وما هذا إلا من خطط تفجير الإسلام من داخله ، فهناك كتب تؤلَّف ومذاهب تنتشر و عقائد زائغة تشاع بين الناس ، و قد تأتي بشيءٍ جديد كأن تنكر الجن ، وتنكر المعجزات ، وتَدَّعي أن هناك نبياً بعد رسول الله ، فخطة أعداء الدين الآن تفجيره من داخله ، من خلال مؤلفاتٍ باطلة ، و نظرياتٍ منحرفة ، و جماعاتٍ فاسدة ، قال تعالى :

( سورة  الجن )

        في كل عصر من العصور هناك من أهل الدنيا من يحارب أهل الحق ، فيجتمعون ويتعاونون ويتكاتفون ، و في سورة بالأنفال آية تؤكِّد هذا المعنى تقول : إن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، كما أن الكفار بعضهم أولياء بعض ، فهم يتعاونون لإطفاء نور الله عزَّ وجل ، فإن لم يتعاون المؤمنون ولم يتناصروا ويتناصحوا ويتضامنوا و ينسوا خلافاتهم تأججت الخلافات بينهم ، و من يؤجج هذه الخلافات ؟ إنه الشيطان ، إن الشيطان يأس أن يعبد في أرضكم ، ولكنه رضي فيما دون ذلك ، من التحريش بين المؤمنين .

       إن الشيطان له مهمة كبيرة جداً ، ومن أكبر مهمَّاته أن يوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء ، فكل إنسان يُعَادي مؤمناً ويتحرَّش به و يطعن بإيمانه و يطعن باستقامته و يشوِّه سمعته هو أداةٌ بيدي الشيطان ، وهو يفعل هذا لصالح الشيطان .

أخوة المؤمنين :

( سورة الحجرات  : آية " 10  " )

      فالمؤمنون إخوة ، فإذا لم تنتم إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً ، فلا تنتم إلى جماعةٍ صغيرة فأنت أكبر من ذلك ! أنت مسلم ! وكل مسلمٍ أخوك في الإسلام ، أنت مؤمن ! وكل مؤمن أخوك في الإيمان ! أما أن تقول : نحن من جماعة كذا ، أو من جامع كذا ، و نحن وحدنا على حقٍ ، فهذا كلامٌ سخيف مضحك يدعو إلى السخرية ، يجب عليم أن تنتمي لمجموع المؤمنين ، كما يجب أن يكون كل مؤمنٍ في بقاع الأرض أخاك في الإيمان ، فما بال المسلمين على مستوى الحلقات يجعلون هذه الحلقة ضد هذه الحلقة ، وهذه الجماعة ضد هذه الجماعة ، وهذه الفئة ضد هذه الفئة ، وهذا الجامع ضد هذا الجامع ، إن هذا شيء مضحك يدعو إلى القرف ، فما من يومٍ نحن في أمسِّ الحاجة إلى أن نجتمع فيه و نتعاون  ونتكاتف و نتناصر كهذه الأيام ، فالعالم كلُّه يخطط لإطفاء نور الله عزَّ وجل ، و العالم كله يأتمر على الإسلام والمسلمين ، فقد آن أوان الصحوة الدينية ، وينبغي لها أن تُرَشَّد  لا أن تبقى هوجاء موجهة توجيهاً ما أراده الله عزَّ وجل .

     فالمعنى الأول يتعلِّق بالجن لدهشتهم ، والمعنى الثاني متعلق بالصحابة لاستفادتهم ، والمعنى الثالث متعلق بأهل الكفر والعصيان ، لأنهم تجمعوا وتكاتفوا ، وتناصروا ، وائتمروا لإطفاء نور الله عزَّ وجل .

      و المؤمن الصادق لا يتأثر لذلك ، فمعارضةٍ الدين شيء مألوف طبيعي ، وهكذا الحياة ، و هكذا سنة الله في خلقه ، فهناك مؤمنٌ وكافر ، و المعركةٌ أبديةٌ سرمدية ، فقد ورد في مناجاة سيدنا موسى : أن يا رب لا تبق لي عدواً ، فقال جلَّ جلاله لنجيّه موسى : يا موسى هذه ليست لي ،  فهناك أُناس أعداءٌ لله عزَّ وجل ، فعليك أن تقول : الله معي ، ثم ذرهم في غيهم يعمهون .

(سورة آل عمران  : آية "  12 " )

 ألا تكفي هذه الآية .

( سورة آل عمران )

 قال تعالى :

( سورة الأعراف )

و قال :

( سورة الأنفال : آية " 36 " )

لقد كان درسنا عن هذه الآية الكريمة :

( سورة  الجن )

 

والحمد لله رب العالمين

 

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi