English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس الفجر :  الثلاثاء 9  رمضان – مكارم الأخلاق : الإنصاف ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

      أيها الأخوة الكرام : من أبرز صفات المؤمن الإنصاف ،  ينصف الناس من نفسه ، لإنصاف هو العدل ، لإنصاف والعدل توأمان ، لإنصاف والعدل نتيجة علو همة المؤمن ، فمن أنواع الإنصاف أن ينصف الإنسان نفسه من نفسه ن أن يعرف قدرها ، فلا يضعها فوق ما تستحق ، ولا يذلها فيضعها دون ما تستحق ، وإنصاف النفس من أجل صفات المؤمن ، فإذا أنصف نفسه أنصف الآخرين ، وإذا عرف قدره كان عزيزاً ، وإذا عرف قدر الآخرين كان موضوعياً ، وما من قيمة يلتقي بها العلم والدين إلا قيمة الموضوعية ، فهي قمة صفات العالم ، وهي قمة صفات المؤمن أن تكون موضوعياً .

      فالنبي عليه الصلاة والسلام بلغه عن طريق الوحي أن حاطب بن بلتعة وهو أحد أصحابه قد أرسل كتاباً إلى قريش يخبرهم بأن محمداً سيغزوهم ، وتعلمون أن هذه خيانة عظمى في كل تاريخ البشر ، وفي كل الأنظمة ، والذي يقوم بهذه الخيانة يستحق القتل في كل الأنظمة والمجتمعات ، فلما جيء بالكتاب من المرأة التي ذهبت إلى قريش أدركوها في نصف الطريق ، وكتب فيه : من حاطب بن بلتعة إلى قريش ، إن محمداً سيغزوكم ، استدعى حاطباً ، وقال : ما هذا يا حاطب ؟ قال عمر قبل أن يتابع النبي عليه الصلاة والسلام تحقيقه : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : لا يا عمر إنه شهد بدراً ، الآن ارتكب خيانة عظمى ، إلا أن له سابقة ، إنه شهد بدراً .

      لما رأى النبي من بين الأسرى صهره ، زوج زينب وقع أسيراً ، أي كان مقاتلاً ، أي أراد أن يقتل أصحاب النبي ، هذه الحرب ، فلما نظر إليه قال : والله ما ذممناه صهراً .

      صدقوا أيها الإخوة : إنه ما من صفة تسقط الإنسان من عين الله إلا أن يكون غير منصف ، فابنته لها معاملة ، وزوجة ابنه لها معاملة ، أخطاء ابنته مغفورة ن أما أخطاء زوج ابنته فليست مغفورة ، هذا الذي يستخدم مكيالين ، وترون أنتم الآن كيف أن هذه الدول الكبرى إذا قال إنسان مسؤول كبير عندهم :  إله المسلمين وثن ، حن نحاربهم لأنهم شياطين ، اتهم ثلث سكان الأرض ، اتهم دينهم ونبيهم وإلههم ومقدساتهم ، لا أحد ينطق بكلمة ، إذا قال شخص في مؤتمر : إن اليهود يخططون للسيطرة على العالم تقوم الدنيا ولا تقعد ، أي أن تستخدم  مقياسين ومكيالين فهذه صفة من أسوأ صفات الإنسان ، لذلك علامة المؤمن الإنصاف ، يعرف قدر نفسه ، يعرف مكانة نفسه ، لا يضعها فوق ما تستحق ، و لا يسمح أن تكون دون ما تستحق ، يقول عليه الصلاة و السلام : (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه)) .

     وأن ينصف المرء خالقه ، فلا أن يقبل لخالقه صفات لا تليق به ، و أن ينصف دينه ، فلا يقبل أن يكون الدين متخلفاً عن روح العصر ، وأنه نظام لا يصلح للبشرية ، مع أنه دين الله عز وجل ، وأن ينصف نبيه ، فإذا قرأ قصة لا أصل لها ينبغي ألا يقبلها .

      مر النبي في الطريق بباب مفتوح ، فرأى امرأة تغتسل عارية ، وقعت في نفسه فقال : سبحان الله ! فجاء الأمر الإلهي أن يا زيد طلقها وتزوجها يا محمد ، هذه ليست أخلاق النبي ، وهذه قصة لا أصل لها ، أنت حينما تقبل عن النبي الكريم قصة لا تليق بمقامه لم تنصفه ، وحينما تقبل عن الله مقولة لا تليق بكماله لم تنصف ربك ، وحينما تقبل عن كتاب الله شيئاً بعيداً عن سمو هذا الكتاب لم تكن منصفاً له .

      الإنصاف صفة في الإنسان قلما تلاحظ في غير المؤمنين ، لا تلاحظ إلا في المؤمنين ، وينبغي أن تنصف العباد ، ولو كانوا خصوماً لك ، يقول الله عز وجل :

[ سورة المائدة : 8]

الشنآن : البغض الشديد :

[ سورة المائدة : 8]

مع من ؟ مع الذين تكرهونهم ، مع الذين لا تحبونهم :

[ سورة المائدة : 8]

 

       والحقيقة أنت بطل حينما تنصف الناس من نفسك ، والله كنت في محل تجاري في أحد أيام الأعياد ـ عيد الجلاء ـ فصاحب المحل ابنه في المحل ، وابنه في سن موظف عنده صغير ، حمّل هذا الموظف بضعة أثواب حتى ضَعُف عن حملها قال له : لا أحتمل ، قال : أنت شاب احمل ، فلما حمل ابنه ثوباً واحداً قال له : انتبه إلى ظهرك يا بني ، أرأيت إلى موقف أحقر من هذا الموقف ، فأنت حينما تنصف الناس يحبك الله ، حينما تكون موضوعياً ، حينما تعامل الناس بالعدل ، قال تعالى :

[سورة التوبة : 7]

ولو لم يكن مسلماً ، لأنه غير مسلم ينبغي أن آكل حقه ! أنت ساقط من عين الله ، و لو كان مجوسياً يجب أن تعطيه حقه ، اتقوا دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ، هنا البطولة ، ضمن الأسرة الابن له معاملة غير الفتاة ، الصهر غير الابن ، زوجة الابن غير البنت ، أي دائماً الناس يكيلون بمكيالين ، هذان المكيالان يسقطان عدالة الإنسان ، قال : لا يا عمر إنه شهد بدراً ، تعال يا حاطب ، ما حملك على ما فعلت ؟ قال : و الله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت ، ولكنني لصيق في قريش ، وأنا موقن أن الله سينصرك ، أردت بهذا الكتاب أن أحفظ مالي وأهلي هناك ، فاغفر لي ذلك يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة و السلام : ((إني صدقته فصدقوه ، و لا تقولوا فيه إلا خيراً )) .

        هل تستطيع أن تعامل عدوك بالعدل ؟ أن تعطيه حقه ، ينبغي أن تنصف نفسك ، وينبغي أن تنصف ربك ، وينبغي أن تنصف نبيك ، وينبغي أن تنصف قرآنك ، وينبغي أن تنصف دينك ، وينبغي أن تنصف العباد .

        أي إنسان كان يعمل عندك أخطأ ، فهل ينسيك هذا الخطأ كل ميزاته ؟ لست منصفاً ، شخص دخل ليصلي مع النبي ، أسرع فأحدث جلبة وضجيجاً ، شوش على أصحابه صلاتهم ، فلما انتهى النبي من الصلاة قال له : ((زادك الله حرصاً - أنت حريص على الصلاة ، ولا تعد)) .

       أي أنت إذا كنت منصفاً تعلقت القلوب بك ، بين أولادك بالعدل ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ((أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا فَقَالَ أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ قَالَ لَا قَالَ فَارْجِعْهُ)) .

[ البخاري ، مسلم ، الترمذي ، النسائي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ، مالك ]

      يجب أن تعمل أولادك بالسوية ، يجب أن تعامل زوجتيك بالعدل ، لماذا الناس يكرهون التعدد ؟ قد تقول المرأة ك اذهب وازن ، ولا تأتني بضرة ، لماذا ؟ لأن الناس ما رأوا العدل في التعدد ، رأوا الانحياز مع الصغيرة ، مع الجديدة ، مع الجميلة ، معها ومع أولادها ، يهمل القديمة ، أما لو رأوا الإنصاف في التعدد لما كرهوا التعدد ، أحياناً بالتعدد تحل مشكلات لا تعد ولا تحصى ، لكن الناس عرفوا التعدد ظالماً ، إذاً كرهوا التعدد ، أحياناً لا ينصف الإنسان زوجته ، يستغل ضعفها ، ويكبر أخطاءها ، ويتعامى عن فضائلها ، هذا ليس منصفاً .

       لك جار إن رأى خيراً كتمه ، وإن رأى شراً أذاعه ليس منصفاً .

       لك رئيس في الدائرة ، إن أحسنت لم يقبل ، و إن أسأل لم يغفر .

       والله أيها الإخوة ما من خطأ متفش في الناس كعدم الإنصاف ، في العلاقات الاجتماعية ، في العلاقات الأسرية ، قد يكون الابن غنيًا ، لكنه غير منضبط بالشرع ، و ابن آخر غير غني ، هل يعقل أن يهمل الابن الفقير لأنه فقير ، وأن يحترم الابن الغني لأنه غني ؟ مع أن الفقير أكثر ورعاً من أخيه ، وأكثر التزاماً ، فالذي يحز في نفوس الأبناء أن الأب لم يكن منصفاً في معاملته ، ولا في إرثه ، ولا في وصاياه ، ولا في عطاياه ، النبي عليه الصلاة و السلام يقول : ((اعدلوا بين أولادكم و لو في القبل)) .

      أكبر صفة ينبغي أن تتحلى بها أن تكون عادلاً ، رأى صهره جاء ليقاتله ، وقع أسيراً قال : ((والله ما ذممناه صهراً)) ، كصهر ممتاز ، انصفه ، هل عندك إمكان أن تنصف خصومك ؟

      يوجد بعض القواعد من آداب أهل الإنصاف :

أولاً : أنت حينما تريد أن تقيم الطرف الآخر ينبغي أن يكون القصد بيان حقيقة للناس ، لا أن تجرحه ، لا أن يشتفي صدرك منه ، لا أن تصغره ، القصد بيان حقيقة ، لذلك لا تستخدم كلمات قاسية ، لا تستخدم شخصه كي تنهش منه ، تتحدث عن فكرة يطرحها غير صحيحة ، والأدلة على عكسها ، هذا أول أدب أن تتحرى قصدها ، أنت لماذا تهاجم فلاناً ؟ أنت كإنسان تنطق بالحق ، من حقك ومن حق الناس عليك أن يسمعوا منك كلمة العدل في هذه الدعوة ، ليس القصد من ذلك أن تجرحه ، أن تفضحه ، أن تسحقه ، القصد أن تبين للناس حقيقة هذا الدين .

        من آداب أهل الإنصاف أنهم لا يتسرعون في إطلاق الأحكام :

[ سورة الحجرات : 6]

هذا هو الأدب الثاني .

الأدب الثالث : احمل كلام خصمك على أحسن وجوهه ، هو قال هذا الكلام ، و لكن ما قصد هذا الذي تفنده أنت ، احمل كلام الطرف الآخر على أحسن الوجوه ، ولا تحمل هذا الكلام على أسوأ الوجوه ، قال لك شخص : لله رجال إذا أرادوا أراد ، أنت كافر ، أنت مشرك ، لماذا ؟ إذا أراد بهذا الكلام أنهم مستجابو الدعوة ، لا يوجد شيء ، لماذا أنت حملت كلامه أنهم لهم إرادة مستقلة عن إرادة الله لماذا ؟ احمل كلام الطرف الآخر محملاً حسناً ، احمل كلام الطرف الآخر على أحسن الوجوه ، شخص قال : أنا أصلي بلا وضوء ، فسيدنا علي قال : يصلي على النبي ، بهذا المعنى ، قال : أنا أفر من رحمة الله قال : لأنه يهرب من المطر ، لأن المطر رحمة الله عز وجل ، شخص قال : أنا لي في الأرض ما ليس لله في السماء ، له زوجة و أولاد ، فقد تحمل كلام الآخرين على أحسن الوجوه ، وهذا من أدب المؤمنين .

         من هذه الآداب آلا تتحدث عن سيئات الطرف الآخر ، وتتناسى حسناتهم ، مرة التقيت مع إنسان قريب كان في أمريكا حدثنا عن الرقي وعن الأناقة وعن الجمال وعن الانضباط وعن النظام ، ما تكلم كلمة سلبية واحدة ، فإذا تحدث عن أهل المشرق تحدث عن الفوضى والخطأ ، قلت له : ليس لأهل هذه البلاد ولا ميزة ، ولا لأهل هؤلاء البعيدين ولا سيئة ؟ كن منصفاً ، تحدث عن إيجابياتهم وعن سلبياتهم ، وإن تحدثت عن قومك تحدث عن إيجابياتهم وعن سلبياتهم ، أنا أحياناً أضطر أن أذكر هذه القصة : شاب هناك أحب فتاة فسأل أباه ليتزوجها ، قال : لا ، يا بني إنها أختك وأنت لا تدري ، فتركها ثم تعلق بفتاة أخرى استأذن أباه قال : لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري ، فقال لأمه : ما حدث ؟ قالت : تزوج أياً شئت فأنت لست ابنه ، وهو لا يدري ، هكذا هناك ، نحن عندنا انضباط ، يوجد أسر بالشام الخيانة قليلة فيها جداً ، ونادرة ، أليست هذه ميزة ؟ هناك تماسك أسري ، هناك رحمة ، بفرنسا جاؤوا بإنسان ، ووضعوا عليه حبراً أحمر اللون أمام سيارة فيها حادث على طريق بين باريس و ليون ، بعد ست ساعات توقفت سيارة ، نحن الهرة يهرع الناس إلى معالجتها ، وأخذها إلى المستوصف ، أليس كذلك ؟ هؤلاء قومك ليس لهم ولا ميزة ، تحدث عن أخلاقهم ، عن تماسكهم الأسري ، عن إقبالهم على الدين ، عن رحمتهم التي في قلوبهم ، فإذا كنت في بلاد الغرب لا مانع أن تذكر إيجابياتهم ، وينبغي أن تذكر مع إيجابياتهم سلبياتهم ، وأنت إذا كنت في بلاد الشرق تحدث عن بعض الأخطاء ولا تنسى بعض الفضائل ، هذا هو الإنصاف.

     يجب أن يكون النقد للرأي لا لصاحب الرأي ، هذا من آداب أهل الإنصاف ، ومن آداب أهل الإنصاف أن يمتنع الإنسان عن المجادلة التي تفضي إلى المنازعة : ((أنا زعيم في ربض الجنة لمن ترك الجدال و هو محق )) .

(الترمذي)

    الآن إذا أردت أن تنتقد الآخرين خذ ظاهر أقوالهم ، لا أن تصل إلى نواياهم ، من يعلم النوايا ، ما أراد بهذا الكلام الذي فهمتم منه ؟ أراد شيئاً آخراً عميقاً ، هذا ليس إنصافاً ، ابق في حدود النص .

    إخوانا الكرام : و الله يوجد قصة لا يصدقها العقل ، إن أحد الأنصار اسمه الأبيرق هذا الأنصاري سرق درعاً لأحد وجهاء الأنصار ـ درع ثمين ـ فلما وضعها في جراب ، والجراب في طحين ، والجراب مثقوب ، فسار فخطّ من ساحة المعركة إلى بيته ، يوجد دليل على أنه سارق ، أخذ هذا الجراب وضعه عند يهودي أمانة ، وذهب وفد إلى النبي من طرفه أن نحن أنصارك يا رسول الله ، نحن قومك ، هذا الإنسان ليس سارقاً ، السارق هو اليهودي ، النبي تمنى أن يكون هذا الكلام صحيحاً ، إذا أنت هناك خصومة بين ابنك وبين إنسان بعيد ، أنت كأب تتمنى أن يكون الحق مع ابنك ، لم ينطق بكلمة ، فإذا بقرآن يتنزل عليه فيه عتاب يعد من أشد أنواع المعاتبة ، قال الله عز وجل :

[سورة النساء : 105]

نزلت تبرئة اليهودي ، وهو عدو النبي ، واتهامًا للأنصاري ، وهو من أتباع النبي ، هذا هو العدل .

      العدل فوق كل شيء ، لذلك حينما تفقد الأمة العدل انتهت ، فقد تودع منها العدل تتحمل الفقر ، نتحمل مليون مشكلة ، أما حينما نفقد العدل انتهت هذه الأمة ، النبي عليه الصلاة والسلام أرسل عبد الله بن رواحة لتقييم تمر خيبر ، وخيبر يهود ، فأغروه بحلي نسائهم ، فقال : جئتكم من عند أحب الخلق إلي ، ولأنتم عندي أبغض من القردة والخنازير ، ومع ذلك لن أحيف عليكم ، فقال اليهود : بهذا قامت السماوات والأرض ، وبهذا غلبتمونا ، وهذه الأمة الإسلامية واللهِ لا تشم رائحة النصر إذا ظلم بعضها بعضاً ، مادام هناك ظلم بين المسلمين واللهِ لن ينالوا النصر من الله أبداً إلا إذا كان هناك إنصاف ، قال تعالى :

[ سورة المائدة : 8]

من أبرز الأحاديث الواردة في الإنصاف ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) .

[ متفق عليه ]

وفي زيادة وحتى يكره لها ما يكره لنفسه .

   الشيء الذي تحبه لنفسك ينبغي أن تحبه للآخرين ، وعندك إمكان الشيء الذي تكرهه لنفسك أن تكرهه للآخرين ، زينب بنت جحش زوجة النبي عليه الصلاة والسلام كانت منافسةً للسيدة عائشة ، وغيبة ، فلما وقعت مشكلة الإفك سأل النبي زينب ضرة السيدة عائشة ، تقول السيدة عائشة : سألها عن أمري ، فقال : يا زينب ماذا علمت أو رأيت من عائشة ؟ فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ، ما علمت إلا خيراً ، قالت عائشة : وهي زينب التي كانت تساميني ، أي تنافسني وتكرهني من أزواج النبي ، فعصمها الله بالورع ، فلما سئلت قالت : ما علمت عليها إلا خيرًا ، هذه البطولة .

     نحن إذا غلط خصمنا نشرحه ، انتهى ، وننسى كل ميزاته ، نحطمه سيدنا أبو ذر الغفاري لقيه رجل وعليه حلة ثوب جميل ، وعلى غلامه حلة مثل حلته ، فسأله عن ذلك قال : إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه وأمه السوداء ، فقال : يا بن السوداء ، فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام : ((يا أبا ذر أعيرته بأمه ؟ إنك امرؤ فيك جاهلية ، إخوانكم خولكم ، جعلهم الله تحت أيديكم ، أطعموهم مما تأكلون ، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون ، والنهار لكم ، والليل لهم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغرمهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم)) .

      قد يكون عندك خادم ينبغي أن تعامله كابنك ، هذا الدين بحاجاته ، بمتطلباته ، بكرامته ، الإنصاف من صفات المؤمن ، إذا كنت منصفاً تشعر أن الله يرضى عنك ، وأنك عند الله عظيم ، وإن لم تكن منصفاً ، وإن استخدمت مقياسين ومكيالين كما ترى الآن في العالم كنت صغيرا .

     وقعت طائرة في بريطانيا (لوكربي) ، الآن يدفع من اتهم بأنه أسقطها مئتين وسبعين مليار دولار بمعدل خمسمئة مليون ليرة سورية دية كل راكب ، يعني عشر ملايين دولار ، ويموت الألوف ، ويقولون : خطأ ، المسلم ليس له ثمن ، من دون ثمن إطلاقاً ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : ((تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً فيأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً)) .

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله و صحبه و سلم .

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi