English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

دروس الفجر : الجمعة 12 رمضان – مكارم الأخلاق : المسؤولية ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي.

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام : الموضوع اليوم المسؤولية ، ولا أدلَّ على ذلك من أن سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته فاطمة فرأته يبكي في مصلاه ، سألته : مالك تبكي ؟ قال : دعيني وشأني ، فلما ألحّت عليه قال : إني نظرت إلى الأرملة والمسكين ، وذي العيال الكثير  والدخل القليل ، وابن السبيل ، وذكر أكثر من عشرين صنفاً من هؤلاء الذين يعانون ما يعانون في مملكته ، أو في بلدته ، فقال : علمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً ، وأن حجيجي دونهم رسول الله e .

الإنسان مسؤول ، لكن الإنسان أحياناً يترنم بكلمة : " مسؤول كبير" ، ولو علم ما تعني هذه الكلمة لارتعدت فرائصه ، الإنسان مسؤول لأنه قبِل حمل الأمانة ، الكون كله عدا الإنس والجن ليس مسؤولاً ، يؤدي وظيفة بتسيير من الله تعالى ، إلا أن الإنسان حينما عرضت عليه الأمانة قبِل حملها ، فقال تعالى :

[سورة الأحزاب :72]

أيها الإخوة : لكن كيف أنك إذا كنت في طائرة ، واستخففت بقانون السقوط ، هذا قانون ، إن قدّرت هذا القانون ، وآمنت به فإنك تستخدم المظلة ، المظلة مبنية على قانون السقوط ، طبعاً لك وزن ، والمظلة لها مقاومة لهذه المساحة الكبيرة ، فمقاومة المظلة للسقوط تكافئ وزنك ، وتهبط بشكل سليم ، فأنت إذا آمنت بهذا القانون ، وتأدبت معه نجوت من آثاره السيئة ، أما إذا استخففت به ، ولم تؤمن به ، ونزلت من دون مظلة تنزل ميتاً ، فعدم إيمانك بالقانون لا يلغي فعله ، وعدم إيمانك بالمسؤولية التي حملت نفسك إياها يوم عرضت عليك لا يلغي هذه المسؤولية ، وسواء أأقررت أم لم تقر ، آمنت أم لم تؤمن فأنت مسؤول ، وسوف تحاسب لذلك من أدق تعريفات المسؤولية : حالة يكون فيها الإنسان صالحاً للمؤاخذة عن أعماله ، مثلاً شركة عملاقة لها مدير تنفيذي ، دخله بالملايين ، ويوجد مستخدم لتنظيف مكتبه ، فإذا هبطت أسهمها إلى الحضيض ، وأعلنت إفلاسها فهذا الموظف المكلف بالتنظيف لا يحاسب ، لكن الذي يحاسب الذي يأخذ الرواتب بالملايين ، وقد أعطي الصلاحيات الكبيرة .

الله عز وجل يسألك بقدر اختيارك ، أنت مخير ، ومادمت مخيراً فأنت مسؤول ، المسؤولية حالة يكون فيها الإنسان صالحاً للمؤاخذة على أعماله ، وملزم بتبعاتها المختلفة ، وقد قال الله عز وجل :

[سورة الحجر : 92-93]

[ سورة المؤمنون : 115]

لو ألغينا المسؤولية لكان الخلق عبثاً بلا هدف .

 

 

[ سورة المؤمنون : 115]

وكل إنسان يعصي الله يظن أنه خلق عبثاً ، وأنه لن يحاسَب ، ولكن الصاعقة التي سوف تصعقه أنه يحاسب عن الكلمة ، وعن الابتسامة ، وعن الدرهم من أين اكتسبه ، وفيما أنفقه ، لذلك مرة قال لي طالب : أنا لا أخاف من الله ، فأنا أردت أن أجيبه جواباً مفحماً ، قلت له : أنت معك حق ألاّ تخاف منه ، فازداد غيظاً ، وقال : ولمَ ؟ قلت له : لأن الفلاح حينما يذهب إلى الحصيد يأخذ معه طفله الصغير ، وقد يكون عمره سنتين ، فإذا مر إلى جانبه ثعبان ضخم لا يخاف منه ، لأنه لا إدراك له ، فالذي لا يدرك لا يخاف ، أما الذي يدرك يخاف أشد الخوف ، الطبيب أحياناً لاطلاعه على الجراثيم والعدوى والأمراض الفتاكة يخاف أشد الخوف من أكلِ شيء من دون تعقيمه ، أما الجاهل فيأكل ولا يتأثر .

حدثني أخ قال لي : يكفي أن موظفاً في مطعم مصاب بالتهاب كبد وبائي إذا دخل إلى الحمام ، وخرج ، ولم ينظف ما تحت أظافره يمكن أن يصيب ثلاثمئة إنسان أكلوا في هذا المطعم بمرض التهاب الكبد الوبائي القاتل ، فكلما تعمقت في العلم وجدت أن هناك مسؤولية ، فالذي لا يخاف من الله أحمق ، والذي لا يدخل الله في حساباته اليومية أحمق ، وسوف يدفع الثمن باهظاً سواء أقررت أم لم تقر ، أعجبك أم لم يعجبك ، آمنت أم لم تؤمن ، أنت مسؤول ، قال تعالى :

[سورة الحجر : 92-93]

الحقيقة أن المسؤولية الأولى أمام الله ، إنا عرضنا الأمانة ، الأمانة أنه جعلك مخيراً منحك ، حرية الاختيار ، وأودع فيك الشهوات ، ومنحك نعمة العقل ، وجبلك جبلة عالية الفطرة ، وأعطاك منهجاً هو الشرع ، ونصب لك الكون دالاً عليه ، فالكون والعقل والفطرة والشهوة والاختيار والشرع هذه أركان المسؤولية ، فبالكون تعرفه ، وبفطرتك تعرف خطأك ، وبالعقل تهتدي إليه ، وبالشهوة تندفع إلى أهدافك ، والشرع يكون منهجاً ضابطاً لك في حركتك ، إذاً :

[سورة الأحزاب :72]

الأمانة هي التكليف ، والأمانة أنه جعل نفسك بين يديك ، فقد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ، قال تعالى :

[سورة الجمعة : 5]

ألم يقل الله تعالى :

[سورة الأحزاب :72]

يقول لك : فلان تحمل مسؤولية ، عرض عليه منصب خطير في زمن صعب فقبِل هذا المنصب ، وتحمل المسؤولية ، والإنسان حينما عرضت عليه الأمانة ، أيْ أن تكون نفسه ملكاً له ، إذًا :

 

 

 [ سورة الشمس : 9-10]

نفسه هي الأمانة ، وهي المكلفة ، إذاً الأمانة هي التي تعني أنك مكلف أن تعرف نفسك لله ، وأن تحملها على طاعتك ، وأن تسمو بها إلى الله كي تكون مؤهلة لسعادة الآخرة .

 أنواع المسؤولية ، هناك مسؤولية دينية ، وهي التزام المرء بأوامر الله ونواهيه ، وقبوله في حال المخالفة لعقوبتها ، ومصدرها الدين ، سأل شخص النبي عليه الصلاة والسلام قال : عظني ولا تطل ، قال له : قل آمنت بالله ثم استقم ، هكذا يروي الحديث ، قال هذا الأعرابي أريد أخف من ذلك ، قال : إذاً فاستعد للبلاء .

كلام واضح كالشمس ، تقبّل حمل الأمانة ، تستقيم ، نجوت فهنيئاً لك ، لا تقبل فاستعد للبلاء ، إنسان يدخن فتنصحه ، وتبيّن له ، تنتحر ، موت بطيء ، ثم يأتي السرطان ، وتأتي الجلطة ، هذا فعلك ، فاستعد للبلاء ، إما أن تستجيب أو تستعد للبلاء ، وهناك مسؤولية اجتماعية ، أنت ضمن مجتمع ، والمجتمع له قوانين ، وله أنظمة ، وله أعراف ، وله تقاليد ، فلو خالفت قوانين المجتمع تدفع الثمن ، المجتمع يعاقبك ، أحياناً يعاقبك بسقوط مكانتك بين أفراد المجتمع .

إخواننا الكرام : هذه المسؤولية شاملة ، يعني ليس عندنا في الدين إنسان معفى من المسؤولية ، مَن هو أعظم مخلوق ؟ رسول الله ، قال تعالى :

[سورة الأنعام : 15]

أرسل عليه الصلاة والسلام خادمًا له ، فتأخر ، أصابه غضب كما يصيب أيّ إنسان ، قال له : والله لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك .

رأى تمرة على سريره ، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَائِمًا فَوَجَدَ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِهِ فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا ثُمَّ جَعَلَ يَتَضَوَّرُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَفَزِعَ لِذَلِكَ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ فَقَالَ إِنِّي وَجَدْتُ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِي فَأَكَلْتُهَا فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ)) .

(أحمد)

 فيا أيها الإخوة المسؤولية شاملة ، والدليل قوله تعالى :

[سورة الحجر : 92-93]

ما ينفد واحد ، لذلك من الحمق أن تقول : يا رب لا تسألنا عن شيء ، هذا استهزاء بكلام الله عز وجل ، ما هذا الدعاء لا تسألنا عن شيء الله ، يقول عز وجل :

[سورة الحجر : 92-93]

وهو يدعو ويقول : لا تسألنا عن شيء ، الآن السؤال يشمل المرسلين والمرسل إليه ، قال تعالى:

[سورة الأعراف : 6]

هذا الذي يتكلم له حساب عند الله ، هذا الذي تقوله للناس هل أنت مطبق له ؟ وهذا المستمع مسؤول ، سمعت كل شيء ، ماذا فعلت فيما سمعت ؟ فالله عز وجل سيسأل المرسَل إليه والرسول .

الآن جميع أنواع الأعمال ، قال تعالى :

[سورة الزلزلة : 7-8]

قال رجل لبائع : أريد بنطالاً ، ورجاءً انتقِ أنت لي اللون على ذوقك ، هذا البائع عنده لون كاسد ، قال له : هذا أجمل شيء ، هذا موديل السنة ، خانه ، فعلى مستوى انتقاء لون تحاسب ، والله لو علم الإنسان كيف سيسأل لارتعدت فرائصه ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ)) .

(الترمذي)

الآن ، نكلم أخي بكلام ، لا ، قال تعالى :

[ سورة ق: 18]

وفي الأثر : ((قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة)) ، أحيانا لم تتكلم بكلمة ، فلانة واللهِ اللهُ أعلم ، ما قال شيئًا ، فقط هزّ قميصه ، يعني لها إشكال ، هل أنت متأكد ومتحقق ، معك دليل ؟ فإذاً أول شيء : السؤال لكل الخلق ، الشيء الثاني : عن كل الأعمال صغيرها وجليلها ، الشيء الثالث : عن الأقوال .

[ سورة ق: 18]

الرابع : السمع والبصر والعقل والملكات ، قال تعالى :

[ سورة الإسراء : 36]

الآن أعطاك صحة ، ماذا فعلت بهذه الصحة ؟ أعطاك وقت فراغ ، ماذا فعلت بهذا الوقت ؟ أعطاك كفاية ، دخلك يغطي حاجاتك ، هذه الطمأنينة ، أنه لك دخل يغطي حاجاتك ، ماذا فعلت بوقت الفراغ ؟ الكفاية ، والصحة ، والفراغ ، هذه كلها محاسب عنها ، حتى كأس الماء البارد .

 

[سورة التكائر : 8]

 

عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ)) .

[ الترمذي ، الدارمي ]

معقول ، سبع ساعات على طاولة النرد ، وأربع ساعات على المسلسل ، وينام مثل الدابة ، وفي اليوم الثاني حمار في العمل ، هكذا الناس ، عمل قاس ، وانغماس شديد في الشهوات .

((لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ)) .

الآن من رحمة الله بنا أن المسؤولية شخصية ، قال تعالى :

[ سورة النجم ]

[سورة سبأ ]

لن نسأل عن أمة خلت ، قال تعالى :

[سورة البقرة ]

أوضح آية :

[ سورة النجم ]

سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته ، وقال : "إني قد أمرت الناس بكذا ، ونهيتهم عن كذا ، والناس كالطير ، إن رأوكم وقعتم وقعوا ، وايم الله لا أوتين بواحد وقع فيما نهيت الناس عن إلا ضاعفت له العقوبة لمكانته مني " ، فكانت القرابة من عمر مصيبة مثل من محاسبته لأولاده :

رأى إبلاً سمينة ، قال : لمن هذه الإبل ؟ قالوا : هي لابنك عبد الله ، فقال : ائتوني به ، وغضب ، فلما جاءه قال : لمن هذه الإبل ؟ قال : إنها لي ، اشتريتها بمالي ، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن ، فماذا فعلت ؟ أين المخالفة ؟ فقال له : فيقول الناس ارعوا هذه الإبل ، فهي لابن أمير المؤمنين ، اسقوا هذه الإبل ، فهي لابن أمير المؤمنين ، وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين ، بع هذه الإبل ، وخذ رأس مالك ، ورد الباقي لبيت مال المسلمين .

سيدنا عمر معه سيدنا عبد الرحمن بن عوف يتجولان في المدينة ، رأيا قافلةً في ظاهر المدينة ، فقال لعبد الرحمن : تعال نحرسها لوجه الله ، فإذا بطفل يبكي ، فقال لأمه : أرضعيه ، فأرضعته ، ثم بكى ، قال : أرضعيه ، يبدو أنه كان عصبي المزاج ، في المرة الثالثة قال : يا أمة السوء أرضعيه ، قالت له : ما شأنك بنا ؟ إنني أفطمه ، قال : ولمَ ؟ قالت : لأن عمر - ولا تعلم أنه عمر - لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام ، يروى أنه ضرب جبهته ، وقال : ويحك يا ابن الخطاب ، كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ فلما صلى الفجر بالناس ما سمع الناس قراءته من شدة بكائه ، وقال : ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي ، أم رددتها فأعزيها ؟ .

فكل واحد لا يخاف من الله عديم الإدراك ، وعدم الخوف من الله دليل أنه لا يدرك ، وكلما ازداد الإدراك ازداد الخوف ، عن أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ((قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا)) .

[ متفق عليه ]

هل هناك أوضح من هذا الكلام ؟ هل يوجد أقرب لرسول الله من ابنته فاطمة ؟ ومع ذلك قال : ((يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا)) .

 عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ عَمَّتِي تَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ )) .

[ النسائي ]

الآيات كثيرة جداً في المسؤولية ، لكن على رأسها :

[سورة الحجر : 92-93]

عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ : ((اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي )) .

[متفق عليه ]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا)) .

[مسلم ، النسائي أحمد ]

كم من أسرة تحرم البنات ؟ كم من أب يحابي أحد أولاده ، يعطيه كل ثروته ، والله بلغتني قصة إنسانٍ ترك قريبًا من ألف مليون ، أحد أولاده يعمل حمالا في السوق على ، والابن الثاني معه مئات الملايين ، هذا ظلم ، لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) .

(الترمذي)

الإنسان مسؤول ، والآية الدقيقة :

[سورة الحجر : 92-93]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)) .

[ متفق عليه ]

هذه هرة ، فما قولكم فيما فوق الهرة ؟ شعوب تموت من الجوع ، مدن تقصف ، عشرات الألوف يموتون من كل جولة من جولات الحرب ، ثلاثون إلى أربعين ألف قتيل في حرب العراق ، وقبلها مئتا ألف في حرب الخليج الأولى ، أرقام مذهلة ، هكذا ، والله أيها الإخوة لا تجد أشد غباءً وحمقاً من القوي حينما ينسى أن الله سيحاسبه ، قال تعالى :

[ سورة إبراهيم : 42]

فكل العقل ، وكل الذكاء ، وكل الكياسة ، وكل التوفيق ، وكل النجاح من خوفك من الله ، الله كبير ، ورأس الحكمة مخافة الله .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi