English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس التراويح – الخميس 11 رمضان"1"   – الإنسان مخير - حول الآية : من كان يريد العاجلة.. ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام : مما يؤكد أن الإنسان مخير ، وحينما تلغي اختيار الإنسان تتفجر آلاف الأسئلة التي لا إجابة لها ، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً.

مما يؤكد أن الإنسان مخيراً :

(الإسراء)

العاجلة : الأولى ، محظوراً : ممنوعا عن أحد ، أنت مخير ، اختر ما شئت ، اختر الدنيا ، أو اختر الآخرة ، اختر أن تستقيم أو أن لا تستقيم ، أن تصدق أو أن تكذب ، أن تحسن أو أن تسيء ، أن تخلص أو أن تخون ، أنت مخير ، لذلك الاختيار يثمن عملك ، وحينما تلغي الاختيار تقع في عقيدة زائغة مفسدة ضارة ، تسهم في شلل العالم الإسلامي ، ما الذي يشل قدرات المسلمين ؟ اعتقادهم أن الله أجبرهم على أعمالهم .

أيها الإخوة : أهم شيء بالقضية :

(الإسراء)

لو أن الله أراد إجبار عباده على شيء ما لما أجبرهم إلا على الهدى ، لو أن من خصائص الإنسان أنه مسير شأنه كشأن بقية المخلوقات ، لو أن الله أراد إجباره على شيء ما لما أجبره إلا على الهدى ، و الدليل :

(السجدة : من الآية 13)

أي لو شئنا أن نلغي اختياركم ، لو شئنا أن نبدل هويتكم ، لو شئنا أن نلغي التكليف ، لو شئنا أن نلغي حمل الأمانة ، لو شئنا أن تكونوا كبقية المخلوقات مسيرين لما أجبرناكم إلا على الهدى .

في اللحظة التي تتوهم أنك مسير في كل شيء تكون عقيدتك قد زاغت ، لأنك عندئذ تتهم الله في عدله ، يقول الله عز وجل :

 

(الكهف : من الآية 29)

(الإنسان)

 

 

(الأنعام)

يجب أن تعتقد أنك مخير فيما كلفت .

لما جيء بشارب خمر إلى سيدنا عمر قال : أقيموا عليه الحد ، قال : والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر علي ذلك ، قال : أقيموا عليه الحد مرتين ؛ مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله .

لذلك أكبر معصية فوق الإثم والعدوان ، وفوق الفحشاء والمنكر ، وفوق الشرك ، وفوق الكفر أن تقول على الله ما لا تعلم ، العوام سبحان الله يقولون : كله ترتيب سيدك ، يكون الواحد شارب خمر ، مرتكب جريمة ، غارقًا في المعاصي ، يقول : لا تعترض ، هذه مشيئة الله ، كل شيء مكتوب علينا سلفاً ، لماذا الأنبياء ؟ لماذا الرسل ؟ لماذا التربية الإلهية ؟ لماذا المصائب ؟ لو أن كل شيء مكتوب مسبقاً لما كان ثمة داعٍ إلى الأنبياء ، ولا للمصائب ، ولا إلى أي شيء ، إنك عندما تعتقد أن الله خلق الإنسان في الأصل كافراً ، وقدر عليه الكفر ، وسوف يضعه في جهنم إلى أبد الآبدين ، هذه عقيدة زائغة ، فيها اتهام لله عز وجل .

(الإسراء)

الآن مع التفاصيل :

(الإسراء)

هل أعلى طبيب جراح كممرض ؟ لا ، أعلى منصب في الجامعة ، أستاذ ذو كرسي كمعلم في قرية ؟ لا ، رئيس غرفة التجارة مثل بائع متجول ؟ جندي خدمة إلزامية في الجبهة كرئيس الأركان ؟ لو شئت أن تمضي في التفرقة بين المراتب لوجدت العجب العجاب ، إنسان يكاد يموت من الجوع ، وإنسان يكاد يموت من التخمة ، انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ، هذه مراتب الدنيا لا تعني شيئاً ، وقد تعني العكس ، لأن المترفين ورد ذكرهم في القرآن الكريم  في ثماني آيات ، وفي كل هذه الآيات المترفون فساق .

(هود : من الآية 116)

هذه المستويات الراقية جداً ، هذا المجتمع المخملي ، قد يكون عند الله بعكس الطائعين المريدين ،

لكن هذه مراتب الدنيا أولاً : هذا التفضيل لا يعني الأفضلية ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((قَالَ رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)) .

(مسلم)

التفضيل في الدنيا لا يعني الأفضلية ، ودليل آخر :

(الأنعام)

(النساء : من الآية 77)

، لكن قال تعالى :

مراتب الآخرة لا تعني كما تعني مراتب الدنيا ، مراتب الآخرة متعلقة بمكانة الإنسان ، عند الله مراتب الآخرة تعني كل شيء ، ومراتب الآخرة أبدية إلى أبد الآبدين ، فبطولتك أن تبحث عن مكانة في الدنيا أم في الآخرة ؟ في الدنيا مكانة زائلة ، ولا تعني شيئاً ، لكن مرتبة الآخرة مرتبة أبدية ، وتعني رضوان الله عز وجل :

إخواننا الكرام :

(الإسراء)

(يوسف)

قد تتكئ على صديق قوي ، أو على قريب غني ، أو على ولد ذكي ، أو على زوجة تبدو لك صالحة ، وتنسى الله عز وجل ، الجهة التي تعتمد عليها ، وتضع كل ثقلك عليها ، وتعلق الآمال عليها ، وتعقد الطموحات عليها ، هذه الجهة ربما خيبت ظنك ، وفي الأعم الأغلب يلهمها الله أن تخيب ظنك ، لأنك أشركت حينما اعتمدت عليها :

(الإسراء)

 

لا تعتمد على مالك فقد يذهب المال في ساعة ، ولا تعتمد على قوتك ، ولا على ذكائك ، ولا على خبرتك ، أربع كلمات مهلكات : أنا ، ونحن ، ولي ، وعندي ، قال إبليس :

(الأعراف : من الآية 12)

فأهلكه الله ، وقال قوم بلقيس :

(النمل : من الآية 33)

فأهلكهم الله عز وجل ، وقال قارون :

(القصص : من الآية 78)

فأهلكه الله عز وجل ، وقال فرعون :

(الزخرف : من الآية 51)

فأنا ، ونحن ، ولي ، وعندي كلمات مهلكات ، والصحابة الكرام وهم صفوة الخلق ، ومعهم سيد الخلق ، وحبيب الحق يوم قالوا : لن نغلب من قلة هزموا في حنين :

(التوبة)

الملخص : أنت كل يوم معرض لامتحان صعب ، فإما أن تقول الله ، وإما أن تقول أنا ، إذا قلت الله تولاك الله بعنايته ، وإن قلت أنا تخلى عنك ، فأنت بين التولي والتخلي ، إن عزوت نجاحك في الحياة إلى ذكائك ، أو إلى علمك ، أو إلى خبرتك ، أو إلى مالك ، أو إلى أعوانك وقعت في الشرك ، فسوف ترى منهم العجب العجاب ، ولو عزوت تفوقك إلى فضل الله عز وجل فسوف تزداد قوة ومنعة وفضلاً ، قال تعالى :

(الإسراء)

ويا أيها الإخوة : ليس هناك من عصر مر به المسلمون وهم يجعلون مع الله إله آخر كهذا العصر ، يخافون من زيد ، ومن عبيد ، وكلما توعدهم قوي صدقوا وعيده ، وخافوا ، وخنعوا له ، وانبطحوا أمامه ، وهذا من ضعف إيمانهم ، وإن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرب أجلاً

(الإسراء)

أيها الإخوة : أنت مخير ، وعملك محاسب عليه ، ولا شأن له بالقضاء والقدر ، القضاء والقدر لا يعفيك من المسؤولية ، وأكبر دليل على ذلك قوله تعالى :

(النور : من الآية 11)

حديث الإفك خير ، فقد كشف الأطراف كلها ، وكشف صدق السيدة عائشة ، وكشف انحراف بعض المرضى ، وكشف صدر النبي عليه الصلاة والسلام ، وكشف حلم النبي ، وكشف الصحابة واحداً وَاحداً ، منهم من أحسن الظن ، ومنهم أساء الظن ، كشف الأطراف والأوراق كلها ، بعد قليل يقول الله عز وجل :

 

(النور : من الآية 11)

يا رب أما قلت : هو خير ؟ الإيمان بالقضاء والقدر لا علاقة له بالمسؤولية ، أوضح مثل طبيب إسعاف يهمل بمعالجة مريض ، جاء الإسعاف ، وهو جالس مع ممرضة يسمر معها ، ومعه صحيفة ، ويشرب فنجان شاي ، أتى مريض بعد دقيقتين توفي ، سبحان الله ، أجله انتهى ، تحاسب عن تقصيرك .

كل إنسان يعزو تقصيره إلى القضاء والقدر يكون إنسانا دجالا ، لا يعرف الحقيقة ، القضاء والقدر لا يعفيك من المسؤولية ، تحاسب ، ولو قمت وأسعفت هذا المريض ربما عاش ، لأنه انتهى أجله فهذا ليس عندك علم به ، هذا من علم الله عز وجل ، فلذلك :

(الإسراء)

أيها الإخوة الكرام : هذه الآيات في سورة الإسراء لها دلالة كبرى على حقائق في العقيدة .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi