English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس الفجر : الجمعة 01 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : منازل الإيمان "السماع"، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أيها الإخوة الكرام ، النشاط الذي تمارسونه في هذا الدرس هو السماع ، والله عز وجل يقول :

[ سورة ق : الآية 37]

أي : بحث ، ودقق ، وأعمل عقله إلى أن توصل إلى الحقيقة ، كأنه صنع طعاماً بنفسه ، أو ألقى السمع ، وهو شهيد ، كأنه أكل طعاماً جاهزاً ، أنت إما أن تفكر ، وأن تعقل ، وأن تتأمل ، وأن تبحث ، وإما أن تستمع إلى الحق جاهزاً ، لذلك في قوله تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 164]

كأب وضع ابنه في أرقى مدرسة ، هذا حقه ، وهذه المدرسة يمكن أن تجعل هذا الطالب في أعلى الدرجات ، وفضلاً عن ذلك جعل له أستاذاً خاصاً ، لذلك سئلت البارحة من أخ كريم : ما دامت هذه الرسالة لكل الأمم والشعوب ، فلماذا كانت اللغة العربية لغتها ، وهذه اللغة لا يستمع إليها كل البشر ؟ قلت له : القرآن الذي يقرأه كل إنسان من دون استثناء ، من أي لون ، ومن أي جنس ، ومن أي لغة هو الكون ، الكون قرآن صامت ، يضاف إلى هذا الكون الذي يقرأه كل إنسان هذا الكتاب الذي بين أيدينا ، هو كون ناطق ، وإذا أردت أن تقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وأحاديثه فهو قرآن يمشي .

 هناك قرآن يقرأه كل إنسان ، والكون هو الشيء الثابت الوحيد الذي لا يختلف فيه اثنان .

فلذلك أيها الإخوة الكرام ، نبدأ سلسلة هذه الدروس في فجر رمضان حول منازل الإيمان ، فاليوم النشاط الذي يتم في أثناء الدرس هو السماع ، فماذا قال الله عن السماع ؟ قال تعالى :

[ سورة التغابن : الآية 16]

وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، قال تعالى :

[ سورة التغابن : الآية 16]

لأن الإنسان إذا استمع ، ولم يطع كأنه ما استمع ، قال تعالى :

[ سورة التحريم : الآية 4]

علامة الإصغاء والسماع أن يترجم إلى عمل ، قال تعالى :

[ سورة الأنفال ]

قلت لواحد : على كتفك عقرب ، بقي هادئاً ، بقي مرتاحاً ، التفت نحوك بهدوء ، قال لك : شكراً على هذه الملاحظة ، أسأل الله أن يمكنني أن أكافئك عليها ، هل سمع ما قلت له ؟ ما سمع إطلاقاً ، لو فهم ما قلت له لقفز وصرخ ، إذاً قال تعالى :

[ سورة الأنفال ]

فهذا الذي يتولى يستمع ولا يطيع كأنه ما استمع ، قال تعالى :

[ سورة النساء : الآية 46]

[ سورة الزمر ]

[ سورة الأعراف : الآية 204]

[سورة المائدة : الآية 83]

أيها الإخوة الكرام ، النشاط الذي يمارسه المؤمن في حياته في أغلب أوقاته هو سماع الحق ، لكن البطولة أن تسمع ، وأن تستجيب ، قال تعالى :

[ سورة الأنفال : الآية 24]

لكن قد يسأل سائل : إن هذا الكون يدل على الله ، ولكن في الإسلام تفاصيل ، أوامر تفصيلية ، فهذا الذي لا يتقن اللغة العربية كيف السبيل إلى معرفة هذه التفاصيل ؟ طمأننا الله عز وجل  فقال :

[ سورة الأنفال : الآية 23]

يعني لابد من أن يستمع الإنسان إلى الحق ، وأن يهيئ الله له من يسمعه الحق ، إذا كان فيه ذرة خير ، لذلك قال تعالى :

[ سورة الليل : الآية 12]

تولى الله بذاته العلية هداية خلقه ، بالمناسبة لا تستطيع جهة في الأرض مهما قويت أن تفسد على الله هدايته لخلقه ، لكنهم يهددون ، ويخططون ، قال تعالى :

[ سورة الأنفال : الآية 36]

الآية الثانية ، قال تعالى :

[ سورة الحج : الآية 46]

إما أن تفكر ، وأن تعقل ، وأن تتأمل ، وأن تبحث ، وأن تدرس ، وأن تستقرئ ما في الكون ، فتصل إلى الحقيقة كما فعل سيدنا إبراهيم ، وإما أن يأتيك الحق جاهزاً فتستمع إليه ، الحالة الثانية أهون بكثير ، والحالة الأولى تحتاج إلى جهد كبير ، لكن الله سبحانه وتعالى ما كلفنا ما لا نطيق ، الحق جاهز ، القرآن الكريم الذي بين أيدينا هو القرآن الذي نزل على قلب سيدنا محمد e ، والأحاديث التي بين أيدينا هيأ الله لها أناساً دقَّقوا ، ومحصوا ، وبحثوا ، وصنفوا هذه الأحاديث ، وإن بإمكانك أن تقتني كتاباً من صحاح الأحاديث .

إذاً : هناك حق جاهز ينبغي أن تنتفع به .

أيها الإخوة الكرام ، المستمع أنواع ، هناك من يسمع بطبعه ، ونفسه ، وهواه ، فهذا حظه من مسموعه ، يعني لا يفهم إلا ما يوافق شهوته ، أو يوافق مصلحته ، أو يوافق هواه ، هذا يسمع بطبعه ، ونفسه ، وهواه ، حظه من المسموع ما وافق طبعه .

 لكن إنسانًا آخر ، هناك من يسمع بحاله ، وإيمانه ، ومعرفته ، وعقله ، هذا يأخذ من المسموع ما كان متوافقاً مع إيمانه ، هذه مرتبة أعلى ، وأرجو أن نكون منها ، هناك من يسمع بالله لا يسمع بغيره ، كما بالحديث : (( كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ))  .

[البخاري عن أبي هريرة]

يعني لا يرى إلا ما صوره القرآن ولا يسمع إلا ما صوبه القرآن وكأنه يسمع بالله عز وجل ، فالذي يسمعه يعرضه على الكتاب والسنة فإذا وافقه قبله وإلا رفضه ومعنى قوله تعالى :

[ سورة الشعراء ]

القلب السليم هو القلب الذي لا يقبل خبراً يتناقض مع وحي الله .

أيها الإخوة الكرام ، الآن المسموع هذا الذي يلقى ، وما أكثر ما يلقى في هذه الأيام ، تسمع من مذياع ، من محاضر ، من محاضرة ، من ندوة ، من حديث ودي ، من حديث عائلي ، من لقاء أهلي ، تستمع والكلام فيه ما هب ودب ، أعندك مقياس للحق ؟ أعندك ما يصفّي ما تستمع إليه ؟ لذلك المسموع مستويات ثلاثة ، مسموع يحبه الله ، ويرضاه ، وقد أمر عباده ، وأثنى على أهله ، ورضي عنهم به ، مسموع يبغضه الله ، ويكرهه ، ونهى عنه ، ومدح المعرضين عنه ، مسموع مباح مأذون فيه ، لا يحبه ، ولا يبغضه ، ولا مدح صاحبه ، ولا ذمه ، فحكمه حكم سائر المباحات ، وأنت تستمع في كلام نابع من القرآن الكريم  ، أو من السنة ، أو من فعل الصحابة الكرام ، أو من اجتهاد العلماء الربانيين ، هذا مسموع يحبه الله .

هناك مسموع آخر يبغضه الله ، كلام الشياطين ، تزيين الشهوات ، اقتحام المعاصي والآثام ، تزيين الدنيا ، إنكار الوحي ، هذا مسموع يبغضه الله عز وجل ، والإنسان عندما يدرس تطور الأسعار بمادة معينة هذا مباح ، لا يبغضه الله ، ولا يمدحه ، من شؤون الدنيا .

لذلك أيها الإخوة الكرام ، مشكلة أهل النار الأولى قال تعالى :

[ سورة الملك : الآية 10]

معنى ذلك كم من إنسان يسلم ، ويسعد عن طريق السمع فقط ، كم من إنسان في الأرض يسلم ، ويسعد ، وينجح في الدار الآخرة عن طريق سماع الحق ، فهذا الذي يقول لك : لا أجد وقتاً أحضر به مجلس علم يحرم نفسه سبيل سلامته وسعادته ، الإنسان أحياناً يتلقى مسموعات غير صحيحة ، أو مشوهة ، أو لا علاقة لها بسلامته وسعادته ، والناس الآن يقرؤون ، يتابعون ، يشاهدون ، يستمعون لا إلى الحق ، بل إلى غير الحق ، فلذلك كيانهم النفسي بعيد عن الحق ، معلوماتهم التي يستمع إليها بعيدة عن أسباب سلامته وسعادته .

فلذلك أيها الإخوة الكرام ، ثمة إنسان يستمع إلى أهوائه وشهواته ، ولا يعي من الذي سمعه إلا ما وافق طبعه وشهوته وهواه ، وإنسان يستمع بعقله وإيمانه وقيمه ، هذا إنسان جيد ، لكن هناك إنسان أرقى من هذين ، يسمع بالله ، ويرى بالله ، (( كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ )) ، أي : لا يرى إلا بنور الله ، ولا يستمع إلا وفق موازين الشرع .

أيها الإخوة الكرام ، من السماع المحمود قال تعالى :

[ سورة الجن ]

وصدقوا أيها الإخوة الكرام ، أن معظم الإخوة رواد المساجد أحياناً سبب توبته كلمة حق سمعها ، أسباب توبته قضية في الفكر والعقيدة ، كان تائهاً بها ، فسمع تجليتها للإنسان ، فسار إلى الله عز وجل ، لكن أهل الإعراض عن الله موتى ، لا يسمعون ، قال تعالى :

[ سورة النمل : الآية 80]

[ سورة فاطر : الآية 22]

من كان في قبر شهوته ، من كان في قبر مصالحه ، هذا لا يسمع ،

[سورة الأنفال : 23]

 أيها الإخوة الكرام ، المشكلة  أن الإنسان أحياناً يصغي إلى الباطل فيتلوث ، قال تعالى :

[سورة التوبة : 47]

 أنا أقول لكم : أخطر نشاط يمارس المؤمن غير الداعية ، الداعية مهمته أن يتكلم ، لكن معظم المؤمنين المهمة الأولى ، والنشاط الأول في حياتهم أن يستمعوا ، هذا السماع منزلة خطيرة جداً ، فإما أن يكون السماع طريقاً إلى سلامتنا وسعادتنا ، وإما أن يكون السماع طريق شقائنا وهلاكنا ، فلذلك كيف تختار أصدقاءك ؟ أو كيف تختار شريكة حياتك ؟ ينبغي أن تختار من تستمع منه ، لأن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ، (( ابن عمر ، دينك دِينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا )) .

[القضاعي في مسند الفردوس عن ابن عمر ]

المؤمن : قال تعالى :

[ سورة القصص : الآية 55]

قال تعالى :

[ سورة المؤمنون ]

ما هو اللغو ؟ ما سوى الله ، حقيقة كبرى وحيدة ، ليس هناك من حقيقة أخرى ، الله جل جلاله ، فأي شيء يقربك من الله فهو الحق ، وأي شيء يبعدك عنه فهو الباطل ، قضية السماع من أخطر نشاطات المؤمن ، ولا سيما في رمضان ، فبين أن تستمع إلى كلام يبعدك عن الله ، أو كلام يحبب المعصية إليك ، أو كلام يزهدك في الدين ، في أصل الدين ، وبين أن تستمع إلى كلام يحيي قلبك ، ويحملك على طاعة الله ، وحينئذ تنعقد الصلة مع الله عز وجل ، فتفوز بخير الدنيا والآخرة ، ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدني وجدت كل شيء ، وإن فتُّك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء .

لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ )) .

[متفق عليه]

يجب أن تستمع إلى القرآن تلاوة ، وشرحاً ، وتفسيراً ، وإلى بيان القرآن كلام النبي عليه الصلاة والسلام ، وإلى أقوال الصحابة الكرام الذين أحبهم النبي ، واختارهم له ، وأن تستمع إلى العلماء الربانيين الذين اهتدوا إلى الله عز وجل ، وأخلصوا دينهم لله .

ينبغي أن تختار من ينبغي أن تستمع إليه ، لكن الآن أكبر نشاط سماع الغناء ، مسابقات ، وبرامج ، وستة وثمانون مليون اتصال لاختيار مغنية من مغنيتين ، نشاط المسلمين الآن الأكبر هو سماع الغناء ، والغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل .

أيها الإخوة الكرام ، قل لي لمن تستمع أقل لك من أنت ، قل لي ما الذي تحب أن تسمعه أقل لك من أنت ، السماع مفتاح الجنة ، السماع مفتاح الهدى ، السماع مفتاح السلامة ، ومفتاح السعادة ، ولكني أتمنى على من يستمع ، ويستمع ، ويستمع ، إلى متى تستمع ، متى تنطق بالحق ؟ متى تكون لك دعوى ؟ متى تلقي بعد أن تلقيت ؟ ليس معقولاً أن تمضي العمر كله في السماع ، فاستمع كي تسمع ، تتعلم كي تعلم ، تتلقى كي تلقي ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ )) .

[الترمذي عن معاذ]

أعلى شيء في الإسلام الجهاد ، والجهاد له معان متعددة ، هناك جهاد الآن متاح للجميع من دون استثناء ، جهاد النفس والهوى ، والجهاد الدعوي  قال تعالى :

[ سورة الفرقان : الآية 52]

لذلك من لم يجاهد ، أو من لم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق .

إذا ما خطر ما خطر على بال أخ كريم أبداً أن يتكلم بالحق ، أو ينصح إنساناً ، أو يقدم شريطاً لإنسان ، أو يدعو إنسانًا إلى مسجد ، ما خطر في باله إطلاقاً أن يكون سبباً لهداية إنسان فهذا ابتعد عن حقيقة الدين ، والذي يقول : أنا لا علاقة لي بالآخرين ، أرسل الله ملائكة لإهلاك قرية ، قالوا : يا رب ، إن فيها رجلاً صالحاً ، قال : به فابدؤوا ، قالوا : ولمَ يا رب ؟ قال : لأن وجهه لا يتمعر إذا رأى منكراً .

أتمنى على الله أننا بعد أن نستمع ينبغي أن نسمع ، بعد أن نتلقى ينبغي أن نلقي .

 

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi