English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس الفجر : السبت 02 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : الخوف من الله ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

          أيها الإخوة الكرام ، من صفات المؤمن الصادق أنه يخاف ، يخاف الله ، وأصل الخوف أن الله سبحانه وتعالى خلق النفس البشرية على طبيعة الخوف ، فقال تعالى :

( سورة المعارج ) .

ولولا هذه الخصيصة في النفس البشرية لما تاب إنسان ، ولما خضع إنسان ، ولا أناب إنسان ، والخوف سبب سعادة الدنيا والآخرة ، هي نقطة ضعف في أصل خلق الإنسان ولكن هي لصالح الإنسان : ] الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا [ .

إلى الآيات الله عز وجل يقول :

( سورة آل عمران ) .

لا بد من أن تخاف جهة ، يفترق المؤمن عن غير المؤمن أن المؤمن يخاف من الله وحده ، بينما غير المؤمن يخاف من كل أقوياء الأرض ، قلبه مشتت ، فإذا كان الأقوياء متناقضين وقع في حرج كبير ، إن أرضى هذا أغضب هذا ، إن أرضى هذا أغضب هذا  فالله عز وجل يقول : ] فَلَا تَخَافُوهُمْ [ ، جمع : ] وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ .

إذاً من علامة الإيمان أن تخاف الله وحده ، وهذا المعنى أيها الإخوة يحتاجه المسلمون اليوم قبل أي وقت آخر ، السبب أن القوى التي تهدد المسلمين في شتى بقاع الأرض قوى جبارة وطاغية ، ولا تخاف الله عز وجل ، فعلامة إيمان المؤمن أنه يعتقد أن أمره بيد الله ، وأن الله سبحانه وتعالى ما كان له أن يسلمه إلى غيره ، ] فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [ .

( سورة هود الآية : 123 ) .

القضية كفكرة سهلة ، أما كممارسة فصعبة جداً ، أنت سهل أن تقول : الله بيده كل شيء ، أنا سأخافه وحده ، لكن القوى التي أمامك ملموسة ، محسوسة ، بطاشة ، جبارة  فعملياً لا تستطيع أن تخاف الله وحده إلا بتوحيد كبير ، والتوحيد الكبير يحتاج إلى جهد كبير ، فالموحد وحده لا يرى إلا الله ، يرى يد الله فوق أيديهم .

( سورة الأنفال الآية : 17 ) .

فالآية الأولى : ] فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [ ، فأنت بين أن تخاف من ألف جهة متناقضة ، وبين أن تخاف من الله وحده ، ومن جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها  .

الآية الثانية :

( سورة البقرة ) .

وحينما قدمت كلمة : ] وَإِيَّايَ [ أفاد هذا التقديم معنى القصر ، يعني ينبغي أن ترهب الله ، ومن لوازم رهبتك من الله ألا ترهب أحدًا آخر مهما كان قوياً ، ] وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ .

الآية الثالثة :

( سورة المائدة الآية : 44 ) .

لما يأتي نهي في القرآن الكريم معنى ذلك أن هذا واقع ، الناس يخاف بعضهم بعضاً ، الناس يخشون بعضهم بعضاً .

( سورة المؤمنون ) .

( سورة المؤمنون ) .

في نهاية الآية :

( سورة المؤمنون ) .

إذاً في أصل تصميم الإنسان أنه شديد الخوف ، في أصل التصميم ، وشدة الخوف سلم يرقى به إلى الله ، شدة الخوف حيادية ، يمكن أن توظف بالإيمان ويمكن أن تقود إلى الشرك ، حيادية ، وأنت مخير ، فأنت مصمم على أن تخاف ، كائناً من كان ، بل إن الذي يخاف من المشركين قطعاً المشرك يخاف .

( سورة آل عمران الآية : 151 ) .

لأنه أشرك يخاف ، ولو كان أقوى أقوياء الأرض ، والذي ترون الآن أن القوى التي لا تعقل قوتها أشد خوفاً من الضعفاء ، الآن في مرتبة عليا من الخوف .

في المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : (( يا رسول الله ، قول الله  عز وجل : ] الذين يؤتون ما آتوا  وقلوبهم وجلة [ ـ خائف ـ أهو رجل يزني ، ويسرق ، ويشرب الخمر ، وهو مع ذلك يخاف الله عز وجل ؟ قال : لا ، ولكنه الرجل يصوم ، ويصلي ، ويتصدق ، وهو مع ذلك يخاف الله عز وجل )) .

لذلك من علامة النفاق أن تطمئن في علاقتك مع الله ، ومن علامة المؤمن القلق المقدس ، لذلك قال أحد التابعين : التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحد إلا وهو يظن نفسه أنه منافق ، من شدة الخوف من الله .

سيدنا عمر الذي بشره الله بالجنة جاء إلى سيدنا حذيفة ، وقد أودع النبي عنده أسماء المنافقين ، فقال : يا حذيفة ، بربك اسمي معهم ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين ، كيف تفسر ذلك ؟

كلما ازداد علمك ازدادت خشيتك من الله ، ولا يطمئن إلا الأبله .

مرة طالب قال بشكل وقح : أنا لا أخاف من الله ، قلت له : أنت بالذات ؟ معك الحق ، قال : لمَ ؟ قلت له : الفلاح يأخذ ابنه في أربع سنوات إلى الحصيدة ، ويضعه بين سنابل القمح ، قد يمر إلى جانبه ثعبان طوله 12 مترًا لا يخاف ، ليس له إدراك ، ولا خوف ، الخوف متعلق بالإدراك .

انظر إلى الطبيب يخاف أن يأكل حبة فاكهة من دون غسيل ، لأنه يعرف الجراثيم والأمراض والإنتانات والتهاب الأمعاء ، يخاف أن يأكل أكلة غير نظيفة ، يعرف المضاعفات هذا الطعام ، لذلك لا يخاف إلا عالم ، من ألطف ما مر في السنة ، أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( أعلكم بالله أنا وأشدكم خشية منه أنا )) .

[أصله في البخاري عن عائشة]

ربط العلم بالخشية ، فكلما ازداد علمك ازدادت خشيتك ، يا رسول الله مثل بهم فقال عليه الصلاة والسلام : (( لا أمثل به ، فيمثل اللّه بي ، ولو كنت نبياً )) .

[ رواه ابن النجار عن عائشة رضي الله عنها ] . 

علامة إيمانك أن تخاف من الله ، لذلك مرة قلت : قد تقف متكلماً لساعة طويلة ارتجالاً من دون تحضير ، بلغة فصيحة ، وأدلة صحيحة ، وتحليل عميق ، وأنت لا تعرف الله تعرفه إذا خفت منه ، تعرفه إذا اتقيت أن تعصيه ، تعرفه إذا علمت أنك في قبضته ، تعرفه إذا أيقنت أنه يعلم ، وسيحاسب ، وسيعاقب ، هذه علامة معرفة الله ، علامة معرفة الله أن تخاف منه .

أيها الإخوة ، قال بعض العلماء : الخوف من الله لعامة المؤمنين ، والخشية للعلماء ، تماماً كإنسان خاف المرض ، ترك هذا الطعام ، لكن الطبيب يخاف المرض فيلجأ إلى الدواء ، بين أن تهرب ، وبين أن تعالج نفسك ، فالخشية من لوازم العلماء ، لقوله تعالى :

( سورة فاطر ) .

ولقول النبي عليه الصلاة والسلام  : (( أنا أتقاكم لله تعالى ، وأشدكم خشية )) .

[أصله في البخاري عن عائشة]

بعضهم أضاف إلى ذلك أن الخوف لعامة المؤمنين ، والخشية للعلماء العارفين  والهيبة للمحبين ، والإجلال للمقربين ، بين الخوف والخشية والهيبة والإجلال ، مثلاً يقول عليه الصلاة والسلام : (( والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيراً ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش  ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى )) .

[ متفق عليه ] .

القلق في هذا الموضوع مقدس ، من علامة المنافق أنه يأمن مكر الله ، يأكل المال الحرام ، ويعتدي على أعراض الناس ، ويتبجح ، ويتغطرس ، ويقول أنا من أهل   الجنة .

( سورة الكهف الآية : 36 ) .

هذا الأمن الغبي ، وعلامة الإيمان القلق المقدس ، في أمن غبي ، وفي قلق مقدس ، بعض العلماء قال : الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه .

أنا أحياناً أرى أن معظم رواد المساجد إلا القليل منهم أتوا إلى المسجد  ، واصطلحوا مع الله بتدبير حكيم من الله ، بدأ من الخوف ، يعني الخوف له فضل علينا ، هذه الخصيصة التي أودعها الله فينا لولاها لما رجعنا إلى الله ، ولما تبنا إليه ، الإنسان يخاف  والحقيقة لما أحد الأنبياء قال : (( أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك ؟ قال : يا داود ! أحب عبادي إلى نقي القلب  ونقي الكفين ، لا يأتي إلى أحد سوءا ولا يمشي بالنميمة ، تزول الجبال ولا يزول ، أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى عبادي ، قال : يا رب ! إنك لتعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى عبادك ؟ قال ؛ ذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي ؛ يا داود ! إنه ليس من عبد يعين مظلوما أو يمشي معه في مظلمته إلا أثبت قدميه يوم تزول الأقدام )) .

(ابن عساكر عن ابن عباس).‏

تأكد ما لم تشعر بخوف من الله ، وتعظيم له ، ومحبة له ففي الإيمان خلل ، يجب أن يجتمع الإيمان في قلب المؤمن تعظيم ومحبة وخوف ، لذلك قالوا : الخوف سراج في القلب ، وكل أحد إذا خفت منه هربت منه ، إلا الله عز وجل ، إنك إن خفته هربت إليه ، لا ملجأ منك إلا إليك ، الله وحده إن خفت منه لجأت إليه ، وأحياناً الطفل يخاف من أمه ، فيرمي نفسه في أحضانها ، وهذا حال المؤمن يخاف من الله فيلجأ إليه .

الحقيقة بلا مجاملة ، بوضوح شديد : الخوف الحقيقي المحمود ما حال بينك وبين محارم الله ، وإلا خوف مزيف ، وادعاء كاذب ، أحيان أناس كثيرون يقولون : الله يتلطف  ، شيء مخيف ، مقيم على المعصية ، هذا خوف غير صحيح ، هذا خوف مزيف ، لو خفته لابتدعت عن معاصيه .

تعصي الإله وأنت تظهر حبه

***

أو أنت تعبر عن خوفك منه ،

ذاك لعمري في المقال شنيع

***

يتابع كل شيء على الشاشة ! يا أخي ما هذا الفسق ؟ ما هذا الفجور ؟ ولماذا تتابع ؟ من أجبرك أن تتابع ، هذا خوف مذموم ، خوف المنافقين .

والحقيقة هناك خوف من العقوبة ، هذا خوف العبيد ، لكن خوف الأحرار أن تخاف أن تنقطع عن الله عز وجل ، لك مع الله علاقة مميزة ، لك مع الله صلة فإذا كنا حرصاً عليها تبتعد عن كل ما يغضب الله حفاظاً على هذه الصلة ، وهذا أقوى تفسير للخوف .

(( رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللّهِ )) .

[ رواه ابن لال عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه ] .

(( أشدكم لله خشية أنا )) ، والله أعلم ، ليس الخوف أن ينال الإنسان عقوبة من الله هذه مرتبة ، وكل إنسان يخاف الله من هذا المستوى لكن في مستوى أعلى ، إنك إن وصلت إلى الله ولك معه صلة ، وأنت في أتم السعادة من هذه خلال الصلة حفاظاً على هذه الصلة ، وعلى هذا الود الذي بينك وبين الله تبتعد عن كل ما يخدش هذه الصلة ، هذا التفسير الذي يليق بإنسان حر .

قال بعض العلماء : القلب في سيره إلى الله كالطائر تماماً ، المحبة رأسه  والخوف والرجاء جناحه ، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر يجيد الطيران ، ومتى قطع الرأس مات الطائر ، ومتى فقد جناحيه فهو عرضة لكل صائد وكاسر ، رأس الطائر المحبة  وجناحاه الخوف والرجاء ، إذاً لا بد من أن يجتمع في قلب المؤمن محبة وتعظيم وخوف ورجاء .

والحقيقة أن الخوف إذا زاد عن حده أصبح يأساً وقنوطاً ، وهو عين الكفر   والمحبة إذا قادتك إلى التساهل في طاعة الله عز وجل كانت محبة ترتبط بالنفاق ، المحبة إذا اشتطت بحيث أنك أهملت عباداتك ، أهملت غض البصر ، أهملت أهملت هذه محبة كاذبة ، فعلامة المحبة المبالغة في الطاعة ، وعلامة الخوف الخوف من أن تنقطع علاقة بالله التي تحرص عليها .

والحمد لله رب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين  ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi