English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

دروس الفجر : الأحد 03 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : معنى الزهد ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

       أيها الإخوة : من الحالات التي تلازم المؤمن حالة الزهد ، هذا المفهوم مشوه في هذه الأيام ، الله عز وجل حينما يقول :

(سورة النحل)

      كل شيء تملكه لابد من أن تخسره ساعة الموت ، فالذي يجمعه الإنسان في الدنيا من أموال منقولة وغير منقولة  ، ومن عملات من كل الأنواع يخسرها عندما يقف قلبه ، ولا ينفعه في القبر إلا عمله الصالح ، البطل هو الذي يترك الدنيا قبل أن تتركه ، لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

                   (( إن هذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء ، ومنزل ترح فيها )) .

    متاعب لا تنتهي اجتماعية ونفسية وجسمية ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، هذا من الزهد، (( ولم يحزن لشقاء )) ، أن الرخاء مؤقت ، والشقاء مؤقت ، (( قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاَ ، فيبتلي ليجزي )) .

(ورد في الأثر)

 حينما يقول خالق السماوات والأرض :

(سورة الحديد)

      إنما أداة قصر ، الدنيا حصراً هي لعب ولهو وزينة .

(سورة الكهف)

    ثم إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا :

(سورة النساء)

(سورة التوبة)

       الحياة الدنيا أعجبتكم ! هل هي كافية كي تسعدوا بها ؟

 

(سورة طه)

     للتقريب : خيرناك بين دارجة وأغلى مركبة ، الدراجة تملك دائم ، والمركبة الفخمة ربع ساعة ، طبعاً تختار الدراجة لأنها أبقى ، فما قولك لو خيرناك بين مركبة من أعلى مستوى تتملكها كلياً وبين أن تركب هذه الدراجة عشر دقائق ؟ الذي يختار الدراجة يحتاج إلى مشفى الأمراض العقلية .  

(سورة الزخرف)

       أيها الإخوة ، من أدق تعريفات الزهد : أطمئنكم بأن ليس معنى الزهد أن ترتدي ثياباً مرقعة ، ولا تأكل طعاماً خشناً ، قولاً واحداً ، ليس هذا هو الزهد ، ولكن من تعريفات الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة ، أما تعريف الورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة ، إن تركت شيئاً يضر بآخرتك فأنت ورع ، وإن تركت شيئاً لا تنتفع به في آخرتك فأنت زاهد ، وقال بعض العلماء : الزهد في الدنيا قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا لبس البالي .

     قصر الأمل ، إنسان يخطط لعشرين سنة قادمة ، وفي اليوم نفسه يوضع نعيه على الجدران !

     مرة قال أخ : كان ينتظر في مكان سمع حوار بين رجلين ، قال : هذا الإنسان كدنا نخرج من جلودنا منه ، قال : لما ؟ قال : بقينا ستة أشهر هو يفكر التدفئة في البيت أيجعلها مخفية أم ظاهرة ؟ يخاف أن يجعلها مخفية بعد عشرين سنة تفسد فيضطر لقلع البلاط ، وإذا جعلها ظاهرة لا تليق بأناقة البيت ، فما الحل ؟ قال : قرر أن يجعلها مخفية ، فإذا فسدت بعد عشرين عامًا لا يكسر البلاط ، بل بجعلها ظاهرة عندئذ لعشرين سنة قادمة !!

   فالزهد في الدنيا قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا بلبس العباءة ، لكن يوجد معنى دقيق جداً أنك بإمكانك أن تطعم الفقراء ، وتؤوي المشردين ، وتزوج الشباب ، وتنفقه في تعليم القرآن ، وحل مشكلات الناس ، فإذا زهدت بمال حلال يمكن أن يكون قوة لك في الآخرة فأنت لست بزاهد ، وإذا زهدت بمنصب يمكن أن تحق الحق فيه ، وتبطل الباطل ، ويكون نفعك عاماً فأنت لست بزاهد ، هذا المفهوم السقيم للزهد كل شيء ترفضه ، وتنسحب منه ، ليس معك أعمال صالحة ، أحياناً المال قوة والعلم قوة والمنصب قوة ، هذه مراكز قوى كبيرة جداً ، الذي مكن في الأرض متاح له أن يعمل من الأعمال الصالحة ما لا يستطيع الآخرون أن يفعلوه ، فحينما تزهد في شيء من نعم الله التي تنفعك في الآخرة ، وبإمكانك أن تنتفع بها في الآخرة أنت في هذه الحالة لست بزاهد ، من أجمل ما في القرآن عن الزهد :

 

(سورة الحديد).

      لا تأسفوا على مفقود ، ولا تفرحوا لموجود :

     قالوا : الزهد يورث السخاء بالملك ، والحب يورث السخاء بالروح ، الحب يدفعك على الشهادة ، والزهد يدفعك لأن تبذل ما تملك .

      قال بعض العلماء : الزهد في الدنيا هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال ، يسكن في بيت فخم ، لا بد من يوم أخرج منه في نعش ، هذا الكلام هل فيه شك ، تركب مركبة فارهة ، لا بد من يوم يأخذها من بعدك ، لك مقتنيات ثمينة ، وعندك أموال طائلة ، حينما ترى أن هذا الشيء لا يدوم فأنت زاهد ، أما حينما تنسى الموت كلياً ، وتشعر أنك مخلد في الدنيا هنا المشكلة ، الزهد عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف ، الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد ، أنت لا يوجد عندك مركبة فارهة ، كلما ألقيت نظرة على مركبة هنيئاً لصاحبها ، يا ليتني كنت مكانه ، أنت لست بزاهد ، الزاهد إن رأى متاع الدنيا بيت فخم مركبة فارهة كان عليه الصلاة والسلام يعلمنا .

      عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم :  ((عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ فَأَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ *

(صحيح البخاري)

      من تعريفات الزهد : عدم الفرح بإقبال الدنيا وعدم الحزن على إدبارها ، قال أحدهم : لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال : عمل بلا علاقة ، وقول بلا طمع ، وعز بلا رياسة ، وأحد ما يجسد الزهد أن تؤثر الآخرين على ما في يدك .

(سورة الحشر)

      الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول : الزهد على ثلاثة أوجه : الأول ترك الحرام ، وهذا زهد العوام ، والثاني ترك الفضول من الحلال الشيء الزائد عن الحد ، تركته هذا من الزهد ، وهذا زهد الخواص ، لكن أعلى مرتبة في الزهد ترك ما يشغل عن الله ، وهو زهد العارفين ، ترك الحرام زهد العوام ، ترك الفضول من الحلال زهد الخواص ، ترك ما يشغل عن الله عز وجل هو زهد العارفين ، والله يوجد تعريف رائع ، قال : الزهد سفر القلب من وطن الدنيا إلى الآخرة .

      حدثني أحد الدعاة قال : دعيت لمؤتمر في أقصى الدنيا قبل الحادي عشر من أيلول بالهاتف ، فوافقت ، قال : ما إن وضعت سماعة الهاتف في مكانها حتى أصبحت هناك بمعنى ، يا ترى متى سأسافر ؟ هل آخذ معي زوجتي ، كم أقيم هناك ؟ في أي مدينة سأقيم ؟ هل أتنقل من مدينة إلى أخرى ؟

 أقول لكم بصراحة : المؤمن الصادق يعيش الآخرة ، لأن الدنيا زائلة لا بد من تركها ، فالمؤمن الصادق دائماً يفكر كيف تختم حياتي ؟ هل تختم على الإيمان ؟ هل أموت ، وأنا قريب من الله عز وجل ؟ وأنا أؤدي طاعة لله عز وجل ؟ عندما يكون الأخ الداعية أخذ قرار بتلبية الدعوة قال : دون أن أشعر ما إن وضعت سماعة الهاتف حتى صرت في تلك البلاد نفسياً .

     الإنسان أحياناً يأخذ قرارا بالذهاب إلى الحج لما أخذ القرار ، وأعطى موافقته ، وبدأت الإجراءات الإدارية ليعطى جواز الحج صار هناك ، يا ترى المدينة أولاً أم مكة ؟ أذهب مع من ؟ مع أي فوج ألتحق ؟ ماذا أفعل حينما أعود ؟ لما أخذ قرارا بالسفر إلى الحج صار هناك نفسياً ، أحياناً إنسانا بشكل مبسط ينوي السفر لمكان جميل في نهاية الصيف عندما يأخذ قرارا أين أنزل ، وأين أسكن بالجبل أم في البحر ؟ والمؤمن الصادق حينما يأخذ قرارا بالزهد ينتقل من الدنيا إلى الآخرة ، أجمل ما قيل في الزهد : ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن أن تكون بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك ، هذا من أجمع ما قيل في الزهد ، أن تكون واثقاً بما عند الله زاهداً بما في يديك ، بعضهم قال : الزهد على ثلاث درجات ، الزهد في الشبهة بعد ترك الحرام ، ترك الحرام واجب وفرض ، لكن حينما تأتي قضية تحير من زاوية حرام ومن زاوية حلال ، عندي حلال لكن عندك قلق ، فلذلك أنت حينما تدع الشبهة في الحرام فأنت زاهد ، والأنفة من المنقصة تأنف نفسك أن تسقط من عين الله ، وكراهة مشاركة الفساق .

      يوجد احتفال ضخم بفندق خمس نجوم ، ونساء كاسيات عاريات ، وأنت تغض بصرك ، طبعاً هذه الحفلة كلها أنت بغنى عنها ، أنت لا أقول تعصي الله ، لا ، لكن مشاركة الفساق ليس من الورع ، من صحب الأراذل جرحت عدالته ، الزاهد تأنف نفسه أن يسقط من عين الله لا من عين الناس ، وسقوط الإنسان من السماء إلى الأرض ، وتتحطم بهذا السقوط أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله ، مشاركة الفساق هم يزدحمون على مواضع الرغبة من الدنيا  .

      تجد في مقصف جميل ازدحاما شديدا أو في المطعم الجيد أو الفندق هناك ازدحام عليه ، الزاهد نفسه تأبى أن يدخل هذا الخضم الذي لا يليق بالمؤمن ، ومن أدل دلالات الزهد أن تغتنم الوقت فيما يقربك إلى الله ، عندك وقت فراغ ممكن أن تتسمع أخبار ممكن أن تطالع مقالات بمجلات اضطراب سعر النقد في العالم ، فرضاً ممكن أن تقرأ موضوعات أن ليس حراماً أن تقرأها ، لكن لا تنفعك .

     النبي الكريم دخل إلى المسجد رأى رجلا تحلق الناس حوله قال : من هذا (هذا سؤال العارف) قالوا له : هو نسابة ، قال : وما نسابة ؟ قال : يا رسول الله يعرف أنساب العرب قال : ذلك علم لا ينفع من تعلمه ، ولا يضر من جهل به ، فإذا وجد شيء ليس حراماً ، وليس حلالاً ، شيء من المباحات فأنت تركته ، وملأت وقتك بما ينفعك عند الله ، ملأت وقتك بزيارة أخ ، ونصيحة أخ ، عمل صالح ، متابعة موضوع علمي ، قراءة قرآن ، خدمة تؤديها لإنسان ، أنت حينما تدع المباحات لا ذنب في أخذها ، ولا ثواب في أخذها ، وتلتفت إلى ما تملأ به وقتك من عمل طيب ينفعك في الآخرة فأنت زاهد .

    آخر شيء في الموضوع : يجب أن تزهد بزهدك ، يا أخي تركت بعثة جاءتني في الفنون الجميلة إلى بلد غربي ، وتركتها لله ، هذا شيء لا يذكر أمام ما عند الله في الجنة .

  إنسان منحك بيت ومركبة وزوجك قال : مرة تركت شيئًا قيمته خمس ليرات من أجلك ! هو ماذا أعطاه ؟ أعطاه كل شيء ، فالمؤمن عندما يكون أديبا مع الله يستحي بزهده تركت هذا الشيء من أجلك ، الله عز وجل هو أهل التقوى والمغفرة ، فقضية الزهد أولاً إياكم أن تفهموا الزهد إنسان رث الهيئة . 

    قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَنَا: ((إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ )) .

(مسند الإمام أحمد)

 الزهد أن تشتغل فيما خلقت من أجله .

والحمد لله رب العالمين .

***

Copyright © 2007 Nabulsi