English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

 دروس التراويح – الأحد 03 رمضان – ومضات ولقطات إيمانية : الربا والتأمين ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

       أيها الإخوة الكرام ، في قوله تعالى :

(سورة البقرة)

       الحقيقة أيها الإخوة : أن الإنسان حينما يرتكب بعض المعاصي فآثار المعاصي ظاهرة ، وتظهر على شبكية العين ، فالذي يشرب الخمر قد يفقد عقله ، وقد يخطئ خطأ كبيراً ، وقد يعتدي على أعراض من يلوذ به ، والذي يزني ينقل فتاة من الطهر والعفاف إلى السقوط في حمأة الرذيلة ، لكنك إذا دخلت إلى مصرف ترى بناء فخماً ، وأجهزة حديثة ، وتكييفًا واستقبالا ، وموظفين ، لا ترى على شبكية العين مظهر الربا ، لكن كيف الله سبحانه وتعالى يقول :

(سورة البقرة)

   ليس في تشريع المسلمين معصية توعد الله عليها بالحرب إلا الربا ، ذلك لأن المال قوام الحياة ، وحينما نسمح للمال أن يلد المال تتجمع المال في أيد قليلة ، وتحرم منها الكثرة الكثيرة ، واقع الأرض الآن عشرة بالمئة من سكان الأرض يملكون تسعين بالمئة من ثرواتها ، تفاوت في الدخل بين دول الشمال وبين دول الجنوب ، وبين الغرب والشرق تفاوتاً غير معقول ، هذا التفاوت وراء الحروب ، والاحتيال الدولي ، والقهر ، والتجارة البيضاء ، تجارة الإماء ، كل ما يعانيه البشر الآن بسبب هذا التفاوت في الدخل الكبير ، لذلك الربا توعد الله عليه مرتكبه بالحرب .

     أيها الإخوة ، لو سألتني عن قاعدة تنتظم كل الدخول المحرمة ، وعن قاعدة تنتظم كل الدخول المباحة هي قاعدة واحدة : الحرام كله يجمعه أن منفعة بنيت على مضرة ، والحلال كله يجمعه أن منفعة متبادلة بين جهتين ، هذا هو الحلال ، فالذي يضارب بمال الناس الذي أعطاه المال لا يحسن استثماره ، قد يكون متقدمًا في السن ، أو إنسانًا متقاعدًا ، أو طفلا ورث عن أبويه ، قد تكون أرملة ، ويأتي شاب لا يملك المال ، لكن يملك الخبرة ، كلاهما يتعاونان ، ويكسبان المال ، فلذلك :

     أيها الإخوة ، مبادئ الحلال والحرام أساسها الحلال منفعة مشتركة ، والحرام منفعة بنيت على مضرة ، لذلك قضية الربا قضية تهدم الأمة بأكملها ، حينما ترى أن القوة الشرائية للمال لا تكفي لحياة كريمة ، الرشوة ، والسرقة ، والاحتيال ، والخداع ، أنواع كسب المال الحرام لا تعد ولا تحصى بسبب الحاجة إلى المال .

     هناك نقطتان أتمنى أن تكونا واضحتين لديكم .

     عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ ، وَفَسَادٌ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ؟ قَالَ : إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ ، وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ )) .

(سنن الترمذي)

   حينما أضع عقبات كبيرة أمام الشباب للزواج هل تلغى العلاقة بالأنثى ؟ لا ، بل تأخذ شكلاً حراماً بقدر العقبات التي توضع أمام الشباب بقدر بيوت الدعارة التي تفتح في مدينة ما ، لذلك

(سورة الأنفال)

     القاعدة نفسها : إن لم يكن هناك دخل حلال وفق منهج الله ، دخل كريم ، دخل يكفي الإنسان ، يحقق كرامته ، سيكون هناك دخول لا تعد ولا تحصى ، كلها من طرق غير مشروعة ، والإنسان حينما يأكل المال الحرام يقطع عن الواحد الديان .

     يا أيها الإخوة الكرام ، قضية الربا قضية خطيرة جداً ، المشكلة أن هذا الذي يأكل الربا المضارب وهو الطريق المشروع مساهم مع الزهد في الربح والخسارة ، ليس صاحب المال عبئاً على المضارب ، لكنها معاوناً له ، بينما المرابي هو عبء عليه ، ماله مضمون ، والربح مضمون ، لو توسعنا قليلاً كل شيء يؤمن عليه الآن .

    أبلغني أحدهم بالهاتف من بعض الدول أنك يمكن أن تؤمن على زبائنك ، باع بمئة مليون لمئة زبون ، فأي إنسان لم يدفع لك تأخذ المبلغ كامل من الجهة التي أمنت عندها ، الإنسان كلما كان ربحه ثابتاً ، ولا يوجد عنده خطر ، الأخطار كلها مغطاة ، ليس بحاجة إلى الله أبداً ، عندئذ ينطبق عليه قول الله عز وجل :

(سورة العلق)

   انظر إلى التاجر : يقول : يا رب تجبر ، انظر إلى المزارع يقول : يا رب أغثنا ، التاجر والمزارع والصانع ما دام العمل شريفًا وشرعيًّا متعلق برحمة الله ، النظم الأرضية تريد أن تقطعك عن الله كلياً ، أي خطر ، هذا المغني يخاف على حنجرته ، يؤمن عليها بمليون دولار لو راحت ، لذلك سمعت قصة وقعت : أكبر شركة تأمين في إحدى الدول العربية  لها مدير يتقاضى في الشهر الواحد ما يقترب من نصف مليون ليرة ! معه أعلى شهادة كان في مركبته مع زوجته ، واحترقت ، أقفلت الأبواب بعد احتراقها ! أخرجا من المركبة قطعتين من الفحم لكنه مؤمن ، وصاحب الشركة بعد شهر تحديداً دخل في شاحنة فقطع رأسه أيضاً أمن ، النظم الأرضية تريد أن تنسى حفظ الله ، ومعونته ، وتوفيق الله عز وجل ، كل شيء يؤمن عليه .

   والله أسمع ألوانًا من التأمين العقل لا يصدقها ، على كل شيء يؤمن ، أحدث صرعة في التأمين على الزبائن ، لك مبلغ ضخم في السوق ، أي : إنسان لم يدفع لك تتقاضاه ، لكنك تدفع مبلغاً كبيراً .

       أيها الإخوة ، المشكلة ليست في الإسلام ، لكنها في المسلمين ، لنا إخوان كثر في بلد غربي كلهم أطباء حوالي مئة طبيب ، هؤلاء لا يمكن أن يقر لهم قرار إلا إذا أمّنوا ضد الدعاوى التي تقام ضدهم لماذا ؟

       عندنا في الشرق الأوسط إذا أخطأ الطبيب نقول : سبحان الله ! قضاء وقدر ، وهذا فهم خاطئ للقضاء ، والقدر يكون طبيب إسعاف يجري حديث مع ممرضة يأتي مريض بحالة خطيرة جداً يهمله فيموت ، سبحان الله ! مات بأجله هذه اسمها زعبرة ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ تَطَبَّبَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ)) .

(النسائي)

    هناك ممكن أي مريض يقاضي الطبيب يدفعه ثمانين مليون دولار أحياناً ، فكل طبيب مضطر أن يؤمن ضد الدعاوى التي تقام ضده ، سألتهم : كم المبلغ ؟ حولته إلى السوري حوالي مليوني ليرة كل سنة ! حتى ينام مرتاحًا ، ولا يقلق ، يجب أن يؤمن ، فأمّنوا خلال سنوات طويلة المبالغ التي دفعت من قبل هؤلاء الأطباء المئة ، مبالغ فلكية كبيرة جداً ، قالوا : أخذوا قرارًا أن يجعلوه تأمينًا إسلاميًّا ، فجاءوا بصندوق ، ووضع كل واحد مليون ليرة هم مئة ، أول سنة مئة مليون ، لم يحدث شيء في السنة الثاني كذلك لم يصبهم شيء ، والثالثة والرابعة اشتروا مركزًا إسلاميًّا ومدرسة ، وأي إنسان تقام عليه دعوى من هؤلاء المئة يأخذ من الصندوق المبلغ الكامل هذا التأمين الإسلامي تأمين تعاوني ، المال لك .

      صدقوا أيها الإخوة ، ما من حاجة في المجتمع إلا وهي ومغطاة في الشرع ، لكن المسلمين مقصرون في تتبع أحكام دينهم .

      زرت بلدًا في شرق آسيا فوجئت أن سكان هذا البلد لا يزيدون على ثلاثة وعشرين مليونًا ، وكانوا في الغابات قبل ربع قرن ، وهم يصدرون للعالم كله كمًّا من التصدير يفوق صادارت العالم العربي بأكمله ، بما فيه النفط ، وعندهم فائض ستين مليار دولار ، تأمينهم إسلامي ، وبنوكهم إسلامية ، وبطاقاتهم الائتمانية إسلامية ، لا يوجد فوائد أبداً ، الاستثمار كله إما في الصناعة ، أو الزراعة ، أو التجارة ، وجاءهم من يتدخل في شؤونهم شخص كبير جداً في العالم الغربي ، فقيل له : ضع حذاءك في فمك ، ولا تنطق إلا بما يعنيك ، وطرد ! عندهم قوة اقتصادية كبيرة جداً ، لأنهم يطبقون شرع الله عز وجل .

      نحن بصراحة لا نفيق بديننا ، نرى أن هذا النظام الغربي لا بد منه ، لكنه قائم على الربا والتأمين ! وهما أبرز نقطتين في النظام الغربي .

      إخواننا الكرام ، الربا يسبب البطالة ، ويرفع الأسعار ، وحينما ترتفع الأسعار الشريحة المنتفعة من أي سلعة تضيق ؟ في كل شيء ، ولا إنسان معه ثمن هذه الأشياء ، ببعض أزمات أوروبة الطاحنة يروي الدكاترة في الجامعة طرفة : أن أحد عمال المناجم سرّح من عمله فلم يستطع أن يشتري فحماً يتدفأ به هو وأسرته ، فلما سأله ابنه : لماذا ليس عندنا فحم ؟ قال : لأن الفحم كثير جداً ، وكاسد لا يباع ! فقد تجد كل شيء في البلد ، لكن لا يوجد قوة شرائية ، فالإنسان ينظر للواجهات ليس معه ثمن البضاعة ، هذه تحدث أزمة ؟ لذلك لما جمع أحد رؤساء الجمهوريات الفرنسيين كبار العلماء في منتجع ، وطلب منهم أن يعطوه تفسيرًا لأعمال العنف التي تجري في العالم قال : بسبب مجتمع الاستهلاك.

      عندنا منذ زمن كل عشر سنوات يشنق رجل في المرجة ، تزحف الشام كلها لتراه ، أقل خبر عشرون أو  خمسون ، كل يوم القصف والقتل ، يوجد في العالم أعمال عنف تفوق حد الخيال ، فهذا رئيس جمهورية فرنسا جمع علماء اجتماع وعلماء نفس واقتصاد في منتجع وطلب منهم الإجابة عن سؤال واحد : لماذا العنف في هذا العصر ؟ فالجواب كان مجتمع الاستهلاك .

   دائماً تعرض عليك بضائع جميلة جداً ورائعة ، وجذابة ، وبأسلوب مغرٍ ، على طول البناء سيارة تلمع ، شيء فخم جداً ، أنت ما معك ثمن دراجة ، هذا التأمل الزائد بهذه البضاعة الجميلة ، ولا تملك ثمنها ينشأ عندك حالة نفسية ، إما الإحساس بالحرمان الدائم ، أو تمد يدك إلى الحرام ، وعندئذ سقطت من عين الله ، أو أن تعمل عملين ، تلغي وقت الفراغ ، وإذا ألغيت وقت الفراغ ألغيت أنت ، يخرج قبل أن يستيقظ الأولاد ، ويأتي بعد أن يناموا ، لم يعد أبًا ، انتهت أبوته ، وانتهى كزوج ، يعمل ثمانية عشرة ساعة حتى يأتي بهذه السلع التي تعرض في واجهات المحلات والإعلانات ، فمجتمع الاستهلاك في عمل مضاعف يلغي وقت الفراغ ، والإنسان الذي يلغي وقت فراغه ليس إنساناً ، يعيش إحساسًا بالحرمان دائمًا ومد يدًا إلى الحرام ، يبدو أن البند الثالث الآن هو المسيطر ، أساليب كسب المال الحرام لا تعد ولا تحصى ، احتيال ، وكذب ، وتزوير ، وتدليس ، وكل ما يخطر في بالك موجود ، لذلك القضية المالية بالمجتمع قضية خطيرة جداً ، حينما تسلك منهج الله في كسب المال ، وإنفاق المال ، فالمال يوزع على أكبر شريحة ، أصل تصميم المال عند الله .

(سورة الحشر)

المال عند الله يجب أن يكون متداولاً بين كل شرائح المجتمع ، فإذا كان متداولا فنحن بخير ، وإذا كان مجموعًا بأيدي قليلة ، والكثرة الكثيرة محرومة منه فنحن لسنا بخير ، ويوجد أمراض خطيرة تظهر في المجتمع ، قد تكون أمراضًا نفسية ، عندما لا يتمكن الأب من حاجات أولاده  ينسلخ الأولاد عن أبيهم ، يلتصقون بأصدقائهم الأغنياء ، ومع الغنى الفسق والفجور ، الأب أحياناً يفقد سيطرته على أولاده إذا لم يتمكن من تلبية حاجاتهم ، والأبناء إذا ما رأوا في البيت حاجاتهم ينفرون من البيت ، فتنشأ مشكلات اجتماعية كبيرة .

     والله أيها الإخوة ، أحياناً يخطر في بالي أن هذا الذي يرفع الأسعار من دون أن يشعر بخطر ارتفاعها ، ماذا يفعل ؟ يصيب آلاف الأشخاص بأمراض نفسية ، أحياناً أمراض انفصام الشخصية سببها تفاوت طبقي ، فكل إنسان يسهم في تخفيض سبل مستوى المعيشة هذا له أجر كبير عند الله ، لذلك النظام الاقتصادي في الإسلام نظام فيه عدل ، ويؤمن بأن يوزع المال بين كل شرائع المجتمع ، لذلك :

(سورة البقرة)

      إخواننا الكرام ، لو نظرت للأحكام الشرعية لوجدت تسعين بالمئة منها متعلقًا بالمال والنساء ، وهما ثغرتان كبيرتان ، أي فضيحة في الأرض هي مالية أو جنسية ‍!

والحمد لله رب العالمين .

***

Copyright © 2007 Nabulsi